قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثالث و السبعون في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند ال (بخش ۲)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(وصل من هذا الباب)

اعلم أن الدعاوي لما استطال لسانها في هذا الطريق من غير المحققين قديما و حديثا جرد الإمام صاحب الذوق التام محمد ابن علي الترمذي الحكيم مسائل تمحيص و اختبار و عددها مائة و خمسة و خمسون سؤالا لا يعرف الجواب عنها إلامن علمها ذوقا و شربا فإنها لا تنال بالنظر الفكري و لا بضرورات العقول فلم يبق إلا أن يكون حصولها عن تجل إلهي في حضرة غيبة بمظهر من المظاهر فوقتا يكون المظهر جسميا و وقتا يكون جسمانيا و وقتا جسديا و وقتا يكون المظهر روحيا و وقتا روحانيا و هذا الباب من هذا الكتاب مما يطلب إيضاح تلك المسائل و شرحها فجعلت هذا الباب مجلاها إن شاء الله تعالى فمن ذلك‏

(السؤال الأول) كم عدد منازل الأولياء الجواب اعلم أن منازل الأولياء على نوعين حسية و معنوية فمنازلهم الحسية في الجنان و إن كانت الجنة مائة درجة و منازلهم الحسية في الدنيا أحوالهم التي تنتج لهم خرق العوائد فمنهم من يتبرز فيها كالإبدال و أشباههم و منهم من تحصل له و لا يظهر عليه شي‏ء منها و هم الملامتية و أكابر العارفين و هي تزيد على مائة منزل و بضعة عشر منزلا و كل منزل يتضمن منازل كثيرة فهذه منازلهم الحسية في الدارين‏ و أما منازلهم المعنوية في المعارف فهي مائتا ألف منزل و ثمانية و أربعون ألف منزل محققة لم ينلها أحد من الأمم قبل هذه الأمة و هي من خصائص هذه الأمة و لها أذواق مختلفة لكل ذوق وصف خاص يعرفه من ذاقه و هذا العدد منحصر في أربعة مقامات مقام العلم اللدني و علم النور و علم الجمع و التفرقة و علم الكتابة الإلهية ثم بين هذه المقامات مقامات من جنسها تنتهي إلى بضع و مائة مقام كلها منازل للأولياء و يتفرع من كل مقام منازل كثيرة معلومة العدد يطول الكتاب بإيرادها و إذا ذكرت الأمهات عرف ذوق صاحبها فأما العلم اللدني فمتعلقه الإلهيات و ما يؤدي إلى تحصيلها من الرحمة الخاصة و أما علم النور فظهر سلطانه في الملإ الأعلى قبل وجود آدم بآلاف من السنين من أيام الرب و أما علم الجمع و التفرقة فهو البحر المحيط الذي اللوح المحفوظ جزء منه و منه يستفيد العقل الأول و جميع الملإ الأعلى منه يستمدون و ما ناله أحد من الأمم سوى أولياء هذه الأمة و تتنوع تجلياته في صدورهم على ستة آلاف نوع و مئين فمن الأولياء من حصل جميع هذه الأنواع كأبي يزيد البسطامي و سهل بن عبد الله و منهم من حصل بعضها و قد كان للأولياء في سائر الأمم من هذه العلوم نفثات روح في روع و ما كمل إلا لهذه الأمة تشريفا لهم و عناية بهم لمكانة نبيهم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و فيه من خفايا العلوم التي هي بمنزلة الأصول ثلاثة علوم علم يتعلق بالإلهيات و علم يتعلق بالأرواح العلوية و علم يتعلق بالمولدات الطبيعية فما يتعلق منه بالإلهيات على قدم واحدة لا يتغير و إن تغيرت تعلقاته و الذي يتعلق منه بالأرواح العلوية فيتنوع من غير استحالة و الذي يتعلق بالمولدات الطبيعية يتنوع و يستحيل باستحالاتها و هو المعبر عنه بأرذل العمر لِكَيْلا يَعْلَمَ من بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً فإن المواد التي حصل له منها هذا العلم استحالت فالتحق العلم بها بحكم التبعية و كما هي أصولها ثلاث علوم فالأولياء فيها على ثلاث طبقات الطبقة الوسطى منهم لهم مائة ألف منزل و ثلاثة و عشرون ألف منزل و ستمائة منزل و سبعة و ثمانون منزلا أمهات يحتوي كل منزل منها على منازل لا يتسع الوقت لحصرها لتداخل بعضها في بعضها و لا ينفع فيها إلا الذوق خاصة و ما بقي من الأعداد فمقسم بين الطبقتين و هما اللذان ظهرا برداء الكبرياء و إزار العظمة غير أن لهما من إزار العظمة مما يزيد على هذا الذي ذكرناه ألف منزل و بضعة و عشرون منزلا لهذه المنازل خصوص وصف لا يوجد في منازل رداء الكبرياء و ذلك أن رداء الكبرياء مظهره من الاسم الظاهر و الإزار مظهره من الاسم الباطن و الظاهر هو الأصل و الباطن نسبة حادثة و لحدوثها كانت لها هذه المنازل فإن الفروع محل الثمر فيوجد في الفرع ما لا يظهر في الأصل و هو الثمرة و إن كان مددهما من الأصل و هو الاسم الظاهر لكن الحكم يختلف فمعرفتنا بالرب تحدث عن معرفة بالنفس لأنها الدليل من عرف نفسه عرف ربه و إن كان وجود النفس فرعا عن وجود الرب فوجود الرب هو الأصل و وجود العبد فرع ففي مرتبة يتقدم فيكون له الاسم الأول و في مرتبة يتأخر فيكون له الاسم الآخر فيحكم له بالأصل من نسبة خاصة و يحكم له بالفرع من نسبة أخرى هذا يعطيه النظر العقلي‏ و أما ما تعطيه المعرفة الذوقية فهو أنه ظاهر من حيث ما هو باطن و باطن من عين ما هو ظاهر و أول من عين ما هو آخر و كذلك القول في الآخر و إزار من نفس ما هو رداء و رداء من نفس ما هو إزار لا يتصف أبدا بنسبتين مختلفتين كما يقرره و يعقله العقل من حيث ما هو ذو فكر و لهذا قال أبو سعيد الخراز و قد قيل له بم عرفت الله فقال بجمعه بين الضدين ثم تلا هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ‏فلو كان عنده هذا العلم من نسبتين مختلفتين ما صدق قوله بجمعه بين الضدين و لو كانت معقولية الأولية و الآخرية و الظاهرية و الباطنية في نسبتها إلى الحق معقولية نسبتها إلى الخلق لما كان ذلك مدحا في الجناب الإلهي و لا استعظم العارفون بحقائق الأسماء ورود هذه النسب بل يصل العبد إذا تحقق بالحق أن تنسب إليه الأضداد و غيرها من عين واحدة لا تختلف و إذا كان العبد يتصور في حقه وقوع هذا فالحق أجدر و أولى إذ هو المجهول الذات فمثل هذه المعرفة الإلهية لا تنال إلا من هذه المنازل التي وقع السؤال عنها و أما عدد الأولياء الذين لهم عدد المنازل فهم ثلاثمائة و ستة و خمسون نفسا و هم الذين على قلب آدم و نوح و إبراهيم و جبريل و ميكائيل و إسرافيل و هم ثلاثمائة و أربعون و سبعة و خمسة و ثلاثة و واحد فيكون المجموع ستة و خمسين و ثلاثمائة هذا هو عند أكثر الناس من أصحابنا و ذلك للحديث الوارد في ذلك و أما طريقتنا و ما يعطيه الكشف الذي لا مرية فيه فهو المجموع من الأولياء الذين ذكرنا أعدادهم في أول هذا الباب و مبلغ ذلك خمسمائة نفس و تسعة و ثمانون نفسا منهم واحد لا يكون في كل زمان و هو الختم المحمدي و ما بقي فهم في كل زمان لا ينقصون و لا يزيدون و أما الختم فهذا زمانه و قد رأيناه و عرفناه تمم الله سعادته علمته بفأس سنة خمس و تسعين و خمسمائة و المجمع عليه من أهل الطريق أنهم على ست طبقات أمهات أقطاب و أئمة و أوتاد و أبدال و نقباء و نجباء و أما الذين زادوا على هؤلاء في الكشف فطبقات الرجال عندهم الذي يحصرهم العدد و لا يخلو عنهم زمان خمس و ثلاثون طبقة لا غير و مرتبة الختمين و لكن لا يكونان في كل زمان فلهذا لم نلحقهما بالطبقات الثابتة في كل زمان‏

(السؤال الثاني) أين منازل أهل القربة الجواب بين الصديقية و نبوة الشرائع فلم تبلغ منزلة بنى التشريع من النبوة العامة و لا هو من الصديقين الذين هم أتباع الرسل لقول الرسل و هو مقام المقربين و تقريب الحق لهم على وجهين وجه اختصاص من غير تعمل كالقائم في آخر الزمان و أمثاله و وجه آخر من طريق التعمل كالخضر و أمثاله و المقام واحد و لكن الحصول فيه على ما ذكرناه و من ثم يتبين الرسول من النبي و يعم الجميع هذا المقام و هو مقام المقربين و الأفراد و في هذا المقام يلتحق البشر بالملإ الأعلى و يقع الاختصاص الإلهي فيما يكون من الحق لهؤلاء و أما المقام فداخل تحت الكسب و قد يحصل اختصاصا و لهذا يقال في الرسالة إنها اختصاص و هو الصحيح فإن العبد لا يكتسب ما يكون من الحق سبحانه فله التعمل في الوصول و ما له تعمل فيما يكون من الحق له عند الوصول و من هناك منبع العلم اللدني الذي قال الله فيه في حق عبده خضر آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً المعنى آتيناه رحمة علما من عندنا و علمناه من لدنا و هو من الأربعة المقامات الذي هو علم الكتابة الإلهية و علم الجمع و التفرقة و علم النور و العلم اللدني‏ و اعلم أن منزل أهل القربة يعطيهم اتصال حياتهم بالآخرة فلا يدركهم الصعق الذي يدرك الأرواح بل هم ممن استثنى الله تعالى في قوله وَ نُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله و هذا المنزل هو أخص المنازل عند الله و أعلاها و الناس فيه على طبقات ثلاث فمنهم من يحصله برمته و هم الرسل صلوات الله عليهم و هم فيه على درجات يفضل بعضهم بعضا و منهم من يحصل منه الدرجة الثانية و هم الأنبياء صلوات الله عليهم الذين لم يبعثوا بل تعبدوا بشريعة موقوفة عليهم فمن اتبعهم كان و من لم يتبعهم لم يوجب الله على أحد أتباعهم و هم فيها على درجات يفضل بعضهم بعضا و الطبقة الثالثة هي دونهما درج النبوة المطلقة التي لا يتخلل وحيها ملك و دون هؤلاء الطبقات هم الصديقون الذين يتبعون المرسلين و دون هؤلاء الصديقين الصديقون الذين يتبعون الأنبياء من غير أن يجب ذلك عليهم و دون هؤلاء الصديقين الذين يتبعون أهل الطبقة الثالثة و هم الذين انطلق عليهم اسم المقربين أعني أهل الطبقة الثالثة و لكل طبقة ذوق لا تعلمه الطبقة الأخرى و لهذا قال الخضر لموسى عليه السلام وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً و الخبر الذوق و هو علم حال و قال الخضر لموسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت و أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا (السؤال الثالث) فإن قيل إن الذين حازوا العساكر بأي شي‏ء حازوا فلنقل في الجواب نذكر أو لا ما معنى العساكر و ما معنى حيازتهم لهم ثم نبين بأي شي‏ء حازوا فإن هذا السائل إذا أرسل سؤاله من غير تقييد لفظي أو قرينة حال‏ينبغي للمجيب أن يجيب بالمعاني التي تدل عليها تلك الكلمة في اصطلاحهم فمهما أخل بشي‏ء منها فما و في الكلمة حقها فاعلم إن العساكر قد يطلقونها و يريدون بها شدائد الأعمال و العزائم و المجاهدات كما قال القائل‏ ظل في عسكرة من حبها أي في شدة و اعلم أن مبني هذا الطريق على التخلق بأسماء الله فحاز هؤلاء العساكر بالتخلق باسمه الملك فإن الملك هو الذي يوصف بأنه يجوز العساكر و الملك معناه أيضا الشديد فلا تحاز الشدائد و العزائم إلا بما هو أشد منها يقال ملكت العجين إذا شددت عجنه قال قيس بن الحطيم يصف طعنة ملكت بها كفي فأنهرت فتقها أي شددت بها كفي حين طعنته‏ فحازوا العساكر بالطريقين باسمه الملك فأما الشدائد التي حازوها في هذا الباب فهي البرازخ التي أوقفهم الحق في حضرة الأفعال من نسبتها إلى الله و نسبتها إلى أنفسهم فيلوح لهم ما لا يتمكن لهم معه أن ينسبوها إلى أنفسهم و يلوح لهم ما لا يتمكن لهم معه أن ينسبوها إلى الله فهم هالكون بين حقيقة و أدب و التخليص من هذا البرزخ من أشد ما يقاسيه العارفون فإن الذي ينزل عن هذا المقام يشاهد أحد الطرفين فيكون مستريحا لعدم المعارض‏ و اعلم أن صاحب هذا المقام هو الذي أعلمه الله بجنوده الذي لا يعلمها إلا هو قال تعالى وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ و قال وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فصاحب هذا المقام يعرفه جنود الله الذين لا حاكم عليهم في شغلهم إلا الله و لهذا نسبهم إليه فهم الغالبون الذين لا يغلبون فمنهم الريح العقيم و منهم الطير التي أرسلت على أصحاب الفيل و كل جند ليس لمخلوق فيه تصريف هم العساكر التي حازها صاحب هذا المقام علما و قال صلى الله عليه و سلم فيهم نصرت بالصبا قال نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر فإذا منح الله صاحب هذا المقام علم هؤلاء العساكر رمى بالحصى في وجوه الأعداء فانهزموا كما رمى رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة حنين فله الرمي و هم لا يكون منهم غلبة إلا بأمر الله و لهذا قال وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ فكل منصور بجند الله فهو دليل على عناية الله به و لا يكون منصورا بهم على الاختصاص إلا بتعريف إلهي فإن نصره الله من غير تعريف إلهي فليس هو من هذه الطبقة التي حازت العساكر فلا بد من اشتراط النصر حقا في ذلك القصد و صاحب هذا المقام يعين لأصحابه مصارع القوم كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة بدر فإنه ما من شخص من أجناد الله إلا و هو يعرف عين من سلط عليه و متى يسلط عليه و أين يسلط عليه فتتشخص الأجناد لصاحب هذا المقام في الأماكن التي هي مصارع القوم كل شخص على صورة المقتول و باسمه فيراه صاحب هذا المقام فيقول هذا هو مصرع فلان و هذا هو مقام الإمام الواحد من الإمامين و أقرب شي‏ء ينال به هذا المقام البغض في الله و الحب في الله فتكون همم هذه الطبقة و أنفاسهم من جملة العساكر التي حازوها بما ذكرناه و هو الموالاة في الله و العداوة في الله عن عزم و صدق مع كونهم لا يرون إلا الله فيجدون من الانضغاط و كظم الغيظ ما لا يعلمه إلا الله و العين تحرسهم في باطنهم هل ينظرون في ذلك أنه غير الله فإذا تحققوا ذلك حازوا عساكر الحق التي هي أسماؤه سبحانه إذ أسماؤه تعالى عساكره و هي التي يسلطها على من يشاء و يرحم بها من يشاء فمن حاز أسماء الله فقد حاز العساكر الإلهية و رئيس هؤلاء الأجناد الأسمائية كما قلنا الاسم الملك هو المهيمن عليها و من عداه فأمثال السدنة له و يكفي هذا القدر في الجواب عن هذا السؤال‏ (السؤال الرابع) فإن قال إلى أين منتهاهم‏ قلنا في الجواب لا شك و لا خفاء أن هذه الطبقة هم أصحاب عقد و عهد و هو قوله رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ من قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ من يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا فإذا حصلت هذه الطبقة فيما قلنا في غزوهم و سلكوا سبيل جهادهم كان منتهاهم إلى حل ما عقدوا عليه و نقض ما عسكروا إليه‏ و ذلك أن الأعيان التي عسكروا لها و عقدوا مع الله أن يبيدوها فلما توجهوا بعساكرهم التي أوردناها إليها كانت آثار تلك العساكر فيها إيجاد أعيانها و هو خلاف مقصود العارف بهذه العساكر إذ كان المقصود إذهاب أعيانها و إلحاقها بمن لا عين له و ما علم أن الحقائق لا تتبدل و أن آثار العساكر فيها الوجود إذ كان سبق العدم لها لعينها فلا تؤثر فيها هذه العساكر العدم لأن العدم لها من نفسها فلم يبق إلا الوجود فوقع غير مقصود العارف و علم عند ذلك العارف أن تلك الأعيان مظاهر الحق فكان منتهاهم إليه و بدأهم منه و ليس وراء الله مرمى فإن قلت فالذات الغنية عن العالمين‏وراء الله قلنا ليس الأمر كما زعمت بل الله وراء الذات و ليس وراء الله مرمى فإن الذات متقدمة على المرتبة في كل شي‏ء بما هي مرتبة لها فليس وراء الله مرمى‏ فحصلوا من العلم بالله ما لم يكن عندهم بالقصد الأول حين حازوا العساكر و كان الذي حجبهم ابتداء عن هذه المعرفة غيرتهم أن يشترك الحق مع كون من الأكوان في حال أو عين أو نسبة فلهذا كان مقصودهم أن يلحقوا الأعيان بمطلق العدم و هو المقام الذي تشير إليه الباطنية بقولها في جواب من يقول لها الله موجود فنقول ليس بمعدوم فإذا قلت لهم الله حي تقول ليس بميت فإن قيل لهم فالله قادر قالت ليس بعاجز فلا تجيب قط بلفظة تعطي الاشتراك في الثبوت فتجيب بالسلب و هذا كله من باب الغيرة و لا تقدر تنفي الأعيان فتستعين بهؤلاء العساكر على إعدام هذه الأعيان و زوال حكم الثبوت منها فتجد العساكر توجدها و تكسوها حلة الوجود فإذا رأت أنها مظاهر الحق رضيت بأن تبقيها أعيانا ثابتة و لا تراها موجودة و يكون عين شهودها ناظرة فيها إلى وجود الحق و أنه لا وجود اكتسبته من الحق بل حكمها مع الوجود حكمها و لا وجود و إن الذي ظهر ما هو غير هذا غايتها و هو قوله إِلى‏ رَبِّكَ مُنْتَهاها فكان منتهاها ربها فأما من كانت عساكره العزائم فمنتهاه إلى الرخص من طريقين الطريق الواحدة أحدية المحبة فيهما فيكون منتهاهم إلى شهودها و هو الذي‏ أشار إليه صلى الله عليه و سلم بقوله إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه‏ فينحل عقد الأخذ بالعزائم بهذه المشاهدة لكونه يفوته من العلم بالله على قدر ما فاته من الأخذ بالرخصة و الطريقة الأخرى تنتهي بهم إلى شهود كونه في العزائم هو عين كونه في الرخص و هم لا نسبة لهم في واحدة منهما فينحل ما عقدوا عليه انحلالا ذاتيا لا تعمل لهم فيه و من هذا المقام يقول بعضهم بتفضيل الرسل بعضهم على بعض على أنه في نفس الأمر كما ورد في الخطاب من قوله تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ فينتهي بهم هذا الأمر إلى حل عقد التفضيل بقوله لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رُسُلِهِ و من فضل فقد فرق فلو لا وحدانية الأمر ما كان عين الجمع عين الفرق كما أن السالك يمشي حنبليا أو حنفيا مقتصرا على مذهب بعينه يدين الله به لا يرى مخالفته فينتهي به هذا المشهد إلى أن يصبح يتعبد نفسه بجميع المذاهب من غير فرقان و من هنا يبطل النسخ عنده الذي هو رفع الحكم بعد ثبوته لا انقضاء مدته‏ فإلى ما ذكرناه منتهاهم على حسب ما أعطته عساكرهم فإن العساكر تختلف فإن جند الرياح ما هي جند الطير و جند الطير ما هو جند المعاني الحاصلة في نفوس الأعداء كالروع و الجبن فمنتهى كل عسكر إلى فعله الذي وجه إليه من حصار قلعة و ضرب مصاف أو غارة أو كبسة كل عسكر له خاصية في نفس الأمر لا يتعداه قال تعالى في الطير تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ و قال في الريح ما تَذَرُ من شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ و قال في الرعب وَ قَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ فانظر منتهى كل عسكر إلى ما أثر في نفس من عسكر إليه فالحق لا يتقيد إذ كان هو عين كل قيد فالناس بين محجوب و غير محجوب جعلنا الله ممن أشهد الحق في عين حجابه و في رفع حجابه و فيما كان له من راء حجابه‏

(السؤال الخامس) فإن قيل قد عرفنا أينية منازل أهل القربة و أينية منتهى العساكر و منتهى من حازها فأين مقام أهل المجالس و الحديث قلنا في الجواب أما أهل المجالس المحدثون فمجالسهم خلف الحجاب الأنزل الأقدس في النزول و لهم ست حضرات لهم في الحضرة الأولى ثمانية مجالس المجلس الثاني و السادس يسمى مجالس الراحات و هي من باب وفق الله بالعباد الذين لهم هذه الأحوال و مجلسان الأول الذي هو الرابع و الثامن فهما مجلسا الجمع بين العبد و الرب و مجلس الفصل بين العبد و الرب على مراتب أبينها و أما الأربعة مجالس التي بقيت فالحديث فيها على مراتب متعددة و كذلك الحضرة الثانية و الحضرة الرابعة فيها ثمانية مجالس على ما ذكرناه و أما في الحضرة السادسة فمجلسان و أما في الحضرة الثالثة فستة مجالس و أما في الحضرة الخامسة فاربعة مجالس و انتهت أمهات مجالس أهل الحديث مع الله من حيث هم محدثون لا من حيث لهم مجالس‏ و أما أهل المجالس لا من كونهم محدثين فهم أهل الشهود و هم على أربع مراتب في مجالسهم فالمحدثون جلوسهم من حيث هم من خلف ذلك الحجاب و أهل المجالس فمن حيث المراتب التي أعد لهم الحق فمنهم من أعد لهم منابر و منهم من أعد لهم أرائك و منهم من أعد لهم‏كراسي و منهم من أعد لهم درانك و الكل يشهدون جليسهم من غير حديث من الطرفين فلنذكر مجالس أهل الحديث و هي ثمانية و أربعون مجلسا و عند الترمذي الحكيم ستة و خمسون مجلسا لأن الترمذي يراعي من الإنسان حظ طبعه فيزيد اثني عشر مجلسا و هو الصحيح و من يقتصر منا في الإنسان على روحانيته من غير طبيعته فهي ستة و ثلاثون مجلسا فلهذا وقع الخلاف بيننا و بين العلماء من أهل هذه المجالس فمنا من اعتبر ذلك و منا من لم يعتبر و الأولى اعتبارها فأما مجالس الجمع بين العبد و الرب فاربعة مجالس يعلم فيما يحادثه به الحق فيها كيف يخاطب الخلق من أجل الله و كيف يثني على الحق تبارك و تعالى و يعلم معنى قوله بُورِكَ من في النَّارِ وَ من حَوْلَها و يحادثه فيها بمثل قوله كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلالًا طَيِّباً فيعرف من أين طيب له و بما طيب له و بما طاب له و يعلم الاسم الآخر ما نسبته إلى الحق و ما حظ العبد منه و يعلم ما يقول كلما ورد على ملأ أعلى من روح و بشر في السموات و الأرض و يعلم شهادة التوحيد بالنسبة إلى الله و بالنسبة إلى الملائكة و بالنسبة إلى العلماء من البشر الحاصلة لهم من باب الشهود لا من باب الفكر و يعلم منازل الرسل و من أين خصوا بما خصوا به و بما ذا يفضل بعضهم بعضا و بما ذا لا يفضل و من أي نسبة ينسبون إلى الله و أشياء غير هذا محصورة و أما مجالس الفصل فيحصل فيها ما يحصل في هذه المجالس من طريق أخرى و ذوق آخر غير أنه يختلف عليه الحال عند انتهاء المجالسة بمشاهدة أسماء إلهية لم يكن يعرفها قبل ذلك أو بمشاهدة أسماء إلهية من حيث أعيان أكوان خاصة أو بمشاهدة أعيان أكوان خاصة من غير ارتباط بأسماء إلهية و إن كانت في نفس الأمر مرتبطة بها و لكن يكون بينها و بين هذا العبد حجاب رقيق‏ و أما المجالس الأربعة التي بقيت ذات المراتب فسأذكر ما يكون فيها و في هذه الست الحضرات من الحديث في الفصل الثامن في سؤاله ما حديثهم و نجواهم و هذه المجالس أيضا توجد في الحضرة الثانية و الرابعة و أما الحضرة الثالثة فمجالسها ستة مجالس و أما الحضرة الخامسة ففيها أربعة مجالس و أما الحضرة السادسة ففيها مجلسان و هذه كلها مجالس أهل الحديث لا مجالس الشهود إلا عند بعض العارفين فإنه قد تكون مجالس شهود متخيل من خلف حجاب الخيال‏ و أما الاثنا عشر مجلسا الذي لهم على مذهب الترمذي كما قررنا و هي تمام الثمانية و الأربعين مجلسا فحديثهم فيها نذكره عند ذكر الستة و الثلاثين مجلسا في الفصل الثامن إن شاء الله فإن ذلك الفصل سورته‏

