قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثالث و السبعون في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند ال (بخش ۳)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال الخامس و الخمسون) ما الحديث‏ الجواب ما يتلقاه السامع إذا سمعه به لا بربه فذلك هو الحديث لا غير فإن سمعه بربه فليس ذلك بحديث و معنى قوله سمعه بربه‏ قول الله تعالى كنت سمعه الذي يسمع به‏ فاعلم أن وصفه بأنه سميع هو عينه لا أمر زائد و اعلم أن تحقيق هذا أنه لكل اسم إلهي نسبة كلام و الإنسان محل لاختلاف الأحوال عليه عقلا و حسا و ذلك أن الألوهية تعطي ذلك لذاتها فإنها بالنسبة إلى العالم بهذه الصفة قال تعالى يَسْئَلُهُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ فكل حال في الكون فهو عين شأن إلهي و قد تقرر في العلم الإلهي أنه تعالى لا يتجلى في صورة واحدة لشخصين و لا في صورة واحدة لشخص مرتين و كل تحل له كلام فذلك الكلام لهذا الحال من هذا التجلي هو المعبر عنه بالحديث فالحديث لا يزال أبدا غير أنه من الناس من يفهم أنه حديث و من الناس من لا يعرف ذلك بل يقول ظهر لي كذا و كذا و لا يعرف أن ذلك من حديث الحق معه في نفسه لأنه حرم عين الفهم عن الله فيما يحسب أنه خاطر و الذين قسموا الخواطر إلى أربعة فذلك التقسيم لا يقع في الحديث فإن الحديث حديث في كل قسم و إنما الأقسام وقعت في الذوات التي فهم منها ما أريد بالحديث فيقال خاطر شيطاني و هو حديث رباني و قول إلهي لما أراده الحق قال له كن فكان فناجاه الاسم البعيد كما يتلقاه من الحديث الإلهي في الخاطر الملكي الاسم القريب كما يتلقاه من الحديث الإلهي في الخاطر النفسي الاسم المريد كما يتلقاه من الحديث الإلهي في الخاطر الرباني الاسم الحفيظ فهذه الخواطر كلها من الحديث الإلهي الذي لا يشعر به إلا رجال الله‏ فالعالم كله على طبقاته لا يزالون في الحديث فمن‏رزق الفهم عنه تعالى و عرفه فذلك المحدث و هو من أهل الحديث و علم أن كل ما سمعه حديث بلا شك و إن اختلفت ألقابه كالسمر و المناجاة و المناغاة و الإشارات فالكلام كله حادث قديم حادث في السمع قديم في السمع فافهم‏

(السؤال السادس و الخمسون) ما الوحي‏ الجواب ما تقع به الإشارة القائمة مقام العبارة من غير عبارة فإن العبارة تجوز منها إلى المعنى المقصود بها و لهذا سميت عبارة بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنها ذات المشار إليه و الوحي هو المفهوم الأول و الإفهام الأول و لا أعجل من أن يكون عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه فإن لم تحصل لك هذه النكتة فلست صاحب وحي أ لا ترى أن الوحي هو السرعة و لا سرعة أسرع مما ذكرناه‏ فهذا الضرب من الكلام يسمى وحيا و لما كان بهذه المثابة و أنه تجل ذاتي لهذا ورد في الخبر أن الله إذا تكلم بالوحي كأنه سلسلة على صفوان صعقت الملائكة و لما تجلى الرب للجبل تدكدك الجبل و هو حجاب موسى فإنه كان ناظرا إليه طاعة لأمر الله فلاح له عند تدكدك الجبل الأمر الذي جعل الجبل دكا ف خَرَّ مُوسى‏ صَعِقاً حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ القائل رَبُّكُمْ قالت الملائكة الحق قالت الحقيقة وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ هذه النسبة من حيث هويته‏ فالوحي ما يسرع أثره من كلام الحق تعالى في نفس السامع و لا يعرف هذا إلا العارفون بالشئون الإلهية فإنها عين الوحي الإلهي في العالم و هم لا يشعرون فافهم و قد يكون الوحي إسراع الروح الإلهي الأمري بالإيمان بما يقع به الإخبار و المفطور عليه كل شي‏ء مما لا كسب له فيه من الوحي أيضا كالمولود يتلقى ثدي أمه ذلك من أثر الوحي الإلهي إليه كما قال وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ و لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبِيلِ الله أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ و قال تعالى وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي من الْجِبالِ بُيُوتاً وَ من الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ فلو لا ما فهمت من الله وحيه لما صدر منها ما صدر و لهذا لا يتصور المخالف إذا كان الكلام وحيا فإن سلطانه أقوى من أن يقاوم وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ و كذا فعلت و لم تخالف مع أن الحالة توذن أنها ألقته في الهلاك و لم تخالف و لا ترددت و لا حكمت عليها البشرية بأن إلقائه في اليم في تابوت من أخطر الأشياء فدل على أن الوحي أقوى سلطانا في نفس الموحى إليه من طبعه الذي هو عين نفسه قال تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و حبل الوريد من ذاته فيا أيها الولي إذا زعمت أن الله أوحى إليك فانظر في نفسك في التردد أو المخالفة فإن وجدت لذلك أثرا بتدبير أو تفصيل أو تفكر فلست صاحب وحي فإن حكم عليك و أعماك و أصمك و حال بين فكرك و تدبيرك و أمضى حكمه فيك فذلك هو الوحي و أنت عند ذلك صاحب وحي و علمت عند ذلك أن رفعتك و علو منصبك أن تلحق بمن تقول إنه دونك من حيوان و نبات و جماد فإن كل ما سوى مجموع الإنسان مفطور على العلم بالله إلا مجموع الإنسان و الجان فإنه من حيث تفصيله مفطور على العلم بالله كسائر ما سواهما من المخلوقات من ملك و نبات و حيوان و جماد فما من شي‏ء فيه من شعر و جلد و لحم و عصب و دم و روح و نفس و ظفر و ناب إلا و هو عالم بالله تعالى بالفطرة بالوحي الذي تجلى له فيه و هو من حيث مجموعيته و ما لجمعيته من الحكم جاهل بالله حتى ينظر و يفكر و يرجع إلى نفسه فيعلم أن له صانعا صنعه و خالقا خلقه فلو أسمعه الله نطق جلده أو يده أو لسانه أو رجله لسمعه ناطقا بمعرفته بربه مسبحا لجلاله و مقدسا يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ و قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا فالإنسان من حيث تفصيله عالم بالله و من حيث جملته جاهل بالله حتى يتعلم أي يعلم بما في تفصيله فهو العالم الجاهل فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ فالإنسان من حيث تفصيله صاحب وحي و من حيث جملته لا يكون في كل وقت صاحب وحي‏

(السؤال السابع و الخمسون) ما الفرق بين النبيين و المحدثين‏ الجواب التكليف فإن النبوة لا بد فيها من علم التكليف و لا تكليف في حديث المحدثين جملة و رأسا هذا إن أراد أنبياء الشرائع فإن أراد أصحاب النبوة المطلقة فالمحدثون أصحاب جزء منها فالنبي الذي لا شرع له فيما يوحى إليه به هو رأس الأولياء و جامع المقامات مقامات ما تقضيه الأسماء الإلهية مما لا شرع فيه من شرائع أنبياء التشريع الذين يأخذون بوساطة الروح الأمين من عين الملك و المحدث ما له سوى الحديث و ما ينتجه من الأحوال و الأعمال و المقامات فكل نبي محدث و ما كل محدث نبي‏و هؤلاء هم أنبياء الأولياء و أما الأنبياء الذين لهم الشرائع فلا بد من تنزل الأرواح على قلوبهم بالأمر و النهي و ما عدا ما ينزلون به من الأمر و النهي مثل العلوم الإلهية و الإخبارات عن الكوائن و الأمور الغائبة فذلك خارج عن نبوة الشرائع و هو من أحوال الأنبياء على العموم و يناله المحدث‏ فإن ظهر من أصحاب النبوة المطلقة حكم من الأحكام الظاهرة من أنبياء الشرائع من قتل أو أخذ مال أو فعل من الأفعال يناقض حكم شرع الزمان المقرر فاعلم أن هذا النبي الذي ما له شرع ليس ذلك من شرع نزل إليه و خوطب به بل لا يزال تابعا لرسول قد شرع له ما شرع و إنما اتفق أنه أخبر باتباع شرع رسول قد شرع له مما لم يشرع لرسول آخر و حكمه في حق هذا الرسول يعارض حكم الرسول الآخر فإذا اجتمع هذا الشخص الذي هو بهذه المثابة مع رسول من الرسل كالخضر مع موسى عليه السلام فحكم في قتل الغلام بما حكم و أنكر عليه موسى قتل نفس زكية في ظاهر الشرع بغير نفس مما لم يكن ذلك حكمه في شرعه فقال له لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً أي ينكره شرعي و قال له الخضر ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي يعني في كل ما جرى منه فكان الخضر في حكمه على شرع رسول غير موسى فحكم بما حكم به مما يقتضيه شرع الرسول الذي اتبعه و من شرع ذلك الرسول حكم الشخص بعلمه فحكم بعلمه في الغلام أنه كافر فلم يكن حكم الخضر فيه من حيث إنه صاحب شرع منزل و إنما حكم فيه مثل حكم القاضي عندنا بشرع رسول الله صلى الله عليه و سلم فعلى هذا الحد تصدر الأحكام من أنبياء الأولياء فإن قيل هذا يجوز في زمان وجود الرسل و اليوم فما ثم شرع إلا واحد فهل يتصور أن تحكم أنبياء الأولياء بما يخالف شرع محمد صلى الله عليه و سلم قلنا لا نعم فأما قولنا لا فإنه لا يجوز أن يحكم برأيه و أما قولنا نعم فإنه يجوز للشافعي أن يحكم بما يخالف به حكم الحنفي و كلاهما شرع محمد صلى الله عليه و سلم فإنه قرر الحكمين فخالفت شرعه بشرعه فإذا اتفق أن تخبر أنبياء الأولياء فيما يعلمهم الحق من أحكام شرع رسول الله صلى الله عليه و سلم أو يشهدون الرسول صلى الله عليه و سلم فيخبرهم بالحكم في أمر يرى خلافه أحمد و الشافعي و مالك و أبو حنيفة لحديث رووه صح عندهم من طريق النقل فوقفت عليه أنبياء الأولياء و علمت من طريقها الذي ذكرناه أن شرع محمد يخالف هذا الحكم و أن ذلك الحديث في نفس الأمر ليس بصحيح وجب عليهم إمضاء الحكم بخلافه ضرورة كما يجب على صاحب النظر إذا لم يقم له دليل على صحة ذلك الحديث و قام لغيره دليل على صحته و كلاهما قد و في الاجتهاد حقه فيحرم على كل واحد من المجتهدين أن يخالف ما ثبت عنده و كل ذلك شرع واحد فمثل هذا يظهر من أنبياء الأولياء بتعريف الله أنه شرع هذا الرسول فيتخيل الأجنبي فيه أنه يدعي النبوة و أنه ينسخ بذلك شرع رسول الله صلى الله عليه و سلم فيكفره و قد رأينا هذا كثيرا في زماننا و ذقناه من علماء وقتنا فنحن نعذرهم لأنه ما قام عندهم دليل صدق هذه الطائفة و هم مخاطبون بغلبة الظنون و هؤلاء علماء بالأحكام غير ظانين بحمد الله فلو وفوا النظر حقه لسلموا له حاله كما يسلم الشافعي للمالكي حكمه و لا ينقضه إذا حكم به الحاكم غير أنهم رضي الله عنهم لو فتحوا هذا الباب على نفوسهم لدخل الخلل في الدين من المدعي صاحب الغرض فسدوه و قالوا إن الصادق من هؤلاء لا يضره سدنا هذا الباب و نعم ما فعلوه و نحن نسلم لهم ذلك و نصوبهم فيه و نحكم لهم بالأجر التام عند الله و لكن إذا لم يقطعوا بأن ذلك مخطئ في مخالفتهم فإن قطعوا فلا عذر لهم فإن أقل الأحوال أن ينزلوهم منزلة أهل الكتاب لا نصدقهم و لا نكذبهم فإنه ما دل لهم دليل على صدقهم و لا كذبهم بل ينبغي أن يجروا عليهم الحكم الذي ثبت عندهم مع وجود التسليم لهم فيما ادعوه فإن صدقوا فلهم و إن كذبوا فعليهم فعلى هذا تجري الأحكام من أنبياء الأولياء لا أنهم أرباب شرائع بل أتباع و لا بد و لا سيما في هذا الزمان الذي ظهرت فيه دولة محمد صلى الله عليه و سلم‏ و المحدثون ليست لهم هذه الرتبة بل رتبتهم الحديث لا غير فهم ناظرون في كل شي‏ء آخذون من عين كل شي‏ء من كون كل شي‏ء مظهر حق غير أنهم لا يتعدون حدود الله جملة فإن صدر منهم ما هو في الظاهر تعد لحد من حدود الله فذلك الحد هو بالنسبة إليك حد و بالنسبة إليه مباح لا معصية فيه و أنت لا تعلم و هو عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ في ذلك فما أتى محرما من هذه صفته فإنه ممن قيل له اعمل ما شئت فما عمل إلا ما أبيح له عمله فإنه أمر لا على جهة الوعيد مثل قوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فهذا وعيد و إنما قولنا فيمن قيل له اعمل ما شئت‏فقد غفرت لك فعمل على كشف و تحقق و هذا ثابت في شرعنا بلا شك فأهل الحديث أيضا لهم في مثل هذا قدم و لكن ليس هم مخصوصين به بل يشاركهم فيه من ليس بمحدث من الأولياء و قد عرفت صفة المحدثين فيما قبل و صفة النبيين فقف عند ذلك وَ الله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏

(السؤال الثامن و الخمسون) أين مكانهم منهم‏ الجواب مكان التابع من المتبوع و هو المشي على الأثر قال شيخنا محمد بن قائد رأيت في دخولي عليه أثر قدم أمامي فغرت فقيل لي هذه قدم نبيك فسكن ما بي‏ فاعلم أن هذه الدولة المحمدية جامعة لأقدام النبيين و المرسلين عليهم السلام فأي ولي رأى قدما أمامه فتلك قدم النبي الذي هو له وارث‏ و أما قدم محمد صلى الله عليه و سلم فلا يطأ أثره أحد صلى الله عليه و سلم كما لا يكون أحد على قلبه فالقدم التي رآها محمد بن قائد أو يراها كل من يراها فتلك قدم النبي الذي هو له وارث و لكن من حيث ما هو محمدي لا غير و لهذا قيل له قدم نبيك و لم يقل له هذه قدم محمد صلى الله عليه و سلم فإن كان الشيخ فهم منه ما ذكرناه فهو من أهل الحديث و الكمال و إن كان فهم منه قدم محمد صلى الله عليه و سلم فذلك صدع أصاب عين فهمه و لهذا قال السائل أين مكانهم منهم و لم يقل منه و المكان هنا يعني به المكانة و حكي عن عبد القادر الجيلي أنه قال حين قيل له ما قاله هذا الشي‏ء كنت في المخدع و من عندي خرجت له النوالة يعني الخلعة التي أعطى لأنه سئل عنه فقال ما رأيته في الحضرة فقيل ذلك لعبد القادر فلذلك قال كنت في المخدع و سمي النوالة و كان كما قال و إنما قال في المخدع و لم يسم مكان صونه و عينه بهذا الاسم ليعلم بخداع الله محمد بن قائد حيث حكم بأنه ما رأى عبد القادر في الحضرة في معرض النفاسة عليه فإن حضرة محمد بن قائد في هذه الواقعة هي حضرته التي تختص به من حيث معرفته بربه لا حضرة الحق من حيث ما يعرفه عبد القادر أو غيره من الأكابر فستر عنه مقام عبد القادر خداعا فهم ذلك عبد القادر فقال كنت في المخدع و قوله أن من عنده خرجت النوالة له يدل على أن عبد القادر كان شيخه في تلك الحضرة و على يديه استفادها و جهل ذلك محمد بن قائد فإن الرجال في ذلك كانوا تحت قهر عبد القادر فيما يحكى لنا من أحواله و أحوالهم و كان يقول هذا عن نفسه فيسلم له حاله فإن شاهده يشهد له بصدق دعواه فإنه كان صاحب حال مؤثرة ربانية مدة حياته لم يكن صاحب مقام و ما انتقل إلى حال أبي السعود و إن كان تلميذه إلا عند موته و هي الحال الكبرى و كانت هذه الحال مستصحبة لأبي السعود طول حياته فكان عبدا محضا لم تشب عبوديته ربوبية فاعلم ذلك‏ ثم لتعلم أن مكان كل واحد من نبيه الذي هو وارثه إنما مكانه منه على الحال التي أثمر له طريقه فإنه لا يرث أحد نبيا على الكمال إذ لو ورثه على الكمال لكان هو رسولا مثله أو نبي شريعة تخصه يأخذ عمن يأخذ عنه و ليس الأمر كذلك إلا أن الروح الذي يلقي على ذلك النبي تمتد منه رقيقة ملكية لقلب هذا الرجل الوارث في صورة حالة مشوبة في ظاهرها بصورة ذلك الملك و تسمى تلك الروحانية باسم ذلك الملك و تخاطب هذا الوارث و يخاطبها هذا الوارث بقدر حاله و ينطلق على تلك الرقيقة اسم ذلك الروح و ربما بعض الورثة يتخيل أنه عين الروح الذي كان يلقي على ذلك النبي و أنه الروح عينه و الصور مختلفة و ليس الأمر كذلك و الخطاب من حيث الصورة لا من حيث الروح و تتعين المرتبة بالصورة فمعرفة الإنسان بنفسه و مرتبته لا تعلم إلا من الصورة و من هنا يتخيل من لا تمكن له في المعارف الإلهية ذوقا إنه نبي أو قد نال درجة أنبياء الشرائع و لهذا قال بعض السادة من رجال الله جعلك الله محدثا صوفيا و لا جعلك صوفيا محدثا فإن الغالب أن تكون بحكم الأصل المتقدم إلا أن يعصم الله فمعرفة المكان الذي لنا من الأنبياء واجب علينا العلم به لئلا نكون ممن ليس عليه في ذلك و لا سيما و الله يقول وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ و لَوْ كانَ في الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ من السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا و لو كان رجلا لظهر في صورة ملك للالتباس المطلوب الذي هو صورة عملهم ليعلم أنه ما أتى عليهم إلا منهم فما جنوا إلا ثمرة أعمالهم هذا هو الحق‏

(السؤال التاسع و الخمسون) أين سائر الأولياء الجواب في النور خلف حجاب السبحات الوجهية من الأنوار و الظلم في نور ممتزج بينهما كنور الأسحار و هو السدفة و أما المؤمنون فإنهم في النور العام المبطون في ظلم الحجب و منه‏تخلص الأولياء إلى هذا النور الممتزج و الأكابر أحرقتهم أنوار السبحات و خواص الأكابر أحرقهم نور البصر فالأولياء لا يتجاوز علمهم الصفات الذاتية من حيث ما هي منسوبة إلى الحق الموصوف بها لا من حيث ما دلت عليها دلائل الآثار فهم يعرفون العالم من الله و يعرفون الله بالله و من دونهم يعرفون الله من العالم و أما العالم فلا يعرفه من نفسه إلا أكابر الرجال الذين لا يعرفون الأشياء أو المعلومات إلا من نفوسها و أعيانها فلا يتخذون دليلا على الشي‏ء أو المعلوم سوى نفس ذلك المعلوم و ذلك لارتفاع المناسبات و لسريان الأحدية في كل معلوم فكما أنه لا مناسبة بين الله و بين خلقه كذلك لا مناسبة بين أعيان العالم و المظاهر فلا يعرفون شيئا بشي‏ء و لا معلوما بمعلوم غيره و سائر الأولياء ما لهم هذه المرتبة و كيف يعرف الشي‏ء بغيره و لا يجتمع الدليل و المدلول فإن أحدهما إذا انتفى بوجود الآخر جهلت المناسبة المتخيلة فذلك المدلول إنما عرفته حين ظهر لك بنفسه و أما حين نظرك في الدليل على زعمك فلا علم لك إلا بذات الدليل لأن ذاته عرفتك بذاته لا بما جعلته دليلا عليه فإن المدلول في حين علمك بالدليل لست بعالم به فهذا الذي جعل أكابر الرجال لا يتخذون أمر الأمر و إنما يتخذون كل أمر لنفسه و عينه فيعلمون هؤلاء الله بالله و العالم بالعالم و الأسماء بالأسماء فلا فكر لهم في استنباط شي‏ء كما لسائر الأولياء فلهم الشهود الدائم فأينية سائر الأولياء في الأدلة فلا يشهدون مدلولا أبدا و على هذا جرت أحكامهم‏ و أما أينيتهم في القيامة فهم الذين لا يخافون و لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ لأنهم ما لهم تبع و هم في أنفسهم آمنون فتغبطهم الأنبياء في ذلك الموطن خاصة و أما أينيتهم في الكثيب يوم الزور الأعظم فلهم الكراسي عليها يقعدون و المنابر و الأسرة و المراتب لغيرهم و لكن من حيث هم رسل و أنبياء و مؤمنون‏ و أما الأكابر في العلم بالله فإن لهم قوة على التحول في رقايق لتحول التجلي في الصور فيبعثون لكل تجل في صورة رقيقة صورية من ذواتهم تشاهد ما يشاهده أهل الجمع و هم في تلك الحال في قصورهم ينعمون في صور أجسامهم الطبيعية و مع الله من حيث كونه إحدى الذات بحقائقهم و في الكثيب عند الرؤية برقائقهم المعنوية التي أوجدوها لصور التجلي و من سواهم فحالهم إذا كانوا في الجنان لا يكونون في الكثيب و إذا كانوا في الكثيب لا يكونون في الجنان فتفقدهم جواريهم و ولدانهم و أكابر القوم لا يفقدهم شي‏ء من ملكهم فهؤلاء بأيديهم ملكوت ملكهم‏ (السؤال الستون) ما خوض الوقوف‏ الجواب دخول بعضهم في بعض طلبا للتخلص مما هم فيه من شدة ذلك اليوم و كربه فمنهم الخائض في طلب من يشفع له و منهم الخائض في طلب من يتكرم عليه لينقذه من هول ذلك اليوم و منهم الخائض في طلب من يشهد له و منهم الخائض في طلب الخصم لطلب القصاص و منهم الخائض ليختفي و يستتر من خصمائه و منهم الخائض ليستتر حياء من معارفه و على هذا كان يعمل شيخنا أبو عمران موسى بن عمران الميرتلي قلت له يوما لم تقلل من معارفك فقال ربما لا أكون هناك بذاك فاستحى من معارفي فإذا لم أر من أعرف هان على بعض الحال و منهم الخائض ليعرف بمنزلته لما هو فيه من المكانة عند ربه لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ و أمثال هذا هو خوض الوقوف إذا تأملت‏ و أما الطائفة التي كانت تخوض في آيات الله وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ فإن الله يخوض بهم في غمرات أعمالهم كما كانوا في الدنيا في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ يكونون في الآخرة في خوضهم يحزنون إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا من الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ فهذا خوضهم في الدنيا وَ ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا من الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ الصورة بالصورة فهذا خوضهم في الوقوف قال تعالى يوصينا و يحذرنا ممن هذه صفته وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إذا أقمتم معهم و هم بهذه المثابة و إن لم تخض معهم قال تعالى أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها يا عِبادِيَ (الَّذِينَ آمَنُوا) إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ فهؤلاء في الوقوف يخاض بهم حيث يكرهون كما خاضوا هنا حيث يكره الحق منهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(السؤال الحادي و الستون) كيف صار أمره كَلَمْحِ الْبَصَرِ الجواب الضمير في أمره يعود على الوقوف‏ فاعلم أن الكيفيات لا تنقال و لكن تقال بضرب من التشبيه فإن أمره واحدة أي كلمة واحدة مثل لمح البصر فإن اللمحة الواحدة من البصر نعم من أحكام المرئيات من حيث الرائي إلى الفلك الأطلس جميع ما يحوي عليه ما أدركه البصر في تلك اللمحة من الذوات و الأعراض القائمة بها من الأكوان و الألوان و في العبادات كل مصل و الخلق كله مصل من حيث دعي يناجي ربه في الآن الواحد كذلك أمره في الوقوف مع كون ذلك بالمقدار الزماني خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ من أيام الدنيا و هو يوم ذي المعارج و يوم الرب من يوم ذي المعارج مثل نصف خمس الخمس‏ فالأيام و إن اختلفت مقاديرها وعدها اليوم الشمسي فإن أمر الله فيها مثل لمح البصر للافهام و التوصيل و ربما هو في القلة أقل من هذا المقدار بل مقداره الزمان الفرد المتوهم الذي هو يوم الشأن فالشأن بالنظر إلى الحق واحد منه و بالنظر إلى قوابل العالم كله شئون لو لا الوجود حصرها لقلنا إنها لا نهاية لها فانظر الحكم الواحد من الحاكم كيف تعدد و عظم بحيث لا يمكن أن يحصره عدد من حيث العالم و إنما يحصيه من أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً و أَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً فكما صارت الخمسون ألف سنة كيوم واحد و في يوم واحد كذلك صار أمره كَلَمْحِ الْبَصَرِ و سبب ذلك أن الذي يصدر منه الأمر لا يتقيد فهو في كل مأمور بحيث أمر فينفذ الأمر بحكمه دفعة واحدة و هذا إذا لم يبعد في المحدثات وجوده بهذه السعة فما ظنك بالأمر الحق فإن الهواء حكمه في كل شي‏ء من العالم الطبيعي أسرع من لمح البصر و هو واحد كالإنسان الواحد و كذلك الروح الامري في العقول و في الأجسام الطبيعية فمثل هذا لا يستبعده إلا من لا علم له بالأمور و الحقائق و لا سيما و إن أعاد الضمير في سؤاله من أمره على الضمير المذكور في سورة القمر وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ و هو الذي أراد و الله أعلم مع أنه يسوغ أن يعود على الوقوف و على الخوض فإن الزمان الواحد يجمع الخائضين في خوضهم و الله الهادي من شاء إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى‏ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ‏

