و على غير الخصاصة و الصدقة و الصلة و الهدية و الهبة و طلب العوض و تركه)
(فصل الجود) عن الجود صدر الوجود و الجود بفتح الجيم المطر الكثير و هو مقلوب وجد مثل جذب و جبذ فحروفهما واحدة بالاشتراك في المعنى فمتعلق الجود من الحق في الأعيان التي هي المظاهر ظهوره فيها و متعلق الجود من المظاهر على الظاهر ما جادت به عليه باستعدادها الذاتي من الثناء بالأسماء الإلهية التي كسبه جودها من وجودها فالجود من الحق امتنان ذاتي و الجود من الأعيان ذاتي لا امتناني فهذا الفرق بين الجودين و هذا معنى قولهم في الجود إنه العطاء قبل السؤال
(فصل) الكرم و أما عطاء الكرم فهو العطاء بعد السؤال و هو على نوعين سؤال بالحال و سؤال بالمقال فسؤال الحال عن كشف من الطرفين و سؤال المقال من العبد معلوم يا رب يا رب أعطني اغْفِرْ لِي ارحمني اهدني ارزقني اجبرني عافني اعف عني لا تُخْزِنِي لا تَفْتِنِّي و أمثال ذلك و سؤال الحق ادْعُونِي أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ فَلا تَكُونَنَّ من الْجاهِلِينَ و كل طلب تصور من الحق يطلبه من عباده و هي الفرائض كلها فمن الكرم تؤدي الفرائض و من الجود تكون النوافل إلا لمثل رسول الله ص فإنها من الجود فهي تلحق بالفرائض و كون ذلك نافلة أخبار صادق قال تعالى وَ من اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
(فصل) السخاء ورد في حديث أبي بكر النقاش في مواقف القيامة اسم السخي على الله و هو مذكور في هذا الكتاب في باب الجنة منه و أما عطاء السخاء فهو العطاء على قدر الحاجة و ذلك عطاء الحكمة فهو من اسمه الحكيم فسخاء الحق قول موسى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ و لَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ و ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و أما سخاء العبد فإعطاؤه كل ذي حق حقه و إنصافه فلنفسه عليه حق و لأهله عليه حق و لعينه عليه حق و لزوره عليه حق
(فصل) الإيثار أما الإيثار فليس للحق منه صفة إلا بوجه بعيد في ذكره سوء أدب بل ما هو حقيقة فتركه أولى و ما ذهب إليه إلا من لا علم له و لا أدب من أهل الشطح فلنقل إن الإيثار قد يكون عطاء محتاج لمحتاج و قد يكون على الخصاصة و مع الخصاصة أو توهم الخصاصة و أما في جانب الحق فهو إعطاؤه الجوهر الوجود لخلق عرض من الأعراض لتعقل الإرادة بإيجاده لا بإيجاد المحل فيوجد المحل تبعا ضرورة إذ من شرط وجود العرض وجود المحل و الجوهر محتاج فيا أعطاه الحق من خلق العرض فيه إذ لا يكون له وجود إلا بوجود عرض ما و سواء كان الجوهر متحيزا أو غير متحيز و مؤلفا مع غيره أو غير مؤلف فهذا عطاء على خصاصة مع خصاصة و أما على غير الخصاصة فهو اتصاف العبد في التخلق بالأسماء الإلهية و اتصاف الحق في نزوله بأوصاف المحدثات و هذا كله واقع قد ظهر حكمه في الوجود و تبين