(السؤال السادس) فإن قلت كم عددهم‏ قلنا في الجواب عدد أهل بدر أهل الحديث منهم أربعون نفسا و ما بقي فلهم مجالس الشهود من غير حديث فإن الحديث للحضور مع المعنى الذي يعطيه الكلام لا مع المتكلم إلا أن يكون المتكلم بحيث يتخيله السامع فيجمع بين الحديث و الشهود و لكن ما هو الشهود المطلوب لأهل الأذواق فلا بد أن تكون أنت من حيث أنت للاستفادة عند الحديث و لكن يسمعه لا بعينك بل بظهوره فيك فمن كونك مظهر تسمع و من كونك عينا تكون مظهرا فافهم‏ و قد أشار لسان الخبر الصدق إلى هذا العدد بقوله من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه‏ أي كان من الحديث بالله عن الله و الصباح ظهور عين العبد مظهرا لا عينا و بطون عينه في مظهره كبطون الليل عند وجود الصباح و الأربعون إشارة إلى أعيان هؤلاء الأشخاص فهو عين ما قلنا إن أهل الحديث منهم أربعون نفسا فبقي أهل المجالس من غير حديث مائتين و ثلاثة و سبعين نفسا و هم تمام الثلاثمائة و الثلاثة عشر فجلوسهم جلوس مشاهدة للاستفادة من حيث إن أعيانهم مظهر لبصر الحق فيرونه به و هم غيب في ذلك المظهر و تكون استفادتهم من ذلك التجلي استفادة أصحاب الرصد فتعطيهم الأرصاد العلوم من غير حديث لكنه حديث معنوي بدلالات ظاهرة تقوم تلك الدلالات مقام الخطاب بالحروف و الإشارات في عالم الحروف و الإشارات فالغرض الحاصل من هذه المجالس سواء كانت مجالس شهود أو حديث حصول علو ينتقش في عين هذا المظهر من نظر أو سماع و هؤلاء هم المعتنى بهم من أهل الله‏

(السؤال السابع) فإن قلت بأي شي‏ء استوجبوا هذا على ربهم تبارك و تعالى‏ قلنا في الجواب الأدب الإلهي إنه لا يجب على الله شي‏ء بإيجاب موجب غير نفسه فإن أوجب هو على نفسه أمرا ما فهو الموجب و الوجوب و الموجب عليه‏ لا غيره و لكن إيجابه على نفسه لمن أوجب عليه مثل قوله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ يعني الرحمة الواسعة فأدخلها تحت التقييد بعد الإطلاق من أجل الوجوب و مثل قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنه الآية فهل هذا كله من حيث مظاهره أو هو وجوب ذاتي لمظاهره من حيث هي مظاهر لا من حيث الأعيان فإن كان للمظاهر فما أوجب على نفسه إلا لنفسه فلا يدخل تحت حد الواجب ما هو وجوب على هذه الصفة فإن الشي‏ء لا يذم نفسه و إن كان للاعيان القابلة أن تكون مظاهر كان وجوبه لغيره إذ الأعيان غيره و المظاهر هويته فقل بعد هذا البيان ما شئت في الجواب و يكون الجواب بحسب ما قيده الموجب فاستوجبوا ذلك على ربهم في موطن بكونهم يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ على مفهوم الزكاة لغة و شرعا وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فهؤلاء طائفة مخصوصة و هم أهل الكتاب فخرج من ليس بأهل الكتاب من هذا التقييد الوجوبي و بقي الحق عنده من كونه رحمانا على الإطلاق و استوجبت طائفة أخرى ذلك على ربها أَنَّهُ من عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ من بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فقيد بالجهالة فإن لم يجهل لم يدخل في هذا التقييد و بقيت الرحمة في حقه مطلقة ينتظرها من عين المنة التي منها كان وجوده أي منها كان مظهرا للحق لتتميز عينه في حال اتصافها بالعدم عن العدم المطلق الذي لا عين فيه أ لا ترى إبليس كيف قال لسهل في هذا الفصل يا سهل التقييد صفتك لا صفته فلم ينحجب بتقييد الجهالة و التقوى عما يستحقه من الإطلاق فلا وجوب عليه مطلقا أصلا فمهما رأيت الوجوب فاعلم إن التقييد يصحبه‏ و أما من رأى أنهم استوجبوا ذلك على ربهم من غير ما ذكره تعالى عن نفسه فقالوا ببذلهم مراكبهم في زمان الزيادة طلبا للمواصلة و إيثار الجناب الحق في زعمهم و إن كان في ذلك نقص فهو عين الكمال التام بهذه المراعاة فهذا عندي مثل ما قال الشاعر لعمر بن الخطاب حين حبسه‏

ما ذا تقول لأفراخ بذي مرححمر الحواصل لا ماء و لا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةفاغفر هداك مليك الناس يا عمر
ما آثروك بها إذ قدموك لهالا بل لأنفسهم قد كانت الأثر

فإن كانوا بذلوا مراكبهم عن طلب إلهي يقتضي ذلك وجوبا إلهيا كان مثل الأول فإنه لو لم يرد عنه تعالى الوجوب على نفسه لم نقل به فإنه سوء أدب من العبد أن يوجب على سيده‏ غير إن هنا لطيفة دقيقة لا يشعر بها كثير من العارفين بهذه المجالس و ذلك أنه كما نطلبه لوجود أعياننا يطلبنا لظهور مظاهره فلا مظهر له إلا نحن و لا ظهور لنا إلا به فيه عرفنا أنفسنا و عرفناه و بنا تحقق عين ما يستحقه الإله‏

فلولاه لما كناو لو لا نحن ما كانا
فإن قلنا بأنا هويكون الحق إيانا
فأبدانا و أخفاهو أبداه و أخفانا
فكان الحق أكواناو كنا نحن أعيانا
فيظهرنا لنظهرهسرارا ثم إعلانا

فلما وقفوا على هذه الحقائق من نفوسهم و نفوس الأعيان سواهم تميزوا على من سواهم بأن علموا منهم ما لم يعلموا من أنفسهم و اطلع الحق على قلوبهم فرأى ما تجلت به مما أعطتها العناية الإلهية و سابقة القدم الرباني استوجبوا على ربهم ما استوجبوه من أن يكونوا أهلا لهذه المجالس الثمانية و الأربعين‏

(السؤال الثامن) فإن قلت عن أهل هذه المجالس ما حديثهم و نجواهم‏ قلنا في الجواب بحسب الاسم الذي يقيمهم فلا يتعين علينا تعيينه و لكن الأصول الإلهية محفوظة و ذلك أن حديث أهل الحضرة الأولى في مجالستهم فيها و المجلس الأول الذي بين المثلين من اسمه الظاهر و المبدئ و الباعث و كل اسم يعطي البروز و وجود الأعيان تحادث الحق فيه بلسان حياة الأرواح و حياة إلهيا كل السفلية في البرازخ و عالم الحس و المحسوس و العقل و المعقول و بلسان من ضاع‏عن الطريق و انجبر إليه بعد ما انكسر خاطره و خاف الفوت و بلسان أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ أي بين أنه أعطى كل شي‏ء خلقه ففرق بين قوله وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ و قوله له بعينه فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا من حَوْلِكَ و قال لموسى و هارون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ليقابل به غلظة فرعون فينكسر لعدم المقاوم إذ لم يجد قوة تصادم غلظته فعاد أثرها عليه فأهلكته بالغرق فباللين هلك فرعون ف أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ في وقته فيحدث نشأة الإنسان مع الأنفاس و لا يشعر و هو قوله تعالى وَ نُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ يعني مع الأنفاس و في كل نفس له فينا إنشاء جديد بنشأة جديدة و من لا علم له بهذا فهو في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ لأن الحس يحجبه بالصورة التي لم يحس بتغييرها مع ثبوت عين القابل للتغيير مع الأنفاس و بلسان طلب الاستقامة في المزاج ليصح نظر العقل في فكره و مزاج الحواس فيما تنقل إليه و مزاج القوي الباطنة فيما تؤديه من الأمور للعقل فإنه إذا اختل المزاج ضعفت الإدراكات عن صحة النقل فنقلت بحسب ما له انتقلت فكانت الشبه و المغالط فعقل العقل للجهل علما فيصير العدم وجود أو بلسان إزاحة الأمور التي توجب عدم المواصلة و المراسلة ففي الحضرة الأولى أربعة مجالس مما تشاكل ما ذكرناه و مثلها في الثانية و الرابعة و أما في الحضرة الثالثة من هذه المجالس فثلاثة و في الخامسة اثنان و في السادسة واحدة على هذه المشاكلة لكن في كل حضرة فنون مختلفة و لكن لا تخرج عن هذا الأسلوب‏ و أما مجالس الراحات في الحضرة الأولى و الثانية و الرابعة هي ستة مجالس فيها أحاديث معنوية عن مشاهدة كما قيل‏

تكلم منا في الوجوه عيوننا فنحن سكوت و الهوى يتكلم‏

و كما قلنا في هذا الشكل‏

و الهوى بيننا يسوق حديثا طيبا مطربا بغير لسان‏

و هي المجالس التي بين الضدين يحصل منها علم للاعتماد و الكشف عن الساق و البرزخ الذي بين الضدين كالفاتر بين الحار و البارد و كالإسماع بين المخافتة و الجهر و كالتبسم بين الضحك و البكاء و كل ضدين بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فهو مجلس راحة و ليس بين النفي و الإثبات برزخ وجودي فصاحبه ينقطع في الحال لأحد الطرفين لأنه لا يجد حيث يستريح فالبرازخ مواطن الراحات أ لا ترى أن الله جعل النوم سباتا أي راحة لأنه بين الضدين الموت و الحياة فالنائم لا حي و لا ميت فأمثال هذه العلوم هي التي يقع بها الحديث لهم و نجواهم و في الحضرة الثالثة و الخامسة مجلس واحد في كل حضرة و الحضرة السادسة لا مجلس فيها من مجالس الراحة و أما مجالس الفصل بين العبد و الرب فقد ذكرنا من حديثه طرفا آنفا في السؤال الرابع من هذه السؤالات و أما لحضرة السادسة و الخامسة فليس فيهما من هذه المجالس مجلس البتة و أما مجالس الفصل الثاني بين العبد و الرب فهي ستة مجالس لا سابع لها في كل حضرة من الست مجالس واحد يفصل به بين العبد و الرب من حيث ما هو العبد عبد و من حيث ما هو الرب رب و مجالس الفصل الأول بين العبد و الرب من حيث ما هو عبد لهذا الرب و من حيث ما هو رب لهذا العبد فهو فصل في عين وصل و هذه المجالس الأخر فصل في فصول لا وصل فيها فيحصل له ما يشاء كل هذا الفن من العلم الإلهي إذ كنت لا تعلمه إلا من نفسك و لا تعلم نفسك إلا منه فهو يشبه الدور و لا دور بل هو علم محقق‏ و أما الاثنا عشر مجلسا التي يراها الترمذي الحكيم صاحب هذه السؤالات و بها تكمل الثمانية و الأربعون من المجالس فإن الأرواح العلوية لا تعلمها و ليس لها فيها قدم مع الله و هي مخصوصة بنا من أجل الدعوى فإذا تجسدت الأرواح العلوية تبعت الدعوى جسديتها فربما تدعى فإن ادعت ابتليت و في قصة آدم و الملائكة تحقيق ما ذكرناه فابتليت بالسجود جبرا لما أخذت من طهارتها الدعوى فكان ذلك للملائكة كالسهو في الصلاة للمصلي فأمر المصلي أن يسجد لسهوه كذلك أمرت الملائكة أن تسجد لدعواها فإن الدعوى سهو في حقها فكان ذلك ترغيما للدعوى لا لهم كما كان سجود السهو منا ترغيما للشيطان لا لنا فاعلم ذلك فأما هذه المجالس الاثنا عشر فستة منها تلتحق بالمجلس الذي بين المثلين و الستة الباقية تلتحق بمجالس الفصل الثاني بين العبد من حيث ما هو عبد و بين الرب من حيث ما هو رب لكن تختلف الأذواق في ذلك‏ آيات هذا السؤال من القرآن لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ و قوله وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ و قوله فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ و قوله وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ إلى آخرها و المدار على القطب انتهى الجزء الثمانون

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال التاسع) فإن قلت فبأي شي‏ء يفتتحون المناجاة قلنا في الجواب بحسب الباعث و الداعي لها و ذلك أن الحق إذا أجلسهم هذه المجالس التي ذكرناها فإنما يجلسهم الحق فيها بعد قرع و فتح و استفتاح و ذلك إنهم سمعوا الحق يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ثم قال أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ و قال في إنزال الرسول منزلة الحق نفسه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ و قال من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله لأنه به يدعو إليه سبحانه و قال صلى الله عليه و سلم الكلمة الطيبة صدقة و قال يصبح على كل سلامي من ابن آدم صدقة و أفضل الصدقات تصدق الإنسان بنفسه و أفضل ما يخرجها عليه من يخرجها على نفسه‏ فإذا إذا أراد العبد نجوى ربه فليقدم بين يدي نجواه نفسه لنفسه فإن النجوى سامع و متكلم و العبد إن لم يكن الحق سمعه فمن المحال أن يطيق فهم كلام الله و إن لم يكن الحق لسان العبد عند النجوى فمن المحال أن تكون نجواه صادقة الصدق الذي ينبغي أن يخاطب به الله فاذن الحق ناجى نفسه بنفسه و العبد محل الاستفادة لأنها أمور وجودية و الوجود كله هو عينه و العبد يصدق بنفسه على نفسه لأنها أفضل الصدقات استفتاحا لنجوى ربه فكانت المناسبة بين النجوى و ما افتتحت به كون الصدقة رجعت إليه و كون الحق كانت نجواه بينه و بينه فما سمع الحق إلا الحق و لا تصدق العبد إلا على العبد فصحت الأهلية فمن كان استفتاحه هكذا كان من أهل المجالس و الحديث‏ و أما مذهب الترمذي فإن الذي يفتتحون به المناجاة إنما هو تلبسهم بالكبرياء ثم يتعرون من بعضه بوجه خاص و يبقون عليهم ما يليق أن يسمع به كلام الحق و يكلم به الحق لتصح النجوى فيكون الابتداء من العبد فيكون له الأولية في هذا الموطن و هو وجه صحيح و هذا هو الباعث الوضعي و الذي ذكرناه أولا هو الباعث الذاتي فإن نجوى هذه الطائفة في هذا الحال بمنزلة الصلاة في العامة فإنه من هذه الحضرة التي ذكرناها خرج التكليف بها على السنة الرسل للعباد و شرع فيها التكبير لما ذكرناه و الصلاة مناجاة و من أهل الله من يجعل عاقبة الأمور استفتاحا فيردها أولا إذ كان المطلوب عين العواقب كمن يطلب الاستظلال فأول ما يقع عنده وجود السقف و هو آخر ما يقع به الفعل لأن وجوده موقوف على وجود أشياء فإذا كان من الأمور التي لا توقف لوجودها على شي‏ء كان عين العاقبة عين السابقة فيكون استفتاح العمل بالعاقبة و هي طريقة عجيبة عملنا عليها و ناجينا بها في هذا المقام و لكن لا بد أن تكون النجوى كما قررنا بسمع الحق و كلام الحق لأن الحقيقة تأبى أن يكلمه غير نفسه أو يسمعه غير نفسه فقد أعلمتك بما ذا يفتتحون المناجاة أهل المجالس و الحديث‏

(السؤال العاشر) فإن قلت بأي شي‏ء يختمونها فلنقل في الجواب بالمنزلة التي تعطيهم ذلك الاستفتاح و الافتتاح مختلف فالختام مختلف أيضا فلا يتقيد غير أنه ثم أمر جامع و هو الوقفة بين الاسمين بين الاسم الذي ينفصل عنه و بين الاسم الذي يأخذ منه فإن بينهما اسما إلهيا خفيا به يقع الختم و لا يشعر به إلا أهل المجالس و الحديث و هو وجود سار في جميع الموجودات لكن لا يشعر به لدقته كالخط الفاصل بين الظل و الشمس يعقل و لا يدرك بالحس و هي الحدود بين الأشياء لها لكل من هي بينهما وجه خاص مع كونها لا تنقسم فهي بذاتها مع كل محدود و لهذا يعز العثور على الحدود الذاتية بخلاف الحدود الرسمية و اللفظية التي بأيدي العلماء فقد يكون ذلك الذي يختم به دليل كون و قد يكون دليل عين و قد يكون دليل ذات لا تقبل المظاهر و هذا أعلى ما تختم به النجوى عندهم و دونه دليل كون و هو ما يعطي مظهرا ما و دونه دليل عين و هو الذي لا يقبل التغيير و هو المعبر عنه بباطن المظهر و اعلم أن الأمر في النجوى دائرة تنعطف بطلب أولها فيكون عين الختم هو عين الافتتاح فتنقسم بين أول و آخر و ظاهر و باطن فإذا ابتدأ فهو الظاهر فإذا انتهى صار الظاهر باطنا و عاد الباطن ظاهرا فإن الحكم له فيبطن الختم في الافتتاح عند البدء و يبطن الافتتاح في الختام عند النهاية قيل في رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه خاتم النبيين فبطن بظهور ختمه كونه نبيا و آدم بين الماء و الطين و لما ظهر كونه نبيا و آدم بين الماء و الطين و استفتح به مراتب البشر كان كونه خاتم النبيين باطنا في ذلك الظهور و أما الإلهية فالوجود منه وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ بينهما وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ فيهما وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ حيث أنتم مظاهر أسمائه الحسنى و بها تسعدون و تشقون وَ الله مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ فسلم الأمر إليه و استسلم تكن موافقا لما هو الأمر عليه في نفسه فتستريح من تعب الدعوى بين الافتتاح و الختم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(السؤال الحادي عشر) بما ذا يجابون‏ الجواب بحسب حالهم و وقتهم و حالهم و وقتهم بحسب الاسم الذي هو الحاكم فيهم بين الافتتاح و الختم فإنه بين الختم و الافتتاح تكون أسماء كثيرة إلهية هي الناطقة في تلك الأعيان من أهل المجالس و الحديث فيكون الجواب بحسب ما وقع به حكم الاسم و لكن ما يجابون إلا باسم و لا بد فإن كان الحديث معنويا عن شهود فقد يقع الجواب بالذات معراة من الأسماء و هو بمنزلة المجاز من الحقيقة و يجتمع هذا مع الحديث في الإفادة و الاستفادة فمن راعى الاستفادة و الإفادة ألحق هذا المقام بأهل المجالس و الحديث و هو الذي قصده الترمذي لكونه قال أهل المجالس و الحديث و لم يقل أهل الحديث خاصة و من الناس من لا يراعي سوى الحديث فلا يجعل في هذه الحضرة حكما لحديث معنوي حالي فإنه يقول مطلبي الحقائق و لكنه صاحب هذا القول كأنه غير محقق و ما أوقعه في ذلك إلا تقيد الحديث بالألفاظ و أما نحن فعلى مذهب الترمذي في ذلك فإنا ذقناه في المجالسة حديثا معنويا في غاية الإفهام معرى عن الاحتمال و الإجمال بل هو تفصيل محقق في عين واحدة و هو الذي يعول عليه في هذا الفصل‏

(السؤال الثاني عشر) كيف يكون صفة سيرهم يعني إلى هذه المجالس و الحديث ابتدأ قلنا في الجواب بالهمم المجردة عن السوي و بسط ذلك ما نقول و هو أن الأمور المعنوية التي لا تقبل المواد و لا تحددها لا يصح السير إلى تحصيلها أو تحصيل ما يكون منها بقطع المسافات و تذريع المساحات لكن قد يقترن بالهمة حركات مادية مبناها على علم أو إيمان بشرط التوحيد فيهما فأما سيرهم من حيث ما هم علماء فبتصفية النفوس من كدورات الطبيعة و اتخاذ الخلوات لتفريغ القلوب عن الخواطر المتعلقة بأجزاء الكون الحاصلة من إرسال الحواس في المحسوسات فتمتلئ خزانة الخيال فتصور القوة المصور منها بحسب ما تعشقت به من ذلك فتكون هذه الصور حائلة بينه و بين حصول هذه المرتبة الإلهية فيجنحون إلى الخلوات و الأذكار على جهة المدح لمن بيده الملكوت فإذا صفت النفس و ارتفع الحجاب الطبيعي الذي بينها و بين عالم الملكوت انطبع في مرآتها جميع ما في صور عالم الملكوت من العلوم المنقوشة فيطلع الملأ الأعلى على هذه النفس التي هي بهذه المثابة فيرى فيها ما عنده فيتخذها مجلى ظهور ما فيه فيكون الملأ الأعلى معينا له أيضا على استدامة ذلك الصفاء و يحول بينه و بين ما يقتضيه حجاب الطبع فتتلقى هذه النفس من العالم العلوي بقدر مناسبتها منهم من العلم بالله فيؤديهم ذلك العلم إلى التلقي من الفيض الإلهي و لكن بوساطة الأرواح النورية لا بد من ذلك فيسمون ذلك سيرا و لا بد من تجريد الهمم في الطلب لذلك و لو لا تعلق الهمة بتحصيل ما تقرر عندها مجملا ما صح له توجه إلى الملإ الأعلى‏ فإن اتفق أن يكون هذا الرجل في سيره مع علمه مؤمنا أو يكون صاحب إيمان من غير علم فإن همته لا تتعلق إلا بالله فإن الايمان لا يدله إلا على الله و العلم إنما يدله على الوسائط و ترتيب الحكمة المعتادة في العالم فصفة سير أصحاب الايمان ما لهم طريق إلى ذلك إلا بعزائم الأمور المشروعة من حيث ما هي مشروعة و هم على قسمين طائفة منهم قد ربطت همتها على أن الرسول إنما جاء منبها و معلما بالطريق الموصلة إلى جناب الحق تعالى فإذا أعطى العلم بذلك زال من الطريق و خلى بينهم و بين الله فهؤلاء إذا سارعوا أو سابقوا إلى الخيرات و في الخيرات لم يروا إمامهم قدم أحد من المخلوقين لأنهم قد أزالوه من نفوسهم و انفردوا إلى الحق كرابعة العدوية فهؤلاء إذا حصلوا في المجالس و الحديث خاطبهم الحق بالكلام الإلهي من غير وساطة لسان معين و أما الطائفة الأخرى فهم قوم جعلوا في نفوسهم أنهم لا سبيل‏لهم إليه تعالى إلا و الرسول هو الحاجب فلا يشهدون منه أمرا إلا و يرون في سيرهم قدم الرسول بين أيديهم و لا يخاطبهم إلا بلسانه و لغته كمحمد الأواني قال تركت الكل ورائي و جئت إليه فرأيت أمامي قدما فغرت و قلت لمن هذا اعتمادا مني إنه ما سبقني أحد و إني من أهل الرعيل الأول فقيل لي هذه قدم نبيك فسكن روعي و الحالة الأولى هي حالة عبد القادر و أبي السعود بن الشبل و رابعة العدوية و من جرى مجراهم و أصحاب الايمان إذا كانوا علماء جمع لهم بين الأمرين فهم أكمل الرجال بشرط أنهم إذا ساروا إليه و أخذوا مجالسهم عنده بالحديث المعنوي كما تقدم و حديث السمع رأوا سريان سره تعالى في الموجودات من قوله من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا و من كونه ينزل إلى السماء الدنيا التي لا أقرب منها فإنها أقرب من حَبْلِ الْوَرِيدِ فالتحق عنده عالم الطبع بالعالم الروحاني و عاد الوجود عنده كله ملأ أعلى و مكانة زلفى فلم يحجبه كون و لا شغله عين و استوى عنده الأين و عدم الأين و كان و ما كان فرآه في الحجاب و العسس و سمع كلامه و حديثه في الغث و الجرس‏ هذا صفة سيرهم على طبقاتهم و منهم من كان سيره فيه بأسمائه فهو صاحب سير منه و إليه و فيه و به فهو سائر في وقوفه و واقف في سيره و الخضر و الأفراد من أهل هذا المقام و من هنا كانت قرة عينه صلى الله عليه و سلم في الصلاة لأنه مناج مع اختلاف الحالات المحصورة من قيام و ركوع و سجود و جلوس ما ثم أكثر من هذه الأركان و هي حالات تربيع روحاني فأشبهت العناصر في التربيع فحدثت صور المعاني من امتزاج هذه الحالات الأربعة كما حدثت صور المولدات الجسمية الطبيعية من امتزاج هذه العناصر