(السؤال الثاني و الستون) أمر الساعة كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ‏ الجواب سميت الساعة ساعة لأنها تسعى إلينا بقطع هذه الأزمان لا بقطع المسافات و بقطع الأنفاس فمن مات وصلت إليه ساعته و قامت قيامته إلى يوم الساعة الكبرى التي هي لساعات الأنفاس كالسنة لمجموع الأيام التي تعينها الفصول باختلاف أحكامها فأمر الساعة و شأنها في العالم أقرب من لمح البصر فإن عين وصولها عين حكمها و عين حكمها عين نفوذ الحكم في المحكوم عليهم و عين نفوذه عين تمامه و عين تمامه عين عمارة الدارين فَرِيقٌ في الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ في السَّعِيرِ و لا يعرف هذا القرب إلا من عرف قدرة الله في وجود الخيال في العالم الطبيعي و ما يجده العالم به من الأمور الواسعة في النفس الفرد و الطرفة ثم يرى أثر ذلك في الحس بعين الخيال فيعرف هذا القرب و تضاعف السنين في الزمن القليل من زمان الحياة الدنيا و من وقف على حكاية الجوهري رأى عجبا و هو من هذا الباب‏ فإن قلت و ما حكاية الجوهري قلنا ذكر عن نفسه أنه خرج بالعجين من بيته إلى الفرن و كانت عليه جنابة فجاء إلى شط النيل ليغتسل فرأى و هو في الماء مثل ما يرى النائم كأنه في بغداد و قد تزوج و أقام مع المرأة ست سنين و أولدها أولادا غاب عني عددهم ثم رد إلى نفسه و هو في الماء ففرغ من غسله و خرج و لبس ثيابه و جاء إلى الفرن و أخذ الخبز و جاء إلى بيته و أخبر أهله بما أبصره في واقعته فلما كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى أنه تزوجها في الواقعة تسأل عن داره فلما اجتمعت به عرفها و عرف الأولاد و ما أنكرهم و قيل لها متى تزوج فقالت منذ ست سنين و هؤلاء أولاده مني فخرج في الحس ما وقع في الخيال‏ و هذه من مسائل ذي النون المصري الستة التي تحيلها العقول فلله قوى في العالم خلقها مختلفة الأحكام كاختلاف حكم العقل في العامة من حكم البصر من حكم السمع من حكم الطعم و غير ذلك من القوي التي في عامة الناس فاختص الله أولياءه بقوى لها مثل هذه الأحكام فلا ينكرها إلا جاهل بما ينبغي للجناب الإلهي من الاقتدار و في معراج رسول الله صلى الله عليه و سلم ما فيه كفاية في هذا الباب مع بعد هذه المسافات التي قطعها في الزمان القليل‏

(السؤال الثالث و الستون) ما كلام الله تعالى لعامة أهل الوقوف‏ الجواب يقول لهم ما جئتم به فيقع في أسماع السامعين ذلك مختلفا باختلاف أحوالهم فتختلف أحوالهم بأسماعهم بل تختلف أسماعهم بحسب أحوالهم في الموقف و لا يحصل في سمع واحد منهم ما حصل في سمع الآخر و هو السؤال عن النفس الذي قبض فيه و لا يكون هذا الكلام‏إلا لأهل الوقوف خاصة الذين هم في هول ذلك اليوم و أما المتصرفون فيه كالأنبياء و الرسل و الدعاة إلى الله و كالمستريحين من أهل المنابر الذين لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ و كالمصونين في سرادقات الجلال خلف حجاب الأنس فهؤلاء كلهم و أمثالهم ما هم من أهل الوقوف فأهل الوقوف هم الذين ينتظرون حكم الله فيهم فيجيبونه عند هذا الكلام بما فهم كل واحد منهم‏

(السؤال الرابع و الستون) ما كلامه للموحدين‏ الجواب يقول لهم فيما ذا وحدتموني و بما ذا وحدتموني و ما الذي اقتضى لكم توحيدي‏ فإن كنتم وحدتموني في المظاهر فأنتم القائلون بالحلول و القائلون بالحلول غير موحدين لأنه أثبت أمرين حال و محل و إن كنتم وحدتموني في الذات دون الصفات و الأفعال فما وحدتموني فإن العقول لا تبلغ إليها و الخبر من عندي فما جاءكم بها و إن كنتم وحدتموني في الألوهة بما تحمله من الصفات الفعلية و الذاتية من كونها عينا واحدة مختلفة النسب فبما ذا وحدتموني هل بعقولكم أو بي و كيفما كان فما وحدتموني لأن وحدانيتي ما هي بتوحيد موحد لا بعقولكم و لا بى فإن توحيدكم إياي بي هو توحيدي لا توحيدكم و بعقولكم كيف يحكم علي بأمر من خلفته و نصبته‏ و بعد أن ادعيتم توحيدي بأي وجه كان أو في أي وجه كان فما الذي اقتضى لكم توحيدي إن كان اقتضاه وجودكم فأنتم تحت حكم ما اقتضاه منكم فقد خرجتم عني فأين التوحيد و إن كان اقتضاه أمري فأمري ما هو غيري فعلى يدي من وصلكم إن رأيتموه مني فمن الذي رآه منكم و إن لم تروه مني فأين التوحيد يا أيها الموحدون كيف يصح لكم هذا المقام و أنتم المظاهر لعيني و أنا الظاهر و الظاهر يناقض الهوية فأين التوحيد لا توحيد في المعلومات فإن المعلومات أنا و أعيانكم و المحالات و النسب فلا توحيد في المعلومات فإن قلتم في الوجود فلا توحيد فإن الوجود عين كل موجود و اختلاف المظاهر يدل على اختلاف وجود الظاهر فنسبة عالم ما هي نسبة جاهل و لا نسبة متعلم فأين التوحيد و ما ثم إلا المعلومات أو الموجودات‏ فإن قلت لا معلوم و لا مجهول و لا موجود و لا معدوم و هو عين التوحيد قلنا بنفس ما علمت أن في تقسيم المعلومات من يقبل هذا الوصف فقد دخل تحت قسم المعلومات فأين التوحيد فيا أيها الموحدون استدركوا الغلط فما ثم إلا الله و الكثرة في ثم و ما هم سواه فأين التوحيد فإن قلتم التوحيد المطلوب في عين الكثرة قلنا فذلك توحيد الجمع فأين التوحيد فإن التوحيد لا يضاف و لا يضاف إليه استعدوا أيها الموحدون للجواب عن هذا الكلام إذا وقع السؤال فإن كان أهل الشرك لا يغفر لهم فبحقيقة ما نالوا ذلك لأنه لو غفر لهم ما قالوا بالشريك فشاهدوا الأمر على ما هو عليه فإن قلت فمن أين جاءهم الشقاء و هم بهذه المثابة و إن عدم المغفرة في حقهم ثناء عليهم قلنا لأنهم عينوا الشريك فأشقاهم توحيد التعيين فلو لم يعينوا لسعدوا و لكن هم أرجى من الموحدين لدرجة العلم جعلنا الله ممن وحده بتوحيد نفسه جل علاه‏

(السؤال الخامس و الستون) ما كلامه للرسل‏ الجواب ما قاله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ فأووا إلى لا عِلْمَ لَنا فعلموا أنهم لما وجهوا دعوا إلى الله تعالى أممهم ظاهرا و باطنا بدعوة واحدة فلو كلفوا الظواهر لم يكن قولهم لا عِلْمَ لَنا جوابا و من هنا لم يصح جميع فروع أحكام الشريعة من المنافق لأنه ما أجاب بباطنه لدعوته مثل ما أجاب بظاهره و صحت فروع أحكام الشريعة من العاصي المؤمن بباطنه فعلمنا أن المقصود للشرع الباطن و لكن بشرط مخصوص و هو أن يعم الايمان جميع فروع الأحكام و أصولها فإن آمن ببعض و كفر ببعض فلا يعتبر مثل ذلك الايمان و هو الكافر حقا فَيَقُولُ الله تعالى للرسل ما ذا أُجِبْتُمْ إذا كان كلامه لهم في حق ما كلفهم من الدعوة إليه فإن أراد السائل ما كلامه للرسل فيما يختص بذواتهم من كونهم عبيدا مقربين فيكلمهم بما يكلم به المقربين من عباده فكلامه للرسل المقربين ممن اعتقدتم القربة هل اعتقدتم أن اقترابكم إلينا أو إلى سعادتكم أو إلى معرفة ذواتكم أو إلى معرفتي‏ فإن اعتقدتم اقترابكم إلينا فقد حددتموني و أنا لا حد لي و هذا اللسان الذي أذكره في هذا الفصل إنما هو كلام الحق لمن دعا إلى الله على بصيرة كما قال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي فهذا لسان من اتبعه في دعوته إلى الله نيابة عنه فكأنه رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو إلى الله على بصيرة من حيث دعا الرسول لأنهم ورثة و إنما قلنا هذا لأن كلامه للرسل لا يعرفه إلا الرسل و لا ذوق لنا فيه و لو عرفنا به ما عرفناه و لو عرفناه لكنا رسلا مثلهم و لا حظ لنا في رسالتهم و لا في نبوتهم و كلامنا لا يكون إلا عن ذوق فالجواب عن هذا السؤال إذا أراد الرسل ترك الجواب فأردنا أن نفيد أصحابنا في أن نتكلم في كلامه تعالى للرسل الذين هم الورثة رسل رسل الله لما دعوا إلى الله على بصيرة و شرك رسول الله صلى الله عليه و سلم في الدعوة إلى الله على بصيرة بينه و بين من اتبعه فاعلموا من أين نتكلم و فيمن أتكلم و عمن نبين ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول فيقول فقد حددتموني و أنا لا حد لي فنقول هذا الذي تقول لسان العلم و أنت خاطبتنا بلسان الايمان فآمنا فقلت من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا و من تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا فما حددناك إلا بحدك فأنت حددت نفسك بنا و حددتنا بك و إلا فمن أين لنا أن نحد ذواتنا فكيف أن نحدك و جعلت الايمان بما ذكرناه قربة إليك فهذا كلامك و لسان الايمان و نحن لا جراءة لنا على أن نقول ما قلته عن نفسك فيقول صدقتم هذا لسان الايمان‏ فتقول طائفة منهم اقتربنا إلى سعادتنا فيقول سعادتكم قائمة بكم و ما برحت معكم في حال طلبكم القربة إليها فإن لم تعلموا ذلك فقد جهلتم و إن علمتموه فما صدقتم إذا فلا قربة فإن قالت طائفة إنما اعتقدنا القربة إلى معرفة ذواتنا فيقول لهم الشي‏ء لا يجهل نفسه لكنه لا يعرف أنه يعرف نفسه لأن معرفة الشهود تحجب عن معرفة المشهود فطلبكم القربة من معرفة ما هو معروف لا يصح‏ فإن قالت طائفة و لا بد أن تقول إنما اعتقدنا القربة من معرفتك فيقول لهم كيف يعرف من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فلو كان شيئا لجمعتهما الشيئية فيقع التماثل فيها إذا فلا شيئية له فليس هو شيئا و لا هو لا شي‏ء فإن لا شي‏ء صفة المعدوم فيماثله المعدوم في أنه لا شي‏ء و هو لا يماثل فليس مثله شي‏ء و ليس مثله لا شي‏ء و من هو بهذه المثابة كيف يعرف فبطل اقترابكم إلى معرفتي فبطل أن يكونوا من المقربين فيقولون لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فيقول أنتم رسل و حقيقة الرسول أن يكون بين مرسل و مرسل إليه و هو حامل إليهم رسالة ليعملوا بحكم ما تقتضيه تلك الرسالة فالرسول لما كانت مرتبته البينية كان أقرب من المرسل إليهم إلى الاسم الذي أرسله و كان المرسل إليهم أقرب إلى الاسم القابل لما جاء به الرسول من الرسول فالكل من المقربين فإن لم يقبلوا الرسالة كان الرسول من المقربين و كان المرسل إليهم غير متصفين بالقربة فكانوا من المبعدين‏

(السؤال السادس و الستون) إلى أين يأوون يوم القيامة من العرصة الجواب إلى ساق العرش و يوم القيامة له مواطن كثيرة فالرسل يأوون يوم القيامة من العرصة في كل موطن إلى الموضع الذي يكون فيه تجلى الحكم الإلهي الذي يليق بذلك الموطن فموطن للسؤال و موطن للموازين و موطن لاخذ الكتب و موطن للصراط و موطن للحوض‏ فمواطن القيامة تكون الرسل فيها بين يدي الحق سبحانه كالوزغة بين يدي الملك و أقربهم منزلة من هو أدنى من قاب قوسين و هو التقاء قطري الدائرة ثم يأوون في السؤال العام إلى لا علم لنا و في السؤال الخاص بحسب ما يقتضيه ذلك السؤال من الجواب و للحق سؤال في كل عرصة من عرصات القيامة فيأوون إلى الاسم الذي يتضمن الجواب عن ذلك السؤال الخاص‏

(السؤال السابع و الستون) كيف مراتب الأنبياء و الأولياء يوم الزيارة الجواب أن الناس إذا جمعهم الله يوم الزيارة في جنة عدن على كثيب المسك الأبيض نصب لهم منابر و أسرة و كراسي و مراتب‏ فالأنبياء على رتبتين أنبياء شرائع و أنبياء أتباع فأنبياء الشرائع في الرتبة الثانية من الرسل و الأنبياء الأتباع في الرتبة الثالثة و الرتبة الثالثة تنقسم قسمين قسم يسمى أنبياء و قسم يسمى أولياء و الرتبة للأولياء بالاسم العام‏ فإذا كان يوم الزيارة فكل نبي أخذ معرفة ربه من ربه إيمانا لم يشبها بنظر فكري فإنه يشاهد ربه بعين إيمانه و الولي التابع له في إيمانه بربه يراه بمرآة نبيه فإن كان هذا الولي حصل معرفة ربه بنظره و اتخذ ذلك قربة من حيث إيمانه فله يوم الزيارة رؤيتان رؤية علم و رؤية إيمان و كذلك إن كان النبي له في معرفته بربه نظر فكري له رؤيتان رؤية علم و رؤية إيمان‏ فإن كان الولي من أولياء الفترات و لم يحصل له في معرفته بربه من المعارف الإلهية التي جاءت بها الرسل و كانت معرفتهم بربهم إما عن نظر و إما عن تجل إلهي لقلبه أو كلاهما فمثل هؤلاء يكونون بما هم أهل نظر في مرتبة أهل النظر في الرؤية و إن كانت‏معرفتهم عن كشف إلهي فإن لهؤلاء صفا على حدة يتميزون به عن سائر الخلق‏ و الجامع لهذا الباب أن الرؤية يوم الزيارة تابعة للاعتقادات في الدنيا فمن اعتقد في ربه ما أعطاه النظر فما أعطاه الكشف و ما أعطاه تقليد رسوله فإنه يرى ربه في صورة وجه كل اعتقاد ربط عليه إلا أنه في تقليد نبيه يراه بصورة نبيه من حيث ما أعلمه ذلك الرسول مما أوحى به إليه في معرفته بربه فلمثل هذا ثلاث تجليات بثلاثة أعين في الآن الواحد و كذلك حكم صاحب النظر وحده أو صاحب الكشف وحده أو صاحب التقليد وحده‏ فتتميز مراتب الأولياء الأتباع في الزيارة بتقديم الأنبياء عليهم و الطبقتان اللتان ليستا بأنبياء و لا أتباع فهم أولياء الله لا يحكم عليهم مقام يتميزون عن الجميع بالنسب الصحيح إلى ربهم غير أن أصحاب النظر منهم في الرتبة دون أصحاب الكشف فبين الحق و بينهم في الرؤية حجاب فكرهم كلما أرادوا أن يرفعوا ذلك الحجاب لم يستطيعوا كاتباع الأنبياء كلما هموا برفع حجب الأنبياء عنهم حتى يروه دون هذه الواسطة لم يستطيعوا ذلك فلا تكون الرؤية الخالصة من الشوب إلا للأنبياء الرسل أهل الشرائع و لأهل الكشف خاصة و من حصل له هذا المقام مع كونه تابعا أو صاحب نظر جمع له على قدر ما عنده و لو كان على ألف طريق‏ و أما الرجال الذين صوبوا اعتقاد كل معتقد بما وصله إليه و علمه و قرره فإنه يوم الزيارة يرى ربه بعين كل اعتقاد فالناصح نفسه ينبغي له أن يبحث في دنياه على جميع المقالات في ذلك و يعلم من أين أثبت كل واحد ذو مقالة مقالته فإذا ثبت عنده من وجهها الخاص بها الذي به صحت عنده و قال بها في حق ذلك المعتقد و لم ينكرها و لا ردها فإنه يجني ثمرتها يوم الزيارة كانت تلك العقيدة ما كانت و هذا هو العلم الإلهي الواسع‏ و الأصل في صحة ما ذكرناه أن كل ناظر في الله تحت حكم اسم من أسماء الله فذلك الاسم هو المتجلي له و هو المعطي له ذلك الاعتقاد بتجليه له من حيث لا يشعر و الأسماء الإلهية كلها نسبتها إلى الحق صحيحة فرؤيته في كل اعتقاد مع الاختلاف صحيحة ليس فيها من الخطاء شي‏ء هذا يعطيه الكشف الأتم فلم يخرج عن الله نظر ناظر و لا يصح أن يخرج و إنما الناس حجبوا عن الحق بالحق لوضوح الحق فهذه الطائفة التي هي بهذه المثابة من العلم بالله صف يوم الزيارة بمعزل إذا انصرفوا من الزيارة يتخيل كل صاحب اعتقاد أنه منهم لأنه يرى صورة اعتقاده فيها كصورته فهو محبوب لجميع الطوائف من يكون بهذه الصفة و كذلك كان في الدنيا و هذا القول الذي ذكرناه لا يعرفه إلا الفحول من أهل الكشف و الوجود و أما أصحاب النظر العقلي فلا يشمون منه رائحة فاجعل بالك لما ذكرناه و اعمل عليه تعطي الألوهية حقها و تكون ممن أنصف ربه في العلم به فإن الله يتعالى أن يدخل تحت التقييد أو تضبطه صورة دون غيرها و من هنا تعرف عموم السعادة لجميع خلق الله و اتساع الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ انتهى الجزء الخامس و الثمانون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال الثامن و الستون) ما حظوظ الأنبياء من النظر إليه‏ الجواب لا أدري فإني لست بنبي فذوق الأنبياء لا يعلمه سواهم إن أراد الأنبياء الذين خصهم الله بالتشريع العام و الخاص بهم فإن أراد أنبياء الأولياء فحظهم منه على قدر ما عندهم من وجوه الاعتقادات في الله فإن حصل على الجميع فحظه ما للجميع فهو في النعيم العام فيلتذ بلذة كل معتقد فما أعظمها من لذة و إن حصل على البعض فلذاته بحسب ما حصل له و إن انفرد بأمر واحد فحظه ما انفرد به من غير مزيد فافهم ما ذكرناه‏

(السؤال التاسع و الستون) ما حظوظ المحدثين من النظر إليه‏ الجواب الحجاب الأقرب فإذا شاهد ربه حصل لهم في المشاهدة من الحظ مثل ما يحصل لهم من الكلام إلا أن المحدثين يتميزون في الرؤية عن سائر الخلق بأن التجلي يتنوع عليهم في المشهد الواحد و سائر الخلق ليس لهم هذا المقام فإنه مخصوص بالمحدثين‏

(السؤال السبعون) ما حظوظ سائر الأولياء من النظر إليه‏ الجواب الأولياء على مراتب فتختلف حظوظهم باختلاف مراتبهم فولى حظه من النظر إليه لذة عقلية و ولي حظه من ذلك لذة نفسية و ولي حظه من ذلك لذة حسية و ولي حظه من ذلك لذة خيالية و ولي حظه من ذلك لذة مكيفة و ولي حظه من ذلك لذة غير مكيفة و ولي حظه من ذلك‏لذة ينقال تكييفها و ولي حظه من ذلك لذة لا ينقال تكييفها فهم درجات عند الله كما كانوا في الدنيا كما قال تعالى هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ الله وَ الله بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ‏

