قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الحادي و التسعون في معرفة الورع و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
ورع الطريقة في اجتناب محارم مهما أتتك و ما له وجهان‏
فإذا أتاك مخلصا لجلاله و تركته ورعا فمن نقصان‏
لما جهلت الأمر قلت بعكسه و تبين النقصان في الايمان‏

الورع الاجتناب و هو في الشرع اجتناب الحرام و الشبه لا اجتناب الحلال‏ قال ص دع ما يريبك إلى ما لا يريبك‏ في هذا الباب و هذا عين ما قلناه و هذا الحديث من جوامع الكلم و فصل الخطاب و قال بعضهم ما رأيت أسهل علي من الورع كل ما حاك له شي‏ء في نفسي تركته عملا بهذا الحديث‏ فأما الحرام النص فمأمور باجتنابه لأنه ممنوع تناوله في حق من منع منه لا في عين الممنوع فإن ذلك الممنوع بعينه قد أبيح لغيره لكون ذلك الغير على صفة ليست فيمن منع منه أباحته له تلك الصفة بإباحة الشارع فلهذا قلنا لا في عين الممنوع فإنه ما حرم شي‏ء لعينه جملة واحدة و لهذا قال تعالى إِلَّا ما اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ فعلمنا أن الحكم بالمنع و غيره مبناه على حال المكلف و في مواضع على اسم الممنوع فإن تغير الاسم لتغير قام بالمحرم تغير الحكم على المكلف في تناوله إما بجهة الإباحة أو الوجوب و كذلك إن تغير حال المكلف الذي خوطب بالمنع من ذلك الشي‏ء و اجتنابه لأجل تلك الحال فإنه يرتفع عنه هذا الحكم و لا بد و إذا كان الأمر على هذا الحد فما ثم عين محرمة لعينها و أما اجتناب الشبهة فالشبهة هي التي لها وجه إلى الحرام و وجه إلى الحل على السواء من غير تغليب فليس اجتنابها بأولى من تناولها و لا تناولها بأولى من اجتنابها فالورع يترك تناولها ترجيحا لجانب الحرمة في ذلك و غير الورع لا يترك ذلك فبينهما هذا القدر و أما ترك ما لا شبهة فيه فذلك الحلال المحض فإن تركه أعني ترك الفضل منه لأنه لا يصح إلا ترك الفضل منه فذلك الترك زهد لا ورع فإن الزهد في الحرام و الشبهة ورع و الترك في الحلال الفاضل زهد و أما غير الفاضل و هو الذي تدعو إليه الحاجة فالزهد فيه معصية و ما بقي إلا توقيت الحاجة إلى ذلك و ما حد الفاضل منه الذي يصح فيه الزهد فنذكر ذلك في باب الزهد إن شاء الله‏ و الورع من المقامات المشروطة و يستصحب العبد ما دام مكلفا و لا يتعين استعماله إلا عند وجود شرطه و هو عام في جميع تصرفات المكلف ما هو مخصوص بشي‏ء من أعماله دون شي‏ء بل له السريان في جميع الأعضاء المكلفة في حركاتها و سكونها و ما ينسب إليها من عمل و ترك‏ و قد قيل إن للورع حكما في الأسرار و الأرواح و ليس ذلك بصحيح في الورع المشروع فإن الشبهة في المعاني و المعارف و الأسرار مستحيلة عند العارفين و إنما تكون الشبهات في العلوم النظرية الحاصلة بالأدلة العقلية فأولئك يجب عليهم الورع في النظر الفكري حتى يخلصوه من النظر المحرم كالنظر في الذات الإلهية و يخلصوه من الشبهة كالنظر لله أو للسمعة فيخفي على بعض‏النفوس ذلك لشرف العلم فيتخيل أنه يطلبه لله و هو يطلبه للدنيا أو لغير الله فيجتنب نية ذلك الطلب لا يجتنب العلم فإن طلب العلم ليس بمحرم عليه فمتعلق التحريم تلك النية الفاسدة و هنا نظر هل تقدح تلك النية في فضل طلب العلم أو يبقى طلب العلم على فضله يعطي حقيقة سعادته في الآخرة و تكون العقوبة على مجرد النية في ذلك و هو الذي نعتمد عليه في باب تحقيق الموازنة الإلهية فمن قال الكون كله شبهة و به نقول فليس ذلك كما يتوهمه السامع و إنما الصورة الرحمانية أدتنا إلى هذا القول و مثل ذلك لا يتورع فيه و لا يجتنب فإنك لا تعرف منه إلا أنت فإن انتقلت عنك فقد جهلت ذاتك و من أوجدك فإنه‏ قال من عرف نفسه عرف ربه‏ فالورع في هذه الشبهة محال بل ينبغي أن تتناول من حيث إنها شبهة فذلك محلها الذي يحلها فإنها لا تخلص لأحد الطرفين أبدا و هذا بحر هلك فيه أكثر العقول و أكثر العارفين إلا من رحم الله و ركب سفينة نوح نجاته‏ و الجامع لباب الورع أن تجتنب في ظاهرك و باطنك و جميع أعمال أعضائك المكلفة كل عمل و ترك لا يكون لله على الحد المشروع فيه المخلص له الذي لا شبهة تضره و لا تقدح فيه فهذا اللام الذي في لله هي الرابطة لهذا الباب و كل مقام في طريق الله تعالى فهو مكتسب ثابت و كل حال فهو موهوب غير مكتسب غير ثابت إنما هو مثل بارق برق فإذا برق إما يزول لنقيضه و إما أن تتوالى أمثاله فإن توالت أمثاله فصاحبه خاسر و كل مقام فأما إلهي أو رباني أو رحماني غير هذه الثلاث الحضرات لا يكون و هي تعم جميع الحضرات و عليها يدور الوجود و بها تنزلت الكتب و إليها ترتقي المعارج و المهيمن عليها ثلاثة أسماء إلهية الله و الرب و الرحمن من حكم اسم ما من الأسماء الإلهية ينعت به في ذلك الوقت أحد هذه الأسماء الثلاثة و يكون حكمه بحسب مقام هذا العبد المحكوم عليه المؤثر فيه من حيث ما هو مسلم أو مؤمن أو محسن و آثاره في عالم ملك العبد أو في عالم جبروته أو في عالم ملكوته و عمله فيه إما بحكم الإطلاق و هو العمل الذاتي و إما بحكم التقييد و هو عمل الصفة و حكمه بعمل الصفة إما بصفة تنزيه و سلب و إما بصفة فعل هذا هو الضابط للمقامات و أحوالها سواء عرفه السالك أو لم يعرفه فإنه لا يخلو من هذه الأحكام كل كون لكنه لا يعرف ذلك كل أحد فأقول إن الورع له مقام و لمقامه حال و هو مشروط كما ذكرنا و ينتهي بانتهاء التكليف فأما مقام الورع فهو التقييد بصفة التنزيه لأن حقيقته الاجتناب و هو إلا هي و صاحبه مجهول لا يعرف و حاله أن يكون صاحب علامة في نفسه أو في المتورع فيه و الاسم الله ينظر إليه دائما فينظر إليه في عالم ملكه من حيث ما هو مسلم فيؤثر في أفعاله و كلما ظهر على جوارحه فيجتنب كل ما يقدح في حصول هذا المقام و ينظر إليه في عالم جبروته من حيث ما هو مؤمن فيؤثر فيه فلا تكذب له رؤيا جملة واحدة و يجتنب في خياله كما يجتنب في ظاهره لأن الخيال تابع للحس و لهذا إذا احتلم المريد برؤيا عاقبه شيخه أ لا ترى أنه ما احتلم نبي قط و لا ينبغي له ذلك و لا العارفون بالله ذوقا فإن الاحتلام برؤيا في النوم أو في التصور في اليقظة فإنما هو من بقية طبيعية في خياله و هو كذب فإنه يظن أنه في الحس الظاهر و قد قلنا إن الورع يجتنب الكذب فلو اجتنبه في الحس لأثر في خياله فإذا رأيتم صاحب مقام الورع يغتسل من نوم فذلك لماء خرج منه و هو نائم لضعف الأعضاء الباطنة و هو مرض طرأ في مزاجه لا عن رؤيا أصلا لا في حلال و لا في حرام و أما إذا نظر إليه في عالم ملكوته فأثره فيه اجتناب التأويل فيما يرد عليه من المخاطبات الإلهية و التجلي الإلهي إذا كان كل ذلك في السور فلا يعبر ما رآه و لا يتأول ما خوطب به فإنه كله إلهي و كل إلهي مجهول كما أن الورعين مجهولون لأنه اجتناب و ترك و لا يتميز الأمر من خارج إلا بالفعل فإن نطق الورع بما ينبغي أن يجتنب ذلك الأمر و لأجله اجتنبه فقد أخل بمقام الورع فإن مقامه أن يكون مجهولا و قد عرف بأنه ورع فزال عنه حكم مقامه بل ما كان قط في مقام الورع و ورعه في اجتنابه معلول فلا يسلم له‏ و أما الرباني و الرحماني فعلى هذا المجرى سواء فخذه و اعمل عليه ترى عجبا فقل أن تجده في غير هذا الكتاب فإن أكثر الناس بل ربما كلهم ما أبانوا عن هذه المقامات و الأحوال بما يعطيه تفصيل الوجود و إن كانوا يعرفونها فإنهم اتكلوا في ذلك على أن السالك إذا دخل و صدق في التوجه أبينت له الأمور على ما هي عليه فيعرف حاله‏