(السؤال الثالث عشر) فإن قلت و من الذي يستحق خاتم الأولياء كما يستحق محمد صلى الله عليه و سلم خاتم النبوة فلنقل في الجواب الختم ختمان ختم يختم الله به الولاية و ختم بختم الله به الولاية المحمدية فأما ختم الولاية على الإطلاق فهو عيسى عليه السلام فهو الولي بالنبوة المطلقة في زمان هذه الأمة و قد حيل بينه و بين نبوة التشريع و الرسالة فينزل في آخر الزمان وارثا خاتما لا ولي بعده بنبوة مطلقة كما أن محمدا صلى الله عليه و سلم خاتم النبوة لا نبوة تشريع بعده و إن كان بعده مثل عيسى من أولي العزم من الرسل و خواص الأنبياء و لكن زال حكمه من هذا المقام لحكم الزمان عليه الذي هو لغيره فينزل وليا ذا نبوة مطلقة يشركه فيها الأولياء المحمديون فهو منا و هو سيدنا فكان أول هذا الأمر نبي و هو آدم و آخره نبي و هو عيسى أعني نبوة الاختصاص فيكون له يوم القيامة حشران حشر معنا و حشر مع الرسل و حشر مع الأنبياء و أما ختم الولاية المحمدية فهي لرجل من العرب من أكرمها أصلا و يدا و هو في زماننا اليوم موجود عرفت به سنة خمس و تسعين و خمسمائة و رأيت العلامة التي له قد أخفاها الحق فيه عن عيون عباده و كشفها لي بمدينة فاس حتى رأيت خاتم الولاية منه و هو خاتم النبوة المطلقة لا يعلمها كثير من الناس و قد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما يتحقق به من الحق في سره من العلم به و كما أن الله ختم بمحمد صلى الله عليه و سلم نبوة الشرائع كذلك ختم الله بالختم المحمدي الولاية التي تحصل من الورث المحمدي لا التي تحصل من سائر الأنبياء فإن من الأولياء من يرث إبراهيم و موسى و عيسى فهؤلاء يوجدون بعد هذا الختم المحمدي و بعده فلا يوجد ولي على قلب محمد صلى الله عليه و سلم هذا معنى خاتم الولاية المحمدية و أما ختم الولاية العامة الذي لا يوجد بعده ولي فهو عيسى عليه السلام و لقينا جماعة ممن هو على قلب عيسى عليه السلام و غيره من الرسل عليهم السلام و قد جمعت بين صاحبي عبد الله و إسماعيل بن سودكين و بين هذا الختم و دعا لهما و انتفعا به و الحمد لله‏

(السؤال الرابع عشر) بأي صفة يكون ذلك المستحق لذلك‏ الجواب بصفة الأمانة و بيده مفاتيح الأنفاس و حالة التجريد و الحركة و هذا هو نعت عيسى عليه السلام كان يحيى بالنفخ و كان من زهاد الرسل و كانت له السياحة و كان حافظا للامانة مؤديا لها و لهذا عادته اليهود و لم تأخذه في الله لومة لائم كنت كثير الاجتماع به في الوقائع و على يده تبت و دعا لي بالثبات على الدين في الحياة الدنيا و في الآخرة و دعاني بالحبيب و أمرني بالزهد و التجريد و أما الصفة التي استحق بها خاتم الولاية المحمدية أن يكون خاتما فبتمام مكارم الأخلاق مع الله و جميع ما حصل للناس من جهته من الأخلاق فمن كون ذلك الخلق موافقا لتصريف الأخلاق مع الله و إنما كان ذلك كذلك لأن الأغراض مختلفة و مكارم الأخلاق عند من يتخلق بها معه عبارة عن موافقة غرضه سواء حمد ذلك عند غيره أو ذم فلما لم يتمكن في الوجود تعميم موافقة العالم بالجميل الذي هو عنده جميل نظر في ذلك نظر الحكيم الذي يفعل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي فنظر في الموجودات فلم يجد صاحبا مثل الحق و لا صحبة أحسن من صحبته و رأى أن السعادة في معاملته و موافقة إرادته فنظر فيما حده و شرعه فوقف عنده و اتبعه و كان من جملة ما شرعه أن علمه كيف يعاشر ما سوى الله من ملك مطهر و رسول مكرم و إمام جعل الله أمور الخلق بيده من خليفة إلى عريف و صاحب و صاحبة و قرابة و ولد و خادم و داية و حيوان و نبات و جماد في ذات و عرض و ملك إذا كان ممن يملك فراعى جميع من ذكرناه بمراعاة الصاحب الحق فما صرف الأخلاق إلا مع سيده فلما كان بهذه المثابة قيل فيه مثل ما قيل في رسوله وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ قالت عائشة كان القرآن خلقه‏ يحمد ما حمد الله و يذم ما ذم الله بلسان حق في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ فلما طابت أعراقه و عم العالم أخلاقه و وصلت إلى جميع الآفاق أرفاقه استحق أن يختم بمن هذه صفته الولاية المحمدية من قوله وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ جعلنا الله ممن مهد له سبيل هداه و و فقه للمشي عليه و هداه‏

(السؤال الخامس عشر) فإن قلت ما سبب الخاتم و معناه‏ فلنقل في الجواب كمال المقام سببه و المنع و الحجر معناه و ذلك أن الدنيا لما كان لها بدء و نهاية و هو ختمها قضى الله سبحانه أن يكون جميع ما فيها بحسب نعتها له بدء و ختام و كان من جملة ما فيها تنزيل الشرائع فختم الله هذا التنزيل بشرع محمد صلى الله عليه و سلم فكان خاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كانَ الله بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً و كان من جملة ما فيها الولاية العامة و لها بدء من آدم فختمها الله بعيسى فكان الختم يضاهي البدء إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ فختم بمثل ما به بدأ فكان البدء لهذا الأمر بنبي مطلق و ختم به أيضا و لما كانت أحكام محمد صلى الله عليه و سلم عند الله تخالف أحكام سائر الأنبياء و الرسل في البعث العام و تحليل الغنائم و طهارة الأرض و تصحب الوجود و كيف تصحبه و الوجوب لهذا الوجود ذاتي و لا ذوق للعين الممكنة في الوجوب الذاتي فهو يقتضيها فيصح إن يكون معها و هي لا تقتضيه فلا يصح اتخاذها مسجدا و أوتي جوامع الكلم و نصر بالمعنى و هو الرعب و أوتي مفاتيح خزائن الأرض و ختمت به النبوة عاد حكم كل نبي بعده حكم ولي فأنزل في الدنيا من مقام اختصاصه و استحق أن يكون لولايته الخاصة ختم يواطئ اسمه اسمه صلى الله عليه و سلم و يحوز خلقه و ما هو بالمهدي المسمى المعروف المنتظر فإن ذلك من سلالته و عترته و الختم ليس من سلالته الحسية و لكنه من سلالة أعراقه و أخلاقه صلى الله عليه و سلم أما سمعت الله يقول فيما أشرنا إليه وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ و جميع أنواع المخلوقات في الدنيا أمم و قال كُلٌّ يَجْرِي إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى في أثر قوله يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فجعل لها ختاما و هو انتهاء مدة الأجل وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فما من نوع إلا و هو أمة فافهم ما بيناه لك فإنه من أسرار العالم المخزونة التي لا تعرف إلا من طريق الكشف و الله يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى‏ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ‏

(السؤال السادس عشر) كم مجالس ملك الملك‏ الجواب على عدد الحقائق الملكية و النارية و الإنسانية و استحقاقاتها الداعية لإجابة الحق فيما سألته منه بسط ذلك اعلم أولا أنه لا بد من معرفة ملك الملك ما أرادوا به ثم بعد هذا تعرف كمية مجالسه إن كان لها كمية محصورة فالملك هو الذي يقضي فيه مالكه و مليكه بما شاء و لا يمتنع عنه جبرا فيسمى كرها أو اختيارا فيسمى طوعا قال تعالى وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً و المأمور هو الملك و الآمر هو المالك و لا بد من أخذ الإرادة في حد الأمر لأنه اقتضاء و طلب من الآمر بالمأمور سواء كان المأمور دونه أو مثله أو أعلى و فرق الناس بين أمر الدون و بين أمر الأعلى فسموا أمر الدون إذا أمر الأعلى طلبا و سؤالا مثل قوله تعالى اهْدِنَا فلا يشك إنه أمر من العبد لله فسمي دعا ء و إذا فهمت هذا و علمت أن المأمور هو بالنسبة إلى الآمر ملكا و الآمر مليك ثم رأيت المأمور و قد امتثل أمر آمره و أجابه فيما سأل منه أو اعترف بأنه يجيبه إذا دعاه لما يدعوه إليه إن كان المدعو أعلى منه فقد صير نفسه هذا الأعلى ملكا لهذا الدون و هذا الدون هو تحت حكم هذا الأعلى و حيطته و قهره و قدرته و أمره فهو ملكه بلا شك و قد قررنا أن الدون الذي هو بهذه المثابة قد يأمر سيده فيجيبه السيد لأمره فيصير بتلك الإجابة ملكا له و إن كان عن‏اختيار منه فيصح أن يقال في السيد إنه ملك الملك لأنه أجاب أمر عبده و عبده ملك له‏ و من أمر فأجاب فقد صح عليه اسم المأمور و هو معنى الملك فإذا أجاب السيد أمر عبده و هو ملك فبإجابته صير نفسه ملك ملكه و هذا غاية النزول الإلهي لعبده إذ قال له ادعوني أستجب لك فيقول له العبد اغفر لي ارحمني انصرني أجبرني فيفعل و يقول الله له ادعني أقم الصلاة ائت الزكاة اصْبِرُوا رابِطُوا جاهِدُوا فيطيع و يعصي و أما الحق سبحانه فيجيب عبده لما دعاه إليه بشرط تفرغه لدعائه‏ و قد يكون أثر المؤثر فعلا من غير أمر كالعبد يعصي فيثير كونه عاصيا غضبا في نفس السيد فيوقع به العقوبة فقد جعل العبد سيده يعاقبه بمعصيته و لو لم يعصه ما ظهر من السيد ما ظهر أو يغفر له و كذلك في الطاعة يثيبه فيكون من هذه النسبة أيضا ملك الملك أي ملكا لمن هو ملكه و بهذا وردت الشرائع كلها و أما قوله كم مجالسه فإنها لا تنحصر عقلا فإنها حالة دوام من سيد لعبد و من عبد إلى سيد فسؤاله لا يخلو إما أن يريد ما قلنا من أنها لا تنحصر عقلا فإن أجاب بانحصار في كمية معلومة علم أنه لا علم عنده أو يريد مجالسه من حيث ما شرع فهي مجالس في الدنيا محصورة و في الآخرة غير محصورة لأن الآثار الواقعة في الآخرة كلها أصلها من الشرائع فلا ينفك حكم الشرع في الدنيا و الآخرة فإن الخلود في الدارين من حكم الشرع و ما يكون من الحق فيهم من حكم الشرع فإذا مجالس ملك الملك من جهة الشرع لا تنحصر فإن أراد السائل عن هذا حالة الدنيا خاصة فعددها عدد أنفاس الخلائق عقلا و إن أراد ما اقترن به الأمر من العبد خاصة فعلى قدر ما دعا العبد ربه من حيث ما أمره أن يدعوه به و هي من كل داع بحسب ما سبق في علم الله من تكليفه لكل عين عبد أن يدعوه و خلق الله الذين هم بهذه المثابة يفوتون التلفظ باسم العدد الذي يحصرهم فإنه يدخل في ذلك الملائكة و الجن و الإنس فحصر كمياتها ما دام زمان الدنيا إلى أن ينقضي في حق الملك و الجن و الإنس محصور الكمية غير متصور التلفظ به لأنه قال وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ و هم من الملك الذي يدعو ربه فيصيره بدعائه ملكا له فكمياتها و إن كانت محصورة فهي غير معلومة و إن علمت فهي غير مقدورة للتلفظ بها لما في ذلك من المشقة و لكن من وقف على ما رقم في اللوح المحفوظ عرف كمياتها بلا شك و إن تعذر النطق بها فمن كل وجه لا يتصور الجواب عنها بأكثر من هذا و إنما جعله الترمذي على سبيل الامتحان فإنه جاء بمسائل لا يصح الجواب عنها ليعلم أن المسئول إذا أجاب عنها أنه مبطل في دعواه علم ذلك إذ لو علم ذلك لكان من علمه به أنه مما لا يجاب عنه فيعلم صدق دعواه و سيأتي من ذلك ما تقف عليه في هذه السؤالات إن شاء الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(السؤال السابع عشر) بأي شي‏ء حظ كل رسول من ربه‏ الجواب عن هذا لا يتصور لأن كلام أهل طريق الله عن ذوق و لا ذوق لأحد في نصيب كل رسول من الله لأن أذواق الرسل مخصوصة بالرسل و أذواق الأنبياء مخصوصة بالأنبياء و أذواق الأولياء مخصوصة بالأولياء فبعض الرسل عنده الأذواق الثلاثة لأنه ولي و نبي و رسول قال الخضر لموسى ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً و الخبر الذوق و قال له أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت و أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا هذا هو الذوق‏ حضرت في مجلس فيه جماعة من العارفين فسأل بعضهم بعضا من أي مقام سأل موسى الرؤية فقال له الآخر من مقام الشوق فقلت له لا تفعل أصل الطريق أن نهايات الأولياء بدايات الأنبياء فلا ذوق للولي في حال من أحوال أنبياء الشرائع فلا ذوق لهم فيه و من أصولنا إنا لا نتكلم إلا عن ذوق و نحن لسنا برسل و لا أنبياء شريعة فبأي شي‏ء نعرف من أي مقام سأل موسى الرؤية ربه نعم لو سألها ولي أمكنك الجواب فإن في الإمكان أن يكون لك ذلك الذوق و قد علمنا من باب الذوق أن ذوق مقام الرسل لغير الرسل ممنوع فالتحق وجوده بالمحال العقلي لأن الذات لا تقتضي إلا هذا الترتيب الخاص أو سبق العلم كيف شئت فقل‏ فإن أراد السؤال عن السبب الذي اقتضى لذلك الرسول هذا الحظ الذي انفرد به فقد قال صاحب المحاسن ليس بينه و بين عباده نسب إلا العنابة و لا سبب إلا الحكم و لا وقت غير الأزل و ما بقي فعمى و تلبيس و اعلم أن السبب العام الذي عين المراتب العلية لأربابها إنما هو العناية الإلهية و هو قوله تعالى وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ و أما السبب الخاص لهذا الرسول للحظ الخاص الذي له من‏ربه فيحتاج ذكره إلى ذكر كل رسول باسمه و حينئذ نذكر سببه و رسل الله في البشر محصورون و في الملائكة غير محصورين عندنا لكن من شرط أهل هذه الطريقة إذا ادعوا هذه المعرفة فلا بد أن يعرفوا السبب عند تعين الرسول بالذكر و لكن هو من الأسباب التي لا نذاع لئلا يتعب الخلق أو يتخيل الضعيف الرأي أن الرسالة تكتسب بذلك السبب إذا علم فيؤدي ذكر ذلك إلى فساد في العالم فيحفظ عليه الأمناء و أيضا فلا فائدة في إظهاره فإنه بكونه رسولا خص به لأنه كان رسولا بل هو رسول بأمر عام يجتمع فيه المرسلون قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ و قال وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ فكل واحد منهم فاضل مفضول و هو مذهب الجماعة و قد بين هذا أبو القاسم ابن قسي في خلع النعلين و هو قوله وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ فخص آدم بعلم الأسماء الإلهية التي طوى علمها عن الملائكة فلم تسبح الله بها حتى استفادتها من آدم و خص موسى بالكلام و التوراة من حيث إن الله كتبها بيده قبل أن يخلق آدم بأربع آلاف سنة و خص رسول الله صلى الله عليه و سلم بما ذكر عن نفسه من أنه أوتي جوامع الكلم و خص عيسى بكونه روحا و أضاف النفخ إليه فيما خلقه من الطين و لم يضف نفخا في إعطاء الحياة لغير عيسى بل لنفسه تعالى إما بالنون أو بالتاء التي هي ضمير المتكلم عن نفسه و هذا و إن كانت كلها منصوصا عليها إنها حصلت لهم فليس بمنصوص الاختصاص بها و لكنه معلوم من جهة الكشف و الاطلاع‏

(السؤال الثامن عشر) أين مقام الرسل من مقام الأنبياء الجواب هو بالإزاء إلا أنه في المقام الرابع من المراتب فإن المراتب أربع التي تعطي السعادة للإنسان و هي الايمان و الولاية و النبوة و الرسالة و أما من مقام الأنبياء فهم من أنبياء التشريع في الرتبة الثانية و من مقام الأنبياء في الرتبة الثالثة و العلم من شرائط الولاية و ليس من شرطها الايمان فإن الايمان مستنده الخبر فلا يحتاج إليه مع الخبر إما بالمحال كالأينية لله أو بالإمكان و هو الإخبار ببعض المغيبات التي يمكن أن ينسب إليها المخبر ما نسب‏ فأول مرتبة العلماء بتوحيد الله الأولياء فإن الله ما اتخذ وليا جاهلا و هذه مسألة عظيمة أغفلها علماء الرسوم فإنه يدخل تحت فلك الولاية كل موحد لله بأي طريق كان و هو المقام الأول ثم النبوة ثم الرسالة ثم الايمان فهي فينا أعني مرتبة الولاية على ما رتبناه و هي هناك ولاية ثم إيمان ثم نبوة ثم رسالة و عند علماء الرسوم و عامة الناس الخارجين عن الطريق الخاص المرتبة الأولى إيمان ثم ولاية ثم نبوة ثم رسالة فأجبنا فيها على ما تعرفه العامة و علماء الرسوم و بينا المراتب كيف هي بالنظر إلى جهات مختلفة فالموحدون بأي وجه كان أولياء الله تعالى فإنهم حازوا أشرف المراتب التي شرك الله أصحابها من أجلها مع الله فيها فقال شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ففصل لتمييز شهادة الحق لنفسه من شهادة من سواه له بما شهد به لنفسه فقال و عطف بالواو وَ الْمَلائِكَةُ فقدم للمجاورة في النسبة من كونه إلها و الجار الأقرب في الشرع و في العرف عند أرباب الكرم و العلم مقدم على الجار إلا بعد بكل وجه إذا اتحدا في ذلك الوجه و في هذا من رحمة الله بخلقه ما لا يقدر قدره إلا العارفون به في قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ فنحن أقرب جار و للجار حق مشروع يعرفه أهل الشريعة و كذلك قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ فينبغي للإنسان أن يحضر هذا الجوار الإلهي عند الموت حتى يطلب من الحق ما يستحقه الجار على جاره من حيث ما شرع و هو قوله لنبيه صلى الله عليه و سلم أن يقول قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ أي الحق الذي شرعته لنا فعاملنا به حتى لا ننكر شيئا منه مما يقتضيه الكرم فلو علم الناس ما في هاتين الآيتين من العناية بالعباد لكانوا على أحوال لا يمكن أن تذاع يقول تعالى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ و قال صلى الله عليه و سلم في مثل هذا المقام أ فلا أكون عبدا شكورا ثم قال تعالى وَ أُولُوا الْعِلْمِ يعني من الجن و الإنس و من شاركهم من الأمهات و المولدات العلماء بالله فجعلهم جيران الملائكة لتصح الشفاعة من الملائكة فينا لحق الجوار أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الضمير في أنه يعود على الله من شهد الله فشهادتهم بتوحيده على قدر مراتبهم في ذلك فلذلك فصل بين شهادته لنفسه و شهادة العلماء له ثم قال قائِماً بِالْقِسْطِ أي بالعدل فيما فصل به بين الشهادتين ثم قال بنفسه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ نظير الشهادة الأولى التي له فحصلت شهادة العالم له بالتوحيد بين شهادتين إلهيتين أحاطتا بها حتى لا يكون للشقاء سبيل إلى القائل بها ثم تمم بقوله الْعَزِيزُ ليعلم أن الشهادة الثالثة له مثل‏الأولى لاقتران العزة بها أي لا ينالها إلا هو لأنها منيعة الحمى بالعزة و لو كانت هذه الشهادة من الخلق لم تكن منيعة الحمى عن الله فدل إضافة العزة لها على أنها شهادة الله لنفسه و قوله الْحَكِيمُ لوجود هذا الترتيب في إعطاء السعادة لصاحب هذه الشهادة حيث جعلها بين شهادتين منسوبتين إلى الله من حيث الاسم الأول و الآخر و شهادة الخلق بينهما فسبحان من قدر الأشياء مقاديرها و عجز العالم أن يقدروها حق قدرها فكيف أن يقدروا حق قدر من خلقها و هذا الكشف من مقام وراثة الرسول صلى الله عليه و سلم من حيث رسالته من قوله أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و هم العلماء بالله من أهل الله الذين أقامهم الحق مقام الرسل في الدعوة إلى الله بلسان حق عن نبوة مطلقة اعتنى بهم في أن وصفهم بها لا نبوة الشرائع بل نبوة حفظ لأمر مشروع على بصيرة من الحافظ لا عن تقليد

(السؤال التاسع عشر) أين مقام الأنبياء من الأولياء الجواب هو خصوص فيه و هو بالإزاء أيضا إلا أنه في المقام الثالث على ما نقدم من المراتب و كان ينبغي أن يكون السؤال عن هذا بتفصيل بين نبوة الشرائع و النبوة المطلقة فهم من الأولياء إذا كانوا أنبياء شريعة في الدرجة الثالثة و إن كانوا في النبوة اللغوية فهم في الدرجة الثانية و اعلم أن الأولياء هم الذين تولاهم الله بنصرته في مقام مجاهدتهم الأعداء الأربعة الهوى و النفس و الدنيا و الشيطان و المعرفة بهؤلاء أركان المعرفة عند المحاسبي‏ و إن كان سؤله عن مقام الأنبياء من الأولياء أي أنبياء الأولياء و هي النبوة التي قلنا إنها لم تنقطع فإنها ليست نبوة الشرائع و كذلك في السؤال عن مقام الرسل الذين هم أنبياء فلنقل في جوابه إن أنبياء الأولياء مقامهم من الحضرات الإلهية الفردانية و الاسم الإلهي الذي تعبدهم الفرد و هم المسمون الأفراد فهذا هو مقام نبوة الولاية لا نبوة الشرائع و أما مقام الرسل الذين هم أنبياء فهم الذين لهم خصائص على ما تعبدوا به أتباعهم كمحمد صلى الله عليه و سلم فيما قيل له خالِصَةً لَكَ من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ في النكاح بالهبة فمن الرسل من لهم خصائص على أمتهم و منهم من لا يختصه الله بشي‏ء دون أمته‏ و كذلك الأولياء فيهم أنبياء أي خصوا بعلم لا يحصل إلا لنبي من العلم الإلهي و يكون حكمهم من الله فيما أخبرهم به حكم الملائكة و لهذا قال في نبي الشرائع ما لم تحط به خبرا أي ما هو ذوقك يا موسى مع كونه كليم الله فخرق السفينة و قتل الغلام حكما و أقام الجدار مكارم خلق عن حكم أمر إلهي كخسف البلاد على يدي جبريل و من كان من الملائكة و لهذا كان الأفراد من البشر بمنزلة المهيمين من الملائكة و أنبياؤهم منهم بمنزلة الرسل من الأنبياء