(السؤال الحادي و السبعون) ما حظوظ العامة من النظر إليه‏ لجواب حظوظ العامة من النظر إليه على قدر ما فهموه ممن قلدوه من العلماء على طبقاتهم فمنهم من ألقى إليه عالمه ما عنده و منهم من ألقى إليه عالمه على قدر ما علم من عقله و قبوله فإن الفطر مختلفة متفاضلة بحسب ما ألقى الله عندها فإنها أقسام أصلها المزاج الذي ركبه الله عليه و هو السبب في اختلاف نظر العلماء بأفكارهم في المعقولات فيكون حظهم في لذة النظر حظهم فيما تخيل لهم‏ فالعامة حظوظهم خيالية لا يقدرون على التجريد عن المواد في كل ما يلتذون به من المعاني في الدنيا و البرزخ و الآخرة بل قليل من العلماء من يتصور التجريد الكلي عن المواد و لهذا أكثر الشريعة جاءت على فهم العامة و تأتي فيها تلويحات للخاصة مثل قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ‏

(السؤال الثاني و السبعون) أن الرجل منهم ينصرف بحظه من ربه فيذهل أهل الجنان عن نعيمهم اشتغالا بالنظر إليه‏ الجواب ذلك للباس الرائي صورة ما رأى‏ و سبب ذلك أن المقام عظيم في قلب كل طائفة و أنه أعظم مما هم فيه من نعيم الأكوان في الجنان فإذا دعوا إلى الزيارة و بقي الأزواج الجنانيون من الحور و الولدان و أشجار الجنان و أنهارها و جميع ما فيها مما يتنعم به من الطيور و المراكب و غير ذلك و الكل حيوان فإنها الدار الحيوان فإذا دعي صاحب المنزل ذكرا كان أو أنثى من الثقلين بقي أهل ذلك المنزل مترقبين ما يأتون به إليهم من الخلع الإلهية التي أورثهم النظر إليه و بأي صورة يرجعون إليهم من ذلك المقام الأعظم إذ كان ذلك مشاهدة الملك فإذا وردوا عليهم من الزيارة إذا قال الجليل لملائكته ردوهم إلى قصورهم و قد غشيهم من نور الرؤية ما غشاهم مما لا مناسبة بين ذلك و بين الجمال و البهاء الذي كانوا فيه قبل الزيارة مع تعظيم المقام الذي مشوا إليه في قلوب أهل المنزل ثم إنهم إذا رجعوا إليهم بصفة ما يشاهدونه في الرؤية أشرق الجنان بأنوارهم على مقدارهم بصورة ما رأوه فيجدون من الزيارة ما لم يكن عندهم و لا كانوا عليه فهذا هو السبب في ذهولهم‏ و حظ كل شخص من ربه على مقدار علمه و عقده في درجات العقائد و اختلافاتها و كثرتها و قلتها كما قد تقرر قبل في هذه الفصول فاعلم ذلك و الله الهادي و في سوق الجنة علم ما أشرنا إليه‏

(السؤال الثالث و السبعون) ما المقام المحمود الجواب هو الذي يرجع إليه عواقب المقامات كلها و إليه تنظر جميع الأسماء الإلهية المختصة بالمقامات و هو لرسول الله صلى الله عليه و سلم و يظهر ذلك لعموم الخلق يوم القيامة و بهذا صحت له السيادة على جميع الخلق يوم العرض‏ قال صلى الله عليه و سلم أنا سيد الناس يوم القيامة و كان قد أقيم فيه آدم صلى الله عليه و سلم لما سجدت له الملائكة فإن ذلك المقام اقتضى له ذلك في الدنيا و هو لمحمد صلى الله عليه و سلم في الآخرة و هو كمال الحضرة الإلهية و إنما ظهر به أولا أبو البشر لكونه كان يتضمن جسده بشرية محمد صلى الله عليه و سلم و هو الأب الأعظم في الجسمية و المقرب عند الله و أول هذه النشأة الترابية الإنسانية فظهرت فيه المقامات كلها حتى المخالفة إذ كان جامعا للقبضتين قبضة الوفاق و قبضة الخلاف فما تحرك من آدم لمخالفة النهي إلا النسمة المجبولة على المخالفة فكانت مخالفته نهي الله من تحرك تلك النسمة التي كان يحملها في ظهره فإن المقام يقتضي له ذلك و سألت شيخنا أبا العباس عن ذلك فقال ما عصى من آدم عليه السلام إلا ما كان من أولاده المخالفين في ظهره‏ و كانت العاقبة لمحمد صلى الله عليه و سلم في الدار الآخرة فظهر في المقام المحمود و منه يفتح باب الشفاعات فأول شفاعة يشفعها عند الله تعالى في حق من له أهلية الشفاعة من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن و حيوان و نبات و جماد فيشفع رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ربه لهؤلاء أن يشفعوا فكان محمودا بكل لسان و بكل كلام فله أول الشفاعة و وسطها و آخرها يقول الله شفعت الملائكة و شفع النبيون و شفع المؤمنون و بقي أرحم الراحمين فيقتضي سياق الكلام أن يكون أرحم الراحمين يشفع أيضا فلا بد ممن يشفع عنده و ما ثم إلا الله‏ فاعلم إن الله يشفع من حيث أسماؤه فيشفع اسمه أرحم‏الراحمين عند اسمه القهار و الشديد العقاب ليرفع عقوبته عن هؤلاء الطوائف فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط و قد نبه الله تعالى على هذا المقام فقال تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً فالمتقي إنما هو جليس الاسم الإلهي الذي يقع منه الخوف في قلوب العباد فسمى جليسه متقيا منه فيحشره الله من هذا الاسم إلى الاسم الإلهي الذي يعطيه الأمان مما كان خائفا منه و هو الرحمن فقال يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً أي يأمنون مما كانوا يخافون منه و لهذا يقول في الشفاعة و بقي أرحم الراحمين فبهذه النسبة تنسب الشفاعة إلى الحق من الحق من حيث آثار أسمائه و هذا هو مأخذ العارفين من الأولياء فلا يجمع المحامد يوم القيامة كلها إلا محمد صلى الله عليه و سلم فهذا الذي عبر عنه بالمقام المحمود قال صلى الله عليه و سلم في هذا المقام فأحمده بمحامد لا أعلمها الآن و هذا يدلك أن علوم الأنبياء و الأولياء أذواق لا عن فكر و نظر فإن الموطن يقتضي هنالك بآثاره أسماء إلهية يحمد الله بها ما يقتضيه موطن الدنيا فلهذا قال لا أعلمها الآن‏ و هذا المقام هو الوسيلة لأن منه يتوصل إلى الله فيما توجه فيه من فتح باب الشفاعة و هو شفاعته في الجميع أ لا تراه صلى الله عليه و سلم يقول في الوسيلة إنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لرجل واحد و أرجو أن أكون أنا فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة فجعل الشفاعة ثواب السائل و لهذا سمي المقام المحمود الوسيلة و كان ثوابهم في هذا السؤال أن يشفعوا و هذا هو منصب إلهي جامع من عين ملك الملك قال تعالى أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ و قال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فكان المرجع إليه فكذلك ترجع المقامات كلها و الأسماء إلى هذا المقام المحمود قال صلى الله عليه و سلم أوتيت جوامع الكلم‏

(السؤال الرابع و السبعون) بأي شي‏ء ناله‏ الجواب قال صلى الله عليه و سلم لكل نبي دعوة مستجابة فاستعجل كل نبي دعوته و إني اختبأت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي‏ لعلمه بموطن الآخرة أكثر من علم غيره من الأنبياء فاعلم أنه لما كان المقام المحمود إليه ترجع المقامات كلها و هو الجامع لها لم يصح أن يكون صاحبه إلا من أوتي جوامع الكلم لأن المحامد من صفة الكلام و لما كان بعثه عاما كانت شريعته جامعة جميع الشرائع فشريعته تتضمن جميع الأعمال كلها التي تصح أن تشرع‏ و اعلم أن جنات الأعمال ما بين الثمانين إلى السبعين لا تزيد و لا تنقص و الايمان بضع و سبعون بابا أدنى ذلك إماطة الأذى عن الطريق و أرفعه قول لا إله إلا الله قال تعالى في حق العاملين نَتَبَوَّأُ من الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ فلم يحجر بهذا لمن عمل بكل عمل فإن الإنسان في الدنيا أي عمل عمله من الأعمال أعمال الايمان لا يحجر عليه إذا شاء عمله‏ فلما ظهر صلى الله عليه و سلم بجميع شعب الايمان كلها التي هي بعدد الجنات العملية إما بالفعل و إما بالدلالة عليها فإنه الذي سنها لأمته فله أجر من عمل بها و لا يخلو واحد من الأمة أن يعمل بواحدة منها فهي في ميزانه صلى الله عليه و سلم من حيث العمل بها فيتبوأ من الجنة حيث يشاء و هذا لا يصلح إلا لمحمد صلى الله عليه و سلم فإنه عنه ظهرت السنن الإلهية فبهذا نال المقام المحمود و بجوامع الكلم و بالبعثة العامة فإنه بالعناية الأخروية صحت له هذه المقامات في الدنيا و باتصافه بهذه الأحوال في الدنيا نال تلك المقامات الأخروية فهو دور بديع مختلف الوجوه حتى يصح الوجود عنه‏

(السؤال الخامس و السبعون) كم بين حظ محمد صلى الله عليه و سلم و حظوظ الأنبياء عليهم السلام‏ الجواب إما بينه و بين الجميع فحظ واحد و هو عين الجمعية لما تفرق فيهم و إما بينه و بين كل واحد منهم فثمانية و سبعون حظا و مقاما إلا آدم فإنه ما بينه و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم عليهما إلا ما بين الظاهر و الباطن فكان في الدنيا محمد صلى الله عليه و سلم باطن آدم عليه السلام و آدم عليه السلام ظاهر محمد صلى الله عليه و سلم و بهما كان الظاهر و الباطن و هو في الآخرة آدم عليه السلام باطن محمد صلى الله عليه و سلم و محمد صلى الله عليه و سلم ظاهر آدم و بهما يكون الظاهر و الباطن في الآخرة فهذا بين حظ محمد صلى الله عليه و سلم و بين حظوظ الأنبياء عليهم السلام و أكثر أصحابنا يمنعون معرفة التوقيت في ذلك و هو غلط منهم‏ و في هذا الفصل تفصيل عظيم تبلغ فصول التفصيل فيه إلى مائة ألف تفصيل و أربعة و عشرين ألف تفصيل بعدد الأنبياء عليهم السلام لأنه يحتاج إلى تعيين كل نبي و معرفة ما بين حظ محمد صلى الله عليه‏و سلم و بين ذلك النبي و الحظوظ محصورة من حيث الأعمال في تسعة و سبعين و قد يكون للنبي من ذلك أمر واحد و لآخر أمران و لآخر عشر العدد و تسعه و ثمنه و أقل من ذلك و أكثر و المجموع لا يكون إلا لرسول الله صلى الله عليه و سلم و لهذا لم يبعث بعثا عاما سوى محمد صلى الله عليه و سلم و ما سواه فبعثه خاص لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً

(السؤال السادس و السبعون) ما لواء الحمد الجواب لواء الحمد هو حمد الحمد و هو أتم المحامد و أسناها و أعلاها مرتبة لما كان اللواء يجتمع إليه الناس لأنه علامة على مرتبة الملك و وجود الملك كذلك حمد المحامد تجتمع إليه المحامد كلها فإنه الحمد الصحيح الذي لا يدخله احتمال و لا يدخل فيه شك و لا ريب إنه حمد لأنه لذاته يدل فهو لواء في نفسه أ لا ترى لو قلت في شخص إنه كريم أو يقول عن نفسه ذلك الشخص إنه كريم يمكن أن يصدق هذا الثناء و يمكن أن لا يصدق فإذا وجد العطاء من ذلك الشخص بطريق الامتنان و الإحسان شهد العطاء بذاته بكرم المعطي فلا يدخل في ذلك احتمال فهذا معنى حمد الحمد فهو المعبر عنه بلواء الحمد و سمي لواء لأنه يلتوي على جميع المحامد فلا يخرج عنه حمد لأن به يقع الحمد من كل حامد و هو عاقبة العاقبة فافهم و لما كان يجمع ألوان المحامد كلها لهذا عم ظله جميع الحامدين‏ قال صلى الله عليه و سلم آدم فمن دونه تحت لوائي‏ و إنما قال فمن دونه لأن الحمد لا يكون إلا بالأسماء و آدم عالم بجميع الأسماء كلها فلم يبق إلا أن يكون من هناك تحته و دونه في الرتبة لأنه لا بد أن يكون مثنيا باسم ما من تلك الأسماء و لما كانت الدولة في الآخرة لمحمد صلى الله عليه و سلم المؤتي جوامع الكلم و هو الأصل فإنه صلى الله عليه و سلم أعلم بمقامه فعلمه و آدم بين الماء و الطين لم يكن بعد فكان آدم لما علمه الله الأسماء في المقام الثاني من مقام محمد صلى الله عليه و سلم فكان قد تقدم لمحمد صلى الله عليه و سلم علمه بجوامع الكلم و الأسماء كلها من الكلم و لم تكن في الظاهر لمحمد صلى الله عليه و سلم عين فتظهر بالأسماء لأنه صاحبها فظهر ذلك في أول موجود من البشر و هو آدم فكان هو صاحب اللواء في الملائكة بحكم النيابة عن محمد صلى الله عليه و سلم لأنه تقدم عليه بوجود الطينة فمتى ظهر محمد صلى الله عليه و سلم كان أحق بولايته و لوائه فيأخذ اللواء من آدم يوم القيامة بحكم الأصالة فيكون آدم فمن دونه تخت لوائه و قد كانت الملائكة تحت ذلك اللواء في زمان آدم فهم في الآخرة تحته فتظهر في هذه المرتبة خلافة رسول الله صلى الله عليه و سلم على الجميع‏

(السؤال السابع و السبعون) بأي شي‏ء يثنى على ربه حتى يستوجب لواء الحمد الجواب بالقرآن و هو الجامع للمحامد كلها و لهذا سمي قرآنا أي جامعا و هو قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «ملك» مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏ و ما أنزلت على أحد قبله و لا ينبغي أن تنزل الأعلى من له هذا المقام فإنه سبحانه لا ينبغي أن يحمد إلا بما يشرع أن يحمد به من حيث ما شرعه لا من حيث ما تطلبه الصفة الحمدية من الكمال فذلك هو الثناء الإلهي و لو حمد بما تعطيه الصفة لكان حمدا عرفيا عقليا و لا ينبغي مثل هذا الحمد لجلاله‏

(السؤال الثامن و السبعون) ما ذا يقدم إلى ربه من العبودية الجواب العبودة و هو انتساب العبد إليه ثم بعد ذلك تكون العبودية و هو انتسابه إلى المظهر الإلهي‏ فبالعبودة يمتثل الأمر دون مخالفة و هو إذا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من غير تردد فإنه ما ثم إلا العين الثابتة القابلة بذاتها للتكوين فإذا حصلت مظهرا و قيل لها افعل أو لا تفعل فإن خالفت فمن كونها مظهرا و إن امتثلت و لم تتوقف فمن حيث عينها إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ فبهذه العبودية يتقدم إلى الله في ذلك اليوم أ لا تراه يسجد من غير أن يؤمر بالسجود لكن السجود في ذلك اليوم هو المأمور بالتكوين و لم يكن له محل الأعين محمد صلى الله عليه و سلم فتكون السجود في ذاته لأمر الحق له بتكوينه فسجد به محمد صلى الله عليه و سلم من غير أمر إلهي ورد عليه بالسجود فيقال له ارفع رأسك سل تعطه و اشفع تشفع ثم بعد ذلك في موطن آخر يؤمر الخلق بالسجود ليتميز المخلص من غير المخلص فذلك سجود العبودية فالعارفون بالله في هذه الدار يعبدون ربهم من حيث العبودة فما لهم نسبة إلا إليه سبحانه و من سواهم فإنهم ينسبون إلى العبودية فيقال قد قاموا بين يديه في مقام العبودية فهذا الذي يقدمه من العبودية إلى ربه و كل محقق بهذه المثابة يوم القيامة(السؤال التاسع و السبعون) بأي شي‏ء يختمه حتى يناوله مفاتيح الكرم‏ الجواب يختمه بالعبودية و هو انتسابه إلى العبودة كما قررنا و هي الدرجة الثانية فإن هذا المقام ما هو سوى درجتين درجة العبودة و هي العظمى المقدمة و درجة العبودية و هي الختام لأنه ما أمر بما يقتضيه أمر العبودة إلا بعد وجوده فأمر و نهي بوساطة هذا التركيب فأطاع و عصى و أناب و آمن و كفر و وحد و أشرك و صدق و كذب و لما و في حق الدرجة الثانية بما تستحقه العبودية من امتثال أوامر سيده و نواهيه ناوله مفاتح الكرم برد ما قدم إليه‏

(السؤال الثمانون) ما مفاتيح الكرم‏ الجواب سؤالات السائلين منا و منه و بنا و به‏ فأما منا و بنا فسؤال ذاتي لا يمكن الانفكاك عنه و صورة مفتاح الكرم في مثل هذا وقوفك على علمه بأنه بهذه المثابة و غيرك ممن هو مثلك بجهله و لا يعرفه فتكرم عليك بأن عرفك كيف أنت و ما تستحقه ذاتك أن توفي به بما لا يمكن انفكاكها عنه‏ و أما منه و به فإن سؤال السائل بما هو عارض له أي عرض له ذلك بعد تكوينه و ذلك أنه لما كان مظهرا للحق و كان الحق منه هو الظاهر فسأل من جعله مظهرا بلسان الظاهر فيه فهذا سؤال عارض عرض له بعد أن لم يكن فعبر عن مثل هذا السؤال بمفتاح الكرم أي من كرم الله تعالى إن سأل نفسه بنفسه و أضاف ذلك إلى عبده فهو بمنزلة ما هو الأمر عليه بأنه يخلق في عباده طاعته و يثني عليهم بأنهم أطاعوا الله و رسوله و ما بأيديهم من الطاعة شي‏ء غير أنهم محل لها سأل إبليس الاجتماع بمحمد صلى الله عليه و سلم فلما أذن له قيل له أصدقه و حفت به الملائكة و هو في مقام الصغار و الذلة بين يدي محمد صلى الله عليه و سلم فقال له يا محمد إن الله خلقك للهداية و ما بيدك من الهداية شي‏ء و خلقني للغواية و ما بيدي من الغواية شي‏ء فصدقه‏

قال تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ و قال فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها و قال كُلٌّ من عِنْدِ الله و قال ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ثم أثنى مع هذا عليهم فقال التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ يا ليت شعري و من خلق التوبة فيهم و العبادة و الحمد و السياحة و الركوع و السجود و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الحفظ لحدود الله إلا الله فمن كرمه أنه أثنى عليهم بخلق هذه الصفات و الأفعال فيهم و منهم ثم أثنى عليهم بأن أضاف ذلك كله إليهم إذ كانوا محلا لهذه الصفات المحمودة شرعا أ ليس هذا كله مفاتيح الكرم فإنه يفتح بها من العطايا الإلهية ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر قال تعالى تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يا ليت شعري و من أقامهم من المضاجع حين نوم غيرهم إلا هو يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً يا ليت شعري و من أنطق ألسنتهم بالدعاء و من خوفهم و طمعهم إلا هو أ ترى ذلك من نفوسهم لا و الله إلا من مفاتيح كرمه فتح بها عليهم وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فمما رزقهم التجافي عن المضاجع و عن دار الغرور و مما رزقهم الدعاء و الابتهال و مما رزقهم الخوف منه و الطمع فيه فأنفقوا ذلك كله عليه فقبله منهم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ عالمة ما أُخْفِيَ لَهُمْ أي لهؤلاء الذين هم بهذه المثابة من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فكانت هذه الأعمال عين مفاتيح الكرم لمشاهدة ما أخفي لهم فيهم و في هذه الأعمال من قرة أعين فكلما هو في خزائن الكرم فإن مفاتيحه تتضمنه فهو فيها مجمل و هو في الخزائن مفصل فإذا فتح بالأعمال تميزت الرتب و عرفت النسب و جاءت كل حقيقة تطلب حقها و كل علم يطلب معلومه‏

(السؤال الحادي و الثمانون) على من توزع عطايا ربنا الجواب على من حسن السيرة من الولاة و كل شخص وال بالولاية العامة و هي تولية القلب على القوي المعنوية و الحسية في نفسه و الولاية كل من له ولاية خارجة عن نفسه من أهل و ولد و مملوك و ملك فتوزع العطايا على قدر الولاية و قدر ما عاملهم به من حسن السيرة فيهم فإن كان الوالي من العلماء بالله الذين يكون الحق سمعهم و بصرهم فليس له حظ في هذه العطايا فإنها عطايا غني لفقراء و إنما يعطي من هذه صفته عطاء غني لغني ظاهر في مظهر فقير لما أعطى عن فقر ذاتي فأخذ هذا المعطى له من الاسم الله لا من الاسم الرب فما أعظم الغفلة على قلوب العباد هيهات متى تبلغ البشر درجة من لا يوصف بالغفلة و هم الملأ الأعلى الذين يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ في غير ليل و لا نهار يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ و كفى بالبشرية نقصا و اعلم أن‏العطايا تختلف باختلاف المستحقين فمنهم من يكون عطاؤه هو و منهم من يكون عطاؤه معرفته بنفسه و منهم من يكون عطاؤه ما هو منه فإن كان المستحق يقول بالاستحقاق الذاتي فلا يلزمه إلا شكر إيجاد العين حيث كان مظهرا له جل و تعالى و إن كان يقول بالاستحقاق العرضي و هو يرى أنه تعالى جعل له استحقاقا فهذا يتضاعف عليه الشكر فإنه دون الأول في المرتبة و إن كان المستحق يرى الاستحقاق للظاهر في مظهر ما من حيث ما هو ظاهر لذلك المظهر و لا يرى أن عينه تستحق شيئا فهذا لا يجب عليه شكر إلا إن أوجبه على نفسه كإيجاب الحق على نفسه في مثل قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فتتوزع العطايا على مقادير من توزع عليهم في العلم و العمل و الحال و الزمان و المكان و القصد و ملازمة العمل و مغبته قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ قال فرعون لموسى و هارون فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى‏ قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ و هو الذي يستحقه فالرب هو القاسم العطايا

