قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السادس و التسعون في الصمت و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الله قال على لسان عبيده فالصمت في الأكوان نعت لازم‏
ما ثم إلا من يكلم نفسه فهو السميع كلامه و العالم‏
و هو الوجود فليس إلا عينه هذا هو الحق الصريح الحاكم‏

اعلم وفقك الله أن الصمت أحد الأربعة الأركان التي بها يكون الرجال و النساء أبدا لا قيل لبعضهم كم الأبدال قال أربعون نفسا قيل له لم لم تقل رجلا قال قد يكون فيهم النساء كما قال ص في الكمال فذكر أنه يكون أيضا في النساء و عين منهن مريم ابنة عمران و آسية امرأة فرعون‏ و له حال و مقام فأما مقامه فهو إنه لا يرى متكلما إلا من خلق الكلام في عباده و هو الله تعالى خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فالعبد صامت بذاته متكلم بالعرض و أما حاله فهو أن يرى أن الله و إن خلق الكلام فيه فالعبد هو المتكلم فيه كما هو المتحرك بخلق الحركة فيه و لا يصح أن يصمت مطلقا أصلا فإنه مأمور بذكر الله تعالى في أحوال مخصوصة أمر وجوب فهو مقام مقيد بصفة تنزيه لأنه وصف سلبي و حكمه في ظاهر الإنسان و أما باطنه فلا يصح فيه صمت فإنه كله ناطق بتسبيح الله فالصمت محال و إنما الكلام على الصمت المعلوم بالعرف و من تخلل صمته كلام في غير فرض و لا ذكر لله فما صمت‏ فالصامت هنا هو الذي يقيم نشأة مصمتة الأجزاء لا يتخللها حين فارغ مقدر حينئذ يكون صامتا و إذا أراد الإنسان أن يختبر نفسه هل هو ممن صمت كما ينبغي فلينظر هل له فعل بالهمة المجردة فيما من شأنه أن لا يفعل إلا بالكلام أم لا فإن أثر و حصل المقصود فهو صامت حقيقة مثل أن يريد أن يقول لخادمه اسقني ماء و أتني بطعام أو سر إلى فلان فقل له كذا و كذا و لا يشير إلى الخادم بشي‏ء من هذا كله فيجد الخادم في نفسه ذلك كله بأن يخلق الله في سمع الخادم عن ذلك يقول فلان قال لي افعل كذا و كذا يسمع ذلك حسا بإذنه و لكن‏يتخيل أنه صوت ذلك الصامت و ليس كذلك فمن ليست له هذه الحالة فلا يدعي أنه صامت‏ و أما الصامت المتكلم بالإشارة فهو يتعب نفسه و غيره و لا ينتج له شيئا بل هو ممن يتشبه بالأخرس الذي يتكلم بالإشارة فلا يعول عليه و هذا مما غلط فيه جماعة من أهل الطريق فمن نصح نفسه فقد أقمنا له ميزان هذا المقام الذي يزنه به حتى لا يتلبس عليه الأمر و هذا لا يكون إلا للالهيين المحسنين لا لغيرهم من المؤمنين و المسلمين الذين لم يحصل لهم مقام الإحسان

‏ (الباب السابع و التسعون في مقام الكلام و تفاصيله)

إن الكلام عبارات و ألفاظ و قد تنوب إشارات و إيماء
لو لا الكلام لكنا اليوم في عدم و لم تكن ثم أحكام و أنباء
و إنه نفس الرحمن عينه عقل صريح و في التشريع أنباء
فيه بدت صور الأشخاص بارزة معنى و حسا و ذاك البدو إنشاء
فانظر ترى الحكمة الغراء قائمة فيها لعين اللبيب القلب أشياء

الكلام صفة مؤثرة نفسية رحمانية مشتقة من الكلم و هو الجرح فلهذا قلنا مؤثرة كما أثر الكلم في جسم المجروح فأول كلام شق إسماع الممكنات كلمة كن فما ظهر العالم إلا عن صفة الكلام و هو توجه نفس الرحمن على عين من الأعيان ينفتح في ذلك النفس شخصية ذلك المقصود فيعبر عن ذلك الكون بالكلام و عن المتكون فيه بالنفس كما ينتهي النفس من المتنفس المريد إيجاد عين حرف فيخرج النفس المسمى صوتا ففي أي موضع انتهى أمد قصده ظهر عند ذلك عين الحرف المقصود إن كان عين الحرف خاصة هو المقصود فتظهر الهاء مثلا إلى الواو و ما بينهما من مخارج الحروف و هذه تسمى معارج التكوين فيها يعرج النفس الرحماني فأي عين عين من الأعيان الثابتة اتصفت بالوجود فلا بد لكل متكلم من أثر في نفس من كلمة غير إن المتكلم قد يكون إلهيا و ربانيا و رحمانيا فمن كونه ربانيا و رحمانيا لا يشترط في كلامه خلق عين ظاهرة سوى ما ظهر من صورة الكلام التي أنشأها عند التلفظ فإن أثرت نشأة كلامه نشأة أخرى و هو أن يقول لزيد قم فهذا المتكلم قد أنشأ نشأة قم فإن قام زيد لأمره فقد أنشأ هذا الآمر صورة القيام في زيد عن نشأة لفظة قم فهو إلهي لأن انشاء الأعيان إنما هو لله و هذا عام في جميع الخلق فإن لم يسمع منه و لا أثرت فيه نشأة أمره فهو قاصر الهمة و ليس بإلهي في هذه الحال و إنما هو رباني أو رحماني و لا يلزم للرباني و الرحماني سوى إقامة نشأة الكلام خاصة و الإلهي هو الذي ذكرناه‏ غير إن الإلهي على نوعين إلهي كما ذكرناه و إلهي يؤثر كلامه في الأشياء مطلقا من جماد و نبات و حيوان و كون أي كون كان علوا و سفلا فهذا هو الإلهي المطلوب في هذا الطريق و لا يصح وجوده عاما أبدا في هذه الدار بل محله الجنان فإنه لا أكبر من محمد ص و قد قال لمن حقت عليه كلمة العذاب قل لا إله إلا الله‏ فما ظهر عن نشأة أمره نشأة لا إله إلا الله في محل المأمور و إن كان على بصيرة فيه و لكنه مأمور أن يأمر و هو حريص على الأمة فالمأمور ما امتنع و إنما الممتنع لا إله إلا الله فإن هذا اللفظ هو المأمور أن يكون في هذا المحل فلم يكن فلو تكون في محل هذا الشخص لظهر عينه و أعطاه اسم الإسلام كما إن هذا الشخص لما قال له الحق كن و هو في العدم لم يتمكن له إلا أن يكون و لا بد فقد علمت من هو المأمور بالوجود في التحقيق و هو قول الله إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ أي إنك لا تقدر على من تريد أن تجعله محلا لظهور ما تريد إنشاءه فيه أن يكون محلا لوجود إنشائك فيه فليس كل متكلم في الدنيا بإلهي مطلق لكن له الإطلاق فيما يريد أن ينشئه في نفسه لا في غيره فاعلم سر هذا و اعلم هل أنت متكلم أو لافظ