(السؤال العشرون) و أي اسم منحه من أسمائه‏ الجواب سؤالك هذا يحتمل أربعة أمور الواحد أن يكون الضمير المرفوع في منحه يعود على الله الثاني أن يعود على المقام الثالث على الاسم الإلهي الرابع أن يكون الضمير في أسمائه يعود على العبد فيكون الاسم اسم العبد لا اسم الله و كذلك الضمير المنصوب في منحه الذي هو المفعول الثاني هل هو ضمير اسم إلهي أو هل هو المقام فإن كان الضمير المرفوع الله أو المقام فيكون الممنوح الاسم بلا شك و إن كان الضمير المرفوع الله أو الاسم الإلهي أو اسم العبد فيكون المقام هو الممنوح‏ فليكن الضمير المرفوع الله فالممنوح الاسم الإلهي الذي يسمى به العبد في تخلقه أو اسم العبد و هو الأصل في القربة الإلهية فإن العبد لا يتصف بالقرب من الله إلا باسمه قال الله لأبي يزيد تقرب إلي بما ليس لي قال يا رب و ما ليس لك قال الذلة و الافتقار و السبب في ذلك أن أصل العبد أن يكون معلولا و لا بد و المعلولية له لذاته و كل معلول فقير ذليل بلا شك لا شفاء يرجى له من هذه العلة فيكون القرب من الله قربا ذاتيا أصليا و إن كان الممنوح اسما إلهيا ليتخلق به العبد كالاسم الرحيم في موطنه و الاسم الملك المتكبر في موطنه فذلك قرب يعرض له من الشارع الذي عينه له فإن للعبد أسماء يستحقها و أسماء تعرض له مثل الأسماء الإلهية إذا تخلق بها العبد و لله أسماء يستحقها و أسماء عرضت له من تنزله لعقول عباده و هي الأسماء التي هي للعبد بحكم الاستحقاق فهل اتصاف الحق بها يكون تخلقا من الله بأسماء عبده أو تلك الصفات لله حقيقة جهلنا معناها بالنسبة إليه و عرفنا معناها بالنسبة إلينا فيكون العبد متخلقا بها و إن كان يستحقها من وجه معرفته بمعناها إذا نسبت إليه و من كون الباري اتصف بها على طريقة مجهولة عندنا فلا نعرف كيف ننسبها إليه لجهلنا بذاته فتكون أصلا فيه عارضة فينافلا نستحق شيئا لا من أسمائه و لا مما نعتقد فيها أنها أسماؤنا و هذا موضع حيرة و مزلة قدم إلا لمن كشف الله عن بصيرته‏ و نحن بحمد الله و إن كنا قد علمناها فهي من العلوم التي لا تذاع أصلا و رأسا و بمعرفته بها دعا من دعا إلى الله على بصيرة و هو الشخص الذي هو عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يشهد له بصدق البينة التي هو عليها فالفطن يعلم ما سترناه بإعلام الله في قوله وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ هل تلك الأسماء إذا نسبت إلى الله هل تنسب إليه تخلقا أو استحقاقا و إذا نسبت إلى العبد هل تنسب إليه تخلقا كسائر الأسماء الإلهية التي لا خلاف فيها عند العام و الخاص أو تنسب إليه بطريق الاستحقاق فالشاهد المطلوب هنا أن عين العبد لا تستحق شيئا من حيث عينه لأنه ليس بحق أصلا و الحق هو الذي يستحق ما يستحق فجميع الأسماء التي في العالم و يتخيل أنها حق للعبد حق لله فإذا أضيفت إليه و سمي بها على غير وجه الاستحقاق كانت كفرا و كان صاحبها كافرا قال الله تعالى لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ فكفروا بالمجموع هذا إذا كان الكفر شرعا فإن كان لغة و لسانا فهو إشارة إلى الأمناء من عباد الله الذين علموا أن الاستحقاق بجميع الأسماء الواقعة في الكون الظاهرة الحكم إنما يستحقها الحق و العبد يتخلق بها و أنه ليس للعبد سوى عينه و لا يقال في الشي‏ء إنه يستحق عينه فإن عينه هويته فلا حق و لا استحقاق و كل ما عرض أو وقع عليه اسم من الأسماء إنما وقع على الأعيان من كونها مظاهر فما وقع اسم الأعلى وجود الحق في الأعيان و الأعيان على أصلها لا استحقاق لها فهذا شرح قوله وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يشهد له بصدق النسبة أنه عين بلا حكم و كونه مظهرا حكما لا عينا فالوجود لله و ما يوصف به من أية صفة كانت إنما المسمى بها هو مسمى الله فافهم إنه ما ثم مسمى وجودي إلا الله فهو المسمى بكل اسم و الموصوف بكل صفة و المنعوت بكل نعت و أما قوله سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ من أن يكون له شريك في الأسماء كلها فالكل أسماء الله أسماء أفعاله أو صفاته أو ذاته فما في الوجود إلا الله و الأعيان معدومة في عين ما ظهر فيها و قد اندرج في هذا الفصل إن فهمت جميع ما ذكرناه في تقسيم الضميرين المنصوب و المرفوع فالوجود له و العدم لك فهو لا يزال موجودا و أنت لا تزال معدوما و وجوده إن كان لنفسه فهو ما جهلت منه و إن كان لك فهو ما علمت منه فهو العالم و المعلوم‏ و الذي يقصده أكثر الناس بقولهم أي اسم منح الله الرسول من أسمائه هو الاسم الذي يستدعيه تأييد دعوته و هو المعبر عنه بالسلطان و الإعجاز أثره و إن منحه النبي فهو الاسم الذي يتأيد به في حصول الرتبة النبوية و صحتها و قد يكون لكل شخص اسم يمنحه بحسب ما تقتضيه رتبته من مقام نبوته أو رسالته غير أن الاسم الواهب هو الذي يعطي ذلك إلا إذا كان المقام مكتسبا فقد يعطيه الاسم الكريم أو الجواد أو السخي انتهى الجزء الحادي و الثمانون

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال الحادي و العشرون) أي شي‏ء حظوظ الأولياء من أسمائه‏ الجواب هنا تفصيل هل يريد بالاسم الذي أوجب لهم هذه الحظوظ أو الاسم الذي يتولاهم فيها أو الاسم الذي تنتجه هذه الحظوظ فإن أراد الاسم أو الأسماء التي أوجبت لهم هذه الحظوظ فالحظوظ على قسمين حظوظ مكتسبة و حظوظ غير مكتسبة و لكل واحد من القسمين اسم يخصه من حيث ما يوجبها و من حيث ما يتولاها و من حيث ما تنتجه فما كان من الحظوظ المكتسبة فالأسماء التي توجبها هي الأسماء التي تعطيهم الأعمال التي اكتسبوها بها و هي مختلفة كل عمل بحسب اسمه فكل عامل إذا كان عارفا يعلم الاسم الذي يخص تلك الحركة العلمية من الأسماء الإلهية و يطول التفصيل فيها و الأسماء التي تتولاهم في حال وجودها لهم فهي بحسب ما هو ذلك الحظ فالحظ يطلب بذاته من يتولاه من الأسماء و الحظوظ مختلفة و كذلك الأسماء التي توجبها الحظوظ و تنتجها فهي بحسب الحظوظ أيضا فتختلف الأسماء باختلاف الحظوظ و على هذا النسق الكلام في الحظوظ التي هي غير مكتسبة من التفصيل‏

(السؤال الثاني و العشرون) و أي شي‏ء علم المبدأ الجواب سأل بلفظ في العامة يعطي البدء و في الخاصة يعطي موجب‏النسخ في مذهب من يراه فلنتكلم على الأمرين معا ليقع الشرح باللسانين فيعم الجواب‏ اعلم أن علم البدء علم عزيز و أنه غير مقيد و أقرب ما تكون العبارة عنه أن يقال البدء افتتاح وجود الممكنات على التتالي و التتابع لكون الذات الموجدة له اقتضت ذلك من غير تقييد بزمان إذ الزمان من جملة الممكنات الجسمانية فلا يعقل إلا ارتباط ممكن بواجب لذاته فكان في مقابلة وجود الحق أعيان ثابتة موصوفة بالعدم أزلا و هو الكون الذي لا شي‏ء مع الله فيه إلا أن وجوده أفاض على هذه الأعيان على حسب ما اقتضته استعداداتها فتكونت لأعيانها لا له من غير بينية تعقل أو تتوهم وقعت في تصورها الحيرة من الطريقين من طريق الكشف و من طريق الدليل الفكري و النطق عما يشهده الكشف بإيضاح معناه يتعذر فإن الأمر غير متخيل فلا يقال و لا يدخل في قوالب الألفاظ بأوضح مما ذكرناه‏ و سبب عزة ذلك الجهل بالسبب الأول و هو ذات الحق و لما كانت سببا كانت إلها لمألوه لها حيث لا يعلم المألوه أنه مألوه فمن أصحابنا من قال إن البدء كان عن نسبة القهر و قال بعض أصحابنا بل كان عن نسبة القدرة و الشرع يقول عن نسبة أمر و التخصيص في عين ممكن دون غيره من الممكنات المميزة عنده و الذي وصل إليه علمنا من ذلك و وافقنا الأنبياء عليه أن البدء عن نسبة أمر فيه رائحة جبر إذ الخطاب لا يقع إلا على عين ثابتة معدومة عاقلة سميعة عالمة بما تسمع بسمع ما هو سمع وجود و لا عقل وجود و لا علم وجود فالتبست عند هذا الخطاب بوجوده فكانت مظهرا له من اسمه الأول الظاهر و انسحبت هذه الحقيقة على هذه الطريقة على كل عين عين إلى ما لا يتناهى‏ فالبدء حالة مستصحبة قائمة لا تنقطع بهذا الاعتبار فإن معطي الوجود لا يقيده ترتيب الممكنات فالنسبة منه واحدة فالبدء ما زال و لا يزال فكل شي‏ء من الممكنات له عين الأولية في البدء ثم إذا نسبت الممكنات بعضها إلى بعض تعين التقدم و التأخر لا بالنسبة إليه سبحانه فوقف علماء النظر مع ترتيب الممكنات حين وقفنا نحن مع نسبتها إليه و العالم كله عندنا ليس له تقييد إلا بالله خاصة و الله يتعالى عن الحد و التقييد فالمقيد به تابع له في هذا التنزيه فأولية الحق هي أوليته إذ لا أولية للحق بغير العالم لا يصح نسبتها و لا نعته بها بل هكذا جميع النسب الأسمائية كلها

فالعبد ملك إذ قد تسمىفي عين حال بما تسمى‏
و الملك عبد في عين حالإذا تسمى بما أسمي‏
فإنه بي و لست أعنيعني لكونى أصم أعمى‏
عن كل عين سوى عيانيلكونه أظهرته الأسماء

هذه طريقة البدء و أما إذا أراد البدا و هو أن يظهر له ما لم يكن ظهر هو مثل قوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ و هو قوله وَ سَيَرَى الله عَمَلَكُمْ فيكون الحكم الإلهي بحسب ما يعطيه الحال و قد كان قرر الأمر بحال معين بشرط الدوام لذلك الحال في توهمنا فلما ارتفع الدوام الحالي الذي لو دام أوجب دوام ذلك الأمر بدا من جانب الحق حكم آخر اقتضاه الحال الذي بدا من الكون فقابل البدا بالبداء فهذا معنى علم البدا له على الطريقة الأخرى قال تعالى وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ‏ يقول صلى الله عليه و سلم اتركوني ما تركتكم‏ و كانت الشرائع تنزل بقدر السؤال فلو تركوا السؤال لم ينزل هذا القدر الذي شرع و معقول ما يفهم من هذا علم البدا و بعد أن علمت هذا فقد علمت علم الظهور و علم الابتداء فكأنك علمت علم ظهور الابتداء أو ابتداء الظهور فإن كل نسبة منهما مرتبطة بالأخرى فإن كان ظهور الابتداء فما حضرة الإخفاء التي منها ظهر هذا الابتداء فلا شك أنه لم يكن يصح هذا الوصف إلا له ففيه خفي و به ظهر فحالة ظهوره عن ذلك الخفاء هو المعبر عنه بالابتداء و إن كان ابتداء الظهور و فهل له نسبة لي القدم إذ لم يكن له حالة الظهور فما نسبة القدم إليه قلنا عينه الثابتة حال عدمه هي له نسبة أزلية لا أول لها و ابتداء الظهور عبارة عما اتصفت به من الوجود الإلهي إذ كانت مظهر الحق فهو المعبر عنه بابتداء الظهور فإن تعدد الأحكام على المحكوم عليه مع أحدية العين إنما ذلك راجع إلى نسب و اعتبارات فعين الممكن لم تزل و لا تزال على حالها من الإمكان فلم يخرجها كونها مظهرا حتى انطلق عليها الاتصاف بالوجود عن حكم الإمكان فيها فإنه وصف ذاتي لها و الأمور لا تتغير عن حقائقها باختلاف الحكم عليها لاختلاف‏النسب أ لا ترى قوله وَ قَدْ خَلَقْتُكَ من قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً و قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فنفى الشيئية عنه و أثبتها له و العين هي العين لا غيرها

(السؤال الثالث و العشرون) ما معنى قوله عليه السلام كان الله و لا شي‏ء معه‏ الجواب لا تصحبه الشيئية و لا تنطلق عليه و كذلك هو و لا شي‏ء معه فإنه وصف ذاتي له سلب الشيئية عنه و سلب معية الشيئية لكنه مع الأشياء و ليست الأشياء معه لأن المعية تابعة للعلم فهو يعلمنا فهو معنا و نحن لا نعلمه فلسنا معه‏ فاعلم إن لفظة كان تعطي التقييد الزماني و ليس المراد هنا به ذلك التقييد و إنما المراد به الكون الذي هو الوجود فتحقيق كان إنه حرف وجودي لا فعل يطلب الزمان و لهذا لم يرد ما يقوله علماء الرسوم من المتكلمين و هو قولهم و هو الآن على ما عليه كان فهذه زيادة مدرجة في الحديث ممن لا علم له بعلم كان و لا سيما في هذا الموضع و منه كانَ الله عَفُوًّا غَفُوراً و غير ذلك مما اقترنت به لفظة كان و لهذا سماها بعض النحاة هي و أخواتها حروفا تعمل عمل الأفعال و هي عند سيبويه حرف وجودي و هذا هو الذي تعقله العرب و إن تصرفت تصرف الأفعال فليس من أشبه شيئا من وجه ما يشبهه من جميع الوجوه بخلاف الزيادة بقولهم و هو الآن فإن الآن ندل على الزمان و أصل وضعه لفظة تدل على الزمان الفاصل بين الزمانين الماضي و المستقبل و لهذا قالوا في الآن إنه حد الزمانين فلما كان مدلولها الزمان الوجودي لم يطلقه الشارع في وجود الحق و أطلق كان لأنه حرف وجودي و تخيل فيه الزمان لوجود التصرف من كان و يكون فهو كائن و مكون كقتل يقتل فهو قاتل و مقتول و كذلك كن بمنزلة اخرج فلما رأوا في الكون هذا التصرف الذي يلحق الأفعال الزمانية تخيلوا أن حكمها حكم الزمان فأدرجوا الآن تتمة للخبر و ليس منه فالمحقق لا يقول قط و هو الآن على ما عليه كان فإنه لم يرد و يقول على الله ما لم يطلقه على نفسه لما فيه من الإخلال بالمعنى الذي يطلبه حقيقة وجود الحق خالق الزمان فمعنى ذلك الله موجود و لا شي‏ء معه أي ما ثم من وجوده واجب لذاته غير الحق و الممكن واجب الوجود به لأنه مظهره و هو ظاهر به و العين الممكنة مستورة بهذا الظاهر فيها فاتصف هذا الظهور و الظاهر بالإمكان حكم عليه به عين الظهر الذي هو الممكن فاندرج الممكن في واجب الوجود لذاته عينا و اندرج الواجب الوجود لذاته في الممكن حكما فتدبر ما قلناه‏ و اعلم أن كلامنا في شرح ما ورد إنما هو على قول الولي إذا قال مثل هذا اللفظ أو نطق به من مقام ولايته لا من مقام الرتبة التي منها بعث رسولا فإن الرسول إذا قال مثل هذا اللفظ في المعرفة بالله من مقامه الاختصاصي فلا كلام لنا فيه و لا ينبغي لنا أن نشرح ما ليس بذوق لنا و إنما كلامنا فيه من لسان الولاية فنحن نترجم عنها بأعلى وجه يقتضيه حالها هذا غاية الولي في ذلك‏ و لا شك أن المعية في هذا الخبر ثابتة و الشيئية منفية و المعية تقتضي الكثرة و الموجود الحق هو عين وجوده في نسبته إلى نفسه و هويته و هو عين المنعوت به مظهره فالعين واحدة في النسبتين فهذه المعية كيف تصح و العين واحدة فالشيئية هنا عين المظهر لا عينه و هو معها لأن الوجود يصحبها و ليست معه لأنها لا أن تكون معه فلهذا نفى الشي‏ء أن يكون مع هوية الحق لأن المعية نعت تمجيد و لا مجد لمن هو عديم الوجوب الوجودي لذاته فإن الشي‏ء لا يكون مع الشي‏ء إلا بحكم الوعيد أو الوعد بالخير و هذا لا يتصور من الدون للأعلى فالعالم لا يكون مع الله أبدا سواء اتصف بالوجود أو العدم و الواجب الوجود الحق لذاته يصح له نعت المعية مع العالم عدما و وجودا

(السؤال الرابع و العشرون) ما بدء الأسماء الجواب إطلاق هذا اللفظ في الطريق يقتضي أمرين الواحد سؤال عن أول الأسماء و الثاني سؤال عما تبتدئ به الأسماء من الآثار و هذان الأمران فرعان عن مدلول لفظ الأسماء ما هو هل هو موجود أو عدم أو لا وجود و لا عدم و هي النسب فلا تقبل معنى الحدوث و لا القدم فإنه لا يقبل هذا الوصف إلا الوجود أو العدم‏ فاعلم إن هذه الأسماء الإلهية التي بأيدينا هي أسماء الإلهية التي سمى بها نفسه من كونه متكلما فنضع الشرح الذي كنا نوضح به مدلول تلك الأسماء على هذه الأسماء التي بأيدينا و هو المسمى بها من حيث الظاهر و من حيث كلامه و كلامه علمه و علمه ذاته فهو مسمى بها من حيث ذاته و النسب لا تعقل للموصوف بالأحدية من‏جميع الوجوه إذا فلا تعقل الأسماء إلا بأن تعقل النسب و لا تعقل النسب إلا بأن تعقل المظاهر المعبر عنها بالعالم فالنسب على هذا تحدث بحدوث المظاهر لأن المظاهر من حيث هي أعيان لا تحدث و من حيث هي مظاهر هي حادثة فالنسب حادثة فالأسماء تابعة لها و لا وجود لها مع كونها معقولة الحكم‏ فإذا ثبت هذا فالقائل ما بدء الأسماء هو القائل ما بدء النسب و النسبة أمر معقول غير موجود بين اثنين فأما إن نتكلم فيها من حيث نسبتها إلى الأول أو من حيث ما دل الأثر عليها فإن نظرنا فيها من حيث المسمى بها لا من حيث دلالة أثرها كان قوله ما بدء الأسماء معناه ما أول الأسماء فلنقل أول الأسماء الواحد الأحد و هو اسم واحد مركب تركيب بعلبك و رامهرمز و الرحمن الرحيم لا نريد بذلك اسمين و إنما كان الواحد الأحد أول الأسماء لأن الاسم موضوع للدلالة و هي العلمية الدالة على عين الذات لا من حيث نسبة ما يوصف بها كالاسماء الجوامد للأشياء و ليس أخص في العلمية من الواحد الأحد لأنه اسم ذاتي له يعطيه هذا اللفظ بحكم المطابقة فإن قلت فالله أولى بالأولية من الواحد الأحد لأن الله ينعت بالواحد الواحد و لا ينعت بالله قلنا مدلول الله يطلب العالم بجميع ما فيه فهو له كاسم الملك أو السلطان فهو اسم للمرتبة لا للذات و الأحد اسم ذاتي لا يتوهم معه دلالة على غير العين فلهذا لم يصح أن يكون الله أول الأسماء فلم يبق إلا الواحد حيث لا يعقل منه إلا العين من غير تركيب و لو تسمى بالشي‏ء لسميناه الشي‏ء و كان أول الأسماء لكنه لم يرد في الأسماء الإلهية يا شي‏ء و لا فرق بين مدلول الواحد و الشي‏ء فإنه دليل على ذات غير مركبة إذ لو كانت مركبة لم يصح اسم الواحد و لا الشي‏ء عليه حقيقة فلا مثل له و لا شبه يتميز عنه شخصيته فهو الواحد الأحد في ذاته لذاته‏ و مع هذا فقد قررنا إن الأسماء عبارة عن نسب فما نسبة هذا الاسم الأول و لا أثر له منه يطلبه قلنا أما النسبة التي أوجبت له هذا الاسم فمعلومة و ذلك أن في مقابلة وجوده أعيانا ثابتة لا وجود لها إلا بطريق الاستفادة من وجود الحق فتكون مظاهره في ذلك الاتصاف بالوجود و هي أعيان لذاتها ما هي أعيان لموجب و لا لعلة كما إن وجود الحق لذاته لا لعلة و كما هو الغني لله تعالى على الإطلاق فالفقر لهذه الأعيان على الإطلاق إلى هذا الغني الواجب الغني بذاته لذاته و هذه الأعيان و إن كانت بهذه المثابة فمنها أمثال و غير أمثال متميزة بأمر و غير متميزة بأمر يقع فيه الاشتراك فلا يصح على كل عين منها اسم الواحد الأحد لوجود الاشتراك و المثلية فلهذا سمينا هذه الذات الغنية على الإطلاق بالواحد الأحد لأنه لا موجود إلا هي فهي عين الوجود في نفسها و في مظاهرها و هذه نسبة لا عن أثر إذ لا أثر لها في كون الأعيان الممكنات أعيانا و لا في إمكانها و أما إذا كان قوله ما بدء الأسماء بمعنى ما تبتدئ به الأسماء من الآثار في هذه الأعيان فيطلب هذا السؤال أمرين الأمر الواحد ما يبتدئ به في كل عين عين و الأمر الآخر ما يبتدئ به على الإطلاق في الجملة و معناه ما أول اسم يطلب أن يظهر أثره في هذه الأعيان فاعلم إن ذلك الاسم هو الوهاب خاصة في الجملة و في عين عين لا فرق و هو اسم أحدثته الهبات لهذه الأعيان من حيث فقرها فلما انطلق عليها اسم مظهر و قد كانت عرية عن هذا الاسم و لم يجب على الغني أن يجعلها مظاهر له طلبت هذه النسبة الاسم الوهاب و لهذا لا نجعله تعالى علة لشي‏ء لأن العلة تطلب معلولها كما يطلب المعلول علته و الغني لا يتصف بالطلب إذا فلا يصح أن يكون علة و الوهب ليس كذلك فإنه امتنان على الموهوب له و إن كان الوهب له ذاتيا فإنه لا يقدح في غناه عن كل شي‏ء و الذي يبتدئ به من الوهب إعطاء الوجود لكل عين حتى وصفها بما لا تقضيه عينها فأول ما يبتدئ به من الأعيان ما هو أقرب مناسبة للأسماء التي تطلب التنزيه ثم بعد ذلك يظهر سلطان الأسماء التي تطلب التشبيه فالأسماء التي تطلب التنزيه هي الأسماء التي تطلب الذات لذاتها و الأسماء التي تطلب التشبيه هي الأسماء التي تطلب الذات لكونها إلها فأسماء التنزيه كالغني و الأحد و ما يصح أن ينفرد به و أسماء التشبيه كالرحيم و الغفور و كل ما يمكن أن يتصف به العبد حقيقة من حيث ما هو مظهر لا من حيث عينه لأنه لو اتصف به من حيث عينه لكان له الغني و لا غنى له أصلا فإذا اتصفت هذه الأعيان التي هي المظاهر بمثل الغني و تسمت بالغنى فيكون معنى ذلك الغني بالله عن غيرها من الأعيان لا إن العين غني بذاته و كذا كل اسم تنزيه فلها هذه الأسماء من حيث ما هي مظاهر فإن كان المسمى لسان الظاهر فيها فهو كونه إلها فهو أقرب نسبة إلى الذات من لسان المظهر إذا تسمى بالغني فالمظهر لا يزول عنه اسم‏الفقر مع وجود اسم الغني المقيد له و الظاهر فيه إذا تسمى بالغنى يصح له لأنه يعطي جودا و منة و هو الوهاب الذي يعطي لينعم و قد يعطي ليعبد فلا يكون هذا عطاء تنزيه بل هو عطاء عوض ففيه طلب قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فإعطاء هذا الخلق إعطاء طلب لا إعطاء هبة و منة و إعطاء الوهب إعطاء إنعام لا لطلب شكر و لا عوض يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً و هو الخنثى ثم وصف نفسه في ذلك بأنه عَلِيمٌ قَدِيرٌ و هو وصف يرجع إليه ما طلب منهم في ذلك عوضا كما طلب في قوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فمنزلة خلقهم له ما هو منزلة خلقهم لهم فخلقهم لهم من أسماء التنزيه و خلقهم له من أسماء التشبيه و هذا القدر كاف في الغرض‏

(السؤال الخامس و العشرون) ما بدء الوحي‏ الجواب إنزال المعاني المجردة العقلية في القوالب الحسية المقيدة في حضرة الخيال في نوم كان أو يقظة و هو من مدركات الحس في حضرة المحسوس مثل قوله فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا و في حضرة الخيال‏ كما أدرك رسول الله صلى الله عليه و سلم العلم في صورة اللبن و كذا أول رؤياه قالت عائشة أول ما بدي‏ء به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلا خرجت مثل فلق الصبح‏ و هي التي أبقى الله على المسلمين و هي من أجزاء النبوة فما ارتفعت النبوة بالكلية و لهذا قلنا إنما ارتفعت نبوة التشريع فهذا معنى لا نبي بعده و كذلك من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه فقد قامت به النبوة بلا شك فعلمنا إن قوله لا نبي بعده أي لا مشرع خاصة لا أنه لا يكون بعده نبي فهذا مثل قوله إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده و لم يكن كسرى و قيصر إلا ملك الروم و الفرس و ما زال الملك من الروم و لكن ارتفع هذا الاسم مع وجود الملك فيهم و تسمى ملكهم باسم آخر بعد هلاك قيصر و كسرى كذلك اسم النبي زال بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه زال التشريع المنزل من عند الله بالوحي بعده صلى الله عليه و سلم فلا يشرع أحد بعده شرعا إلا ما اقتضاه نظر المجتهدين من العلماء في الأحكام فإنه بتقرير رسول الله صلى الله عليه و سلم صح فحكم المجتهد من شرعه الذي شرعه صلى الله عليه و سلم الذي يعطي المجتهد دليله و هو الذي أذن الله به فما هو من الشرع الذي لم يأذن به الله فإن ذلك كفر و افتراء على الله‏ فإن قلت هذا الذي بدي‏ء به رسول الله صلى الله عليه و سلم من أين نقول إنه بدء الوحي قلنا لا شك و لا خفاء عند المؤمنين و الأولياء أن محمدا صلى الله عليه و سلم خصه الله بالكمال في كل فضيلة فمن ذلك أن خصه بكمال الوحي و هو استيفاء أنواعه و ضروبه و هو قوله عليه السلام أوتيت جوامع الكلم‏ و بعث عامة فما بقي ضرب من الوحي إلا و قد نزل عليه به فلما كان بهذه المثابة و بدي‏ء صلى الله عليه و سلم بالرؤيا في وحيه ستة أشهر علمنا إن بدء الوحي الرؤيا و إنها جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة لكونها ستة أشهر و كانت نبوته ثلاثا و عشرين سنة فستة أشهر جزء من ستة و أربعين و لا يلزم أن يكون لكل نبي فقد يوحى لنبي لا من بدء الوحي الذي هو الرؤيا بل بضرب آخر من الوحي فلما بدي‏ء بالرؤيا صلى الله عليه و سلم قلنا الرؤيا بدء الوحي بلا شك لأن الكمال الذي وصف به نفسه صلى الله عليه و سلم في المقام أعطى أن يكون بدء الوحي ما بدي‏ء به رسول الله صلى الله عليه و سلم و كذا ينبغي أن يكون فإن البدء عندنا هو ما يناسب الحس أولا ثم يرتقي إلى الأمور المجردة الخارجة عن الحس فلم تكن إلا الرؤيا نوما كان أو يقظة و الوحي هنا تشريع الشرائع من كونه نبيا أو رسولا كيف ما كان‏ و هذا كله إذا كان سؤاله عن الوحي المنزل على البشر فإن كان سؤاله عن بدء الوحي من حيث الوحي أو عن بدء الوحي في حق كل صنف ممن يوحى إليه كالملائكة و غير البشر من الجنس الحيواني مثل قوله وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ و غير الجنس الحيواني مثل عرض الأمانة على السموات و الأرض و الجبال فإنه كان بوحي و مثل قوله وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و مثل قوله وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها و هي نفس كل مكلف و ما ثم إلا مكلف لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها فدخل الملك بالتقوى في هذه الآية إذ لا نصيب له في الفجور و كذلك سائر نفوس ما عدا الإنس و الجان فالإنس و الجن ألهموا الفجور و التقوى كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ من عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً فإن أراد بدء الوحي في كل صنف صنف و شخص شخص فهو الإلهام فإنه لا يخلو عنه موجود و هو الوحي و هذا جواب عن بدء الوحي من حيث الوحي و من حيث شخص شخص‏