(السؤال الثاني و الثمانون) كم أجزاء النبوة الجواب أجزاء النبوة على قدر آي الكتب المنزلة و الصحف و الأخبار الإلهية من العدد الموضوع في العالم من آدم إلى آخر نبي يموت مما وصل إلينا و مما لم يصل على أن القرآن يجمع ذلك كله‏ فإن النبي صلى الله عليه و سلم يقول فيمن حفظ القرآن إن النبوة أدرجت بين جنبيه فهي و إن كانت مجموعة في القرآن فهي مفصلة معينة في آي الكتب المنزلة مفسرة في الصحف متميزة في الأخبار الإلهية الخارجة عن قبيل الصحف و الكتب و يجمع النبوة كلها أم الكتاب و مفاتحها بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فالنبوة سارية إلى يوم القيامة في الخلق و إن كان التشريع قد انقطع فالتشريع جزء من أجزاء النبوة فإنه يستحيل أن ينقطع خبر الله و أخباره من العالم إذ لو انقطع لم يبق للعالم غذاء يتغذى به في بقاء وجوده قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً و لَوْ أَنَّ ما في الْأَرْضِ من شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ من بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ الله و قد أخبر الله أنه ما من شي‏ء يريد إيجاده إلا يقول له كن فهذه كلمات الله لا تنقطع و هي الغذاء العالم لجميع الموجودات فهذا جزء واحد من أجزاء النبوة لا ينفد فأين أنت من باقي الأجزاء التي لها

(السؤال الثالث و الثمانون) ما النبوة الجواب النبوة منزلة يعينها رفيع الدرجات ذو العرش ينزلها العبد بأخلاق صالحة و أعمال مشكورة حسنة في العامة تعرفها القلوب و لا تنكرها النفوس و تدل عليها العقول و توافق الأغراض و تزيل الأمراض فإذا وصلوا إلى هذه المنزلة فتلك منزلة الإنباء الإلهي المطلق لكل من حصل في تلك المنزلة من رفيع الدرجات ذي العرش‏ فإن نظر الحق من هذا الواصل إلى تلك المنزلة نظر استنابة و خلافة ألقى الروح بالأنباء من أمره على قلب ذلك الخليفة المعتنى به فتلك نبوة التشريع قال تعالى وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً من أَمْرِنا و قال يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ من أَمْرِهِ عَلى‏ من يَشاءُ من عِبادِهِ فهي عامة لأن من نكرة أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ نبوة خاصة نبوة تشريع يُلْقِي الرُّوحَ من أَمْرِهِ عَلى‏ من يَشاءُ من عِبادِهِ مثل ذلك لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ نبوة تشريع لا نبوة عموم نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ من الْمُنْذِرِينَ فالإنذار مقرون أبدا بنبوة التشريع و لهذه النبوة هي تلك الأجزاء التي سأل عنها و التي وردت في الأخبار و أما النبوة العامة فاجزاؤها لا تنحصر و لا يضبطها عدد فإنها غير مؤقتة لها الاستمرار دائما دنيا و آخرة و هذه مسألة أغفلها أهل طريقنا فلا أدري عن قصد منهم كان ذلك أو لم يوقفهم الله عليها أو ذكروها و ما وصل ذلك الذكر إلينا و الله أعلم بما هو الأمر عليه و لقد حدثني أبو البدر التماشكي البغدادي رحمه الله عن الشيخ بشير من ساداتنا بباب الأزج عن إمام العصر عبد القادر أنه قال معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب و أوتينا ما لم تؤتوا فأما قوله أوتيتم اللقب أي حجر علينا إطلاق لفظ النبي و إن كانت النبوة العامة سارية في أكابر الرجال و أما قوله و أوتينا ما لم تؤتوا هو معنى قول الخضر الذي شهد الله تعالى بعدالته و تقدمه في العلم و أتعب الكليم المصطفى المقرب موسى عليه السلام في طلبه مع العلم بأن العلماء يرون أن موسى أفضل من الخضر فقال له يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت‏ فهذا عين معنى قوله أوتينا ما لم تؤتوا و إن أراد رضي الله عنه بالأنبياءهنا أنبياء الأولياء أهل النبوة العامة فيكون قد صرح بهذا القول إن الله قد أعطاه ما لم يعطهم فإن الله قد جعلهم فاضلا و مفضولا فمثل هذا لا ينكر

(السؤال الرابع و الثمانون) كم أجزاء الصديقية الجواب بضع و سبعون جزءا على عدد شعب الايمان الذي يجب على الصديق التصديق بها و ليست الصديقية إلا للاتباع و الأنبياء أصحاب الشرائع صديقون بخلاف أنبياء الأولياء الذين كانوا في الفترات و إنما كانت الأنبياء أصحاب الشرائع صديقين لأن أهل هذا المقام لا يأخذون التشريع إلا عن الروح الذي ينزل بها على قلوبهم و هو تنزيل خبري لا تنزيل علمي فلا يتلقونه إلا بصفة الايمان و لا يكشفونه إلا بنوره فهم صديقون للأرواح التي تنزل عليهم بذلك و كذلك كل من يتلقى عن الله ما يتلقاه من كون الحق في ذلك الإلقاء مخبرا فإنما يتلقاه من جانب الايمان و نوره لا من التجلي فإن التجلي ما يعطي الايمان بما يعطيه و إنما يعطي ذلك بنور العقل لا من حيث هو مؤمن‏ فأجزاء الصديقية على ما ذكرناه لا تنحصر فإنه ما يعلم ما يعطي الله في إخباراته لمن أخبرهم فأجزاء الصديقة المحصورة هو ما وردت به الأخبار الإلهية بأن اعتقاد ذلك الخبر قربة إلى الله على التعيين و هي متعلقة بالاسم الصادق لا بد من ذلك فيتصور هنا من أصول طريق الله و أنه ما ثم إلا صادق فإنه ما ثم مخبر إلا الله فينبغي أن لا يكذب بشي‏ء من الأخبار قلنا الصديق من لا يكذب بشي‏ء من الأخبار إذا تلقى ذلك من الصادق و لكن الصديق إن كان من العلم بالله بحيث أن يعلم أنه ما ثم مخبر إلا الله فيلزمه التصديق بكل خبر على حسب ما أخبر به المخبر فإذا أخبر الصادق الحق بأن قوما كذبوا في أمر أخبروا به صدق الله في خبره أنهم كذبوا في كل ما أخبر به أنهم كذبوا فيه و إن الكذب هي صفة بالنسبة إليهم لا بالنسبة إلى الخبر فإن الخبر إذا نسبته إلى الصادق كان صدقا و إذا نسبته إلى الكاذب فيه كان كذبا و إذا نسبته إلى الكاذب لا فيه كان محتملا و الذي يرى أن المخبر هو الله الصادق فإن ذلك الخبر في ذلك الحال هو صدق و المؤمن به صديق ثم أخبر الصادق الحق أن ذلك الخبر الذي نسبته إلي بأنه صدق أنسبه إلى الذي ظهر على لسانه نسبة كذب فاعتقد أنه كذب فيعتقد فيه أنه بالنسبة إلى ذلك الشخص لكونه محلا لظهور عين هذا الخبر كذب لأن مدلوله العدم لا الوجود فالصدق أمر وجودي و الكذب أمر عدمي‏ و صورة الصدق في الكذب إن المخبر الكاذب ما أخبر إلا بأمر وجودي صحيح العين في تخيله إذ لو لم يتخيله لحصول المعنى عنده لما صح أن يخبر عنه بما أخبر فهو صادق في خبره ذلك و المؤمن به صديق ثم أخبر الحق عن ذلك الخبر أنه بالنسبة إلى الحس كذب و ما تعرض إلى الخيال كما لم يتعرض المخبر في خبره ذلك إلى الحس و إنما السامع ليس له في أول سماعه الأخبار إلا أول مرتبة و هي الحس ثم بعد ذلك يرتقي في درجات القوي فاعتقد بعد هذا بأخبار الحق عنه أن ذلك كذب في الحس إنه كذب في الحس أي ليس في الحس منه صورة من حيث الحكم الظاهر فهو صديق للخبر الحق فما للوجود كذب و لا في العدم صدق فإن الصدق أصله الصادق و هو الوجود المحض الذي لا نسبة للعدم إليه و الكذب هو العدم المحض الذي لا نسبة للوجود إليه و أما الكذب النسبي بالنظر إلى الخيال يكون صدقا و بالنظر إلى الظاهر على شرط مخصوص يكون كذبا فالصديق يتعلق به من حيث نسبته إلى ما هو موجود به و العامة تتعلق به من حيث أنه لا وجود له في المرتبة التي يطلبها فيه من يكذبه فاعلم ذلك‏ فإن شئت قلت بعد هذا إن للصديقية أجزاء منحصرة و إن شئت قلت لا تدخل تحت الجصر أجزاؤها و إن أردت بأجزاء الصديقية الصفة التي بها تحصل الصديقية للصديق فهذا سؤال آخر يمكن أن يسأل عنه فالجواب عن مثل هذا الوجه أن من أجزائها سلامة العقل و الفكر الصحيح و الخيال الصحيح و الايمان بصدق المخبر و إن أحاله العقل الذي ليس بسليم عند أهل هذه الصفة و القول باستحالات الإمكان في الأعيان الممكنات بالنظر إلى ما تقتضيه ذات الواجب الوجود لذاته أو إلى سبق العلم منه عند من يقول بذلك فإذا كان بهذه المثابة حصلت له الصديقية و يكون هذا المجموع أجزاءها لأنها ليست بزائدة على عين المجموع و هذا هو النور الأخضر

(السؤال الخامس و الثمانون) ما الصديقية الجواب نور أخضر بين نورين يحصل بذلك النور شهود عين ما جاء به المخبر من خلف حجاب الغيب بنور الكرم‏ و ذلك أن اسم الله المؤمن الذي تسمى الله لنا به في كتابه من حيث هونور أعني الكتاب فقال عز من قائل هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ إلا إن المؤمن هنا له وجهان معطي الأمان و مصدق الصادقين من عباده عند من لم يثبت صدقهم عنده و لهذا قال تعالى حكاية عما يقوله الصادق يوم القيامة لربه قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ليثبت صدقي عند من أرسلتني إليهم فيما أرسلتني به فجاء بلفظ يدل على أنه وقع و هو عند العامة ما وقع فإنه يوم القيامة و ما أخبر الله إلا بالواقع‏ فلا بد أن يكون ثم حضرة إلهية فيها وقوع الأشياء دائما لا تتقيد بالماضي فيقال قد وقعت و لا بالمستقبل فيقال تقع و لكن متعلقها الحال الدائم و بين القلوب و بين هذه الحضرة حجاب التقييد فإذا كوشف العبد على خلوصه من التقييد و ظهر بصورة حق في حضرة مطلقة شهد ما يقال فيه يقع واقعا و شهد ما يقال فيه واقعا فلم يزل واقعا و لا يزال واقعا فعنه تقع الحكايات الإلهية بأنه يقع مثل قوله تعالى يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ فعلق بالمستقبل و قوله عز و جل أَتى‏ أَمْرُ الله فأتى بالماضي و كلا التقييدين يدل على العدم‏و الحال له الوجود و العدم لا يقع فيه شهود و لا تمييز فلا بد أن يكون المخبر عنه بأنه كان كذا أو يكون كذا له حالة وجودية في حضرة إلهية عنها تقع الإخبارات و الواقف فيها يسمى صديقا و هي بنفسها الصديقية و لها اطلاع من خلف حجاب هذا الهيكل المظلم في حق شخص و الهيكل المنور في حق شخص فإن وجدت عينا مفتوحة سليمة من الصدع أبصرت هذه العين بهذا النور من هذه الحضرة صدق المخبرين كانوا من كانوا فيسمون صديقين بذلك و تسمى هذه الحالة صديقية و للملإ الأعلى منها شرب و للرسل فيها شرب و للأنبياء فيها شرب و للأولياء فيها شرب و للمؤمنين فيها شرب و لغير المؤمنين من جميع أهل النحل و الملل شرب فيسعد بها قوم و يشقى بها قوم لشروط تتعلق بها و لوازم بها يقال مؤمن و كافر و مشرك و موحد و معطل و مثبت و مقر و جاحد و صادق و كاذب فقد عمت الصديقية جميع الهياكل المنورة و المظلمة و النورية و النارية و الطبيعية العنصرية و لا يشعر بها إلا الأكابر من الرجال و هم العارفون بسريانها في الموجودات‏ فإذا نظرت أرباب هذه الهياكل أنفسها مجردة عن هياكلها خرجت عن حضرة الصديقية و كانت من أهل المعاينة فصارت ترى من بعد ما كانت كأنها ترى فالحق سبحانه من كونه مؤمنا له حضرة الصديقية فبها يصدق الحق عباده المؤمنين بقوله وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فصدقهم في كونهم ما عبدوا سواه في الهياكل المسماة شركاء قال تعالى قُلْ سَمُّوهُمْ و قال إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها و بهذا يصدق العباد في الأخبار كلها من غير توقف فلها حكم في الطرفين فإن في هذا الذي قلناه آية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ما فيه آية لقوم يتفكرون و لا لقوم يعلمون على الإطلاق إلا إن أراد بيعلمون يعقلون فالصديقية مستندها من الأسماء الإلهية المؤمن و كذلك أثرها في المخلوقات الايمان و كذلك أسماؤهم المؤمنون الصديقون لهم النور لصدقهم إذ لو لا النور لما عاينوا صدق المخبر و صدق الخبر من خلف حجاب هذا الهيكل ف طُوبى‏ لَهُمْ ثم طوبى وَ حُسْنُ مَآبٍ انتهى الجزء السادس و الثمانون

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال السادس و الثمانون) على كم سهم ثبتت العبودية الجواب على تسعة و تسعين سهما على عدد الأسماء الإلهية التي من أحصاها دخل الجنة لكل اسم إلهي عبودية تخصه بها يتعبد له من يتعبد من المخلوقين و لهذا لا يعلم هذه الأسماء الإلهية إلا ولي ثابت الولاية فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ثبت عندنا أنه عينها و قد يحصيها بعض الناس و لا يعلم أنها هي التي ورد فيها النص كما يكون وليا و لا يعلم أنه ولي و من رجال الله من عرفهم الله بها من أجل ما يطلبه كل اسم منها من عبودية هذا العبد فيعين له هذا الولي العارف من العبودية بحسب الاسم الذي له الحكم عليه في وقته‏ فمن أحصى هذه الأسماء الإلهية دخل الجنة المعنوية و الحسية فأما المعنوية فبما ذا تطلبه هذه الأسماء من العلم بالعبودية التي تليق بها و أما الحسية فبما ذا تطلبه هذه الأسماء من الأعمال التي تطلبه من العباد فلا بد من تمييزها و كيف يعرف اسم لعبودية من لا يعلم من الله ما يطلبه منه فبهذا النظر يكون للعبودية سهام و يكون عددها ما ذكرناه‏ و العاملون بهذه العبودية رجلان رجل يعمل بها من حيث شرعه و من عمل بها من حيث شرعه فقد عمل بها من حيث عقله و رجل‏عمل بها من حيث عقله و من عمل بها من حيث عقله قد لا يعمل بها من حيث شرعه فالعامل بها من حيث عقله ينسبها إلى هياكل منورة أو عقول مجردة عن المواد لا بد من ذلك و العامل بها من حيث شرعه ينسبها إلى الله سبحانه و ينسبها من حيث آثارها و ما تنظر إليه لوضع الوسائط بينك و بينها إلى الهياكل النورية و العقول المجردة عن المواد و أما العامة فلا يعرفونها إلا لله خاصة أو للأسباب القريبة المعتادة المحسوسة خاصة لا يعلمون غير هذا و ما رأيت و لا سمعت عن أحد من المقربين أنه وقف مع ربه على قدم العبودة المحضة فالملأ الأعلى يقول أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها و المصطفون من البشر يقولون رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا و يقولون رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ من الْكافِرِينَ دَيَّاراً و يقولون إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض من بعد اليوم‏ و هذا كله لغلب الغيرة عليهم و استعجال لكون الإنسان خلق عجولا فهي حركة طبيعية أظهرت حكمها في الوقت فانحجب عن صاحبها من العبودة بقدر استصحاب مثل هذا الحكم لصاحبهاو كل ما كان يقدح في مقام ما و يرمي به ذلك المقام فإن صاحب ذلك المقام لم يتصف في تلك الحال بالكمال الذي يستحقه و إن كان من الكمل فنور العبودية على السواء من نور الربوبية فإنه من أثره و على قدر ما يقدح في العبودية يقدح في الربوبية و إن كان مثل هذا القدح لا يقدح و لا يؤثر في السعادة الطبيعية و لكن يؤثر في السعادة العلمية و أعم الدرجات في ذلك درجتان درجة العجلة التي خلق الإنسان عليها و درجة الغفلة التي جبل الإنسان عليها و لو لا إن الملأ الأعلى له جزء في الطبيعة و مدخل من حيث هيكله النوري ما وصفهم الحق بالخصام في قوله ما كانَ لِي من عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى‏ إِذْ يَخْتَصِمُونَ و لا يختصم الملأ الأعلى إلا من حيث المظهر الطبيعي الذي يظهر فيه كظهور جبريل في صورة دحية و كذلك ظهورهم في الهياكل النورية المادية و هي هذه الأنوار التي تدركها الحواس فإنها لا تدركها إلا في مواد طبيعية عنصرية و أما إذا تجردت عن هذه الهياكل فلا خصام و لا نزاع إذ لا تركيب و مهما قلت اثنان كان وقوع الخصام لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا فالوحدة من جميع الوجوه هو الكمال الذي لا يقبل النقص و لا الزيادة فانظر من حيث هي لا من حيث الموحد بها فإن كانت عين الموحد بها فهي نفسها و إن لم تكن عين الموحد بها فهو تركيب فما هو مقصودنا و لا مطلب الرجال و لهذا اختلفت أحكام الأسماء الإلهية من حيث هي أسماء فأين المنتقم و الشديد العقاب و القاهر من الرحيم و الغافر و اللطيف فالمنتقم يطلب وقوع الانتقام من المنتقم منه و الرحيم يطلب رفع الانتقام عنه و كل ينظر في الشي‏ء بحسب حكم حقيقته فلا بد من المنازعة لظهور السلطان فمن نظر إلى الأسماء الإلهية قال بالنزاع الإلهي و لهذا قال تعالى لنبيه وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فأمره بالجدال الذي تطلبه الأسماء الإلهية و هو قوله بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ كما ورد في الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه‏ فإذا جادل بالإحسان جادل كأنه يرى ربه و لا يرى ربه مجادلا إلا إذا رآه من حيث ما تطلبه الأسماء الإلهية من التضاد فاعلم ذلك‏ و ما منعني من تحصيل هذا المقام إلا الغفلة لا غير فليس بيني و بينه أ الغفلة و هو حجاب لا يرفع و أما حجاب العجلة فأرجو بحمد الله أنه قد ارتفع عني و أما حجاب الغفلة فمن المحال رفعه دائما مع وجود التركيب حيث كان في المعاني أو في الأجسام و لو ارتفع هذا الحجاب لبطل سر الربوبية في حق هذا الشخص و هو الذي أشار إليه سهل بن عبد الله أو من كان يقوله إن للربوبية سرا لو ظهر لبطلت الربوبية لكنه ممكن الحصول بالنظر إلى نفسه و لكن لا أدري هل تقتضي الذات تحصيله و ظهوره في الوجود أم لا غير أني أعلم أنه ما وقع و مع هذا فلا أقطع يأسي من تحصيله مع علمي باستحالة ذلك و ينبغي للناصح نفسه أن يقارب هذا المقام جهد الاستطاعة و أما القائلون بالتشبه بالحضرة الإلهية جهد الطاقة و هو التخلق بالأسماء إنه عين المطلوب و الكمال فهو صحيح في باب السلوك لا في عين الحصول و أما في عين الحصول فلا تشبه بل هو عين الحق و الشي‏ء لا يشبه نفسه فأعلى المظاهر مظاهر الجمع و هو عين التفريق‏

(السؤال السابع و الثمانون) ما يقتضي الحق من الموحدين‏ الجواب أن لا مزاحمة و ذلك أن الله لما تسمى بالظاهر و الباطن نفى المزاحمة إذ الظاهر لا يزاحم الباطن و الباطن لا يزاحم الظاهر و إنما المزاحمة أن يكون ظاهران أو باطنان فهو الظاهر من حيث المظاهر و هو الباطن من حيث الهوية فالمظاهر متعددة من حيث أعيانها لا من حيث‏الظاهر فيها فالأحدية من ظهورها و العدد من أعيانها فيقتضي الحق من الموحدين الذين وصفوا بصفة التوحيد أن يوحدوه من حيث هويته و إن تعددت المظاهر فما تعدد الظاهر فلا يرون شيئا إلا كان هو المرئي و الرائي و لا يطلبون شيئا إلا كان هو الطالب و الطلب و المطلوب و لا يسمعون شيئا إلا كان هو السامع و السمع و المسموع فلا تزاحم فلا منازعة فإن النزاع لا يحمله إلا التضاد و هو المماثل و المنافر و هو عين المماثل هنا إذ قد يكون الضدان ما ليس بمثلين بخلاف المخالف فإن حكم المخالف لا يقع منه مزاحمة و لا منازعة و لهذا نفى الحق أن تضرب له الأمثال لأنها أضداد تنافي حقيقة ما ينبغي له و لا ينافيه ما سمي به حيث نفى التشبيه فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ خلق الله التفاحة تحمل اللون و الطعم و الرائحة و لا مزاحمة في الجوهر الذي لا ينقسم و يستحيل وجود لونين أو طعمين أو ريحين في ذلك الجزء الذي لا ينقسم فلا يصح إلهان لأنهما مثلان و يصح وجود جميع الأسماء للعين الواحدة لأنها خلاف و الخلاف قابل للاجتماع بخلاف المماثل فإذا استحال الاجتماع فلحكم الضدية لا لحكم الخلاف إذ الاجتماع لا يناقض الخلاف فكل اجتماع يطلب الخلاف و ما كل خلاف يطلب الاجتماع‏ و إنما يقتضي الحق من الموحدين عدم المزاحمة ليبقى الرب ربا و العبد عبدا فلا يزاحم الرب العبد في عبوديته و لا يزاحم العبد الرب في ربوبيته مع وجود عين الرب و العبد فالموحد لا يتخلق بالأسماء الإلهية فإن قلت فيلزم أن لا يقبل ما جاء من الحق من اتصافه بأوصاف المحدثات من معية و نزول و استواء و ضحك فهذه أوصاف العباد و قد قلت أن لا مزاحمة فهذه ربوبية زاحمت عبودية قلنا ليس الأمر كما زعمت ليس ما ذكرت من أوصاف العبودية و إنما ذلك من أوصاف الربوبية من حيث ظهورها في المظاهر لا من حيث هويتها فالعبد عبد على أصله و الربوبية ربوبية على أصلها و الهوية هوية على أصلها فإن قلت فالربوبية ما هي عين الهوية قلنا الربوبية نسبة هوية إلى عين و الهوية لنفسها لا تقتضي نسبة و إنما ثبوت الأعيان طلبت النسب من هذه الهوية فهو المعبر عنها بالربوبية فاقتضى الحق من الموحدين أن يوحدوا كل أمر لترتفع المزاحمة فيزول النزاع فيصح الدوام للعالم فيتعين عند ذلك ما معنى الأزل بمعقولية الأبد و هو قولك لا يزال فلو لا النقطة المفروضة في الخط التي تشبه الآن ما فرق بين الأزل و الأبد كما لا نفرق بين الماضي و المستقبل بانعدام الآن من الزمان إلا إن النقطة هي الربوبية ففرقت بين الهوية و الأعيان و هو المسمى المظاهر إلا إن النقطة أنت فتميز هو و أنا بأنت فإذا علمت هذا فأنت موحد فأعط الحق ما يقتضيه منك إذا اقتضاه فإن قال لك أ ليس قد تبين لك في المرتبة الأخرى أنه ما ثم إلا الله و بينت في ذلك ما بينت فلما ذا نزعت هنا هذا المنزع قلنا لأنك سميت نفسك مقتضيا منا من كوننا موحدين أمرا ما لا يقتضي أنت ما يعطيك نحن نحن ما أعطيناك إنما أعطينا للمقتضي فلا تكلمنا بغير لغتنا إذ أنت القائل وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ يكون المقتضي في هذا الفصل مشهودنا و يخاطبنا اسم آخر ليس مشهودنا هذا خطاب ابتلاء و تمحيص‏