(فصل) الصدقة فقد ذكرنا ذلك في باب الزكاة و هي هاهنا تصدق الحق على العبد بإبقاء عينه في الوجود و بإيجاده أولا مع علمه بأنه إذا أوجده يدعي الألوهية و يقول أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى و لا بد من إيجاده لما سبق في العلم و الصدقة من العبد على الحق فإن العبد يجد في نفسه عزة الصورة و مع هذا يقر بالعبودة لعزة الله و أيضا هي ما يظهر من المحامد المحدثة التي لا تصح لله إلا بعد وجود المحدث و هو كل ما سوى الله و إنما سميت صدقة لأن العبد المختار في محامد الله في نفسه فإنه قال تعالى في حقه لما بين له السبيل إلى سعادته إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً فإنه ذو اختيار في أفعاله و لهذا يصح منه القبول و الرد و يعاقب و يثاب و على هذا قام أصل الجزاء من الله تعالى لعباده
(فصل) عطاء الصلة و أما عطاء الصلة فهي لذوي الأرحام حقا و خلقا يقول تعالى الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله و من قطعها قطعه الله فنسبتها للحق نسبتها للعبد فالرحمن رحم لنا و نحن رحم للرحمن
(فصل) عطاء الهدية و هو عطاء عن بيان و لهذا اشتركت في حروف الهدى لأنه بالهدى أهدى فهدية الحق للعبد نفسه و هدية العبد للحق رد تلك النفس إليه بخلعة تكسبه محبة ربه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله
(فصل) عطاء الهبة و هو من الحق إعطاء لينعم لا يقترن معه طلب جزاء و من العبد عمله لحق الربوبية لا للجزاء
(فصل) و أما طلب العوض و تركه فمن الحق قوله ص حبوا الله لما يغذوكم به من نعمه و أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ و من العبد هو ما يطلبه من الجزاء على عمله الذي وعده الله به إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله
(فصل) و أما ترك طلب العوض فمن الحق أنه العامل و لا يتصور من المالك إذا كان هو العامل أن يطلب ما هو عنده فإن الحاصل لا يبتغى و من العبد فإنه لا يرى نفسه عاملا فما فعل شيئا يطلب بذلك الفعل عوضا من الله حيث أعطاه من نفسه فهذه فصول محققة نبهناك بها على ما هو الأمر عليه و تفصيلاتها تبدو لك مع الآنات في نفس سلوكك و هذا كله مقام إلهي في المحسنين خاصة و صاحبه مجهول لا يعرف و نكرة لا تتعرف ثم إن هذا العطاء لا بد أن يكون مطلقا أو مقيدا فمن أعطى بيد حق أطلقه فيعم عطاؤه جميع عباد الله لا يخصص عينا من عين مما يصلح لذلك المعطي مثل ذلك إن كانت الأعطية من النقود فلا يعطيها إلا من له التصرف فيها و هو الإنسان و لا يشترط فيه صغيرا و لا كبيرا و لا ذكرا و لا أنثى و لا غنيا و لا فقيرا و لا مؤمنا و لا كافرا و لا عاقلا و لا مجنونا بل هو في ذلك العطاء كمطلق الرزق على كل حيوان و كذلك إن كان مما يلبس مثل النقود سواء يعطيه لأهله و أما إن كان مأكولا فيعطيه لكل متغذ يأكل ذلك الصنف من الغذاء من حيوان أو إنسان و ليس له اختيار و لا تمييز بل هو مع أول من يلقاه فإن رده عليه حينئذ أعطاه الثاني و هكذا حتى يجد من يأخذه منه و هذا لا يكون إلا للربانيين من الاسم الرب و الرحمانيين من الاسم الرحمن و ليس للالهيين مدخل في العطاء المطلق و أثر هذا العطاء ظاهر في كل موجود لا أحاشي أعني من الأصناف لا في آحاد أشخاص الموجودات و هذا عطاء المحسن لا المؤمن و لا المسلم و أما إن كان العطاء مقيدا فهو بحسب ما تقيد به فحكم ذلك راجع إلى حكم الشرع فيه فيعمل الأولى فالأولى و يبتدئ بالذي أمره الشارع أن يبتدئ به و يبحث عنه حتى يجده و لا يعطي على هذا الحد إلا الإلهي من الاسم الله المؤمن المحسن المسلم و أثر هذا العطاء أيضا عام