(السؤال السادس و العشرون) ما بدء الروح‏ الجواب أهل الطريق يطلقون لفظ الروح على معان مختلفة فيقولون فلان فيه روح أي أمر رباني يحيي به من قام به يعني قلبه و يطلقون الروح على الذي سئل عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم و يطلقون الروح و يريدون به الروح الذي ينفخ فيه عند كمال تسوية الخلق و الذي مدار الطريق عليه هو الروح الذي يجده أهل الله عند الانقطاع إليه بالهمم و العبادة فأكثر ما يقع عنه السؤال منهم غالبا فيكون قوله ما بدء الروح أي ما ابتداء حصوله في قلب العارف‏ فتقول إن بدء الروح في نفوس أهله الذين أهلهم الله لتحصيله إن نفس الرحمن إذا تحكمت في نفوسهم المجاهدات التي تعطيهم رؤية الأغيار عرية عن رؤية الله فيها و أنها حائلة و قاطعة بين الله و بين هذا العبد فيكون صاحب هذه المجاهدة صاحب قبض و هم و غم و حجب يريد رفعها فتهب عليه من نفس الرحمن في باطنه ما يؤديه إلى رؤية وجه الحق في هذه القواطع على زعمه و في هذه الحجب و الأشياء التي يجاهد نفسه في قطع ما يتعرض إليه منها في طريقه فيريه ذلك النفس وجه الحق في كل شي‏ء و هو العين و الحافظ عليه وجودها فلم ير شيئا خارجا عن الحق فزال تعبه من حيث ما يريد قطعها و يتألم عند ذلك ألما شديدا حيث يتوهم عدم تلك المعرفة ثم يعقب ذلك سرور عظيم لوجود هذا النفس فيحيي به معناه و يصير به روحا و هو قوله أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً من أَمْرِنا ما هو تحت كسبك و لا تعلق لك خاطر بتحصيله ما كُنْتَ تَدْرِي ما الْكِتابُ وَ لا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي به من نَشاءُ من عِبادِنا فهذا العارف ممن شاء من عباده فيقال فيه عند ذلك إنه ذو روح و يقال فيه إنه حي و قد التحق بالأحياء و هو قوله أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ و من لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً و هو هذا الروح فَما لَهُ من نُورٍ فكان بجعل الله و لم يضفه إلى الاكتساب فإنه مجهول العين لعدم الذوق فهذا معنى بدء الروح الذي يجده العارفون في الطريق و هو مقصود السائلين و هو نور من حضرة الربوبية لا من غيرها و أصله من الروح الذي هو من أَمْرِ رَبِّي أي من الروح الذي لم يوجد عن خلق فإن عالم الأمر كل موجود لا يكون عند سبب كوني يتقدمه و لكل موجود منه شرب و هو الوجه الخاص الذي لكل موجود عن سبب و عن غير سبب فعن هذا الروح يكون هذا الروح المسئول عنه الذي يجده أهل هذا الطريق‏

(السؤال السابع و العشرون) ما بدء السكينة الجواب مطالعة الأمر بطريق الإحاطة من كل وجه و ما لم يكن ذلك فالسكينة لا تصح قال إبراهيم عليه السلام أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فجعل الطمأنينة بدء السكينة لما اختلفت عليه وجوه الأحياء فكانت تجاذبه من كل ناحية فلما أشهده الله الكيفية سكن عما كان يجده من القلق لتلك الجذبات التي للوجوه المختلفة قال بعضهم‏

إنما أجزع مما اتقىفإذا حل فما لي و الجزع‏
و كذا أطمع فيما أبتغيفإذا فات فما لي و الطمع‏

فحصول المطلوب أو الياس من تحصيله بدء السكينة فيما يطلب و كذلك على ما يليق به يكون ما يخاف منه فاعلم ذلك‏

فإذا أكمل الإنسان شرائط الايمان و أحكمها حصل من الحق تجل لقلب هذا المؤمن الذي هو بهذه الصفة يسمى ذلك التجلي ذوقا هو بدء جعل السكينة في قلبه لتكون تلك السكينة له بابا أو سلما إلى حصول أمر مغيب يقع له الايمان به فيكون معه وجود السكون لما أعطاه الأمر الأول لكونه يصير أمرا معتادا مثل سكون من تعود الأسباب إلى الأسباب و لا يكون ذلك عن غيب أصلا بل عن ذوق و هو المعاينة فإن الإنسان إذا كان عنده قوت يومه سكنت نفسه لما يعطيه قلق يومه لمعاينة ما عنده بحصوله تحت ملكه فإن حصل الايمان عنده بهذه المثابة تحت حكمه فهو صاحب سكينة و إن كان الإنسان تحت حكم الايمان نازعه العيان فلم تحصل سكينة و اعلم أن المعاني التي تتصف بها القلوب قد يجعل الله علامة على حصولها في نفوس من شاء من عباده أن يحصلها فيه علامات من خارج تسمى تلك العلامة باسم ذلك المعنى الذي يحصل في نفسه من الله و إنما يسميه به ليعلم أن تلك العلامة لحصول هذا المعنى نصبت مثل قوله تعالى في تابوت بنى إسرائيل إن الله قد جعل فيه سكينة و هي صورة على شكل حيوان من الحيوانات اختلف الناس في أي‏صورة حيوان كانت و لا فائدة لنا في ذكر ما ذكروه في صورتها فكانت تلك الصورة إذا هفت أو ظهرت منها حركة خاصة بصروا فسكن قلبهم عند رؤية تلك العلامة من تلك الصورة التي سماها سكينة و إن السكينة المعلومة إنما محلها القلوب فلم يجعل لهذه الأمة علامة خارجة عنهم على حصولها فليس لهم علامة في قلوبهم سوى حصولها فهي الدليل على نفسها ما تحتاج إلى دليل من خارج كما كان في بنى إسرائيل‏ فبدء السكينة قد بيناه و أما السكينة فهي الأمر الذي تسكن له النفس لما وعدت به أو لما حصل في نفسه من طلب أمر ما و سميت سكينة لأنها إذا حصلت قطعت عنه وجود الهبوب إلى غير ما سكنت إليه النفس و منه سمي السكين سكينا لكون صاحبه يقطع به ما يمكن قطعه به و هذا اللفظ مشتق من السكون و هو الثبوت و هو ضد الحركة فإن الحركة نقلة فالسكينة تعطي الثبوت على ما سكنت إليه النفس و لو سكنت إلى الحركة هذا حقيقتها و لا يكون ذلك إلا عن مطالعة أو مشاهدة فتنزل عليهم و هم مؤمنون فتنقلهم بنزولها عن رتبة ما كانوا به مؤمنين إلى مقام معاينة ذلك و هو تضاعف إيمانهم بالعيان لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ أ لا ترى إلى قوله تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ إلا أن الأمنة هي السكينة لا غيرها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(السؤال الثامن و العشرون) ما العدل‏ الجواب العدل هو الحق المخلوق به السموات و الأرض فسهل ابن عبد الله و غيره يسميه العدل و أبو الحكم عبد السلام بن برجان يسميه الحق المخلوق به لأنه سمع الله يقول ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ و ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ و بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ أي بما يجب لذلك المخلوق مما تقتضيه حالة خاصة بقوله تعالى ثُمَّ هَدى‏ أي بين أنه أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ أي ما خلقه إلا بالحق و هو ما يجب له‏ فالعالم على الحقيقة هو الله الذي علم ما تستحقه الأعيان في حال عدمها و ميز بعضها عن بعض بهذه النسبة الإحاطية و لو لا ذلك لكانت نسبة الممكنات في قضية العقل فيما يجب لها من الوجود نسبة واحدة و ليس الأمر كذلك و لا وقع كذلك بل علم سبحانه ما يتقيد من الممكنات في وجوده بأمس لا يمكن عنده أن يوجده اليوم و لا في غد فإنه من تمام خلقه تعيين زمانه و هو القدر و هي الأقدار أي مواقيت الإيجاد فهو سبحانه يخلق من غير حكم قدر عليه في خلقه و المخلوقات تطلب الأقدار بذاتها ف أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ من زمانه فيمن يتقيد وجوده بالزمان و من حاله فيمن يتقيد وجوده بالحال و من صفته فيمن يتقيد وجوده بالصفة فإن قلت فيه مختار صدقت و إن قلت حكيم صدقت و إن قلت لم يوجد هذه الأمور على هذا الترتيب إلا بحسب ما أعطاه العلم صدقت و إن قلت ذاته اقتضت أن يكون خلق كل شي‏ء على ما هو عليه ذلك الشي‏ء في ذاته و لوازمه و أعراضه لا تتبدل و لا تتحول و لا في الإمكان أن يكون ذلك اللازم أو العارض لغير ذلك الممكن صدقت فبعد أن أعلمتك صورة الأمر على ما هو عليه فقل ما تشاء فإن قولك من جملة من أعطى خلقه في ظهوره منك فهو من جملة الأعراض في حقك و له صفة ذاتية و لازمة و عرضية من حيث نفسه فاعلم ذلك‏ و أما تحقيق هذا الاسم لهذه النسبة فاعلم أن العدل هو الميل يقال عدل عن الطريق إذا مال عنه و عدل إليه إذا مال إليه و سمي الميل إلى الحق عدلا كما سمي الميل عن الحق جورا بمعنى إن الله خلق الخلق بالعدل أي أن الذات لها استحقاق من حيث هويتها و لها استحقاق من حيث مرتبتها و هي الألوهية فلما كان الميل مما تستحقه الذات لما تستحقه الألوهية التي تطلب المظاهر لذاتها سمي ذلك عدلا أي ميلا من استحقاق ذاتي إلى استحقاق إلهي لطلب المألوه ذلك الذي يستحقه و من أعطى المستحق ما يستحقه سمي عادلا و عطاؤه عدلا و هو الحق فما خلق الله الخلق إلا بالحق و هو إعطاؤه خلقه ما يستحقونه و ليس وراء هذا البيان و بسط العبارة ما يزيد عليها في الوضوح‏

(السؤال التاسع و العشرون) ما فضل النبيين بعضهم على بعض و كذلك الأولياء الجواب قال تعالى وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً و قال في حق الناس وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ هذا عموم في الناس فدخل الأولياء في عموم هذه الآية و قال في حق المؤمنين و العلماء يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏ فاختلف أصحابنا في مثل هذا فذهب ابن قسي إلى أن كل واحد منهم فاضل مفضول ففضل هذا هذا بأمر ما و فضله المفضول من ذلك الأمر بأمر آخر فهو فاضل بوجه و مفضول بوجه لمن فضل عليه فادى إلى التساوي في الفضلية فصاحب‏هذا القول ما حرر الأمر على ما يقتضيه وجه الحق فيه و ذلك أن تنظر المراتب فإن كانت تقتضي الفضيلة فتنظر أية مرتبة هي أعم من الأخرى و أعظم فالمتصف بها أفضل ففضل أرباب المراتب بفضل المراتب فقد يزيد و يفضل بعض الناس غيره بشي‏ء ما فيه ذلك الفضل فإن الفضل في هذا الوجه لا ينظر من حيث إنه زيادة و لكن ينظر من حيث اعتبار زيادات لها شرف في العرف و العقل كالعلم و النجارة و الخياطة و العلم بالأحكام الشرعية و العلم بما ينبغي لجلال الله و كل واحد منهم لا يعلم علم الآخر فيقال قد فضل النجار على الموحد بالدليل بالنجارة هذا لا يقال على جهة الفخر و المدح بل على جهة الزيادة و يقال فضل العالم بالله النجار على طريق الشرف و الفخر فمثل هذه المفاضلة هي التي تعتبر و هي أن يزيد كل واحد على صاحبه برتبة تقتضي المجد و الشرف فهذا معنى قوله فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ بما يقتضيه الشرف‏ و نحن نجمع إلى ذلك الزيادة فنقول في قوله فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ أي جعلنا عند كل واحد من صفات المجد و الشرف ما لم نجعل عند الآخر فقد زاد بعضهم على بعض في صفات الشرف و المراتب التي فضلوا بها بعضهم على بعض ما فيها مفاضلة عندنا لارتباطها بالأسماء الإلهية و الحقائق الربانية و لا تصح مفاضلة بين الأسماء الإلهية لوجهين الواحد أن الأسماء نسبتها إلى الذات نسبة واحدة فلا مفاضلة فيها فلو فضلت المراتب بعضها بعضا بحسب ما استندت إليه من الحقائق الإلهية لوقع الفضل في أسماء الله فيكون بعض الأسماء الإلهية أفضل من بعض و هذا لا قائل به عقلا و لا شرعا و لا يدل عموم الاسم على فضله لأن الفضلية إنما تقع فيما من شأنه أن يقبل فلا يتعمل في القبول أو فيما يجوز أن يوصف به فلا يتصف به و الوجه الآخر أن الأسماء الإلهية راجعة إلى ذاته و الذات واحدة و المفاضلة تطلب الكثرة و الشي‏ء لا يفضل نفسه فإذا المفاضلة لا تصح فمعقول فضلنا بعض النبيين على بعض أي أعطينا هذا ما لم نعط هذا و أعطينا هذا أيضا ما لم نعط من فضله و لكن من مراتب الشرف ف مِنْهُمْ من كَلَّمَ الله و آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ فمنهم من فضل بأن خلقه بيديه و أسجد له الملائكة و منهم من فضل بالكلام القديم الإلهي بارتفاع الوسائط و منهم من فضل بالخلة و منهم من فضل بالصفوة و هو إسرائيل يعقوب فهذه كلها صفات شرف و مجد لا يقال إن خلته أشرف من كلامه و لا إن كلامه أفضل من خلقه بيديه بل كل ذلك راجع إلى ذات واحدة لا تقبل الكثرة و لا العدد فهي بالنسبة إلى كذا خالقة و بالنسبة إلى كذا مالكة و بالنسبة إلى كذا عالمة إلى ما نسبت من صفات الشرف و العين واحدة و أما المسألة الطفولية التي بين الناس و اختلافهم في فضل الملائكة على البشر فإني سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم في الواقعة فقال لي إن الملائكة أفضل فقلت له يا رسول الله فإن سألت ما الدليل على ذلك فما أقول فأشار إلى أن قد علمتم أني أفضل الناس و قد صح عندكم و ثبت و هو صحيح إني قلت عن الله تعالى أنه قال من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم‏ و كم ذاكر لله تعالى ذكره في ملأ أنا فيهم فذكره الله في ملأ خير من ذلك الملإ الذي أنا فيهم فما سررت بشي‏ء سروري بهذه المسألة فإنه كان على قلبي منها كثير و إن تدبرت قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ‏ و هذا كله بلسان التفصيل و أما جهة الحقائق فلا مفاضلة و لا أفضل لارتباط الأشخاص بالمراتب و ارتباط المراتب بالأسماء الإلهية و إن كان لها الابتهاج بذاتها و كمالها فابتهاجها بظهور آثارها في أعيان المظاهر أتم ابتهاجا لظهور سلطانها كما تعطي الإشارة في قول القائل المترجم عنها حيث نطق بلسانها من كناية نحن المنزل عن الله في كلامه و هي كناية تقتضي الكثرة

نحن في مجلس السرور و لكن ليس إلا بكم يتم السرور

فمجلس السرور لها حضرة الذات و تمام السرور لها ما تعطيه حقائقها في المظاهر و هو قوله بكم و ذلك لكمال الوجود و المعرفة لا لكمال الذات إن عقلت‏

(السؤال الثلاثون) خلق الله الخلق في ظلمة الجواب هذا مثل قوله وَ الله أَخْرَجَكُمْ من بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ فهذه أنوار فيك تدرك بها الأشياء فما أدركت إلا بما جعل فيك و ما جعل فيك سوى أنت فله تعالى مما أنت الوجود و أنت من ذلك الوجود المدرك به المعدوم الموجود و ما لا يتصف بالعدم‏و لا بالوجود و هو إدراك الأفئدة مما ذكر فالممكنات على عدم تناهيها في ظلمة من ذاتها و عينها لا نعلم شيئا ما لم تكن مظهرا لوجوده و هو ما يستفيده الممكن منه و هو قوله تعالى عَلى‏ نُورٍ من رَبِّهِ‏ فخلق هنا بمعنى قدر قال تعالى وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً فقدرهم و لم يكونوا مظهرا لكن كانوا قابلين لتقديره فأول أثر إلهي في الخلق التقدير قبل وجودهم و أن يتصفوا بكونهم مظاهر للحق فالتقدير الإلهي في حقهم كإحضار المهندس ما يريد إبرازه مما يخترعه في ذهنه من الأمور فأول أثر في تلك الصورة إنما هو ما تصوره المهندس على غير مثال و آية هذا المقام قوله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أي انتقالكم من وجود الدنيا إلى وجود الآخرة أقرب في العلم إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ من انتقالكم من حال عدم إلى حال وجود فأنتم في الظلمة فيكم و أنتم في الوجود فيه غير أن لكم انتقالات في وجوده و ظلمتكم تستصحبكم لا تفارقكم أبدا وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ و لم يقل نجعلهم في ظلمة بل زوال عين النور الذي هو الوجود هو عين كونكم مظلمين أي تبقي أعيانكم لا نور لها أي لا وجود لها و لو لم تكن الظلمة نسبة عدمية و هي كون ذواتكم العينية معدومة لكانت الظلمة من جملة الخلق فكانت الظلمة تستدعي أن تكون في ظلمة و الكلام في تلك الظلمة كالكلام في الأولى و يتسلسل فإن قوله خلق الله الخلق في ظلمة قد يريد بالخلق هنا المخلوقات و الظلمة إذا كانت أمرا وجوديا فهي مخلوقة فتكون أيضا في ظلمة و إذا كان الخلق هنا مصدرا كأنه قال قدر الله التقدير في ظلمة أي في غير موجودين يعني تلك الأعيان و انظر في قوله تعالى يَخْلُقُكُمْ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً من بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ‏ ثم إن الله تعالى في الوجود الأخروي إذا أراد الله بتبديل الأرض كان الخلق في الظلمة دون الجسر فالظلمة تصحيهم بين كل مقامين إذا أراد الله أن يوجدهم في عالم آخر أي ينشئهم نشأة أخرى لم تكن في أعيانهم فيعلمون بتغير الأحوال عليهم أنهم تحت حكم قهار فيكونون في حال وجودهم مثل حالهم في العدم و لهذا نبه الحق سبحانه عقولنا بقوله تعالى أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً أي قدرناه في حال شيئيته المتوجه عليها أمره إلى شيئية أخرى لقوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ يعني في حال عدمه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ كلمة وجودية من التكوين فسماه شيئا في حال لم تكن فيه الشيئية المنفية بقوله وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً فلا بد أن يعقل العارف ما الشيئية الثابتة له في حال عدمه في قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ و ما الشيئية المنفية عنه في حال عدمه في قوله وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً فالظلمة التي خلق الله فيها الخلق نفي هذه الشيئية عنهم و النفي عدم محض لا وجود فيه و قد ذكر المفسرون معنى قوله في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ و ليس المقصود إلا ما ذكره صاحب السؤال و أما الآية فمعلوم أمرها عند العلماء بالله في خلق مخصوص و هو الخلق في الرحم لا غير انتهى الجزء الثاني و الثمانون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال الحادي و العشرون) فما قصتهم هناك يعني قصة المخلوقين‏ الجواب قصتهم هناك الانتظار لما يكسوهم الحق من حلل نور الوجود لكل مخلوق نور على قدره ينفق منه و هو النور الذي يمشون فيه يوم القيامة فإن يوم القيامة ليس له ضوء جملة واحدة و الناس لا يسعون فيه إلا في أنوارهم و لا يمشي مع أحد منهم غيره في نوره كما قال عليه السلام بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة و هو الجمع بين النورين بين نورهم المبطون في أعيانهم الظاهر هناك و بين النور المبطون في ظلمة الليل الذي ينوب عنه السراج في نفي تلك الظلمة عن طريق الماشي‏ و المسجد بيت الله يسعى إليه لمناجاته كذلك هذا النور لا يكون لهم إلا في الوقت الذي يدعون فيه إلى رؤية ربهم الذي ناجوه هنا فيمشون في ذلك الوقت في النور الذي كان مبطونا في الظلمة التي سعوا فيها في صلاة الصبح و العشاء إلى المساجد و انتظارهم هو انتظار حال فإنهم غير موصوفين في تلك الظلمة بالعلم لأن الاتصاف بالعلم تابع للوجود و هم غير موجودين بل هم في شيئيتهم القابلة لقول التكوين‏ و لما جعل الظلمة ظرفا للخلق كذلك قال هناك فأتى بما يدل على الظرف فهم قابلون للتقدير و إن كان قوله في ظلمة في موضع الحال من الخالق فيكون المراد به العماء الذي ما فوقه هواء و ما تحته‏ هواء الذي‏ أثبته رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذه الصفة للحق تعالى حين قيل له أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق فقال صلى الله عليه و سلم كان في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء فنزه أن يكون تصريفه للأشياء على الأهواء فإنه لما كنى عن ذلك الوجود بما هو اسم للسحاب محل تصريف الأهواء نفى أن يكون فوق ذلك العماء هواء أو تحته هواء فله الثبوت الدائم لا على هواء و لا في هواء فإن السؤال وقع بالاسم الرب و معناه الثابت يقال رب بالمكان إذا أقام فيه و ثبت فطابق الجواب‏ و لم يصف الحق نفسه في مخلوقاته إلا بقوله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ و قال كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ فتخيل من لا فهم له تغير الأحوال عليه و هو يتعالى و يتقدس عن التغيير بل الحالات هي متغيرة ما هو يتغير بها فإنه الحاكم و لا حكم عليه فجاء الشارع بصفة الثبوت الذي لا تقبل التغيير فلا تصرف آياته يد الأهواء لأن عماءه لا يقبل الأهواء و ذلك العماء هو الأمر الذي ذكرنا أنه يكون في القديم قديما و في المحدث محدثا و هو مثل قولك أو عين قولك في الوجود إذا نسبته إلى الحق قلت قديم و إذا نسبته إلى الخلق قلت محدث فالعماء من حيث هو وصف للحق هو وصف إلهي و من حيث هو وصف للعالم هو وصف كياني فتختلف عليه الأوصاف لاختلاف أعيان الموصوفين‏ قال تعالى في كلامه القديم الأزلي ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فنعته بالحدوث لأنه نزل على محدث لأنه حدث عنده ما لم يكن يعلمه فهو محدث عنده بلا شك و لا ريب و هذا الحادث هل هو محدث في نفسه أو ليس بمحدث فإذا قلنا فيه إنه صفة الحق التي يستحقها جلاله قلنا بقدمها بلا شك فإنه يتعالى أن تقوم الصفات الحادثات به فكلام الحق قديم في نفسه قديم بالنسبة إليه محدث أيضا كما قال عند من أنزل عليه كما أنه أيضا من وجوه قدمه نسبته إلى الحدوث بالنظر إلى من أنزل عليه فهو الذي أيضا أوجب له صفة القدم إذ لو ارتفع الحدوث من المخلوق لم يصح نسبة القدم و لم تعقل فلا تعقل النسب التي لها أضداد إلا بأضدادها فقصة الخلق في الظلمة التهيؤ و القبول في الأعيان لظهور الحق في صور الوجود لهذه الأعيان‏ (السؤال الثاني و الثلاثون) و كيف صفة المقادير الجواب المقادير هي الصفات الذاتية للأشياء فلا صفة لها فهي الحدود المانعة من هو متصف بها أن تكون صفة لغيره و عندي في حد الحد نظر سفإن أراد بقوله صفة المقادير المنع و يجعله صفة من حيث إنك تعبر عنها بأمر هو عينها بعد علمك بهذا فقل إن هذا صفة المقدار و إن أردت الحقيقة فلا صفة للمقادير لأن الشي‏ء لا يكون صفة لنفسه فإن قلت فالصفات النفسية ما هي بأمر زائد على الذات قلنا صدقت قال فإذا قد وصفت الشي‏ء بنفسه قلت إن كان غير مركب فالوصف فيه عين إطلاق لفظ يكون شرحا للفظ آخر عند السامع يقع به الإفهام عنده و إن كان الشي‏ء مركبا فذلك الوصف للمجموع و حكم الشي‏ء من كونه مجموعا غير حكمه من كونه غير مجموع فأنت إنما ذكرت آحاد ذلك المجموع المعقول من هذه الجمعية أمرا ما هو عين كل مفرد من هذا المجموع فهذا الشي‏ء الموصوف بصفاته النفسية إنما تلك أسماء آحاده أ لا ترى الذات لا توصف رأسا فإنها لذاتها هي ذات و لذاتها لا تقبل الوصف ثم لما قلت الله من حيث المرتبة استحق أن يوصف من حيث هذا الاسم بما يطلبه هذا الاسم من الحقائق التي تعينها المحدثات المعبر عنها بالأسماء فما ثم شي‏ء يوصف بنفسه إلا من حيث شرح لفظ بلفظ آخر و لذا قسمنا الحدود إلى ثلاث مراتب ذاتية و رسمية و لفظية فالمقادير جمع مقدار و الأقدار جمع قدر فلا يلتبس عليك المقادير بالأقدار فبعض المقادير محل تأثير الأقدار فاعلم فحدود الأمور الذاتية عين مقاديرها فالوزن القدر و الموازين المقادير و بها توزن الأشياء فالأمور لا تعلم إلا بحدودها و من لا حد له فذلك حده فقد علم‏