(السؤال الثامن و الثمانون) عن الحق المقتضي ما الحق‏ الجواب سمي الحق حقا لاقتضائه من عباده من حيث أعيانهم و من حيث كونهم مظاهر ما يستحق إذ لا يطلب الحق إلا بالحق و هو العلم الحاصل بعد العين و هو ما يجب على المقتضي منه ما يعطيه إذا طلبه منه كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجبها فصارت حقا عليه قال وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ فهو الحق لا غيره و هو المستحق و المحق و هو الذي تجب عليه الحقوق من حيث إيجابه لا من حيث ذاته‏ فالأعيان لو لا ما تستحق أن تكون مظاهر ما ظهر الحق فيها و لم يكن حكيما لما كان يلزم من الخلل في ذلك و لو لم تكن الهوية تستحق الظهور في هذه المظاهر العينية لظهور سلطان الربوبية ما ظهرت في هذه الأعيان لأن الشي‏ء لا يظهر في نفسه لنفسه فلا بد من عين يظهر فيها لها فيشهد نفسه في المظهر فيسمى مشهودا و شاهدا فإن الأعيان لا تستحق و لهذا قال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و لم يقل إن الأعيان تستحق الرحمة فالأعيان ليس لها استحقاق إلا أن تكون مظاهر خاصة

فقل للحق إن الحق ما هو سواه فهو حق في الحقيقة

فلم أنظر بعيني غير عيني فعين الحق أعيان الخليقة

الحق هويته الحق اسمه خلق هو المخلوق به خلق كل شي‏ء حقه أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ قُلِ الْحَقُّ من رَبِّكُمْ الحق طلب الحقوق فبالحق يطلب الحق فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏ فالحق الوجود و الضلال الحيرة في النسبة فالحق المنزل و الحق التنزيل و الحق المنزل و الحق من الله من حيث هو ربنا و من صرف عن الحق إلى أين يذهب فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أصحاب العلامات و الدلائل‏ فالحق المسئول عنه في هذا السؤال هو المقتضي الذي يقتضي من الموحدين لما ذكرناه فسمي حقا لوجوب وجوده لنفسه فاقتضاؤه إنما اقتضى من نفسه فإنه إنما اقتضاه من الظاهر في مظهره و هويته هي الظاهرة في المظهر الذي به كانت رتبة الربوبية فما اقتضى إلا منه و ما كان المقتضي إلا هو و الذي اقتضى هو حق و هو عين الحق فإن أعطى فهو الآخذ و إن أخذ فهو المعطي فمن عرفه عرف الحق‏

)السؤال التاسع و الثمانون) و ما ذا بدؤه‏ الجواب الضمير يعود على الحق و بدؤه من الاسم الأول الذي تسمى الحق به قال تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ فسمى لنا نفسه أولا فبدؤه أولية الحق و هي نسبة لأن مرجع الموجودات في وجودها إلى الحق فلا بد أن تكون نسبة الأولية له فبدؤه نسبة الأولية له و نسبة الأولية له لا تكون إلا في المظاهر فظهوره في العقل الأول الذي هو القلم الأعلى و هو أول ما خلق الله فهو الأول من حيث ذلك المظهر لأنه أول الموجودات عنه فالذات الأزلية لا توصف بالأولية و إنما يوصف بها الله تعالى قال الله تعالى سَبَّحَ لِلَّهِ فهو المسبح ما في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ من حيث أعيانهم وَ هُوَ الْعَزِيزُ المنيع الحمى من هويته الْحَكِيمُ بمن ينبغي أن يسبح له الضمير يعود على الله من لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و لهذا يسبحه أهلهما لأنهم مقهورون محصورون في قبضة السموات و الأرض يُحْيِي وَ يُمِيتُ يحيي العين و يميت الوصف فالعين لها الدوام من حيث حييت و الصفات تتوالى عليها فيميت الصفة بزوالها عن هذه العين و يأتي بأخرى وَ هُوَ الضمير يعود على الله عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ أي شيئية الأعيان الثابتة يقول إنها تحت الاقتدار الإلهي هُوَ الْأَوَّلُ الضمير يعود على الله من لله و الأول خبر الضمير الذي هو المبتدأ و هو في موضع الصفة لله و مسمى الله إنما هو من حيث المرتبة و أول مظهر ظهر القلم الإلهي و هو العقل الأول و العين ما كانت مظهرا إلا بظهور الحق فيها فهي أول و الكلام في الظاهر في المظهر لأن به يت فالأول هو الله و العقل حجاب عليه و مجن تتوالى الصفات عليه و لما كانت الأعيان كلها من كونها مظاهر نسبتها إلى الألوهية نسبة واحدة من حيث ما هي مظاهر تسمى بالآخر فهو الآخر آخرية الأجناس لا آخرية الأشخاص و هو الأول بأولية الأجناس و أولية الأشخاص لأنه ما أوجد إلا عينا واحدة و هو القلم أو العقل كيفما شئت سميته و لما كان العالم له الظهور و البطون من حيث ما هو مظاهر كان هو سبحانه الظاهر لنسبة ما ظهر منه و الباطن لنسبة ما بطن منه وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ شيئية الأعيان و شيئية الوجود من حيث أجناسه و أنواعه و أشخاصه فقد تبين أن بدأه عين وجود العقل الأول‏ قال النبي صلى الله عليه و سلم أول ما خلق الله العقل‏ و هو الحق الذي خالق به السموات و الأرض و قد مشى معنا هذا في سؤاله في العدل في السؤال الثامن و العشرين من هذه السؤالات‏

(السؤال التسعون) أي شي‏ء فعله في الخلق‏ الجواب إن كان قوله في الخلق من كونهم مقدرين فالإيجاد و هو حال الفعل و إن كان قوله في الخلق من كونهم موجودين فحال الفناء و ذلك أن الله تعالى قال للإنسان أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من قَبْلُ أي قدرناه وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً نبهه على أصله فأنعم عليه بشيئية الوجود و هو عين وجود الظاهر فيه و إنما خاطب الإنسان وحده لأنه المعتبر الذي وجد العالم من أجله و إلا فكل ممكن بهذه المنزلة هذا الذي تعطيه نشأته لكونه مخلوقا على الصورة الإلهية و أنه مجموع حقائق العالم كله فإذا خاطبه فقد خاطب العالم كله و خاطب أسماءه كلها و أما الوجه الآخر الذي ينبغي أيضا أن يقال و هو دون هذا في كونه مقصودا بالخطاب و ذلك أنه ما ادعى أحد الألوهية سواه من جميع المخلوقات و أعصى الخلائق إبليس و غاية جهله إنه رأى نفسه خيرا من آدم لكونه من نار لاعتقاده أنه أفضل العناصر و غاية معصيته أنه أمر بالسجود لآدم فتكبر في نفسه عن السجود لآدم لما ذكرناه و أبى‏فعصى الله في أمره فسماه الله كافرا فإنه جمع بين المعصية و الجهل و الإنسان ادعى أنه الرب الأعلى فلهذا خص بالخطاب في قوله أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ فلذا قلنا الفناء أي أحاله على هذه الصفة أن يكون مستحضرا لها و أما الفعل الخاص بكل خلق فهو إعطاؤه ما يستحقه كل خلق مما تقضيه الحكمة الإلهية و هو قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ أي بين أنه تعالى أعطى كل شي‏ء خلقه حتى لا يقول شي‏ء من الأشياء قد نقصني كذا فإن ذلك النقص الذي يتوهمه هو عرض عرض له لجهله بنفسه و عدم إيمانه إن كان وصل إليه قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فإن المخلوق ما يعرف كماله و لا ما ينقصه لأنه مخلوق لغيره لا لنفسه فالذي خلقه إنما خلقه له لا لنفسه فما أعطاه إلا ما يصلح أن يكون له تعالى و العبد يريد أن يكون لنفسه لا لربه فلهذا يقول أريد كذا و ينقصني كذا فلو علم أنه مخلوق لربه لعلم أن الله خلق الخلق على أكمل صورة تصلح لربه أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين و هذه المسألة مما أغفلها أصحابنا مع معرفة أكابرهم بها و هي مما يحتاج إليها في المعرفة المبتدي و المنتهي و المتوسط فإنها أصل الأدب الإلهي الذي طلبه الحق من عباده و ما علم ذلك إلا القائلون رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً و أما الذين قالوا أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ فما وقفوا على مقصود الحق من خلقه الخلق و لو لم يكن الأمر كما وقع لتعطل من الحضرة الإلهية أسماء كثيرة لا يظهر لها حكم‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم‏ فنبه إن كل أمر يقع في العالم إنما هو لإظهار حكم اسم إلهي و إذا كان هكذا الأمر فلم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم و لا أكمل فما بقي في الإمكان إلا أمثاله إلى ما لا نهاية له فاعلم ذلك فهذا فعله في الخلق و أما الجواب العام في هذه المسألة أن يقال فعله في الخلق ما هو الخلق عليه في جميع أحواله‏

(السؤال الحادي و التسعون) و بما ذا و كل يعني الحق‏ الجواب وكل بتمشية أوامر الله و إنفاذ كلماته لا غير فهو مخصوص بالشرائع الإلهية سنها من سنها كما قال تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ فذمهم لما لم يرعوها فقال فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها و قال صلى الله عليه و سلم من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها فالخير يطلب الثواب بذاته و الشرع مبين للناس توقيت ذلك الثواب كقوله من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها و قال الله لداود يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الْأَرْضِ لمن تقدمك أو نيابة عنا بالاسم الظاهر الذي لنا فقد خلعناه عليك لتظهر به في خلقي فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فعرفنا إن الحق سبحانه قد وكل الحق بتمشية دينه فقال لخلفائه احكموا بما يقتضيه أمر هذا الوكيل و لا تتبعوا الهوى و هو إرادة النفوس التي يخالفها حكم الحق الموكل بتمشية الكلمات الإلهية المشروعة و كل مخاطب راع و مسئول عن رعيته فكان العدل صفة هذا الحق الذي وكله الله أن يصرفها في المخلوقات بمساعدة الخلفاء و الله المرشد

(السؤال الثاني و التسعون) و ما ثمرته يعني فيمن حكم به من الخلفاء الجواب الوقوف دائما مع العبودة هذه ثمرته و لكن جوائح الربوبية تمنع من ظهور هذه الثمرة و لا سيما في البشر و لكن له ثمرة أخرى دون هذه الثمرة و هو أن يكون الحق سمعه و بصره و جميع قواه ثم إن له في كل شخص من الثمر بحسب ما أمضاه في سلطانه من أحكامه و أما ثمرته التي يعمل عليها و لها أكثر العقلاء من أهل الله فتهيؤ مراداتهم بمجرد الهمم فمنهم من ينال ذلك في الدنيا و منهم من يدخر له ذلك إلى يوم القيامة فإن أكابر الرجال مع معرفتهم بما خلقوا له لو وقفوا مع التكوين قوبلوا و لكنهم تركوا الحق يتصرف في خلقه كما هو في نفس الأمر و أبوا أن يكونوا محلا لظهور التصريف و إن ظهر عليهم من ذلك شي‏ء فما هو عن قصد منهم لذلك و لكن الله أجراه لهم و أظهره عليهم لحكمة علمها الحق و هؤلاء عن ذلك بمعزل و أما إن يقصدوا ذلك فلا يتصور منهم إلا أن يكونوا مأمورين كالرسل عليهم السلام فذلك إلى الله و هم لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ فإنهم معصومون من إضافة الأفعال إليهم إذا ظهرت منهم فيقولون هي للظاهر من أسمائه في مظاهره فما لنا و للدعوى فنحن لا شي‏ء في حال كوننا مظاهر له و في غير هذه الحال و هذا المقام يسمى راحة الأبد و القائم فيه مستريح و هذا هو الذي و في الربوبية حقها لأن الحكم للمرتبة لا للعين أ لا ترى أن السلطان تمشي أوامره في مملكته فلا يعصى و يخاف و يرجى و ماهو لكونه إنسانا فإن الإنسانية عينه و إنما هو لكونه سلطانا و هي المرتبة فالعاقل من الناس يرى أن المتحكم في المملكة إنما هي المرتبة لا عينه إذ لو كان ذلك لكونه إنسانا فلا فرق بينه و بين كل إنسان و هكذا كل المظاهر فرجال الله ينظرون أنفسهم من حيث أعيانهم لا من حيث كونهم مظاهر فكانت المرتبة هي الحاكمة لا هم و هذه هي ثمرة الحق التي جنوها حين حكموا به و فازوا بالعبودة و العبودية عبادة الفرائض و عبادة النوافل‏

(السؤال الثالث و التسعون) و ما المحق‏ الجواب معطي الحق و هو الموصوف بالحكم العدل و ذلك أني أنبهك على تحقيق هذا الأمر فاعلم أن المحق إذا كان هو معطي الحق فليس إلا الله و مقصود الطائفة من المحق أن يكون الصادق الدعوى في طلب الحق الذي يستحقه و هي مسألة صعبة فإن الله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ و هو ما يستحقه فقد أعطى كل شي‏ء استحقاقه فهذا الطالب ما يستحقه كيف يصح أن يكون ممنوعا عنه ما يستحقه مع قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ‏ فلنقل اعلم أن قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ إنما هو مما يقوم ذات ذلك الشي‏ء من الفصول المقومة لذاته و أما ما تطلبه تلك الفصول من اللوازم و الأعراض فما أعطاه ذلك لأن أعراض كل ذات لا يتناهى ما دام موصوفا بالبقاء في الوجود و ما لا يمكن فيه التناهي لا يصح أن يدخل في الوجود بل على التتالي و التتابع فالطالب المحق هو الذي لا يطلب ما لا تستحقه ذاته من لوازمها و أعراضها كمن ليس من حقيقته أن يقبل التفكر فيطلب أن يتصف بالفكر فما هو محق في طلبه فإذا طلبه الإنسان إذا كان الغالب عليه الوقوف مع المحسوسات فله أن يطلب الاشتغال بالتفكر في خلق السموات و الأرض و جميع الآيات فهو محق في طلبه صادق الدعوى في نفي التفكر عنه لاستيلاء الغفلة عليه فهذا هو المحق الذي لا يعارض طلب حقه الذي يستحق بذاته طلبه قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فقد تبين لك كيف ينبغي لك أن تسأل و ما ذا تسأل فيه و من أوصاف المحق أن لا يسأل إلا من بيده قضاء ذلك الحق المسئول فإن لم يفعل فقد شكى إلى غير مشتكى‏ كان شيخنا أبو العباس بن العريف الصنهاجى يقول في دعائه اللهم إنك سددت باب النبوة و الرسالة دوننا و لم تسد باب الولاية اللهم مهما عينت أعلى رتبة في الولاية لأعلى ولي عندك فاجعلني ذلك الولي فهذا من المحقين الذين طلبوا ما يمكن أن يكون حقا لهم و إن كانت النبوة و الرسالة مما يستحقه الإنسان عقلا لكون ذاته قابلة لها لكن لما علم أن الله قد سد بابها شرعا و سد باب نبوة الشرائع لم يسألها و سأل ما يستحقه فإن الله ما حجر الولاية علينا و من هذا الباب سؤال الوسيلة و إن لم يكن مثلها لكن يقرب منها و إنما ألحقناها بها في التشبيه لقرينة حال و هي درجة في الجنة لا ينالها أولا تنبغي إلا لرجل واحد قال صلى الله عليه و سلم و أرجو أن أكون أنا فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة فلو سأل واحد منا ربه الوسيلة في حق نفسه لما سأل ما لا يستحقه لأنه ربما لا ينالها إلا شخص هو على صفة مخصوصة و الله يقول لنا وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ إلا أنه لم يقل منه فقد يمكن أن يكون هذه من التوسل و تلك الصفة إما موهوبة أو مكتسبة و لم يعينها رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا حجرها على واحد بعينه و لم يقل إنها لا تنبغي إلا لمن هو أفضل عند الله من البشر و نحن نعلم أنه أفضل الناس عند الله بما نص على نفسه فكان يكون ذلك تحجيرا و لم ينص أيضا في وحدانية ذلك الشخص هل هو واحد لعينه أو واحد تلك الصفة فتكون الأحدية لتلك الصفة و لو ظهرت في ألف لكان كل واحد من الألف له الوسيلة لأن تلك الصفة تطلبها فلما لم يقع من الشارع شي‏ء من هذا كله ساغ لنا أن نطلبها لأنفسنا و لكن يمنعنا من ذلك الإيثار و حسن الأدب مع الله في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي اهتدينا بهديه و قد طلب منا أن نسأل الله له الوسيلة فتعين علينا أدبا و إيثارا و مروءة و مكارم خلق أن لو كانت لنا لوهبناها له إذ كان هو الأولى بالأفضل من كل شي‏ء لعلو منصبه و ما عرفناه من منزلته عند الله‏ و نرجوا بهذا أن يكون لنا في الجنة ما يماثل تلك الدرجة مثل قيمة المثل عندنا في الحكم المشروع في الدنيا و ذلك أن بيننا و بينه صلى الله عليه و سلم أخوة الايمان و إن كان هو السيد الذي لا يقاوم و لا يكاثر و لكن قد انتظم معنا في سلك الايمان فقال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ و ثبت في الشرع أن الإنسان إذا دعي لأخيه بظهر الغيب قال الملك له و لك بمثله و لك بمثليه فإذا دعونا له بالوسيلة و هو غائب عنا قال الملك و لك بمثله فهي له و المثل للداعي فينال من درجات مجموعه ما يناله صاحب الوسيلة من الوسيلة مثل قيمة المثل لأن الوسيلة لا مثل لها أي ما ثم درجةواحدة تجمع ما جمعت الوسيلة و إن كانت ما جمعت الوسيلة متفرقا في درجات متعددة و لكن للوسيلة خاصية الجمع‏

(السؤال الرابع و التسعون) فأين محل من يكون محقا الجواب في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ فإن الحقوق ما يطلبها المحق إلا و هو في المقعد الصدق لأنه صادق و لا تطلب الحقوق إلا عند من يعلم أنه قادر على إيصالها و ملك ماضي الكلمة في ملكه فلهذا قلنا في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ فاجتمع هذا المحق مع المتقي في هذا المحل و المتقي في جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ و إن كان المحق كذلك و لكن لما كان الفرق بين المتقي و بين هذا معلوما لم تكن الجنات كالجنات و وقع الاشتراك في كونه محقا مع المتقي فالمتقي ما نال المقعد الصدق إلا من كونه محقا عند مليك مقتدر حضرة بقاء العين و الاقتدار و التأييد و لهم أماكن مختلفة بحسب الحضرات التي ينزلونها من حضرات الأسماء محلهم الاسم الصادق و الحق و الناصر و ما في معنى هذه الأسماء فأي اسم من هؤلاء الأسماء نظر إليه كان محله و أما في الذاتيات فمحله الواجبات و أما في الألوهية فمحلها بالظفر بالمطلوب و أما في العبودية فمحلها عبودية الفرائض و أما في الأحوال فالتأثير و أما في المقامات فالصدق و أما في الجنان فارتفاع الحجب و أما في الدنيا فالفعل بالهمة و أما في المعارف فإن يكون مع الحق من حيث أمره و مع عالمه من حيث عدله و وفائه فيعين كل طالب حق فمقامه لا يتزلزل و لا ينخرم فإن له في كل حضرة مقعدا و مجلسا فحيث حل فهو بيته فلا يفطر إن كان صائما و لا يقصر الصلاة فإنه مقيم غير مسافر لأن السفر فيه لا يجوز فيه القصر و لا الفطر فهو كمثل عائشة قالت لا أقصر فإني أم المؤمنين فحيث ما حللت حللت عند نبي فإنا في بيتي و السفر إليه بخلاف ذلك فإنه يقصر و يفطر فهو فطر الصائمين‏

(السؤال الخامس و التسعون) ما سكينة الأولياء الجواب إذا اتبع الولي الأسباب و قطعها سببا سببا و ولى مملكة جابرقينا و جابرسينا و جمع له بين المشرقين و المشارق و المغربين و المغارب و اطلع على المشرق و المغرب و وفى المقامات حقها و أعطى الأنبياء حقهم و أنبياء الشرائع حقهم و أنصف الملأ الأعلى و أحال الأسماء الإلهية على الأسماء الإلهية و لم يتوجه لمخلوق عليه حق فإنه غير وارث و لا رسول و لا إمام و لا صاحب منصب يخاف عليه فيه عدله أو جوره و يرجى فيه فضله و جهل قدره و لم يعرف حقه و تمنى الرسل في موطن ما أن تكون مثله و جمع هذا كله فتلك سكينة الأولياء التي يسكنون إليها فهم العرائس المصانون رجال أي رجال يسكنون إليها و لا تحصل لهم دائما لكن لهم اختلاسات فيها كالبروق فهي تشبه المشاهد الذاتية في كونها لا بقاء لها فإن المواطن تحكم عليهم و طبيعتهم تطلبهم‏ فإن اتفق أن تحصل لأحد وقتا ما قصيرا أو طويلا فإن الدوام محال فيكون الولي في تلك الحال ناظرا لمن يطلب طبيعته فيكون كالمتفرج و يرى الظاهر فيه المسئول ذلك إما يعطيها ما سألته و إما يمنعها و هو مهيمن على ذلك من حيث عينه إلا أن هذه هي العبودة المحضة التي لا يتخللها شوب من الربوبية

(السؤال السادس و التسعون) ما حظ المؤمنين من قوله الظاهر و الباطن و الأول و الآخر الجواب كل مصدق بأمر لم يعلمه إلا من الذي أخبره به فقد بطن عنه ما صدقه فيه و ظهر له ما صدقه فيه عند إخباره و حظه من الأول أن لا يتوقف في تصديقه عند سماعه الخبر منه و حظه من الآخر أن لا يتردد فيما صدقه فيه إن قدح فيه نظره عند التفكر فيما أخبره به المخبر و ذلك أن الايمان نور شعشعاني ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد فإذا خالط هذا النور بشاشة القلوب كان حكمه ما ذكرناه من الظاهر و الباطن و الأول و الآخر و المؤمنون فيه على قسمين مؤمن عن نظر و استدلال و برهان فهذا لا يوثق بإيمانه و لا يخالط نوره بشاشة القلوب فإن صاحبه لا ينظر إليه إلا من خلف حجاب دليله و ما من دليل لأصحاب النظر إلا و هو معرض للدخل فيه و القدح و لو بعد حين فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الايمان بشاشة قلبه و هذا الحجاب بينه و بينه و المؤمن الآخر الذي كان برهانه عين حصول الايمان في قلبه لا أمر آخر و هذا هو الايمان الذي يخالط بشاشة القلوب فلا يتصور في صاحبه شك لأن الشك لا يجد محلا يعمره فإن محله الدليل و لا دليل فما ثم على ما يرد الدخل و لا الشك بل هو في مزيد ثم إن المؤمن على نوعين مؤمن له عين فيه نور بذلك العين إذا اجتمع بنور الايمان أدرك المغيبات التي متعلقها الايمان و مؤمن ما لعينه نور سوى نور الايمان فنظر إليه به و نظر إلى غيره به‏ فالأول يمكن أن يقوم بعينه أمر يزيل عنه النور الذي إذا اجتمع بنور الايمان أدرك الأمور التي ألزمه الايمان القول بها و هو المؤمن الذي لا دليل له و ينظر الأشياء بذاته فيدخله الشك ممن يشككه فإن فطرته تعطي النظر في الأدلة إلا أنه لم ينظر فإذا نبه تنبه فمثل هذا إن لم يسرع إليه الذوق و إلا خيف عليه و المؤمن الآخر هو بمنزلة الجسد الذي قد تسوت بنيته و استوت آلات قواه و تركبت طبقات عينه غير أنه ما نفخ فيه الروح فلا نور لعينه فإذا كان الإنسان بهذه المثابة من الطمس فنفخ فيه روح الايمان فأبصرت عينه بنور الايمان الأشياء فلا يتمكن له إدخال الشكوك عليه جملة و رأسا فإنه ما لعينه نور سوى نور الايمان و الضد لا يقبل الضد فما له نور في عينه يقبل به الشك و القدح فيما يراه و هكذا هي الأذواق و هذه فائدتها و متى لم يكن الايمان بهذه المثابة و الفطرة بهذه المثابة و إلا فقليل أن يجي‏ء منه ما جاء من الأنبياء و الأولياء من الصدق بالإلهيات‏ فالفطرة الذكية التي تقبل النظر في المعقولات من أكبر الموانع لحصول ما ينبغي أن يحصل من العلم الإلهي و الفطرة المطموسة هي القابلة التي لا نور لعينها من ذاتها إلا من نور الايمان فلا تعطي فطرته النظر في الأمور على اختلافها و مما يعضد ما قلناه حديث إبار النخل و حديث نزوله بأصحابه يوم بدر و قوله ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ أي ما لي علم و لا نظر بغير ما يوحى إلي و هذا باب لا يعرفه إلا أهل الله و منزلة الأنبياء فيما يأخذونه من الغيب بطريق الايمان من الملائكة منزلة المؤمنين مع ما يأخذونه من الأنبياء فالأنبياء مؤمنون بما يلقي إليهم الروح و الروح مؤمن بما يلقي إليه من يلقي إليه‏ فحظ المؤمن كان من كان من الظاهر ما ألقى إليه و حظه من الباطن ما استتر به و حظه من الأول علم الخواطر الإلهية و حظه من الآخر إلحاق بقية الخواطر بالخواطر الإلهية و هو تتميم قوله وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏

(السؤال السابع و التسعون) ما حظ المؤمنين من قوله كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ الجواب المؤمن هو الذي ذكرناه الذي لا نور لعين بصيرته إلا نور الايمان فكل شي‏ء عنده هالك عن شيئيته شيئية ثبوته و شيئية وجوده إلا وجهه وجه الشي‏ء ذاته و حقيقته و وجهه مظهره أي ظهوره في الأعيان فأما شيئية ذاته فهي المستثناة لا بد من ذلك و أما وجهه في المظهر فبعض أصحابنا يدخلها في كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ و بعض أصحابنا لا يدخلها هنالك فأما من أدخلها في الهلاك فاعتبر مظهرا خاصا و أما من لم يدخلها في الهلاك فاعتبر أنها لا تخلو عن مظهر ما و أما نحن فلا نثبت إطلاق لفظ الشيئية على ذات الحق لأنها ما وردت و لا خوطبنا بها و الأدب أولى و الأولى أن يكون هنا وجهه مثل إطلاق الأول يريد المظهر لا هويته و المظهر له مناسبة بينه و بين الوجه الظاهر فيه فلذلك صح الاستثناء قال تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ فسماه شيئا في حال هلاكه فكل شي‏ء موصوف بالهلاك لأن هالك خبر المبتدأ الذي هو كل شي‏ء أي كل ما ينطلق عليه اسم شي‏ء فهو هالك و إن كان مظهرا فهو في حال كونه مظهرا في شيئية عينه و هي هالكة فهو هالك في حال اتصافه بالوجود كما هو هالك في حال اتصافه بالهلاك الذي هو العدم‏ فإن العدم للممكن ذاتي أي من حقيقة ذاته أن يكون معدوما و الأشياء إذا اقتضت أمورا لذواتها فمن المحال زوالها فمن المحال زوال حكم العدم عن هذه العين الممكنة سواء اتصفت بالوجود أو لم تتصف فإن المتصف بالوجود ما هو عين الممكن و إنما هو الظاهر في عين الممكن الذي سمي به الممكن مظهرا لوجود الحق فكل شي‏ء هالك فلهذا نفينا عن الحق إطلاق لفظ الشي‏ء عليه و يكون الاستثناء استثناء منقطعا مثل قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ‏ أ لا ترى لما استحق الحق الوجود لذاته استحال عليه العدم كذلك إذا استحق الممكن العدم لذاته استحال وجوده فلهذا جعلناه مظهرا قلنا في كتاب المعرفة إن الممكن ما استحق العدم لذاته كما يقوله بعض الناس و إنما الذي استحقه الممكن تقدم اتصافه بالعدم على اتصافه بالوجود لذاته لا العدم و لهذا قبل الوجود بالترجيح إذن فالعدم المرجح عليه الوجود ليس هو العدم المتقدم على وجوده و إنما هو العدم الذي له في مقابلة وجوده في حال وجوده أن لو لم يكن الوجود لكان العدم فذلك العدم هو المرجح عليه الوجود في عين الممكن هذا هو الذي يقتضيه النظر العقلي‏ و أما مذهبنا فالعين الممكنة إنما هي ممكنة لأن تكون مظهر إلا لأن تقبل الاتصاف بالوجود فيكون الوجود عينها إذن فليس الوجود في الممكن عين الموجود بل هو حال لعين الممكن به يسمى الممكن موجودا مجازا لا حقيقة لأن الحقيقة تأبى أن يكون‏الممكن موجودا فلا يزال كل شي‏ء لك كما لم يزل لم يتغير عليه نعت و لا تغير على الوجود نعت فالوجود وجود و العدم عدم و الموصوف بأنه موجود موجود و الموصوف بأنه معدوم معدوم هذا هو نفس أهل التحقيق من أهل الكشف و الوجود ثم يندرج في هذه المسألة الوجه الذي له الأمام و هو الوجه المقيد بالنظر و به تميز عن الخلف فإذا كان الشخص يرى من خلفه مثل ما يرى من أمامه كان وجها كله بلا قفا فلا يهلك من هذه صفته لأنه يرى من كل جهة فلا يهلك لأن العين تحفظه بنظرها فمن أي جهة جاءه من يريد إهلاكه لم يجد سبيلا إليه لكشفه إياه كما يتقي صاحب الوجه المقيد من يأتيه من إمامه انتهى الجزء السابع و الثمانون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال الثامن و التسعون) كيف خص ذكر الوجه‏ الجواب لأن السبحات له فهي مهلكة و المهلك لا يكون هالكا فاعلم أن الحقائق لا تتصف بالهلاك و وجه الشي‏ء حقيقته و إنما يتصف بالهلاك الأمور العوارض للحقائق من نسبة بعضها إلى بعض فهي أعني الأمور العوارض حقيقتها أن تكون عوارض فلا يهلك وجهها عن كونها عوارض فاتصاف من عرضت له نسبة ما ثم بها زالت تلك النسبة بحصول نسبة أخرى فازالة تلك النسبة العارضة تسمى هلاكا و يسمى ذلك المحل المنسوب إليه ذلك العارض بزواله هالكا و ما ثم إلا حقائق فما ثم إلا وجوه غير هالكة و ما ثم إلا نسب فما ثم إلا هالك فانظر كيف شئت و أنطق بحسب ما تنظر فلهذا خص الوجه لاستحالة اتصافه بالهلاك إذ كانت الحقيقة لا تهلك‏

(السؤال التاسع و التسعون) ما مبتدأ الحمد الجواب مبتدؤه الابتداء و هو المعنى القائم في نفس الحامد فلا بد أن يكون مقيدا من طريق المعنى أنه ابتداء حادث فلا بد له من سبب و السبب عين التقييد و من طريق التلفظ بالحمد فمبتدؤه الإطلاق ثم بعد ذلك إن شئت قيدته بصفة فعل إلهي و إن شئت نزهته في التقييد بصفة تنزيه و ما ثم أكثر من هذا و إن أراد السائل بالحمد هنا العبد فإنه عين الثناء على الحق بوجود عينه فمبتدؤه الحق الذي أوجده لما أوجده و إن أراد بالحمد و مبتدئه إضافة المبدأ إلى الحمد أي بما يبتدئ الحمد فنقول بالوجود سواء اقترنت سعادة بذلك الموجود أو شقاوة و إن أراد بالحمد حمد الحمد فمبتدؤه الوهب و المنة و إن أراد بمبتدإ الحمد حمد الحق الحمد أو حمد الحق نفسه أو حمد الحق مخلوقاته فالثناء على الثناء بأنه ثناء ثناء عليه فمبتدؤه العلم بأنه ثناء و إن أراد به حمد الحق نفسه فمبتدؤه الهوية فهو غيب لا يظهر أبدا و إن أراد به حمد الحق خلقه فمبتدؤه إضافة الخلق إليه تعالى لا إلى غيره و إن أراد بالحمد الفاتحة التي هي السورة فمبتدؤها الباء إن نظرت الحق من حيث دلالة الخلق عليه فيكون بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية من سورة الفاتحة و إن كان ينظرها من حيث الحق مجردا عن تعلق العالم به للدلالة فمبتدؤها الألف من الحمد لله فلم تتصل بأمر و لا ينبغي لها أن تتصل و لم يتصل بها فإنها تتعالى في الفاتحة أن يتصل بها فإنه ما اتصل بها في المعنى إلا أسماؤها و أسماؤها عينها فلم يتصل بها سواها فإن أراد بالحمد عواقب الثناء فمبدؤه من حيث هو عواقب رجوع أسمائه إليه فإنه لا أثر لها إلا في الظاهر في المظاهر و على الظاهر يقع الثناء و ليس الظاهر في المظاهر غيره فلا مثنى و لا مثنى و لا مثنى عليه إلا هو و التبس على الناس ما يتعلق بالمظاهر من الثناء فلهذا قالوا ما مبتدأ الحمد و الظاهر من سؤال هذا السائل أنه أراد الفاتحة لأنه قال في السؤال الذي يليه ما معنى آمين و هي كلمة شرعت بعد الفراغ من الفاتحة فهو ثناء بدعاء و كل ثناء بدعاء فهو مشوب و لهذا قال قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين فنصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل‏ فأمين المشروعة لما فيها من السؤال و هو قوله اهْدِنَا و من طلب شيئا من أحد فلا بد أن يفتقر إليه بحال طلبه فمبتدأ الحمد على هذا هو الافتقار و لهذا سأل في الإجابة ثم إنه ما أوجب له الافتقار إليه إلا أثر غناه تعالى بما افتقر إليه فيه فمبتدأ الحمد غنى الحق عن العالمين قال الله تعالى فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و قال تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فقدم الفقر على الغني في اللفظ و غنى الحق مقدم في المعنى على فقراء الخلق إليه لا بل هما سؤالان تقدم أحدهما على الآخر فإن الغني عن الخلق‏لله أزلا و الفقر للممكن في حال عدمه إلى الله من حيث غناه أزلا و الموصوفان بالأزل نفيا و إثباتا لا يتقدم أحدهما على الآخر لأن الأزل لا يصح فيه تقدم و لا تأخر فافهم‏

(السؤال الموفي مائة) ما قوله آمين‏ الجواب لما أراد الثناء بما هو دعاء في مصالح ترجع إلى الداعي لهذا قيل له قل آمين و هي تقصر و تمد قال الشاعر في القصر

تباعد مني فطحل و ابن أمه أمين فزاد الله ما بيننا بعدا

يعني حتى يتفرد مع الحق الذي لا يقبل البينية و قال الشاعر في المد

يا رب لا تسلبني حبها أبدا و يرحم الله عبدا قال آمينا

يعني في دعائه بالبعد بينه و بين من يقبل البينية و ورد في الشرع الجهر بها و الإخفاء لأن الأمر ظاهر و باطن فالباطن يطلب الإخفاء و الظاهر يطلب الجهر غير أن الظاهر أعم فإذا جهر بها فقد حصل حظ الباطن و إذا أسر بها لم يعلم الظاهر ما جرى و الباطن خصوص و الأسرار بها خاص لخاص و الظاهر عموم فالجهر بها عام لعام و خاص من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه و كل مذكور في ملأ فهو مذكور في النفس و ما كل ما هو مذكور في النفس يكون مذكورا في الملإ قوله عليه السلام أو استأثرت به في علم غيبك هي أسماء لا يعلمها إلا هو فعلم السر أتم وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ فالمفاتيح العلم بها خاص له و الغيب قد يظهر على غيبه من يرتضيه من رسله إِلَّا من ارْتَضى‏ من رَسُولٍ فالسر بها أتم مقاما من الجهر بها و الجهر بها أعم منفعة من السر السر بها آمين معناه أجب دعاءنا لا بل معناه قصدنا إجابتك فيما دعوناك فيه يقال أم فلان جانب فلان إذا قصده وَ لا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أي قاصدين و خفف أمين للسرعة المطلوبة في الإجابة و الخفة تقتضي الإسراع في الأشياء فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة فقد غفر له و لم يقل فقد أجيب لأنه لو أجيب لما غفر له لأن المهدي ما له ما يغفر أي فمن أمن مثل تأمين الملائكة هذا معنى الموافقة لا الموافقة الزمانية و قد تكون الموافقة الزمانية فيحويهم زمان واحد عند قولهم آمين و الملائكة لا يخلو قولها في آمين هل يقولونها متجسدين أو يقولونها غير متجسدين فإن قالتها متجسدة فربما يريد الموافقة الزمانية خاصة لأن التجسد يحكم عليهم بالإتيان بلفظة آمين أي بترتيب هذه الحروف و إن قالتها غير متجسدة فلم تبق الموافقة إلا أن يقولها العبد بالحال التي يقولها الملك و الحال هنا على أقسام الحال الواحدة أن يقولها بربه فإن الملك يقولها كذلك أو يقولها بحاله التي تقتضيها ذاته فالإنسان إذا قالها كذلك قالها من حيث روحانيته إلا من حيث حسه أو يقولها بحكم النيابة فالملك قد يقولها كذلك أو يقولها و هو هو فالملك قد يقولها كذلك و قول الإنسان بحكم النيابة هو قوله بحكم الصورة التي خلق عليها فينبغي للإنسان أن يقولها بكل حال يقولها الملك من هذه الأقسام التي ذكرناها فإذا قالها غفر الله له و لا بد أن يستره الله عن كل أمر يضاد الهداية بما تنتج لا بد من ذلك لأن نتيجة الهداية سعادة و قد يكون في حياته الدنيا غير مهدي و العناية قد سبقت فيجني ثمرة الهداية فلهذا لم يقل أجيب و قال غفر فهذا معنى قوله آمين و كل داع بحسب ما دعا فإن الله يستجيب له بأمر سعادي لا بما عينه فقد أجابه بما فيه سعادته إذ هي المطلوب الأعم في كل دعاء داع‏

(السؤال الحادي و مائة) ما السجود الجواب السجود من كل ساجد مشاهدة أصله الذي غاب عنه حين كان فرعا عنه فلما اشتغل بفرعيته عن أصليته قيل له اطلب ما غاب عنك و هو أصلك الذي عنه صدرت فسجد الجسم إلى التربة التي هي أصله و سجد الروح إلى الروح الكل الذي عنه صدر و سجد السر لربه الذي به نال المرتبة و الأصول كلها غيب أ لا تراها قد ظهرت في الشجر أصولها غيب فإن التكوين غيب لا يشاهده أحد الجنين يتكون في بطن أمه فهو غيب حيوان آخر يتكون في البيض فإذا كمل تشقق عنه الحق أصل وجود الأشياء و هو غيب لها السجود تحية الملوك لما كان السوقة دون الملك فالملك له العلو و العظمة فإذا دخل عليه من دونه سجد له أي منزلتنا منك منزلة السفل من العلو فإنهم نظروا إليه من حيث مكانته و مرتبته لا من حيث نشأته فإنهم على السواء في النشأة سجدت الملائكة لمرتبة العلم‏فكان سجودها لا علم لنا و هو الجهل سجدت الظلال لمشاهدتها من خرجت عنه و هي الأشخاص يتستر ظل الشخص عن النور بأصله الذي انبعث عنه لئلا يفنيه النور فلم يكن له بقاء إلا بوجود الأصل فلا بقاء للعالم إلا بالله السلطان ظل الله في أرضه العرش ظل الله يوم القيامة العرش عين الملك يقال ثل عرش الملك إذا اختل ملكه عليه الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ أي على ملكه سجود القلب إذا سجد لا يرفع أبدا لأن سجوده للأسماء الإلهية لا للذات فإنها هي التي جعلته قلبا فهي تقلبه من حال إلى حال دنيا و آخرة فلهذا سمته قلبا فإذا تجلى له الحق مقلبا فيرى أنه في قبضة مقلبه و هو الأسماء الإلهية التي لا ينفك مخلوق عنها فهي المتحكمة في الخلائق فمن مشاهد لها و هو الذي سجد قلبه و من غير مشاهد لها فلا يسجد قلبه و هو المدعي الذي يقول أنا و على من هذه صفته يتوجه الحساب و السؤال يوم القيامة و العقاب إن عوقب و من سجد قلبه فلا دعوى له فلا حساب و لا سؤال و لا عقاب فلا حالة أشرف من حالة السجود لأنها حالة الوصول إلى علم الأصول فلا صفة أشرف من صفة العلم فإنه معطي السعادة في الدارين و الراحة في المنزلتين أصل الأعداد الواحد فلا وجود لها إلا به و به بقاؤها فمن لا علم له بأحدية خالقه كثرت آلهته و غاب عن معرفته بنفسه فجهل ربه‏

فصار عبد الكل رب فهو محل لكل ذنب‏

و السجود يقتضي الديمومية و لهذا قال الشيخ أيضا لسهل بن عبد الله إلى الأبد لأن السجود الخضوع و الإسجاد إدامة النظر و كل من تطأطأ فقد سجد و قلن له اسجد لليلى فأسجدا أي طأطأ البعير لها لتركبه و التطاطؤ لا يكون إلا عن رفعة و الرفعة في حق كل ما سوى الله خروج عن أصله فقيل له اسجد أي تطأطأ عن رفعتك المتوهمة و اخضع من شموخك بأن تنظر إلى أصلك فتعرف حقيقتك فإنك ما تعاليت حتى غاب عنك أصلك فطلبك على أصلك طلبك الغيب عينه و من عرف أصله عرف عينه أي نفسه و من عرف نفسه عرف ربه و من عرف نفسه لم يرفع رأسه و من عرف ربه رفع رأسه فإنه مخلوق على صورة ربه و من نعوت ربه الرفيع فلا بد أن يرفع نفسه و بعد هذه الرفعة يقال له اسجد فيسجد وجهه فيسجد قلبه فيرفع وجهه من السجود فلا يدوم فإن القبلة التي سجد لها لا تدوم و الجهة التي سجد لها لا تدوم فرفع لرفع المسجود له و سجد القلب فلم يرفع لأنه سجد لربه فقبلته ربه و ربه لا يزول و لا ترتفع عن الوجود ربوبيته فالقلب لا يرفع رأسه من سجوده أبدا لأن قبلته لا ترتفع فهذا معنى السجود

(السؤال الثاني و مائة) ما بدؤه‏ الجواب بدؤ السجود الذي أسجدك تنوع الحالات و تغيراتها عليك فنبهك ذلك على النظر في السبب الموجب لذلك فطلبت فعلمت أنك معلول و كل معلول فلا قيام له بنفسه فإن المريض لا يمرض نفسه و ما كل ما تقام فيه من تغير الأحوال يرضيك و إذا لم يرضك فقد أمرضك فلا بد من ممرض و من طلب الممرض فقد افتقر فعلمت أنك فقير و إذا افتقرت فهو كسر فقار ظهرك لم يتمكن لك أن ترفع رأسك فأنت موصوف بالسجود دائما فهذا بدء السجود و إن أراد بقوله ما بدؤه يعني ما بدؤه فيك أي ما هو أول شي‏ء يعطيك السجود من منحه فنقول القربة و القربة مؤذنة ببعد متقدم و كل ذلك يؤدي إلى الحد و لا حد فإنه البعيد القريب‏ فاعلم أن الهوية المسماة بالبعيد القريب هي التي أعطتك السجود و بدأك بها منحة و لكن من كونها تسمى بالبعيد القريب فنقلتك من النعت لبعيد إلى النعت القريب فنقلتك من البعد إلى القربة قال الله تعالى وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ و لم يقل غير ذلك من الأحوال تدل على إن أول شي‏ء يمنحك السجود هو القربة ثم بعد ذلك تعطي من مقام القربة ما يليق بالمقربين من الملائكة و النبيين فتلك عوارف التقريب و التقريب منحة السجود و السجود منحة النظر في تغير الأحوال و النظر في تغير الأحوال حكم تغير الأحوال و تغير الأحوال كونك على الصورة كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و كونك على الصورة كونك مظهرا للأسماء الإلهية و كونك مظهرا للأسماء الإلهية أعطاك الرفعة و لاتصافك بالرفعة أمرت بالسجود فاعلم‏