(السؤال الثالث و الثلاثون) فما سبب علم القدر الذي طوى عن الرسل فمن دونهم‏ الجواب في السؤال حذف و هو أن يقول ما سبب طي علم القدر الذي طوى عن الرسل فمن دونهم‏ فإن كان هذا الرجل يقول بفضل أفضل البشر على أفضل الملائكة فكأنه قال الذي طوى عن كل ما سوى الله و إن كان يرى أن أفضل الملائكة أفضل من أفضل البشر فقوله فمن دونهم لا يلزم أن من هو أفضل من الرسل طوى عنه علم القدر فقد يمكن عنده أن يكون من هو أعلى يعلم ذلك فبقي الجواب عما يقتضيه الأمر في نفسه هل ثم من يعلم علم القدر أم لا قلنا لا و لكن قد يعلم سره و تحكمه في الخلائق و قد أعلمنا به فعلمناه بحمد الله و أن مظاهر الحق في أعيان الممكنات المعبر عنها بالعالم هي‏آثار القدر و هي علامة على وجود الحق و لا دليل أدل على الشي‏ء من نفسه فلم يعلم الحق بغيره بل علم بنفسه و نسبة الوجود إلى هذه الأعيان قد قلنا إن ذلك أثر القدر فنعلم القدر بأثره و نعلم الحق بوجوده و ذلك لأن القدر نسبة مجهولة خاصة و الحق وجود فيصح تعلق العلم بالحق و لا يصح تعلق العلم بالقدر فإن علمنا بظهور المظهر في العين هو عين علمنا بالحق و القدر مرتبة بين الذات و بين الحق من حيث ظهوره لا يعلم أصلا و حكمه في المظاهر حكم الزمان في عالم الأجسام فلهذا يطلقه أكثر المحققين على الأوقات المعقولة و قد أعلمناك أن الزمان نسبة معقولة غير موجودة و لا معدومة و هو في الكائنات فالوقت أعز مقاما في امتناع العلم به أو تصوره فلا ينال أبدا و قد كان العزيز رسول الله عليه السلام كثير السؤال عن القدر إلى أن قال له الحق تعالى يا عزيز لئن سألت عنه لأمحون اسمك من ديوان النبوة و يقرب منه السؤال عن علل الأشياء في تكويناتها فأفعال الحق لا ينبغي أن تعلل فإنه ما ثم علة موجبة لتكوين شي‏ء إلا عين وجود الذات و قبول عين الممكن لظهور الوجود فالأزل لا يقبل السؤال عن العلل و إن ذلك لا يصدر إلا من جاهل بالله‏ فالسبب الذي لأجله طوى علم القدر هو أن له نسبة إلى ذات الحق و نسبة إلى المقادير فعز أن يعلم عز الذات و عز أن يجهل لنسبة المقادير فهو المعلوم المجهول فأعطى التكليف في العالم فاشتغل العالم بما كلفوا و نهوا عن طلب العلم بالقدر و لا يعلم إلا بتقريب الحق و شهوده شهودا خاصا لعلم هذا المسمى قدرا فأولياء الله و عباده لا يطلبون علمه للنهي الوارد عن طلبه فمن عصى الله و طلبه من الله و هو لا يعلم بالنظر الفكري فلم يبق إلا أن يعلم بطريق الكشف الإلهي و الحق لا يقرب من عصاه بمعصيته و طالب هذا العلم قد عصاه في طلبه فلا ينال من طريق الكشف و ما ثم طريق آخر يعلم به علم القدر فلهذا كان مطويا عن الرسل فمن دونهم و إن نزع أحد إلى أن السائل اعتبر بسؤاله معنى الرسالة فمن حيث إنهم رسل طوى عنهم في هذه المرتبة و من دونهم من أرسل إليهم و ذلك هو التكليف فسد الله باب العلم بالقدر في حال الرسالة فإن علموه فما علموه من كونهم رسلا بل من كونهم من الراسخين في العلم فقد ينال على هذا لو لا ما بيناه من أن مرتبته بين الذات و المظاهر فمن علم الله علم القدر و من جهل الله جهل القدر و الله سبحانه مجهول فالقدر مجهول فمن المحال أن يعرف المألوه الله لأنه لا ذوق له في الألوهة فإنه مألوه و لله ذوق في المألوهية لكونه يطلبها في المألوه كما يطلبه المألوه فمن هناك وصف الحق نفسه بما وصف به مظاهره من التعجب و الضحك و النسيان و جميع الأوصاف التي لا تليق إلا بالممكنات‏ فسر القدر عين تحكمه في المقادير كما إن الوزن متحكم في الموزون و الميزان نسبة رابطة بين الموزون و الوزن بها يتعين مقدار الموزون و مقادير الموزونات على اختلافها فالحق وضع الميزان و قال وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و يستحقه من أنزل إليه فكل شي‏ء بقضائه أي بحكمه و قدره أي وزنه و هو تعيين وقت حالا كان وقته أو زمانا أو صفة أو ما كان فظهر إن سبب طي علم القدر سبب ذاتي و الأشياء إذا اقتضت الأمور لذواتها لا للوازمها أو أعراضها لم يصح أن تتبدل ما دامت ذواتها و الذوات لها الدوام في نفسها لا لنفسها فوجود العلم بها محال‏

(السؤال الرابع و الثلاثون) لأي شي‏ء طوى‏ الجواب هذا سؤال اختبار إن كان السائل عالما فإنه من المعلومات ما يعلل و منها ما لا يعلل هذا في المعلومات فكيف ما لا يعلم كيف يصح أن يعلل الجهل به‏ و أما من يرى أن القدر معلوم لمن فوق مرتبة الرسل من الملائكة أو من شاء الله من خلقه الذي لا علم لنا بأجناس خلقه فيكون طيه حتى لا يشارك الحق في علم حقائق الأشياء من طريق الإحاطة بها إذ لو علم أي معلوم كان بطريق الإحاطة من جميع وجوهه كما يعلمه الحق لما تميز علم الحق عن علم العبد بذلك الشي‏ء و لا يلزمنا على هذا الاستواء فيما علم منه فإن الكلام فيما علم منه على ذلك فإن العبد جاهل بكيفية تعلق العلم مطلقا بمعلومه فلا يصح أن يقع الاشتراك مع الحق في العلم بمعلوم ما و من المعلومات العلم بالعلم و ما من وجه من المعلومات إلا و للقدر فيه حكم لا يعلمه إلا الله فلو علم القدر علمت أحكامه و لو علمت أحكامه لاستقل العبد في العلم بكل شي‏ء و ما احتاج إلى الحق في شي‏ء و كان الغني له على الإطلاق فلما كان الأمر بعلم القدر يؤدي إلى هذا طواه الله عن عباده فلا يعلم فكل شخص في العالم على جهل من نفسه و علم فمن حيث جهله يفتقر و يسأل و يخضع و يتضرع و يعلمه بجهله يقع منه هذا الوصف هذا إذا اتفق أن يكون ممكنا العلم به و قد قررنا أنه محال لذاته كما يعلم أنه ليس للحق من‏الصفات النفسية سوى واحدة لأحديته و هي عين ذاته فليس له فصل مقوم يتميز به عما وقع له من الاشتراك فيه مع غيره بل له الأحدية الذاتية التي لا تعلل و لا تكون علة فهي الوجود و ما هي‏ و من الأسباب التي لأجلها طوى علم ذلك عن الإنسان لكون ذات الإنسان تقتضي البوح به لأنه أسنى ما يمدح به الإنسان و لا سيما الرسل فحاجتهم إليه آكد من جميع الناس لأن مقام الرسالة يقتضي ذلك و ما ثم علم و لا آية أقرب دلالة على صدقهم من مثل هذا العلم‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما وصف ربه به مما أوحى إليه به أنه لا شي‏ء أحب إلى الله تعالى من أن يمدح‏ و لا مدحة فوق المدحة بمثل هذا ثم إن الله خلق آدم على صورته فلا شي‏ء أحب إلى العبد من أن يمدح و يثنى عليه و أسنى ما يمدح به العبد العلم بالله و علمه بالقدر علمه بالله فلو فتح للعبد الإنساني العلم بالقدر و قد أمر بالغيرة فيه و طيه عمن لا ينبغي أن يظهر عليه و كان الإنسان و هو مجبول على حب المدح و الرسالة تعطي الرغبة في هداية الخلق أجمعين و لا طريق للهداية أوضح من هذا الفن فالذي كانوا يلقونه من الكتم من الألم و العذاب في أنفسهم لا يقدر قدره فخفف الله عن الرسل مثل هذا الألم فطواه عنهم فإن جميع العالم ممن له قوة على إيصال ما في نفسه من الأمور إلى الخلق يكتمون علم مثل هذا و غيره إذا كان عندهم إلا الجن و الإنس فإن النشأة من هذه القوي العنصرية تقتضي لهم ذلك فمن كتم منهم فإنما يكتم على كره مما ينبغي أن يمدح به إذا بثه و لو لا إن البهائم لم تعط لها قوة التوصيل لأعلمت بما تشاهده من الأمور الغيبية التي أمر الله من يعلمها بسترها مثل خوار الميت على نعشه و عذاب القبر و حياة الشهداء فكل دابة تسمعه و تصغي يوم الجمعة شفقا من الساعة و لكن لما كوشفت على مثل هذا أعطيت الخرس عن التوصيل فكتمها الأشياء اضطراري لا اختياري فطواه الله عن الثقلين لذلك فإنه من الأسرار المكتومة فهذا من الأسباب التي طوى لها علم القدر

(السؤال الخامس و الثلاثون) متى ينكشف لهم سر القدر الجواب سر القدر غير القدر و سره عين تحكمه في الخلائق و إنه لا ينكشف لهم هذا السر حتى يكون الحق بصرهم فإذا كان بصرهم بصر الحق و نظروا للأشياء ببصر الحق حينئذ انكشف لهم علم ما جهلوه إذ كان بصر الحق لا يخفى عليه شي‏ء قال تعالى إِنَّ الله لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ في الْأَرْضِ وَ لا في السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الْأَرْحامِ لكونها مظلمة تمدح بإدراك الأشياء فيها كيف يشاء من أنواع الصور و التصوير لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ أي المنيع الذي نسب لنفسه الصورة لا عن تصوير و لا تصور الحكيم بما تعطيه الاستعدادات المسواة لقبول الصور فيعين لها من الصور ما شاء مما قد علم أنها مناسبة له‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ربه تعالى أنه قال ما تقرب أحد بأحب إلي من أداء ما افترضته عليه لأنها عبودية اضطرار و لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل و هي عبودية اختيار حتى أحبه‏ إذ جعلها نوافل فاقتضت البعد من الله فلما ألزم عبودية الاختيار نفسه لزوم عبودية الاضطرار أحبه فهو معنى قوله تعالى حتى أحبه‏ ثم قال فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به‏ الحديث فإذا كان الحق لهذه الحالة بصر العبد كيف يخفى عليه ما ليس يخفى فأعطته النوافل و اللزوم عليها أحكام صفات الحق و أعطته الفرائض أن يكون كله نورا فينظر بذاته لا بصفته فذاته عين سمعه و بصره فذلك وجود الحق لا وجوده وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(السؤال السادس و السابع و الثلاثون) أين ينكشف لهم و لمن ينكشف منهم‏ الجواب في حال الانفعال عنهم و الاتحاد بهم‏ و ذلك أن من المظاهر من يعلم أنه مظهر و من المظاهر من لا يعلم أنه مظهر فيتخيل أنه عن الحق أجنبي و علامة من يعلم أنه مظهر أن تكون له مظاهر حيث شاء من الكون كقضيب البان فإنه كان له مظاهر فيما شاء من الكون لا حيث ما شاء من الكون و إن من الرجال من يكون له الظهور فيما شاء من الكون لا حيث شاء و من كان له الظهور حيث شاء من الكون كان له الظهور فيما شاء من الكون فتكون الصورة الواحدة تظهر في أماكن مختلفة و تكون الصور الكثيرة على التعاقب تلبس الذات الواحدة في عين المدرك لها فإذا حصل الإنسان في المكان الذي يعرف فيه تجلى الحق في الصور المختلفة للشخص الواحد أو الأشخاص الكثيرين فمعرفته بتلك الحيثية لا تكون إلاذوقا و من عرف مثل هذا ذوقا كان متمكنا من الاتصاف بمثل هذه الصفة و هذا هو علم سر القدر الذي ينكشف لهم إذا كانوا في هذا المنزل و بهذه القوة

(السؤال الثامن و الثلاثون) ما الإذن في الطاعة و المعصية من ربنا الجواب قال تعالى إِنَّ الله لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ فالإذن الذي تشترك فيه الطاعة و المعصية هو الأذن الإلهي في كون المأذون فيه فعلا لا من طريق الحكم لأن حكمه في الأشياء بالطاعة و المعصية هو عين علمه بها بهذه الحالة فلا يكون مرادا فلا يكون الحكم مأمورا به و المحكوم به و عليه هو المراد و المأمور به فلا يصح الأذن في الطاعة و المعصية من حيث إنها طاعة و معصية قال تعالى وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ من عِنْدِ الله وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ من عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله من حيث إنها فعل فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً فأنكر عليهم أن تكون السيئة من عند محمد صلى الله عليه و سلم كما قال في موسى يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ وَ من مَعَهُ فقال لهم وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ لا من محمد صلى الله عليه و سلم فاحتجاجنا في مسألتنا إنما هو بقوله قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله فأضاف الكل إلى الله و الكل خير و هو بيده و الشر ليس إليه فأوهم السائل المسئول بلفظ الطاعة و المعصية ليرى ما عنده من العلم فإنه سؤال ابتلاء منه لمدعي علم الحقائق من طريق الكشف و قد قررنا هذا الفصل في كتاب المعرفة لنا

(السؤال التاسع و الثلاثون) و ما العقل الأكثر الذي قسمت العقول منه لجميع خلقه‏ الجواب لما كان في نفس الأمر يقتضي أن يكون مراتب المعلومات من الممكنات ثلاثا مرتبة للمعاني المجردة عن المواد التي من شأنها أن تدرك بالعقول بطريق الأدلة و البداية و مرتبة من شأنها أن تدرك بالحواس و هي المحسوسات و مرتبة من شأنها أن تدرك بالعقل أو الحواس و هي المتخيلات و هي تشكل المعاني في الصور المحسوسة تصورها القوة المصورة الخادمة للعقل يقتضي ذلك أمر يسمى الطبيعة فيما ينشأ منها من الأجسام الإنسانية و الجنية فلما إن شاء الله أن يوضح للمكلفين من عباده أسباب سعادتهم على ألسنة رسله من البشر إليهم بوساطة الروح العلوي المنزل بذلك على قلوب بعض البشر المسمين رسلا و أنبياء أجرى المعاني في المخاطبات مجرى المحسوسات في الصور التي تقبل التجزي و الانقسام و القلة و الكثرة و جعل محل ذلك حضرة الخيال فحصروا المعاني في الخطاب فتلقتها بالتشبيه العقول كما تتلقى بالمحسوسات التي شبهت بها هذه المعاني التي ليس من شأنها بالنظر إلى ذاتها أن تكون متحيزة أو منقسمة أو قليلة أو كثيرة أو ذات حد و مقدار و كيف و كم و جعل لنا الدليل على قبول ما أتى به من هذا القبيل في هذه الصور ما يراه النائم في نومه من العلم في صورة اللبن فيشربه حتى يرى الري يخرج من أظفاره فقيل له ما أولته يا رسول الله يريد ما تؤول إليه صورة ما رأيت فقال العلم و معلوم أن العلم ليس بجسم يسمى لبنا و لا هو لبن و إنما هو معنى مجرد عن الصور التي من شأنها أن تدركها الحواس‏ فكان منها ما قال الشارع في تقسيم العقول على الناس كما تقسم الحبوب فمن الناس من حصل له من العقل الممثل في الصور التي من شأنها أن تكال القفيز و القفيزين و الأكثر و الأقل و المد و المدين و الأكثر من ذلك و الأقل ليبين بهذا تفاضل الناس في العقول لأنه المشهود عندنا لأنا نرى أشخاصا كلهم يتصفون بأنهم عقلاء ذوو أحلام فمنهم من يدرك عقله غوامض الأسرار و المعاني و يحمل صورة الكلمة الواحدة من الحكيم على خمسين وجها و مائة و أكثر و أقل من المعاني الغامضة و العلوم العالية المتعلقة بالجناب الإلهي أو الروحاني أو الطبائع أو العلم الرياضي أو الميزان المنطقي و عقل شخص ينزل عن هذه الدرجة إلى ما هو أقل و آخر ينزل دون هذا الأقل و عقل آخر يعلو فوق هذا الأكبر فلما شاهدنا تفاوت العقول احتجنا أن نقسمها على الأشخاص تقسيم الذوات التي تقبل الكثرة و القلة و يسمى المعنى القابل لهذه القسمة المعنوية الممثلة العقل الأكثر أي الذي قسمت منه هذي العقول التي في العقلاء من الموجودات بحسب ما بينهم من التفاوت‏ و صورة تكوين العقول من هذا العقل الأكبر في تحقيق الأمر بطريق التمثيل و التشبيه الأقرب إلى المناسب بالسراج الأول فتوقد منه جميع الفتائل فتتعدد السرج بعدد الفتائل و تقبل الفتائل من نور ذلك السراج بحسب استعداداتها ففتيلة طبيعية في غاية النظافة صافية الدهن وافرة الجسم يكون قبولها أعظم في اتساع النور و في‏كمية جسم النور و أكبر من فتيلة نزلت عن هذه في الصفة من النظافة و الصفاء فكان التفاوت بين الأنوار بحسب استعدادات الفتائل و مع هذا فلم ينقص من السراج الأول شي‏ء بل هو على كماله كما كان و كل سراج من هذه السرج يضاهيه و يقول أنا مثله و بأي شي‏ء فضل علي و أنا يؤخذ مني كما يؤخذ منه و يصول و يقول و ما يرى فضله عليه من وجه إنه الأصل و له التقدم و الثاني إنه في غير مادة و لا واسطة بينه و بين ربه و ما عداه فلم يظهر له وجود إلا به و بالمواد التي قبلت الاشتعال منه فظهرت أعيان العقول هذا كله غاب عنها بل ما لها فيه ذوق كيف يدرك من لا وجود له إلا بين أب و أم حقيقة من كان وجوده عن غير واسطة و إذا كانت العقول تعجز عن إدراك العقل الأول التي ظهرت عنه فعجزها عن إدراك خالق العقل الأول و هو الله تعالى أعظم فإنه أول ما خلق الله العقل و هو الذي ظهرت منه هذه العقول بوساطة هذه النفوس الطبيعية فهو أول الآباء و سماه الله في كتابه العزيز الروح و أضافه إليه فقال في حق النفوس الطبيعية و حق هذا الروح و حق هذه الأرواح الجزئية التي لكل نفس طبيعية فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي و هو هذا العقل الأكبر و لهذا يقال فيه العقل الغريزي معناه الذي اقتضته هذه النشأة الطبيعية باستعدادها الذي هو عبارة عن تسويتها و تعديلها لقبول هذا الأمر و اعلم أن أصل كل متكثر الواحد فالأجسام ترجع إلى جسم واحد و الأنفس ترجع إلى نفس واحدة و العقول ترجع إلى عقل واحد و لكن لا يكون من الواحد الكثرة بمجرد أحديته بل بنسب إذا تأملت ما ذكرناه وجدته كذلك فيكون كان ذلك الواحد انقسم إلى هذه الكثرة لا أنه انقسم في نفسه إما لكونه لا يقبل القسمة كالنفوس و العقول و الأصل المرجوع إليه و إما لكونه في قوته أن تكون منه هذه الكثرة من غير أن ينقص منه من حيث جسميته كالجسوم التي يتولد عنها الحيوان بماء أو ريح فذلك الماء أو الريح ليس هو من حد هذا الجسم الذي تكون عنه ما تكون‏

(السؤال الأربعون) ما صفة آدم عليه السلام‏ الجواب إن شئت صفته الحضرة الإلهية و إن شئت مجموع الأسماء الإلهية و إن شئت‏ قول النبي صلى الله عليه و سلم إن الله خلق آدم على صورته‏ فهذه صفته فإنه لما جمع له في خلقه بين يديه علمنا أنه قد أعطاه صفة الكمال فخلقه كاملا جامعا و لهذا قبل الأسماء كلها فإنه مجموع العالم من حيث حقائقه فهو عالم مستقل و ما عداه فإنه جزء من العالم‏ و نسبة الإنسان إلى الحق من جهة باطنه أكمل في هذه الدار الدنيا و أما في النشأة الآخرة فإن نسبته إلى الحق من جهة الظاهر و الباطن و أما الملك فإن نسبته من جهة الظاهر إلى الحق أتم و لا باطن للملك و لكن إلى الحق من حيث هو مسمى الله لا من حيث ذاته فإنه من حيث ذاته هو لذاته و من حيث مسمى الله يطلب العالم فكان العالم لم يعلم من الحق سوى المرتبة و هي كونه ألها ربا و لهذا لا كلام له فيه إلا في هذه النسب و الإضافات‏ و سمي بآدم لحكم ظاهره عليه فإنه ما عرف منه سوى ظاهره كما أنه ما عرف من الحق سوى الاسم الظاهر و هو المرتبة الإلهية فالذات مجهولة و كذلك كان آدم عند العالم من الملائكة فمن دونهم مجهول الباطن و إنما حكموا عليه بالفساد أي بالإفساد من ظاهر نشأته لما رأوها قامت من طبائع مختلفة متضادة متنافرة فعلموا أنه لا بد أن يظهر أثر هذه الأصول على من هو على هذه النشأة فلو علموا باطنه و هو حقيقة ما خلقه الله عليه من الصورة لرأوا الملائكة جزءا من خلقه فجهلوا أسماءه الإلهية التي نالها بهذه الجمعية لما كشف له عنه فأبصر ذاته فعلم مستنده في كل شي‏ء و من كل شي‏ء فالعالم كله تفصيل آدم و آدم هو الكتاب الجامع فهو للعالم كالروح من الجسد فالإنسان روح العالم و العالم الجسد فبالمجموع يكون العالم كله هو الإنسان الكبير و الإنسان فيه و إذا نظرت في العالم وحده دون الإنسان وجدته كالجسم المسوي بغير روح و كمال العالم بالإنسان مثل كمال الجسد بالروح و الإنسان منفوخ في جسم العالم فهو المقصود من العالم و اتخذ الله الملائكة رسلا إليه و لهذا سماهم ملائكة أي رسلا من المالكة و هي الرسالة فإن أخذت الشرف بكمال الصورة قلت الإنسان أكمل و إن أخذت الشرف بالعلم بالله من جانب الحق لا من طريق النظر فالأفضل و الأشرف من شرفه الله بقوله هذا أفضل عندي فإنه لا تحجير عليه في إن يفضل من شاء من عباده فإن العلم بالله الذي يقع به الشرف لا حد له ينتهي إليه‏