(السؤال الثالث و مائة) ما قوله العزة إزاري‏ الجواب لما أنعم الحق على عباده حين دعاهم إلى معرفته بالتنزل بضرب الأمثال لهم ليحصلوا بذلك القدر الذي أراد منهم أن يعلموا منه مثل قوله مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ لقوله الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فجعل النور نفسه لأنه خبر المبتدأ أي صفته و هويته النور من حيث إنه الله النور و أين نورالمصباح من قوله الله نُورُ و كذلك الخبر إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي كأنه سلسلة على صفوان و أين كلام الحق تعالى من ضرب سلسلة على صفوان كذلك‏ قوله العزة إزاري‏ فأنزل نفسه لعباده منزلة من يقبل الاتصاف بالإزار و إن مراده من علمهم به في مثل هذا ما يناسب الإزار و ما يستره الإزار و اعلم أن الإزار يتخذ لثلاثة أمور الواحد للتجمل و الثاني للوقاية و الثالث للستر و المقصود في هذا الخبر من الثلاثة الوقاية خاصة لأجل قوله العزة فإن العزة تطلب هنا الامتناع من الوصول إليه لأن الإزار بقي موضع الغيرة أن تطلع إليه الأبصار و لما كانت العزة منيعة الحمى أن يتصف بها على الحقيقة خلق من المخلوقات أو مبدع من المبدعات لاستصحاب الذلة للمخلوقات و المبدعات و هي تناقض العزة فلما اتزر الحق بالعزة منع العقول أن تدرك قبول الأعيان للإيجاد الذي اتصفت به و تميزت لأعيانها فلا يعلم ما سوى الله صورة إيجاده و لا قبوله و لا كيف صار مظهرا للحق و لا كيف وصفه بالوجود فقيل فيه موجود و قد كان يقال فيه معدوم‏ فقال الحق العزة إزاري‏ أي هي حجاب علي ما من شأن النفوس أن تتشوف إلى تحصيله و لهذا قال من نازعني واحدا منهما قصمته‏ فأخبر أنه ينازع في مثل هذه الصفات التي لا تنبغي إلا له مثل العزة و العظمة و الكبرياء و العزة القهر الذي نجده عن إدراك السر الذي به ظهور العالم‏

(السؤال الرابع و مائة) ما قوله و العظمة ردائي‏ الجواب أن الله قد نبه أن العظمة التي تلبسها العقول رداء يحجبها عن إدراك الحق عند التجلي فليست العظمة صفة للحق على التحقيق و إنما هي صفة للقلوب العارفة به فهي عليها كالرداء على لابسه و هي من خلفه تحجبها تلك العظمة عن الإدلال عليه و تورثها الإذلال بين يديه و من الدليل على أن يوصف العظيم بالعظمة أنه راجع إلى العالم به لا إليه أن المعظم إذا رآه من لا يعرفه لا يجد لذلك النظر في قلبه هيبة و لا تعظيما لجهله به و الذي يعلم مكانته و منزلته له على قلبه سلطان العلم به فيورثه ذلك العلم عظمة في قلبه فهو الموصوف بالعظمة لا العظيم‏ و قد ورد خبر ذكره أبو نعيم الحافظ في دلائل النبوة أن جبريل أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم فأسرى به في شجرة فيها كوكرى طائر فقعد جبريل في الواحد و قعد رسول الله صلى الله عليه و سلم في الآخر فلما وصلا إلى السماء الدنيا تدلى إليهما شبه الرفرف درا و ياقوتا فأما جبريل فغشي عليه و أما محمد صلى الله عليه و سلم فبقي على حاله ما تغير عليه شي‏ء فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فعلمت فضل جبريل علي في العلم‏ لأنه علم ما رأى و أنا ما علمته فالعظمة التي حصلت في قلب جبريل إنما كانت من علمه بما تدلى إليه فقلب جبريل هو الموصوف بتلك العظمة فهي حال للرائي لا للمرئي و لو كانت العظمة حالة للمرئي لعظمة كل من رآه و الأمر ليس كذلك و قد ورد في الحديث الصحيح أن الله يتجلى يوم القيامة لهذه الأمة و فيها منافقوها فيقول أنا ربكم فيستعيذون منه و لا يجدون له تعظيما و ينكرونه لجهلهم به فإذا تجلى لهم في العلامة التي يعرفونه بها أنه ربهم حينئذ يجدون عظمته في قلوبهم و الهيبة فلهذا قلنا في‏ قوله العظمة ردائي‏ أي هي رداؤه الذي تلبسه عقول العلماء به و جعلها رداء و لم يجعلها ثوبا فإن الرداء له كمية واحدة و الثوب مؤلف من كميات مختلفة ضم بعضها إلى بعض كالقميص و كذلك أيضا الإزار مثل الرداء و لم يقل السراويل لأن ذلك أقرب إلى الأحدية من الثوب المؤلف لتنوع الشكل‏

(السؤال الخامس و مائة) ما الإزار الجواب حجاب الغيرة و الستر على تأثير القدرة الإلهية في الحقيقة الخامسة الكلية الظاهرة في القديم قديمة و في المحدثات محدثة و هو ظهور الحقائق الإلهية و الصور الربانية في الأعيان الثابتة الموصوفة بالإمكان التي هي مظاهر الحق فلا يعلم نسبة هذا الظهور إلى هذا المظهر إلا الله سبحانه و تعالى فالحجاب الذي حال بيننا و بين هذا العلم هو المعبر عنه بالإزار و هي كلمة كن و لا أريد به حرف الكاف و الواو و النون و إنما أريد به المعنى الذي به كان هذا الظهور

(السؤال السادس و مائة) ما الرداء الجواب العبد الكامل المخلوق على الصورة الجامع للحقائق الإمكانية و الإلهية و هو المظهر الأكمل الذي لا أكمل منه الذي قال فيه أبو حامد ما في الإمكان أبدع من هذا العالم لكمال وجود الحقائق كلها فيه و هو العبد الذي ينبغي أن يسمى خليفة و نائبا و له الأثر الكامل في جميع الممكنات و له المشيئة التامة و هوأكمل المظاهر و اختلف العلماء هل يصح أن يكون منه في الوجود شخصان فصاعدا أو لا يكون إلا شخص واحد فإن كان شخص واحد فمن هو ذلك الشخص و من أي قسم هو من أقسام الموجودات هل من البشر أو من الجن أو من الملائكة و إنما سماه رداء لأنه مشتق من الردي المقصور و هو الهلاك لأنه مستهلك في الحق استهلاكا كليا بحيث أن لا يظهر له وجود عين مع ظهور الانفعالات الإلهية عنه فلا يجد في نفسه حقيقة ينسب بها شيئا من تلك الانفعالات إليه فيكون حقا كله و هو قوله صلى الله عليه و سلم و اجعلني نورا أي يظهر في كل شي‏ء و لا أظهر بشي‏ء و قد يستهلك الحق فيه فلا ينسب بوجوده شي‏ء إلى الحق و هو الوجه الذي اعتمد عليه من أثبت الحق المخلوق به كأبي الحكم بن برجان و سهل بن عبد الله التستري و غيرهما و إليه أشرنا بقولنا

أنا الرداء أنا السر الذي ظهرت بي ظلمة الكون إذ صيرتها نورا

فالمرتدي هو الهالك بهذا الرداء فانظر من هو المرتدي فاحكم عليه بأنه مستهلك فيه فتجد حقيقة ما ذكرناه فكل مرتد محجوب بردائه عن إدراك الأبصار قال تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لأن الرداء يحجب الأبصار عنه و لا يحجبه عنها فهو يدركها و لا تدركه فالأبصار تدرك الرداء و الرداء هو الذي استهلك المرتدي فيه بظهوره إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏

(السؤال السابع و مائة) ما الكبر الجواب ما ظهر عن دعاوى الخلق في حضرة الربوبية من أنا على طبقات القائلين بها الكبر حال من أحوال القلوب من حيث ما هي عالمة بمن ينبغي أن ينسب إليه الكبرياء فإن الحق معلوم عند كل موجود و يتبع العلم الكبرياء فمن كان أعلم به كان كبرياء الحق في قلبه أعظم ممن ليس في قلبه ما يوجب ذلك فلو كان الكبرياء صفة للذات لكانت الذات مركبة و إن كان عين الذات و تجلى سبحانه و سلب العلم به في تجليه لم يجد المتجلي له أثر كبر عنده لهذا المتجلي لجهله به فإن رزقه العلم به تبعه الكبر و العلم مما يوصف به العالم لا المعلوم كذلك الكبر يوصف به من يوصف بالعلم بمن يكون الكبرياء من أثره في قلب هذا الشخص و لهذا قد ورد الكبرياء ردائي فهو حجاب بين العبد و بين الحق يحجب العبد أن يعرف كنه المرتدي به و هو نفسه فأحرى أن يعرف ربه و مع هذا فلا يضاف الكبر إلا لغير لابسه فإنه حالة عجيبة و كذلك العظمة فإن الحق ما هي صفته لا ذاتية و لا معنوية فإنه يستحيل على ذاته قيام صفات المعاني بها و يستحيل أن تكون صفة نفسية من أجل ما ورد من إنكار الخلق له في تجليه مع كونه هو هو و إذا بطل الوجهان فلم يبق إلا أن تكون صفة للمتجلي له و هو الكون أو حالة تعقل بين المتجلي و المتجلي له لا يتصف بها المتجلي له لأن العبودة تقابل الكبر و تضادها و محال أن تقوم بنفسها بينهما فلم يبق إلا أن تكون من أوصاف العلم فتكون نسبة كبر و تعظيم و عزة تتصف بها نسبة علم بمعلوم محقق من حيث ما يؤدي إليه ذلك العلم من وجود هذه النسب ذوقا و شربا كما تقول في التشبيه و ضرب المثل سواد مشرق و علم حسن فوصف السواد بالإشراق و العلم بالحسن و هو وصف من لا قيام له بنفسه بما لا قيام له بنفسه فلذلك جعلنا الكبرياء و العظمة حالة تابعة للعلم بالمعظم و المكبر في نفس من عظمه و كبره‏

(السؤال الثامن و مائة) ما تاج الملك‏ الجواب تاج الملك علامة الملك و تتويج الكتاب السلطاني خط السلطان فيه و الوجود كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ و يجهله من ليس بمقرب و تتويج هذا الكتاب إنما يكون بمن جمع الحقائق كلها و هي علامة موجدة فالإنسان الكامل الذي يدل بذاته من أول البديهة على ربه هو تاج الملك و ليس إلا الإنسان الكامل و هو قوله صلى الله عليه و سلم إن الله خلق آدم على صورته‏ و هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ فلم يظهر الكمال الإلهي إلا في المركب فإنه يتضمن البسيط و لا يتضمن البسيط المركب فالإنسان الكامل هو الأول بالقصد و الآخر بالفعل و الظاهر بالحرف و الباطن بالمعنى و هو الجامع بين الطبع و العقل ففيه أكثف تركيب و ألطف تركيب من حيث طبعه و فيه التجرد عن المواد و القوي الحاكمة على الأجساد و ليس ذلك لغيره من المخلوقات سواه و لهذا خص بعلم الأسماء كلها و بجوامع الكلم و لم يعلمنا الله أن أحدا سواه أعطاه هذا إلا الإنسان الكامل و ليس فوق الإنسان‏مرتبة إلا مرتبة الملك في المخلوقات و قد تلمذت الملائكة له حين علمهم الأسماء و لا يدل هذا على أنه خير من الملك و لكنه يدل على أنه أكمل نشأة من الملك فلما كان مجلى الأسماء الإلهية صح له أن يكون للكتاب مثل التاج لأنه أشرف زينة يتزين بها الكتاب و بذلك التتويج ظهرت آثار الأوامر في الملك كذلك بالإنسان الكامل ظهر الحكم الإلهي في العالم بالثواب و العقاب و به قام النظام و انخرم و فيه قضى و قدر و حكم‏

(السؤال التاسع و مائة) ما الوقار الجواب حمل أعباء التجلي قبل حصوله و الفناء فيه كسكرات الموت قبل حلوله‏ و ذلك أن للتجلي مقدمات كطلوع الفجر لطلوع الشمس و كما ورد في الخبر عن مقدمات تجلى الرب للجبل بما ينزل من الملائكة و القوي الروحانية في الضباب و هي أثقال التجلي التي تتقدمه من الوقر و هو الثقل و إذا حصل الثقل ضعف الإسراع و الحركة فسمى ذلك السكون وقارا أي سكون عن ثقل عارض لا عن مزاج طبيعي فإن السكون الكائن عن الأمر الذي يورث الهيبة و العظمة في نفس الشخص يسمى وقارا و سكينة و السكون الطبيعي الذي يكون في الإنسان من مزاجه لغلبة البرد و الرطوبة على الحرارة و اليبس لا يسمى وقارا إنما الوقار نتيجة التعظيم و العظمة و لا سيما إن تقدم التجلي خطاب إلهي فصاحبه أشد وقارا لأن خطاب الحق بوساطة الروح يورث هيبة و لا سيما إن كان قولا ثقيلا و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا نزل عليه الوحي كصلصلة الجرس يجد منه مشقة عظيمة و يورثه سكونا و غشيا مع الواسطة فكيف به إذا خاطبه الحق بارتفاع الوسائط مثل موسى عليه السلام و من كلمه الله‏ فإذا كان هذا و أمثاله من مقدمات التجلي الإلهي فكيف يكون حال الإنسان بعد حصول التجلي من الوقار أ لا ترى إلى ما يحصل في قلوب الناس من هيبة الصالحين المنقطعين إلى الله الذين لم تجر العادة عند العامة برؤيتهم فإذا وقع نظرهم عليهم ظهر عليهم من الوقار و السكينة و الخمود برؤيتهم ما لا يقدر قدره إلا الله و هو إجلال المتجلي يقول بعضهم‏

كأنما الطير منهم فوق أرؤسهم لا خوف ظلم و لكن خوف إجلال‏

و قال آخر

اشتاقه فإذا بداأطرقت من إجلاله‏
لا خيفة بل هيبةو صيانة لجماله‏

فهذا الإطراق هو عين الوقار و قال تعالى وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً و قال عليه السلام فلا تأتوها و أنتم تسعون يعني الجمعة و ائتوها و عليكم السكينة و الوقار أي امشوا مشي المثقلين و هذا لا يكون إلا إذا تجلى لهم في جلال الجمال‏

(السؤال العاشر و المائة) و ما صفة مجالس الهيبة الجواب لما كانت الهيبة تورث الوقار سأل عن صفة مجلسه أي ما صفته في قعوده بين يديه فمن صفته عدم الالتفات و اشتغال السر بالمشاهد و عصمة القلب من الخواطر و العقل من الأفكار و الجوارح من الحركات و عدم التمييز بين الحسن و القبيح و أن تكون أذناه مصروفة إليه و عيناه مطرقتين إلى الأرض و عين بصيرته غير مطموسة و جمع الهم و تضاؤله في نفسه و اجتماع أعضائه اجتماعا يسمع له أزيز و إن لا يتأوه مع جمود العين عن الحركة و أن لا تعطيه المباسطة الإدلال‏ فإن جالسة بتقييد جهة كما كلمه بتقييد جهة من حضرة مثالية ك جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ في الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ من الشَّجَرَةِ فليكن سمعه بحيث قيده فإن أطلق سمعه لأجل حقيقة أخرى تعطيه عدم التقييد و هو تعالى قد قيد نفسه به في جانب خاص فقد أساء الأدب و ليس هو في مجلس هيبة و لا يكون صاحب مجلس الهيبة صاحب فناء لكنه صاحب حضورا و استحضار لا يرجح و لا يجرح و لا يرفع ميزانا و لا يسمى إنسانا فإن الإنسان مجموع أضداد و مختلفات‏

(السؤال الحادي عشر و مائة) ما صفة ملك الآلاء الجواب روحاني و ذلك أن الملك لا يتصف به إلا الجماد خاصة و هو أشد الخلق طواعية لله سبحانه المعترف بأنه ملك لله سبحانه على أن جميع ما سوى الله ملك لله و لكن الفضل في الملك أن يعلم أنه ملك و أن يكون معاملته مع الله معاملة من هو ملك لله و ليس ذلك إلا للمهيمين من الملائكة و الجمادات و أما النبات فلم يتصف بذلك كل النبات فإن منه من لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً و لكن باقي الخلائق فيهم من قام بحق كونه ملكا و منهم من لم يقم بذلك في كل صنف و بهذا وصفهم الحق سبحانه فقال وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاًفالطائع في الإمكان أن يكون صاحب كره و الكارة في الإمكان أن يكون طائعا فأعظم الآلاء و أتمها بل هي النعمة المطلقة أن يرزق الخلائق طاعة الله فإنهم لذلك خلقوا فملك الآلاء هو الذي ملكته النعمة لله و هو قوله عليه السلام أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه‏ و كل ما سوى الله متغذ فكل ما سوى الله منعم عليه فكل من تعبدته نعمة الله لله فهو ملك الآلاء و الآلاء من جملة الملك فيحتاج إلى نعمة و تلك النعمة عين وجودها و بقائها في المنعمين عليهم فالنعم ملك الآلاء أيضا فإذا كان ملك الآلاء المنعم عليهم ردتهم النعمة إلى الله فكان ملكهم لله بتلك النعم فهم ملك الآلاء فملك الآلاء من كان بهذه الصفة و إذا كان ملك الآلاء عبارة عن عين الآلاء فصفة هذا العين أن لا تنسب إلا إلى الله فإن نسبت إلى غير الله فذلك من جهة المنعم عليه لا من جهة النعمة و المنعم عليه هو المذموم بقدر ما أضاف من الآلاء إلى غير الله‏ لما تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم سورة الرحمن العامة لجميع ما خلق الله دنيا و آخرة و علوا و سفلا على الجن‏ فما قال في آية منها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلا قالت الجن و لا بشي‏ء من آلائك ربنا نكذب فمدحهم رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه بحسن الاستماع حين تلاها عليهم و لم يقولوا شيئا من ذلك‏ و لم يكن سكوتهم عن جهل بأن الآلاء من الله و لا أن الجن أعرف منهم بنسبة الآلاء إلى الله و لكن الجن وفت بكمال المقام الظاهر حيث قالت و لا بشي‏ء من آلائك ربنا نكذب فإن الموطن يقتضيه و لم تقل ذلك الصحابة من الإنس حين تلاها عليهم شغلا منهم بتحصيل علم ما ليس عندهم مما يجي‏ء به رسول الله صلى الله عليه و سلم فشغلهم ذلك الحرص على تعمير الزمان الذي يقولون فيه ما قالت الجن أن يقول النبي صلى الله عليه و سلم ما يقول من العلم فيستفيدون فهم أشد حرصا على اقتناء العلم من الجن و الجن أمكن في توفية الأدب بما يقتضيه هذا الموطن من الجواب من الإنس فمدحهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بما فضلوا به على الإنس و ما مدح الإنس بما فضلوا به على الجن من الحرص على مزيد العلم بسكوتهم عند تلاوته و لا سيما و الحق يقول لهم وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا و السورة واحدة في نفسها كالكلام غير التام فهم ينصتون حتى يتمها فجمع الصحابة من الإنس بين فضيلتين لم يذكرهما رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذكر فضل الجن فيما نطقوا به فإن نطقهم تصريح بالعبودية بلسان الظاهر و هم بلسان الباطن أيضا عبيد فجمعوا بين اللسانين بهذا النطق و الجواب و لم يفعل الإنس من الصحابة ذلك عند التلاوة فنقصهم هذا اللسان فكان توبيخ رسول الله صلى الله عليه و سلم إياهم تعليما بما تستحقه المواطن أعني مواطن الألسنة الناطقة ليتنبهوا فلا يفوتهم ذلك من الخير العملي فإنهم كانوا في الخير العلمي في ذلك الوقت و حكم العمل في موطنه لا يقاومه العلم فإن الحكم للموطن و حكم العلم في موطنه لا يقاومه العمل و الجن غرباء في الظاهر فهم يسارعون في الظهورية ليعلموا أنهم قد حصل لهم فيه قدم لكونهم مستورين فهم إلى الباطن أقرب منهم إلى الظاهر و التلاوة كانت بلسان الظاهر و الإنس في مرتبة الظاهر فحجبهم عن الجواب الذي أجابت به الجن كونهم أصحاب موطن الظاهر فذهلوا عن الجواب لقرينة حال موطنهم و لو وفوا به لكان أحسن في حقهم فنبههم رسول الله صلى الله عليه و سلم على الأكمل في موطنه و هو المعلم فنعم المؤدب‏ فمن أراد تحقيق ملك الآلاء فليتدبر سورة الرحمن من القرآن و ينظر إلى تقديم الإنس على الجن في آيتها و قوله تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ أيضا فابتدأ به تقديرا و مرتبة نطقية تهمما به على الجن و إن كان الجن موجودا قبله يؤذن بأنه و إن تأخرت نشأته فهو المعتنى به في غيب ربه لأنه المقصود من العالم لما خصه به من كمال الصورة في خلقه باليدين و علمه الأسماء و الإفصاح عما علمه بقوله عَلَّمَهُ الْبَيانَ‏ و بعض أصحابنا يطلق ملك الآلاء على ما يحصل للعبد من مزيد الشكر على نعم الله فذلك القدر لمن حصل له يسمى ملك الآلاء فهو ملك الشاكرين فمن شكر نعم الله بلسان حق و ناب الحق مناب العبد من اسمه الشكور و هو شكره لعباده على ما كان منهم من شكرهم على ما أنعم عليهم ليزيدوا في الأعمال في مقابلة شكره فيكون ما جازاهم به من ذلك على قدر علم الشاكر بالمشكور و الله هو الشاكر في هذا الحال و هو العالم بنفسه فالجزاء الذي يليق بهذا الشاكر لو جوزي هو الذي يحصل لهؤلاء الشاكرين الذين لهم هذا الحال فهذا الجزاء يسمى ملك الآلاء و هو أعظم الملك و هو قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ أي نعم ربها جمع آلاء و إلى ربها المضافة إليه هنا الذي يستحقها لو قبل‏الجزاء الذي هذه صفته فتكون تلك جزاء هؤلاء و هذا من باب ما طلبه الله من عباده فقال فَاذْكُرُونِي و اعْبُدُونِي و أَطِيعُونِ و اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ و هذا كله جزاء من العبد في مقابلة ما أنعم الله عليه به من الوجود خاصة فكيف إذا انضاف إلى ذلك ما خلق من أجله من النعم المعنوية و الحسية قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فعلل فيعبدوه لكونه أنعم عليهم بالإيجاد لكمال مرتبة العلم و الوجود من حيث من ذكر من الأجناس فاعلم ذلك لا لكمال مرتبة الوجود و المعرفة من غير هذا التقييد فإن ذلك يكفي فيه خلق محدث واحد و إيجاد العلم المحدث فيه المتعلق بالله و الكون و لكن لما كانت الأجناس منحصرة عند الله و أوجدها كلها و بقي هذان الجنسان أوقع الإخبار عنهما بما ذكر فشرحناه بما يعطيه الحال المقصودة لخالقهما تعالى بهما انتهى الجزء الثامن و الثمانون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال الثاني عشر و مائة) ما صفات ملك الضياءالجواب قال تعالى في القرآن إنه ضِياءً وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ فكلما أضاء بالقرآن فهو ملك الضياء و كذلك جعل الشمس ضياء فكلما أضاء بالشمس في الدنيا و يوجد به عينه فهو من ملك الضياء و كل نور أعطى ضياء فهو من ملك الضياء مما لا يقابله معطي الضياء بنفسه أي نوع كان من الأنوار فضياؤه هو الضوء الذي لا يكون معه الحجاب عما يكشفه و النور حجاب‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حق الحق تعالى حجابه النور و قال نوراني أراه‏ و الضياء ليس بحجاب فالضياء أثر النور و هو الظل فإن النور صيره الحجاب ضياء فهو بالنسبة إلى الحجاب ظل و إلى النور ضياء فله الكشف من كونه ضياء و له الراحة من كونه ظلا فملك الضياء ملك الكشف فهو ملك العلم و ملك الراحة فهو ملك الرحمة فجمع الضياء بين الرحمة و العلم قال تعالى في منته على عبده خضر آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا و هو الظل وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً و هو الضياء أي الكشف الضيائي و هو أتم الكشوف‏ و إنما قلنا النور حجاب لقوله عليه الصلاة و السلام نوراني أراه أي النور لا يتمكن أن تدركه الأبصار لأنها تضعف عنه فهو حجاب على نفسه بنفسه و الضياء ليس كذلك فالضياء روح النور و الضياء للنور ذاتي فملك الضياء ملك ذاتي و ضوء الذات الأسماء الإلهية فملك الضياء ملك الأسماء و القرآن ضياء فملكه ما أظهره القرآن فعلم الخضر في زمان موسى عليه السلام جزء من أجزاء ما يحويه صاحب القرآن المحمدي من العلوم فبالقرآن يكشف جميع ما في الكتب المنزلة من العلوم و فيه ما ليس فيها فمن أوتي القرآن فقد أوتي الضياء الكامل الذي يتضمن كل علم قال تعالى ما فَرَّطْنا في الْكِتابِ من شَيْ‏ءٍ و هو القرآن العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ و به صح لمحمد صلى الله عليه و سلم جوامع الكلم فعلوم الأنبياء و الملائكة و كل لسان علم فإن القرآن يتضمنه و يوضحه لأهل القرآن بما هو ضياء فهو نور من حيث ذاته لأنه لا يدرك لعزته و هو ضياء لما يدرك به و لما يدرك منه فمن أعطى القرآن فقد أعطى العلم الكامل فما ثم في الخلق أتم من المحمديين و هم خير أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏ ثم جعل الشمس ضياء لوجود روح الحياة في العالم كله و بالحياة رحم العالم فالحياة فلك الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و كذلك نسبة الحياة إلى الذات الإلهية شرط في صحة كل نسبة نسبت إلى الله من علم و إرادة و قدرة و كلام و سمع و بصر و إدراك فلو رفعت نسبة الحياة إليه ارتفعت هذه النسب كلها فهي الرحمة الذاتية التي وسعت جميع الأسماء فهي ضياء النور الذاتي و ظل الحجاب النسبي لأنه لا يعقل الإله إلا بهذه النسب و تعقل الذات نورا لا من حيث هذه النسب فكونه إلها حجاب على الذات فكانت الألوهية عين الضياء فهي عين الكشف و العلم و كانت عين الظل النسبية فكانت عين الرحمة فجمعت الألوهية بين العلم و الرحمة في حق الكون و هو المألوه و في حق الأسماء الإلهية فما أعطاه هذا المقام الإلهي فهو ملك الضياء و هو أرفع من ملك السموات و الأرض و ما بينهما وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ بل لا يؤمنون و قد نبهتك على ما فيه غنية و شفاء في ملك الضياء