(السؤال الحادي و الأربعون) ما توليته‏ الجواب إن الله تولاه بثلاث منها توليته في خلقه بيديه و منهابما علمه من الأسماء التي ما تولى بها ملائكته و منها الخلافة و هي قوله إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً فإن كان قوله خَلِيفَةً لقوله وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ فهو نائب الحق في أرضه و عليه يقع الكلام و إن أراد بالخلافة أنه يخلف من كان فيها لما فقد فما نحن بصدد ذلك و كان المقصود النيابة عن الحق بقوله خَلِيفَةً لقولهم من يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ و هذا لا يقع إلا ممن له حكم و لا حكم إلا لمن له مرتبة التقدم و إنفاذ الأوامر فأما مقصود السائل فإنه يريد الخلافة التي هي بمعنى النيابة عن الله في خلقه فأقامه بالاسم الظاهر و أعطاه علم الأسماء من حيث ما هي عليه من الخواص التي يكون عنها الانفعالات فيتصرف بها في العالم تصرفها فإنه لكل اسم خاصة من الفعل في الكون يعلمها من يعلم علم الحروف و ترتيبها من حيث ما هي مرقومة و من حيث ما هي متلفظ بها و من حيث ما هي متوهمة في الخيال فمنها ما له أثر في العالم الأعلى و تنزيل الروحانيات بها إذا ذكرت أو كتبت في عالم الحس و منها ما له أثر في العالم الجبروتي من الجن الروحاني و منها ما يؤثر ذكره في خيال كل متخيل و في حس كل ذي حس و منها ما له أثر في الجانب إلا حي الأعلى الذي هو موضع النسب و لا يعرف هذا التأثير الواحد و أسماءه إلا الأنبياء و المرسلون سلام الله عليهم و هي أسماء التشريع و العمل بتلك الشرائع هو المؤثر في هذا الجناب النسبي و هو جناب عزيز لا يشعر به جعله الحق سبحانه موضع أسراره و مجلى تجلياته و هو الذي يعطي النزول و الاستواء و المعية و الفرح و الضحك و المقدار و ما يفهم منه من الآلات التي لا تكون إلا لذوات المقادير و الكميات و الكيفيات‏ و قال تعالى وَ هُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ فجاء بالهوية بما ينبغي أن يظهر به في السموات من الألوهية بالاسم الذي يخصها وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ بالاسم الذي ينبغي أن يظهر به في الأرض من كونه إلها فكان آدم نائبا عن هذا الاسم و هذا الاسم هو باطنه و هو المعلم له علم التأثيرات التي تكون عن الأسماء الإلهية التي تختص بالأرض حيث كانت خلافته فيها و هكذا هو كل خليفة فيها و لهذا قال جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الْأَرْضِ أي يخلف بعضنا بعضا فيها في تلك المرتبة مع وجود التفاضل بين الخلفاء فيها و ذلك لاختلاف الأزمان و اختلاف الأحوال فيعطي هذا الحال و الزمان من الأمر ما لا يعطيه الزمان و الحال الذي كان قبله و الذي يكون بعده و لهذا اختلفت آيات الأنبياء باختلاف الأعصار فآية كل خليفة و رسول من نسبة ما هو الظاهر و الغالب على ذلك الزمان و أحوال علمائه أي شي‏ء كان من طب أو سحر أو فصاحة و ما شاكل هذا و هو قوله وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ يقول للخلفاء لِيَبْلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ و إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ و هاتان الصفتان لا تكونان إلا لمن بيده الحكم و الأمر و النهي‏ فهذا النسق يقوي أنه أراد خلافة السلطنة و الملك و هي التولية الإلهية و أعظم تأثيراتها الفعل بالهمة من حيث إن النفس ناطقة لا من حيث الحرف و الصوت المعتاد في الكلام اللفظي فإن الهمة من غير نطق النفس بالنطق الذي يليق بها و إن لم يشبه نطق اللسان لا يكون عنها انفعال بوجه من الوجوه عند جماعة أصحابنا و أوقعهم في هذا الإشكال حكم النيابة عن الله الذي إذا أراد شيئا و هو المعبر فينا بالهمة أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و هو المعبر عنه فينا بالنطق أو الكلام بحسب ما يليق بالمنسوب إليه ذلك فما اكتفى سبحانه في حق نفسه بالإرادة حتى قرن معها القول و حينئذ وجد التكوين و لا يمكن أن يكون النائب عنه و هو الخليفة بأبلغ في التكوين ممن استخلفه فلهذا لم يقتصروا على الهمة دون نطق النفس‏ و أما نحن فنقول بهذا في موطنه و هو صحيح غير أن الذات غاب عنهم ما تستحقه لكون المرتبة لا تعقل دونها فكان كون المرتبة إنما هو عن الذات بلا شك لأن الذات تطلبها طلبا ذاتيا لا طلبا يتوقف على همة و قول بل عين همتها و قولها هو عين ذاتها فكون الألوهة لها هو ما يكون عن ذات الخليفة من حيث إنها ذات خليفة فهي الذات الخلافية لا ذات الخلق التي هي نشأة جسمه و روحه و مع هذا فلا بد من النسب الثلاث لوجود التكوين عقلا في موازين العلوم و شرعا فأما في العقل فأصحاب الموازين يعرفون ذلك و أما في الشرع فإنه قوله إِنَّما قَوْلُنا فهذا الضمير الذي هو النون من قولنا عين وجود ذاته تعالى و كناية عنه فهذا أمر واحد و قوله إِذا أَرَدْناهُ أمر ثان و قوله أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ أمر ثالث فذات مريده قائلة يكون عنها التكوين بلا شك فالاقتدار الإلهي على التكوين لم يقم إلا من اعتبار ثلاثة أمور شرعا و كذلك هو الإنتاج في العلوم بترتيب المقدمات‏و إن كانت كل مقدمة مركبة من محمول و موضوع فلا بد أن يكون أحد الأربعة يتكرر فيكون في المعنى ثلاثة و في التركيب أربعة فوقع التكوين عن الفردية و هي الثلاثة لقوة نسبة الفردية إلى الأحدية فبقوة الواحد ظهرت الأكوان فلو لم يكن الكون عينه لما صح له ظهور فالوجود المنسوب إلى كل مخلوق هو وجود الحق إذ لا وجود للممكن لكن أعيان الممكنات قوابل لظهور هذا الوجود فتدبر ما ذكرناه في هذه التولية التي سأل عنها سمينا و ابن سمي أبينا محمد بن علي الترمذي في كتاب ختم الأولياء له و هي هذه المسائل التي أذكرها في هذا الباب‏

(السؤال الثاني و الأربعون) ما فطرته يعني فطرة آدم أو الإنسان‏ الجواب إن أراد فطرته من كونه إنسانا فله جواب أو من كونه خليفة فله جواب أو من كونه إنسانا خليفة فله جواب أو من كونه لا إنسان و لا خليفة فله جواب و هو أعلاها نسبة فإنه إذا كان حقا مطلقا فليس بإنسان و لا خليفة كما ورد في الخبر كنت سمعه و بصره‏ فأين الإنسانية هنا إذ لا أجنبية و أين الخلافة هنا و هو الأمر بنفسه فأثبتك و محاك و أضلك و هداك أي حيرك فيما بين لك فما تبينت إلا الحيرة فعلمت إن الأمر حيرة فعين الهدى متعلقة الضلال فقال أنت و ما أنت وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ و ما رمى إلا محمد فما رمى إلا الله فأين محمد فمحاه و أثبته ثم محاه فهو مثبت بين محوين محو أزلي و هو قوله وَ ما رَمَيْتَ و محو أبدى و هو قوله وَ لكِنَّ الله رَمى‏ و إثباته قوله إِذْ رَمَيْتَ فإثبات محمد في هذه الآية مثل الآن الذي هو الوجود الدائم بين الزمانين بين الزمان الماضي و هو نفي عدم محقق و بين الزمان المستقبل و هو عدم محض و كذلك ما وقع الحس و البصر الأعلى رمى محمد فجعله وسطا بين محوين مثبتا فأشبه الآن الذي هو عين الوجود و الوجود إنما هو وجود الله لا وجوده فهو سبحانه الثابت الوجود في الماضي و الحال و الاستقبال فزال عنه التقييد المتوهم فسبحان اللطيف الخبير و لهذا قال وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً فجاء بالخبرة أي قلنا هذا اختبارا للمؤمنين في إيمانهم لنا في ذلك من تناقص الأمور الذي يزلزل إيمان من في إيمانه نقص عما يستحقه الايمان من مرتبة الكمال الذي في أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فهذا الجواب عن الوجه الرابع الذي هو أصعب الوجوه قد بان‏ فأما فطرته من حيث ما هو إنسان ففطرته العالم الكبير و أما فطرته من حيث ما هو خليفة ففطرته الأسماء الإلهية و أما فطرته من حيث ما هو إنسان خليفة ففطرته ذات منسوب إليها مرتبة لا تعقل المرتبة دونها و لا تعقل هي دون المرتبة قال تعالى فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و هو قوله كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و الفطر الشق و قال تعالى فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله و هو الفطرة كما أنه لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله و هو قوله ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ أي قولنا واحد لا يقبل التبديل و قال صلى الله عليه و سلم كل مولود يولد على الفطرة فالألف و اللام هنا للعهد أي الفطرة التي فطر الله الناس عليها و قد تكون الألف و اللام لجنس الفطر كلها لأن الناس أي هذا الإنسان لما كان مجموع العالم ففطرته جامعة لفطر العالم‏ ففطرة آدم فطر جميع العالم فهو يعلم ربه من حيث كل علم نوع من العالم من حيث هو عالم ذلك النوع بربه من حيث فطرته و فطرته ما يظهر به عند وجوده من التجلي الإلهي الذي يكون له عند إيجاده ففيه استعداد كل موجود من العالم فهو العابد بكل شرع و المسبح بكل لسان و القابل لكل تجلى إذا و في حقيقة إنسانيته و علم نفسه فإنه لا يعلم ربه إلا من علم نفسه إن حجبه شي‏ء منه عن درك كله فهو الجاني على نفسه و ليس بإنسان كامل و لهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كمل من الرجال كثيرون و لم يكمل من النساء إلا مريم و آسية يعني بالكمال معرفتهم بهم و معرفتهم بهم هو عين معرفتهم بربهم فكانت فطرة آدم علمه به فعلم جميع الفطر و لهذا قال وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها و كل يقتضي الإحاطة و العموم الذي يراد به في ذلك الصنف و أما الأسماء الخارجة عن الخلق و النسب فلا يعلمها إلا هو لأنه لا تعلق لها بالأكوان و هو قوله عليه السلام في دعائه أو استأثرت به في علم غيبك‏ يعني من الأسماء الإلهية و إن كان معقول الأسماء مما يطلب الكون و لكن الكون لا نهاية لتكوينه فلا نهاية لأسمائه فوقع الإيثار في الموضع الذي لا يصح وجوده إذ كان حصر تكوين ما لا يتناهى محال و أما الذات من حيث هي فلا اسم لها إذ ليست محل أثر و لا معلومة لأحد و لا ثم اسم يدل عليها معرى عن نسبة و لا بتمكين فإن الأسماء للتعريف و التمييز و هو باب ممنوع لكل ما سوى الله فلا يعلم الله إلا الله‏ فالأسماء بنا و لنا و مدارها علينا و ظهورها فينا و أحكامها عندنا و غاياتها إلينا و عباراتها عنا و بداياتها منا

فلولاها لما كناو لولانا لما كانت‏
بها بنا و ما بناكما بانت و ما بانت‏
فإن خفيت لقد جلتو إن ظهرت لقد زانت‏

انتهى الجزء الثالث و الثمانون

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال الثالث و الأربعون) ما الفطرة الجواب النور الذي تشق به ظلمة الممكنات و يقع به الفصل بين الصور فيقال هذا ليس هذا إذ قد يقال هذا عين هذا من حيث ما يقع به الاشتراك‏ ف الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ هو قوله الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و العالم كله سماء و أرض ليس غير ذلك و بالنور ظهرت قوله وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ و الله مظهرها فهو نورها فظهور المظاهر هو الله فهو فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ففطر السماء و الأرض به فهو فطرتها و الفطرة التي فطر الناس عليها فكل مولود يولد على الفطرة أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ فما فطرهم إلا عليه و لا فطرهم إلا به فبه تميزت الأشياء و انفصلت و تعينت و الأشياء في ظهورها الإلهي لا شي‏ء فالوجود وجوده و العبيد عبيده فهم العبيد من حيث أعيانهم و هم الحق من حيث وجودهم فما تميز وجودهم من أعيانهم إلا بالفطرة التي فصلت بين العين و وجودها و هو من أغمض ما يتعلق به علم العلماء بالله كشفه عسير و زمانه يسير

(السؤال الرابع و الأربعون) لم سماه بشرا الجواب قال تعالى ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ على جهة التشريف الإلهي فقرينة الحال تدل على مباشرة خلقه بيديه بحسب ما يليق بجلاله فسماه بشرا لذلك إذ اليد بمعنى القدرة لا شرف فيها على من شرف عليه و اليد بمعنى النعمة مثل ذلك فإن النعمة و القدرة عمت جميع الموجودات فلا بد أن يكون لقوله بِيَدَيَّ أمر معقول له خصوص وصف بخلاف هذين و هو المفهوم من لسان العرب الذي نزل القرآن بلغتهم فإذا قال صاحب اللسان إنه فعل هذا بيده فالمفهوم منه رفع الوسائط فكانت نسبة آدم في الجسوم الإنسانية نسبة العقل الأول في العقول و لما كانت الأجسام مركبة طلبت اليدين لوجود التركيب و لم يذكر ذلك في العقل الأول لكونه غير مركب فاجتمعا في رفع الوسائط و ليس بعد رفع الوسائط في التكوين مع ذكر اليدين إلا أمر من أجله سمي بشرا و سرت هذه الحقيقة في البنين فلم يوجد أحد منهم إلا عن مباشرة أ لا ترى وجود عيسى عليه السلام لما تمثل لها الروح بشرا سويا فجعله واسطة بينه تعالى و بين مريم في إيجاد عيسى تنبيها على المباشرة بقوله بَشَراً سَوِيًّا قال تعالى وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ في الْمَساجِدِ و بشرة الشي‏ء ظاهره و البشرى إظهار علامة حصولها في البشرة فقوله للشي‏ء كن بالحرفين الكاف و النون بمنزلة اليدين في خلق آدم فأقام القول للشي‏ء مقام المباشرة و أقام الكاف و النون مقام اليدين و أقام الواو المحذوفة لاجتماع الساكنين مقام الجامع بين اليدين في خلق آدم و أخفى ذكره كما خفيت الواو من كن غير أن خفاءها في كن لأمر عارض و خفاء الجامع بين اليدين لاقتضاء ما تعطيه حقيقة الفعل و هو قوله ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و هو حال الفعل لأنه ليس في حقائق ما سوى الله ما يعطي ذلك المشهد فلا فعل لأحد سوى الله و لا فعل عن اختيار واقع في الوجود فالاختيارات المعلومة في العالم من عين الجبر فهم المجبورون في اختيارهم و الفعل الحقيقي لا جبر فيه و لا اختيار لأن الذات تقتضيه فتحقق ذلك‏ فلمباشرة الوجود المطلق الأعيان الثابتة لظهور الوجود المقيد سمي الوجود المقيد بشرا و اختص به الإنسان لأنه أكمل الموجودات خلقا و كل نوع من الموجودات ليس له ذلك الكمال في الوجود فالإنسان أتم المظاهر فاستحق اسم البشر دون غيره من الأعيان‏ و أما قوله تعالى وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ فسمى المكلم هنا بشرا بهذه الضروب كلها من الكلام لما يباشره من الأمور الشاغلة له عن اللحوق برتبة الروح التي له من حيث روحانيته‏فإن ارتقى عن درجة البشرية كلمه الله من حيث ما كلم الأرواح إذ كانت الأرواح أقوى في التشبه لكونها لا تقبل التحيز و الانقسام و تتجلى في الصور من غير أن يكون لها باطن و ظاهر فما لها سوى نسبة واحدة من ذاتها و هي عين ذاتها و البشر من نشأته ليس كذلك فإنه على صورة العالم كله ففيه ما يقتضي المباشرة و التحيز و الانقسام و هو مسمى البشر و فيه ما لا يطلب ذلك و هو روحه المنفوخ فيه و على بشريته توجهت اليدان فظهرت الشفعية في اليدين في نشأته فلا يسمع كلام الحق من كونه بشرا إلا بهذه الضروب التي ذكرها أو بأحدها فإذا زال في نظره عن بشريته و تحقق بمشاهدة روحه كلمه الله بما يكلم به الأرواح المجردة عن المواد مثل قوله تعالى في حق محمد صلى الله عليه و سلم و في حق الأعرابي فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و ما تلاه عليه غير لسان محمد صلى الله عليه و سلم فأقام محمدا صلى الله عليه و سلم في هذه الصورة مقام الروح الأمين الذي نزل بكلام الله على قلب محمد صلى الله عليه و سلم و هو قوله أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا يعني لذلك البشر فَيُوحِيَ إليه بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ الله تعالى مما أمره أن يوحى به إليه فقوله إِلَّا وَحْياً يريد هنا إلها ما بعلامة يعلم بها أن ربه كلمه حتى لا يلتبس عليه الأمر أَوْ من وَراءِ حِجابٍ يريد إسماعه إياه لحجاب الحروف المقطعة و الأصوات كما سمع الأعرابي القرآن المتلو الذي هو كلام الله أو حجاب الآذان أيضا من السامع أو حجاب بشريته مطلقا فيكلمه في الأشياء كما كلم موسى من جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ .. في الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ من الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى‏ إِنِّي أَنَا الله فوقع الحد بالجهة و تعين البقعة لشغله بطلب النار الذي تقتضيه بشريته فنودي في حاجته لافتقاره إليها و الله قد أخبر أن الناس فقراء إلى الله فتسمى الله في هذه الآية باسم كل ما يفتقر إليه غيرة إلهية أن يفتقر إلى غير الله فتجلى الله له في عين صورة حاجته فلما جاء إليها ناداه منها فكان في الحقيقة فقره إلى الله و الحجاب وقع بالصورة التي وقع فيها التجلي فلو لا ما ناداه ما عرفه و في مثل هذا يقع التجلي الإلهي في الآخرة الذي يقع فيه الإنكار و قوله إنه على أي عليم بما تقتضيه المراتب التي ذكرها و أنزلها منزلتها و قوله حكيم يريد بإنزال ما علمه منزلته و لو بدل الأمر لما عجز عن ذلك و لكن كونه عليا حكيما يقضي بأن لا يكون الأمر إلا كما وقع و لما أخبر نبيه بهذه المراتب كلها التي تطلبها البشرية قال له و كذلك أي و مثل ذلك أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً من أَمْرِنا يعني الروح الأمين الذي نزل به على قلبك الذي هو روح القدس أي الطاهر عن تقييد البشر فقد علمت معنى البشر الذي أردنا أن نبينه لك بما تقتضيه هذه اللفظة باللسان العربي‏

(السؤال الخامس و الأربعون) بأي شي‏ء نال التقدمة على الملائكة الجواب إن الله قد بين ذلك بقوله تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها يعني الأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاد حقائق الأكوان و من جملتها الأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاد الملائكة و الملائكة لا تعرفها ثم أقام المسمين بهذه الأسماء و هي التجليات الإلهية التي هي للأسماء كالمواد الصورية للأرواح فقال للملائكة أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ يعني الصور التي تجلى فيها الحق إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ و هل سبحتموني بهذه الأسماء التي تقتضيها هذه التجليات التي أتجلاها لعبادي و إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم و نقدس لك ذواتنا عن الجهل بك فهل قدستم ذواتكم لنا من جهلكم بهذه التجليات و ما لها من الأسماء التي ينبغي أن تسبحونى بها فقالت الملائكة لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا فمن علمهم بالله أنهم ما أضافوا التعليم إلا إليه تعالى إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بما لا يعلم الْحَكِيمُ بترتيب الأشياء مراتبها فأعطيت هذا الخليفة ما لم تعطنا مما غاب عنا فلو لا أن رتبة نشأته تعطي ذلك ما أعطت الحكمة أن يكون له هذا العلم الذي خصصته به دوننا و هو بشر فقال لآدم أَنْبِئْهُمْ (بِأَسْمائِهِمْ) بأسماء هؤلاء الذين عرضناهم عليهم فأنبأ آدم الملائكة بأسماء تلك التجليات و كانت على عدد ما في نشأة آدم من الحقائق الإلهية التي تقتضيها اليدان الإلهية مما ليس من ذلك في غيره من الملائكة شي‏ء فكان هؤلائك المسمون المعروضة على الملائكة تجليات إلهية في صورة ما في آدم من الحقائق فأولئك هم عالم آدم كلهم فلما علمهم آدم عليه السلام قال لهم الله أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ و هو ما علا من علم الغيوب وَ الْأَرْضِ و هو ما في الطبيعة من الأسرار وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ أي ما هو من الأمور ظاهر وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي ما تخفونه على أنه باطن مستور فأعلمتكم أنه أمر نسبي بل هو ظاهر لمن يعلمه‏ ثم قال لهم بعد التعليم اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود المتعلمين للمعلم من أجل ما علمهم فلآدم هنا لام العلة و السبب‏ أي من أجل آدم فالسجود لله من أجل آدم سجود شكر لما علمهم الله من العلم به و بما خلقه في آدم عليه السلام فعلموا ما لم يكونوا يعلمون فنال التقدمة عليهم بكونه علمهم فهو أستاذهم في هذه المسألة و بعده فما ظهرت هذه الحقيقة في أحد من البشر إلا في محمد صلى الله عليه و سلم‏ فقال عن نفسه إنه أوتي جوامع الكلم‏ و هو قوله في حق آدم عليه السلام الْأَسْماءَ كُلَّها و كلها بمنزلة الجوامع و الكلم بمنزلة الأسماء و نال التقدمة بها و بالصورة التي خلقه الله عليها قال عليه السلام إن الله خلق آدم على صورته‏ بالنشأة من أجل اليدين و جعله بالخلافة على صورته و هي المنزلة فأعطته الصورتان التقدم حيث لم يكن ذلك لغيره من المخلوقات فليس فوق هذه المنزلة منزلة لمخلوق فلا بد أن يكون له التقدمة على من سواه و كذلك الأمر الذي أعطاه هذا يتقدم على جميع الأمور كلها

(السؤال السادس و الأربعون)كم عدد الأخلاق التي منحه عطاء الجواب ثلاثمائة خلق و هي التي‏ ذكر النبي صلى الله عليه و سلم أن لله ثلاثمائة خلق من تخلق بواحد منها دخل الجنة و لهذا قال في الثلاثمائة إنهم على قلب آدم عليه السلام يعني هذه الأخلاق التي منح الله آدم فمن كملت نشأته من بنيه قبل هذه الثلاثمائة من الخلق و من لم يكمل كمال آدم فله منها على قدر ما أعطى من الكمال فمنهم الكامل و الأكمل‏ و هذه الأخلاق خارجة عن الاكتساب لا تكتسب بعمل بل يعطيها الله اختصاصا و لا يصح التخلق بها لأنه لا أثر لها في الكون و إنما هي إعدادات بأنفسها لتجليات إلهية على عددها لا يكون شي‏ء من تلك التجليات إلا لمن له هذه الأخلاق فناهيك من أخلاق لا نعلق لها لمن كان عليها و اتصف بها إلا بالله خاصة ليس بينها و بين المخلوقين نسب أصلا فقول النبي صلى الله عليه و سلم من تخلق بواحد منها أراد من اتصف بشي‏ء منها أي من قامت به‏ فإن الأخلاق على أقسام ثلاثة منها أخلاق لا يمكن التخلق بها إلا مع الكون كالرحيم و أخلاق يتخلق بها مع الكون و مع الله كالغفور فإنه يقتضي الستر لما يتعلق بالله من كونه غيورا و يتعلق بالكون و أخلاق لا يتخلق بها إلا مع الله خاصة و هي هذه الثلاثمائة و لها من الجنات جنة مخصوصة لا ينالها إلا أهل هذه الأخلاق و تجلياتها لا تكون لغيرها من الجنات و لكن هذه الأخلاق هي لهم كالخلوق الذي يتطيب به الإنسان فإنه وجود الريح من الطيب لا تعمل فيه للمتطيب به فإنه يقتضي تلك الريح لذاته و التخلق تعمل في تحصيل الخلق و هذا ليس كذلك فالثناء على الطيب لا على من قام به فكذلك هذا الخلق إذا رى‏ء على عبد قد اتصف به لم يقع منه ثناء عليه أصلا و إنما يقع الثناء على الخلق خاصة فكل خلق تجده بهذه المثابة فهو من هذه الأخلاق الثلاثمائة فإن الكرم خلق من أخلاق الله و لكن إذا تخلق به العبد أثنى عليه بأنه كريم و كذلك الرحمة يقال فيه رحيم و هذه الأخلاق لا ينطلق على من اتصف بها اسم فاعل جملة واحدة لكن ينطلق عليه اسم موصوف بها و سبب ذلك لأنه لا تعلق لها بالكون إلا بحكم الاشتراك كالغفور و لا بحكم الاختصاص كالشديد العقاب و يعطيها الاسم الوهاب من عين المنة لا غير

(السؤال السابع و الأربعون) كم خزائن الأخلاق‏ الجواب على عدد أصناف الموجودات و أعيان أشخاصها فهي غير متناهية من حيث ما هي أشخاص و متناهية من حيث ما هي خزائن و ما سميت خزائن لكون الأخلاق مخزونة فيها اختزانا وجوديا و إنما جعلت خزائن لما تتضمنه في حكم من اتصف بها من الصفات التي لا نهاية لوجودها و هي خزائن في خزائن‏ و أصلها الذي ترجع إليه الجامع للكل ثلاث خزائن خزانة تحوي على ما تقتضيه الذوات من حيث ما هي ذوات و خزانة تحوي على ما تقتضيه النسب الموجبة للأسماء من حيث ما هي نسب و خزانة تحوي على ما تقتضيه الأفعال من حيث إنها أفعال لا من حيث المفعولات و لا الانفعالات و لا الفاعلية و كل خزانة من هذه الخزائن الثلاث تنفتح إلى خزائن و تلك الخزائن إلى خزائن هكذا إلى غير نهاية فهي تدخل تحت الكم بوجه و لا تدخل تحت الكم بوجه فما حصل منها في الوجود حصره الكم‏

(السؤال الثامن و الأربعون) إن لله مائة و سبعة عشر خلقا ما تلك الأخلاق‏ الجواب إن هذه الأخلاق مخصوصة بالأنبياء عليهم السلام ليس لمن دونهم فيها ذوق و لكن لمن دونهم تعريفاتها فتكون عن تلك التعريفات أذواق و مشارب لا يحصيها إلا الله علما و عددا فمن هذه الأخلاق خلق الجمع الدال على التفريق و الجمع الذي‏يتضمن التفريق و الفرق الذي يتضمن الجمع و يظهر هذا الخلق من حضرة العزة و الإبانة و الحكمة و الكرم و من هذه الأخلاق خلق النور المستور و هو من أعز المعارف إذ لا يتمكن في النور أن يكون مستورا فإنه لذاته يخرق الحجب و يهتك الأستار فما هذا الستر الذي يحجبه إلا إن ذلك الحجاب هو أنت كما قال العارف‏

فأنت حجاب القلب عن سر غيبه و لولاك لم يطبع عليه ختامه‏

و من هذه الأخلاق خلق اليد و هو القوة و هو مخصوص بالقلوب و أصحابها و هو على مراتب و من هذه الأخلاق خلق إعدام الأسباب في عين وجودها و هو على مراتب وقفت منها في الأندلس على مائة مرتبة لا توجد في الكمال إلا في روحانية ذلك الإقليم فإنه لكل جزء من الأرض روحانية علوية تنظر إليه و لتلك الروحانية حقيقة إلهية تمدها و تلك الحقيقة هي المسماة خلقا إلهيا و أما بقية الأخلاق فلها مراتب دون هذه التي ذكرناها في الإحاطة و العموم و لكل خلق من هذه الأخلاق درجة في الجنة لا ينالها إلا من له هذا الخلق و هذه الأربع التي ذكرناها منها للرسل و منها للأنبياء و منها للأولياء و منها للمؤمنين و كل طبقة من هؤلاء الأربع على منازل بعددهم فمنها ما يشاركهم فيها الملأ الأعلى و منها ما تختص به تلك الطبقة و ذلك أن كل أمر يطلب الحق ففيه يقع الاشتراك و كل أمر يطلب الخلق فهو يختص بذلك النوع من الخلق يقتصر عليه‏ و من الباقي أربعة عشر خلقا لا يعلمها إلا الله و الباقي من الأخلاق تعينها أسماء الإحصاء و هي أسماء لا يعرفها إلا ولي أو من سمعها من رسول الله صلى الله عليه و سلم من الصحابة و أما من طريق النقل فلا يحصل بها علم و أما الثلاثة عشر فيختص بعلمها سبحانه و ما بقي فيعلمه أهل الجنة و هم في العلم بها على طبقات و أعني بأهل الجنة الذين هم أهلها فإنه لله سبحانه أهل هم أهله لا يصلحون لغيره كما ورد في الخبر أن أهل القرآن هم أهل الله و خاصته و للجنة أهل هم أهلها لا يصلحون إلا لها لا يصلحون لله و إن جمعتهم حضرة الزيارة و لكن هم فيها بالعرض و للنار أهل هم أهلها لا يصلحون لله و لا للجنة و لكل أهل فيما هم فيه نعيم بما هم فيه و لكن بعد نفوذ أمر سلطان الحكم العدل القاضي إلى أجل مسمى و كل طائفة لها شرب و ذوق في هذه الأخلاق المذكورة في هذا الباب‏ فانقسمت هذه الأخلاق على هؤلاء الطبقات الثلاث كل خلق منها يدعوهم إلى ما يقتضيه أمره و شأنه من نار أو جنان أو حضور عنده حيث لا أين و لا كيف و للمعاني المجردة منها أخلاق و لعالم الحس منها أخلاق و لعالم الخيال منها أخلاق فجنة محسوسة لمعنى دون حس و جنة معنوية لحس دون معنى و حضور مع الحق معنوي لحس دون معنى و حضور مع الحق محسوس لمعنى و نار محسوسة لمعنى دون حس و نار معنوية لحس دون معنى و تتفاضل مشارب هؤلاء الطبقات فيها فمنهم التام و الأتم و الكامل و الأكمل‏ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في كل حضرة فإنه كلما أثبتناه من أعيان أكوان في نار و جنان فليس إلا الحق إذ هي مظاهره فالنعيم به لا يصح أصلا في غير مظهر فإنه فناء ليس فيه لذة فإذا تجلى في المظاهر وقعت اللذات و الآلام و سرت في العالم و يرحم الله من قال‏

فهل سمعتم بصبسليم طرف سقيم‏
منعم بعذابمعذب بنعيم‏

فبه النعيم و به العذاب فلا يوجد النعيم أبدا إلا في مركب و كَذلِكَ الْعَذابُ و أما النعيم و العذاب البسيط فلا حكم له في الوجود فإنه معقول غير موجود فأهل المظاهر هم أهل النعيم و العذاب و أهل أحدية الذات لا نعيم عندهم و لا عذاب قال أبو يزيد ضحكت زمانا و بكيت زمانا و أنا اليوم لا أضحك و لا أبكي و قيل له كيف أصبحت قال لا صباح لي و لا مساء إنما المساء و الصباح لمن تقيد بالصفة و لا صفة لي‏

(السؤال التاسع و الأربعون و الموفي خمسين) كم للرسل سوى محمد صلى الله عليه و سلم منها و كم لمحمد صلى الله عليه و سلم منها

الجواب كلها إلا اثنين و هم فيها على قدر ما نزل في كتبهم و صحفهم إلا محمدا صلى الله عليه و سلم فإنه جمعها كلها بل جمعت له عناية أزلية قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ فيما لهم به من هذه الأخلاق‏ فاعلم أن الله تعالى لما خلق الخلق خلقهم أصنافا و جعل في كل صنف خيارا و اختار من الخيار خواص و هم المؤمنون و اختار من المؤمنين‏خواص و هم الأولياء و اختار من هؤلاء الخواص خلاصة و هم الأنبياء و اختار من الخلاصة نقاوة و هم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم و اختار من النقاوة شرذمة قليلة هم صفاء النقاوة المروقة و هم الرسل أجمعهم و اصطفى واحدا من خلقه هو منهم و ليس منهم هو المهيمن على جميع الخلائق جعله عمدا أقام عليه قبة الوجود جعله أعلى المظاهر و أسناها صح له المقام تعيينا و تعريفا فعلمه قبل وجود طينة البشر و هو محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يكاثر و لا يقاوم هو السيد و من سواه سوقة قال عن نفسه أنا سيد الناس و لا فخر بالراء و الزاي روايتان أي أقولها غير متبجح بباطل أي أقولها و لا أقصد الافتخار على من بقي من العالم فإني و إن كنت أعلى المظاهر الإنسانية فإنا أشد الخلق تحققا بعيني فليس الرجل من تحقق بربه و إنما الرجل من تحقق بعينه لما علم إن الله أوجده له تعالى لا لنفسه و ما فاز بهذه الدرجة ذوقا إلا محمد صلى الله عليه و سلم و كشفا إلا الرسل و راسخو علماء هذه الأمة المحمدية و من سواهم فلا قدم لهم في هذا الأمر و ما سوى من ذكرنا ما علم أن الله أوجده له تعالى بل يقولون إنما أوجد العالم للعالم فرفع بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا و هو غني عن العالمين هذا مذهب جماعة من العلماء بالله و قالت طائفة من العارفين إن الله أوجد الإنس له تعالى و الجن و أوجد ما عدا هذين الصنفين للإنسان و قد روى في ذلك خبر إلهي عن موسى صلى الله عليه و سلم أن الله أنزل في التوراة يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك و خلقتك من أجلي فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك و قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و تقتضي المعرفة بالله أن الله خلق العالم و تعرف إليهم لكمال مرتبة الوجود و مرتبة العلم بالله لا لنفسه سبحانه و هذه الوجوه كلها لها نسب صحيحة و لكن بعضها أحق من بعض و أعلاها ما ذهبنا إليه ثم يلي ذلك خلقه لكمال الوجود و كمال العلم بالله و ما بقي فنازل عن هاتين المرتبتين‏ و اعلم أن كل خلق ينسب إلى جناب الحضرة الإلهية فلا بد من مظهر يظهر فيه ذلك الخلق فأما أن يعود من المظهر التخلق به على جناب الحق أو يكون متعلقة مظهر آخر يقتضيه في عين ممكن ما من الممكنات لا يكون إلا هكذا و أما الحق من حيث هو لنفسه فلا خلق فمن عرف النسب فقد عرف الله و من جهل النسب فقد جهل الله و من عرف أن النسب تطلبها الممكنات فقد عرف العالم و من عرف ارتفاع النسب فقد عرف ذات الحق من طريق السلب فلا يقبل النسب و لا تقبله و إذا لم يقبل النسب لم يقبل العالم و إذا قبل النسب كان عين العالم قال تعالى وَ اعْبُدْ رَبَّكَ نسبة خاصة حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ فتعلم من عبده و من العابد و المعبود قال تعالى ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ صِراطِ الله الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ و إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ لا تعبد أنت فإن عبدته من حيث عرفته فنفسك عبدت و إن عبدته من حيث لم تعرفه فنسبته إلى المرتبة الإلهية عبدت و إن عبدته عينا من غير مظهر و لا ظاهر و لا ظهور بل هو هو لا أنت و أنت أنت لا هو فهو قوله فاعبده فقد عبدته و تلك المعرفة التي ما فوقها معرفة فإنها معرفة لا يشهد معروفها فسبحان من علا في نزوله و نزل في علوه ثم لم يكن واحدا منهما و لم يكن إلا هما لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏

(السؤال الحادي و الخمسون) أين خزائن المنن‏ الجواب في الاختيار المتوهم المنسوب إليه و إليك فأنت مجبور في اختيارك فأين الاختيار و هو ليس بمجبور و أمره واحد فأين الاختيار و لو شاء الله فما شاء و إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ و ليس بمحل للحوادث بل الأعيان محل الحوادث و هو عين الحوادث عليها فإنها محال ظهوره‏ ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من الرَّحْمنِ . من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ و الذكر كلامه و هو الذي حدث عندهم و كلامه علمه و علمه ذاته فهو الذي حدث عندهم فهو خزائن المنن و المنن ظهور ما حدث عندهم فيهم و هو لا أين له فلا أينية لخزائن المنن‏ و لما كانت المنن متعددة طلب عين كل نسبة منه خزانة فلهذا تعددت الخزائن بتعدد المنن و إن كانت واحدة بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنكم مؤمنون فهذه سنتان منة الهدى و منة الايمان و جميع نعمه الظاهرة و الباطنة مننه و إذا كان هو عين المنة فأنت الخزانة فالعالم خزائن المنن الإلهية ففينا اختزن مننه سبحانه فما هو لنا بأين و نحن له أين فمن‏لا أينية له هو نحن فأعياننا أين لظهوره‏ فحقيقة المكان لا تقبل المكان و دع عنك من يقول المتمكن في المكان مكان لمكانه و فرض بين التمكن و المكان حركتين متضادتين تعطي حقيقة المكانية لكل واحد منهما و هذا من قائله توهم من أجل ما ذهب إليه و الحقيقة هي ما قررناه من أن المكان لا يقبل المكان فلا أين للأين لمن هو أين له و هذا كله في المظاهر الطبيعية و أما في المعاني المجردة عن المواد فهي المظاهر القدسية للأسماء التي لا تقبل نسب التشبيه فالعلم بها أن لا علم كما روى عن الصديق أنه قال في مثل ما ذكرناه العجز عن درك الإدراك إدراك فانقلب التنزيه عن الأين لمن يقبل التشبيه فلا تشبيه في العالم و لا تنزيه فإن الشي‏ء لا يتنزه عن نفسه و لا يشبه بنفسه فقد تبينت الرتب و علم ما معنى النسب و الحمد لله وحده أن علم عبده‏

(السؤال الثاني و الخمسون) أين خزائن سعى الأعمال‏ الجواب ذوات العمال فإن أراد تجسد هذا السعي فخزانته الخيال و إن أراد أين يختزن ففي سدرة المنتهى فإن أراد ما لها من الخزائن الإلهية فخزانة الاسم الحفيظ العليم‏ و اعلم أن خزائن هذا السعي خمس خزائن لا سادسة لها و عباد الله رجلان عامل و معمول به فالمعمول به ليس هو مقصودنا في هذا الباب من هذا الفصل و إنما مقصودنا سعى الأعمال من حيث نسبتها إلى العاملين و العاملون ثلاثة عامل هو حق و عامل بحق و عامل هو خلق و كل له سعى في العمل بحسب ما أضيف إليه فإن الله قد نسب الهرولة إليه و هي ضرب من السعي سريع و قد قال إن الله لا يمل حتى تملوا ثبت هذا في الحديث الصحيح‏ فأما سعى العمل الذي هو حق فالعمل يطلب الأجر بنفسه ليجود به على عامله و العامل هنا ما يعطي حقيقته قبول الأجر و لا بد من الأجر فيكون إذا الأجر الثناء لا غير فإنه يقبل الثناء هذا العامل الذي هو حق و لا يقبل القصور و لا الحور و لا الولدان و لا التجليات فإن كان العمل مما يتضمن الحسن و القبح أو لا حسن و لا قبح فلا يضاف العمل إلى هذا العامل من حيث ما هو محكوم عليه بحسن أو قبح أو لا حسن و لا قبح بل يضاف إليه معرى عن الحكم بنفي أو إثبات و صاحبه أكمل الناس نعيما في الجنة و لذة و أرفعهم درجة و ما له من الجنات من حيث هذا العمل سوى جنة عدن و العمل يطلب نصيبه في جميع الجنان من حيث ما هو عمل لا غير فيعود به على صاحبه بل يكون له مركبا إلى كل درجة في جميع الجنات و هو المراد بقوله تعالى عنه نَتَبَوَّأُ من الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ إلى هنا و قوله فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ليس هم هؤلاء بل العاملون بحق و بخلق إلا أن يريد بقوله فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الثناء فهو لهم فإن لفظة نعم و بئس للمدح و الذم و العامل هنا حق و الثناء له حق و نعم كلمة محمدة و مدح فيكون بهذا التأويل تمام الآية له و التبوؤ في الجنات للعمل لا له فالمحل الذي ظهر فيه العمل و هو أنت هو الذي يتبوأ من الجنة بعناية عمله الظاهر فيه ما شاء إذ الصورة الطبيعية منه تطلب النعيم المحسوس و المتخيل فلهذا أبيحت الجنات له بحكم مشيئته بشفاعة العمل الحق فخزائن هذا السعي كلها أنوار مباحها و مندوبها و واجبها و محظورها و مكروهها في حكم الظاهر المقرر عند علماء الرسوم ممن ليس له كشف منهم و هو عند علماء الرسوم الذين لهم الكشف الأتم في معرفة الشرائع أعني هذا الذي ظهر فيه هذا العمل على هذه الصفة ما تصرف إلا فيما حسنه الشرع و قبله وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ و أما سعى من كان عمله بحق فيقرب من هذا أنه لما شاهد ذاته عاملة و هو من أهل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و من أهل لا حول و لا قوة إلا بالله نقص عن ذلك الأول فكان صاحب كشف في عمله لاخذ الحق بناصيته في جميع ما يتصرف فيه فامتلأت خزائنه الخمسة عندنا و الستة عند أبي حنيفة نورا خالصا و نورا غير خالص و نورا مزيلا لظلمة كانت قبله فكان ممتزج الأحوال فلو لا عناية هذا الحضور و الكشف في حال السعي لما تم له هذا السعد الذي حصل له من إزالة ظلمته فهذان الصنفان من أصحاب الأعمال في النور ف لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ‏ و أما من كان سعى عامله خلق فترفع له خزائن الواجبات أعني الفرائض في العمل و الترك و المندوبات في العمل و الترك ممتلئة نورا مشوبا بكون دون أنوار من ذكرناهم و ترفع لهم خزائن المباحات فارغة في العمل و الترك إلا من ترك المباح أو عمله لكونه مباحا ففيها نور يليق بهذا النوع فكأنه نور من وراء حجاب مثل ضوء الشمس من خلف السحاب الرقيق فإن نظر إلى تضمن ذلك المباح ترك محظور أو مكروه و لم يخطر له ترك واجب أو مندوب فإن نوره يكون أتم قليلا و أضوأ من النور الأول المعرى‏عن هذا الخاطر فإن خطر له أن ذلك المباح يتضمن ترك مندوب أو واجب من واجب يوجبه على نفسه كمن نذر صيام يوم لا بعينه و له إن شاء أن يصومه في هذا اليوم و هو صوم واجب و لكن لا في هذا اليوم و لا بد و إن صامه في هذا اليوم المباح له ترك الصوم فيه فقد أدى واجبا فإن نوره في خزانته هذه بين النورين المتقدمين و ترفع له خزائن المحظورات في العمل و الترك و المكروهات في العمل و الترك أما خزائن المحظورات ظلمة محضة و أما خزائن المكروهات فسدفة فإن كان حصره في وقت المحظور الايمان به أنه في محظور و كذلك في المكروه فيكون خزائن المحظور ممتلئة سدفة و خزائن المكروه كالأسفار و الشفق و ما ثم عامل في المؤمنين أو الموحدين إلا هؤلاء خاصة و أما من سوى المؤمن أو الموحد فلا كلام لنا معه في هذا الفصل من حيث قصد السائل‏ و أما من حيث سعى الأعمال فإن لكل عامل مدخلا في هذا الفصل بحسب سعيه من معطل و مشرك و كافر و جاحد و منافق و مأثم شقي سوى هؤلاء الخمسة و في الكلام على مناهجهم تفصيل يطول و كل يجري في طلقه إلى أجل مسمى و ما منهم إلا من يقول أنا من الأشياء فلا بد لي من الرحمة فإن قائلها ليس من صفته التقييد إذ لو تقيد لخرج عنه ما لا يمكن أن يكون إلا به فمن المحال خروج شي‏ء عنه فمن المحال تقييده فمنا من تفيض عليه الرحمة من خزائن الوجوب و منا من تفيض عليه الرحمة من خزائن المنن التي ذكرناها فالكل طامع و المطموع فيه واسع إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ أ ترى هذه السعة الربانية تضيق عن شي‏ء هي لم تضق عن الممكنات إذ كانت في الشر المحض فكيف تضيق عن الممكنات إذ هي في الشر المشوب هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏ فيخصه بالرحمة الموجبة بالصفة الموجبة فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ممن لم يتق فيخصه برحمته المطلقة و هي رحمة الامتنان و لا تتقيد بحصر فهذا جواب خزائن سعى الأعمال على الإيجاز و البيان‏

(السؤال الثالث و الخمسون) من أين تعطي الأنبياء الجواب الأنبياء على نوعين أنبياء تشريع و أنبياء لا تشريع لهم و أنبياء التشريع على قسمين أنبياء تشريع في خاصتهم كقوله إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى‏ نَفْسِهِ و أنبياء تشريع في غيرهم و هم الرسل عليهم السلام أما الأنبياء الذين هم الرسل فمن حضرة الملك الذي هو ملك الملك و أما الأنبياء غير المرسلين فمن حضرة الاختصاص و أما الأنبياء الذين لا يوحي إليهم الروح المخصوص بذينك الصنفين فمن حضرة الكرم و الكل من عين المنة و الرحمة و هو الجامع‏ فأما الدائرة العظمى العامة التي هي النبوة المطلقة فمن أعطيها من حيث إطلاقها فلا يعرف أحد ما لديه و ما أتحفه به ربه و هو أيضا لا يعرف قدر ذلك لأنه لا يقابله ضد فيها فيتميز عنه و أما من أعطى منها من باب الرحمة به و تولى الحق بضرب من العطف عليه تعليمه فتعرف إليه بعوارفه ثم عرفه من غيبه ما شاء أن يعرفه كخضر الذي قال فيه آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا أي رحمناه فأعطيناه هذا العلم الذي ظهر به و إن أراد تعالى أنه أعطاه رحمة من عنده جعلها فيه ليرحم بها نفسه و عباده فيكون في حق الغلام رحمة أن حال بينه و بين ما كان يكتسبه لو عاش من الآثام إذ قد كان طبع كافرا و أما رحمته بالملك الغاصب حتى لا يتحمل وزر غصبه تلك السفينة من هؤلاء المساكين فالرحمة إنما تنظر من جانب الرحيم بها لا من جانب صاحب الغرض فإنه جاهل بما ينفعه كالطبيب يقطع رجل صاحب الأكلة رحمة به لبقاء نفسه فالرحمة عامة من الرحيم الراحم و لم أر أحدا أعطى النبوة المطلقة التي لا تشريع لها إلا إن كان و ما عرفته فهذا لا يبعد فإني رأيت من أولياء الله تعالى ما لا أحصيهم عددا أنفعنا الله بهم و أما من أعطى النبوة المقيدة بالشرع الخاص به فما على الأرض منهم اليوم أحد و لا يراهم أحد إلا في الموافقة و هي المبشرات و أما النبوة المقيدة بالشرائع ففي الزمان منهم اليوم الياس وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ و إدريس و عيسى و اختلف في الخضر بين النبوة و الولاية فقيل هو نبي و قيل ولي‏

(السؤال الرابع و الخمسون) أين خزائن المحدثين من الأولياء الجواب في حضرة الحق من الحضرات الإلهية و في المظاهر الإلهية مما وقعت عليه العين أو بعض الحواس من صامت معتاد و ناطق‏

تحدثني في ناطق ثم صامت و غمز عيون ثم كسر حواجب‏

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذا الفصل إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا و لك الحمد فإن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ فهذا من حديث الله مع خلقه و قال تعالى فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله‏فكلم الله الأعرابي بلسان رسوله صلى الله عليه و سلم فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي تلا عليه القرآن و القرآن كلام الله قال تعالى ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ لأنه حدث عندهم و إن كان قديما في نفس الأمر من حيث إنه كلام الله و قال صلى الله عليه و سلم في عمر إنه من المحدثين إن يكن في هذه الأمة منهم أحد و أريد حديثه تعالى مع أوليائه لا مع الأنبياء و الرسل فإن الأذواق تختلف باختلاف المراتب فنحن لا نتكلم إلا فيما لو ادعيناه لم ينكر علينا لأن باب الولاية مفتوح و لهذا سأل عن خزائن المحدثين من الأولياء فأكمل المحدثين من فهم عن الله ما حدثه به في كل شي‏ء و هم أهل السماع المطلق من الحق فإن أجابوه به فهو حديث و إن أجابوه بهم فهي محادثة و إن سمعوا حديثه به فليس بحديث في حقهم و إنما هو خطاب أو كلام و أهل الحقائق يمنعون المحادثة و لا يمنعون المناجاة فإن الحق لا يحدث عنده شي‏ء فهو سبحانه يحدث من شاء من عباده و لا يحدثه منهم أحد لكن يناجونه و يسامرونه كالمتهجدين هم أهل المسامرة فالعالم خزائن المحدثين من الأولياء إذا سمعوا بهم فالمحدثون أنزل الدرجات في مقامات الأولياء و هم عند العامة في الرتبة العليا لأن علومهم ليست عن ذوق و إنما هي علوم نقل أو علوم فكر لا غير فأما حديث الله في الصوامت فهو عند العامة من علماء الرسوم حديث حال أي يفهم من حاله كذا و كذا حتى أنه لو نطق لنطق بما فهمه هذا الفاهم منه قال القوم في مثل هذا قالت الأرض للوتد لم تشقني قال الوتد لها سلي من يدقني فهذا عندهم حديث حال و عليه خرجوا قوله تعالى وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و قوله إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها إباية حال و أما عند أهل الكشف فيسمعون نطق كل شي‏ء من جماد و نبات و حيوان يسمعه المقيد بإذنه في عالم الحس لا في الخيال كما يسمع نطق المتكلم من الناس و الصوت من أصحاب الأصوات فما عندنا في الوجود صامت أصلا بل الكل ناطق بالثناء على الله كما أنه ليس عندنا في الوجود ناطق أصلا من حيث عينه بل كل عين سوى الله صامتة لا نطق لها إلا أنها لما كانت مظاهر كان النطق للظاهر قالت الجلود أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فالكلام في المظاهر هو الأصل و الصمت فيها عرض يعرض في حق المحجوب و الصمت في الأعيان هو الأصل و الكلام المسموع منها عرض يعرض في حق المحجوب فلأصحاب الحرف و الصوت عذر عند هؤلاء و لمنكر الصوت و الحرف عذر أيضا عندهم انتهى الجزء الرابع و الثمانون