فالكل في ملك الضياأ و ليس عندهم خبر
و الكل في عين الظلالو هو المسمى بالمقر
فالحمد لله الذيقد حزته بين البشر
في عصرنا هذا فهلفي وقتنا من مدكر
يعرف ما قد قلتهكما أتانا في الزبر
هذا هو العلم الذييقضي على علم الخضر
هل كان إلا خرقهسفينة ذات دسر
و قتل نفس رحمةلو أنه يحيا كفر
و ستره كنز الذيكان يتيما يحتقر
و علمنا بالله لابعين كون عن نظر
فأين ذا من ذاك ياأهل القلوب و البصر
هذا هو العلم الذييقال سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
و دونه الشمس التيتكسف فيه و القمر
في مقعد من صدقهعِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
متكئ على سرروسط جنان في نهر

(السؤال الثالث عشر و مائة) ما صفات ملك القدس‏ الجواب قالت الملائكة وَ نُقَدِّسُ لَكَ تعني ذواتها أي من أجلك لنكون من أهل ملك القدس فالمتطهرون من البشر من أهل الله من ملك القدس و أهل البيت من ملك القدس و الأرواح العلا كلها من غير تخصيص من ملك القدس فتختلف صفات ملك القدس باختلاف ما تقبله ذواتهم من التقديس و لما نعت الله اسم الملك بالاسم القدوس و الملك يطلب الملك فيضاف الملك إلى القدس كما يضاف إلى الآلاء و غيرها و ذوات ملك القدس على نوعين في التقديس فمنهم ذوات مقدسة لذاتها و هي كل ذات كونية لم تلتفت قط إلى غير الاسم الإلهي الذي عنه تكونت فلم يطرأ عليها حجاب يحجبها عن إلهها فتتصف لذلك الحجاب بأنها غير مقدسة أي لا تضاف إلى القدس فتخرج عن ملك القدس و هم الذين يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ أي ينزهون ذواتهم عن التقديس العرضي بالشهود الدائم و هذا مقام ما ناله أحد من البشر إلا من استصحب حقيقته من حين خلفت شهود الاسم الإلهي الذي عنه تكونت و بقي عليها هذا الشهود حين أوجد الله لها مركبها الطبيعي الذي هو الجسم ثم استمر لها ذلك إلى حين الانتقال إلى البرزخ من غير موت معنوي و إن مات حسا و هذا و الله أعلم ناله محمد صلى الله عليه و سلم‏ فإنه قال كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين‏ يريد أن العلم بنبوته حصل له و آدم بين الماء و الطين و استصحبه ذلك إلى أن وجد جسمه في بلد لم يكن فيه موحد لله و لم يزل على توحيد الله لم يشرك كما أشرك أهله و قومه ثم إنه لما استقامت آلاته الحسية و تمكن من العمل بها بحسب ما وجدت له و استحكم بنيان قصر عقله و خزانة فكره و اعتدلت مظاهر قواه الباطنة لم يصرفها إلا في عبادة خالقه فكان يخلو بغار حرا للتحنث فيه إلى أن أرسله الله إلى الناس كافة فكان يذكر الله على كل أحيانه كما ذكرت عنه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها و قد قال صلى الله عليه و سلم عن نفسه و هو الصادق إنه تنام عينه و لا ينام قلبه‏ فأخبر عن قلبه أنه لا ينام عند نوم عينه عن حسه فكذلك موته إنما مات حسا كما نام حسا فإن الله يقول له إِنَّكَ مَيِّتٌ و كما أنه لم ينم قلبه لم يمت قلبه فاستصحبته الحياة من حين خلقه الله و حياته إنما هي مشاهدة خالقه دائما لا تنقطع و قد أخبر ذو النون المصري حين سئل عن قوله تعالى في أخذ الميثاق فقال كأنه الآن في أذني يشير إلى علمه بتلك الحال فإن كان عن تذكر فلم يلحق بالملائكة في هذا المقام و إن لم يكن عن تذكر بل استصحاب حال من حين أشهد إلى حين سئل فيكون ممن خصه الله بهذا المقام فلا أنفيه و لا أثبته و ما عندي خبر من جانب الحق تعالى في ذلك مروي و لا غير مروي أنه ناله أحد من البشر و إنما ذكرنا ذلك في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم أعني أنه ناله على طريق الاحتمال لا على القطع فإنه لا علم لي بذلك و الظاهر أنه تخلله في هذا المقام ما يتخلل البشر فإنه كثيرا ما أوحي إليه‏في القرآن أن يقول قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فاستروحنا من هذا أن حكمه حكم البشر إلا ما خصه الله به من التقريب الإلهي الذي ورد و ثبت عندنا و قد ثبت عنه أنه قال إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر و أرضى كما يرضى البشر و الرضي و الغضب من صفات النفس الحيوانية في البشر لا من صفات النفس الناطقة و إن اتصفت النفوس الناطقة بالرضى و الغضب فما هو على حد ما أراده‏ بقوله أغضب كما يغضب البشر و أرضى كما يرضى البشر و إنما قلنا بإضافة ذلك إلى النفس الحيوانية لما نشاهده من الحيوانات من ذلك و قد ثبت النهي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن التحريش بين البهائم‏ و جميع الحيوان كله من صفته المباشرة التي بحقيقتها سمي الإنسان بشرا و بهذا القدر تبين فضل الملك على الإنسان في العبادة لكونه لا يفتر لأن حقيقة نشأته تعطيه أنه لا يفتر فتقديسه ذاتي لأن تسبيحه لا يكون إلا عن حضور مع المسبح و ليس تسبيحه إلا لمن أوجده فهو مقدس الذات عن الغفلات فلم تشغله نشأته الطبيعية النورية عن تسبيح خالقه على الدوام مع كونهم من حيث نشأتهم يختصمون كما أن البشر من حيث نشأته تنام عينه و لا ينام قلبه و لم يعط البشر قوة الملك في ذلك لأن الطبيعة يختلف مزاجها في الأشخاص و هذا مشهود بالضرورة في عالم العناصر فكيف بمن هو في نسبته إلى الطبيعة أقرب من نسبة العناصر إليها و على قدر ما يكون بين الطبيعة المجردة و بين ما يتولد عنها من وسائط المولدات يكثف الحجاب و تترادف الظلم فأين نسبة آخر موجود من الأناسي من ربه من حيث خلق جسد آدم بيديه من نسبة آدم إلى ربه من حيث خلقه بيديه‏ فآدم يقول خلقني ربي بيديه و ابنه شيث يقول بيني و بين يدي ربي أبى‏ و هكذا الموجودات الطبيعية مع الطبيعة من ملك و فلك و عنصر و جماد و نبات و حيوان و إنسان و ملك مخلوق من نفس إنسان و هذا الملك آخر موجود طبيعي و لا يعرف ذلك من أصحابنا إلا القليل فكيف من ليس من أهل الايمان و الكشف‏ و أما القسم الذي تقديسه لا من ذاته فهي كل ذات يتخلل شهودها خالقها غفلات فالأحيان التي تكون فيها حاضرة مع خالقها هي من ملك القدس و سنبين ما ذكرناه في سؤاله ما القدس إذا أجبنا عنه بعد هذا إن شاء الله‏ فمن صفات ملك القدس التباعد عن الطبيعة بالأصل و التباعد عن مشاهدة آثار الأسماء الإلهية بمشاهدة الأسماء الإلهية لا من كونها مؤثرة بل بما تستحقه الألوهية و الذات فإذا كان القدس عين الملك و أضيف إلى عينه لاختلاف اللفظ و اختلاف معنى الملك و القدس فإنه يدل على المبالغة في الطهارة و المبالغة في الطهر هي نسبة في الطهر ما هي عين الطهر لوجود الطهر دونها و ما هي غير الطهر فإن المبالغة ليست سوى استقصاء هذه الصفة فيكون ملك القدس استقصاء و هو المبالغة فيه فيكون سؤاله عن صفاته الذاتية فإن لهذه المراتب نشأت في المعاني كالنشأة الطبيعية و قد علمت أن النش‏ء الطبيعي كما أخبر الله مخلقة و غير مخلقة أي تامة الخلق و غير تامة الخلق و الغير التامة الخلق داخل في قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فأعطى النقص خلقه أن يكون نقصا فالزيادة على النقص الذي هو عينه لو كانت لكانت نقصا فيه و لم يعط النقص خلقه فتمام النقص أن يكون نقصا

(السؤال الرابع عشر و مائة) ما القدس‏ الجواب الطهارة و هي ذاتية و عرضية فالذاتية كتقديس الحضرة الإلهية التي أعطيها الاسم القدوس فهي القدس عن إن تقبل التأثر فيها من ذاتها فإن قبول الأثر تغيير في القابل و إن كان التغيير عبارة عن زوال عين بعين إما في محل أو مكان فيوصف المحل أو المكان بالتغيير و معنى ذلك أنه كان هذا المحل مثلا أصفر فصار أخضر أو كان ساكنا فصار متحركا فتغير المحل أي قبل الغير فالقدس و القدوس لا يقبل التغيير جملة واحدة و أما القدس العرضي فيقبل الغير و هو النقيض و ما تفاوت الناس إلا في القدس العرضي فمن ذلك تقديس النفوس بالرياضات و هي تهذيب الأخلاق و تقديس المزاج بالمجاهدات و تقديس العقول بالمكاشفات و المطالعات و تقديس الجوارح بالوقوف عند الأوامر و النواهي المشروعات و نقيض هذا القدس ما يضاده مما لا يجتمع معه في محل واحد في زمان واحد فهذا هو القدس الذي ذكرنا ملكه‏ فالقدس العارض لا يكون إلا في المركبات فإذا اتصف المركب بالقدس فذلك المسمى حظيرة القدس أي المانعة قبول ما يناقض كونها قدسا و مهما لم تمنع فلا تكون حظيرة قدس فإن الحظر المنع وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي ممنوعا فالقدس حقيقة إلهية سيالة سارية في المقدسين‏لا يدرك لنورها لون مخصوص معين و لا عين تسري في حقائق الكون ليس لعالم الأرواح المنفصلين عن الظلمة عليها أثر و ذلك أن الأرواح المدبرة للأجسام العنصرية لا يمكن أن تدخل أبدا حظيرة القدس و لكن العارف الكامل يشهدها حظيرة قدس فيقول العارف عند ذلك إن هذه الأرواح لا تدخل حظيرة القدس أبدا لأن الشي‏ء يستحيل أن يدخل في نفسه فهي عنده حظيرة قدس و غير العارف يشارك العارف في هذا الإطلاق فيقول إنها لا تدخل حظيرة القدس أي لا تتصف بالقدس أبدا فإن ظلمة الطبع لا تزال تصحب الأرواح المدبرة في الدنيا و البرزخ و الآخرة فاختلفا في المشهد و كل قال حقا و أشار إلى معنى و ما تواردوا على معنى واحد و لهذا لا يتصور الخلاف الحقيقي في هذا الطريق‏ فإذا كان ملك القدس كل من اتصف بالطهارة الذاتية و العرضية و القدوس اسم إلهي منه سرت الطهارة في الطاهرات كلها فمن نظر الأشياء كلها بعين ارتباطها بالحقائق الإلهية كان ملك القدس جميع ما سوى الله من هذه الحيثية و من نظر الأشياء من حيث أعيانها فليس ملك القدس منها إلا من كان طهوره عرضيا و أما الطهور الذاتي فلا ينبغي أن يكون ملك القدس إلا أن يكون ملك القدس عين القدس فحينئذ يصح أن يقال فيه ملك القدس‏ و طهور كل مطهر بحسب ما تقضيه ذاته من الطهارة فطهارة حسية و طهارة معنوية فملك القدس منه ما هو من عالم المعاني و منه ما هو من عالم الحس و قد تورث الأسباب الحسية المطهرة طهارة معنوية و قد تورث الأسباب المعنوية المطهرة طهارة حسية فأما الأول فقوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ من السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ به وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى‏ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ به الْأَقْدامَ و سبب هذه الطهارة المعنوية كلها إنما هو نزول هذا الماء من السماء و أما الثاني‏ فقول النبي صلى الله عليه و سلم لأبي هريرة حين كان جنبا فانتزع أبو هريرة يده من يد النبي صلى الله عليه و سلم تعظيما له لكونه غير طاهر لجنابة أصابته فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إن المؤمن لا ينجس‏ فعرق المؤمن و سؤره طاهر فهذه طهارة حسية عن طهر معنوي و كذلك المقدس طهارته الحسية عن طهر معنوي فإن له التواضع و هو مسيل الحياة و العلم و الحياة مطهرة و العلم كذلك فبالمجموع نال الطهارة فإن الأودية كلها طاهرة و إنما تنجس بالعرض و كل واد به شيطان فهو نجس فما يجد المؤمن فيه خير الأجل ذلك الشيطان كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إن هذا واد به شيطان فارتفع عنه و صلى في موضع آخر و وادي عرنة بعرفة موقف إبليس و كذلك بطن محسر فلهذا أمرنا بالارتفاع يوم عرفة عن بطن عرنة و أمرنا بالإسراع في بطن محسر و لهذا يعتبر الأولياء أهل الكشف ألفاظ الذكر كان شيخنا يقول الله الله فقلت له لم لا تقول لا إله إلا الله فقال أخاف أن أموت في وحشة النفي إذ كان كل حرف نفس فهذا مثل الإسراع في بطن محسر لئلا يدركه الموت في مكان غير طاهر و لأولياء الله في هذا الكشف التام نظر دقيق جعلنا الله من أهله‏

(السؤال الخامس عشر و مائة) ما سبحات الوجه‏ الجواب وجه الشي‏ء ذاته و حقيقته فهي أنوار ذاتية بيننا و بينها حجب الأسماء الإلهية و لهذا قال كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ في أحد تأويلات هذا الوجه و هذه السبحات في العموم باللسان الشامل أنوار التنزيه و هو سلب ما لا يليق به عنه و هي أحكام عدمية فإن العدم على الحقيقة هو الذي لا يليق بالذات و هنا الحيرة فإنه عين الوجوه فإذا لا ينزه عن أمر وجودي و لهذا كانت الأسماء الإلهية نسبا إن تفطنت أحدثت هذه النسب أعيان الممكنات لما اكتسبت من الحالات من هذه الذات فكل حال تلفظ باسم يدل عليه من حيث نفسه إما بسلب أو إثبات أو بهما و هي هذه الأسماء على قسمين قسم كله أنوار و هي الأسماء التي تدل على أمور وجودية و قسم كله ظلم و هي الأسماء التي تدل على التنزيه فقال إن لله سبعين حجابا أو سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه‏ فإنه لو رفع الأسماء الإلهية ارتفعت هذه الحجب و لو ارتفعت الحجب التي هي هذه الأسماء ظهرت أحدية الذات و لا يقف لأحديتها عين تتصف بالوجود فكانت تذهب وجود أعيان الممكنات فلا توصف بالوجود لأنها لا تقبل الاتصاف بالوجود إلا بهذه الأسماء و لا تقبل الاتصاف بهذه الأحكام كلها عقلا و شرعا إلا بهذه الأسماء فالممكنات من خلف هذه الحجب مما يلي حضرة الإمكان فهو تجل ذاتي أورثها الاتصاف بالوجودمن خلف حجاب الأسماء الإلهية فلم يتعلق لأعيان الممكنات علم بالله إلا من حيث هذه الأسماء عقلا و كشفا

(السؤال السادس عشر و مائة) ما شراب الحب‏ الجواب تجل متوسط بين تجليين و هو التجلي الدائم الذي لا ينقطع و هو أعلى مقام يتجلى الحق فيه لعباده العارفين و أوله تجلى الذوق و أما التجلي الذي يقع به الري فهو لأصحاب الضيق فغاية شربهم رى و أما أهل السعة فلا رى لشربهم كأبي يزيد و أمثاله فأول ما أقدم في هذا السؤال معرفة الحب و حينئذ يعرف شرابه الذي أضيف إليه و كأسه‏ فاعلم إن الحب على ثلاث مراتب حب طبيعي و هو حب العوام و غايته الاتحاد في الروح الحيواني فتكون روح كل واحد منهما روحا لصاحبه بطريق الالتذاذ و إثارة الشهوة و نهايته من الفعل النكاح فإن شهوة الحب تسري في جميع المزاج سريان الماء في الصوفة بل سريان اللون في المتلون و حب روحاني نفسي و غايته التشبه بالمحبوب مع القيام بحق المحبوب و معرفة قدره و حب إلهي و هو حب الله للعبد و حب العبد ربه كما قال يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و نهايته من الطرفين أن يشاهد العبد كونه مظهرا للحق و هو لذلك الحق الظاهر كالروح للجسم باطنه غيب فيه لا يدرك أبدا و لا يشهده إلا محب و أن يكون الحق مظهرا للعبد فيتصف بما يتصف به العبد من الحدود و المقادير و الأعراض و يشاهد هذا العبد و حينئذ يكون محبوبا للحق و إذا كان الأمر كما قلناه فلا حد للحب يعرف به ذاتي و لكن يحد بالحدود الرسمية و اللفظية لا غير فمن حد الحب ما عرفه و من لم يذقه شربا ما عرفه و من قال رويت منه ما عرفه فالحب شرب بلا رى قال بعض المحجوبين شربت شربة فلم أضمأ بعدها أبدا فقال أبو يزيد الرجل من يحسي البحار و لسانه خارج على صدره من العطش و هذا هو الذي أشرنا إليه‏ و اعلم أنه قد يكون الحب طبيعيا و المحبوب ليس من عالم الطبيعة و لا يكون الحب طبيعيا إلا إذا كان المحب من عالم الطبيعة لا بد من ذلك و ذلك أن الحب الطبيعي سببه نظرة أو سماع فيحدث في خيال الناظر مما رآه إن كان المحبوب ممن يدرك بالبصر و في خيال السامع مما سمع فحمله في نشأته فصوره في خياله بالقوة المصورة و قد يكون المحبوب ذا صورة طبيعية مطابقة لما تصور في الخيال أو دون ذلك أو فوق ذلك و قد لا يكون للمحبوب صورة و لا يجوز أن يقبل الصور فصور هذا المحب من السماع ما لا يمكن أن يتصور و لم يكن مقصود الطبيعة في تصوير ما لا يقبل الصورة إلا اجتماعها على أمر محصور ينضبط لها مخافة التبديد و التعلق بما ليس في اليد منه شي‏ء فهذا هو الداعي لما ذكرناه من تصوير من ليس بصورة أو من تصوير من لم يشهد له صورة و إن كان ذا صورة و فعل الحب في هذه الصورة أن يعظم شخصها حتى يضيق محل الخيال عنها فيما يخيل إليه فتثمر تلك العظمة و الكبر التي في تلك الصورة نحو لا في بدن المحب فلهذا تنحل أجساد المحبين فإن مواد الغذاء تنصرف إليها فتعظم و تقل عن البدن فينحل فإن حرقة الشوق تحرقه فلا يبقى للبدن ما يتغذى به و في ذلك الاحتراق نمو صورة المحبوب في الخيال فإن ذلك أكلها ثم إن القوة المصورة تكسو تلك الصورة في الخيال حسنا فائقا و جمالا رائقا يتغير لذلك الحسن صورة المحب الظاهرة فيصفر لونه و تذبل شفته و تغور عينه ثم إن تلك القوة تكسو تلك الصورة قوة عظيمة تأخذها من قوة بدن المحب فيصبح المحب ضعيف القوي ترعد فرائصه ثم إن قوة الحب في المحب تجعله يحب لقاء محبوبه و يجبن عند لقائه لأنه لا يرى في نفسه قوة للقائه و لهذا يغشى على المحب إذا لقي المحبوب و يصعق و من فيه فضلة و حبه ناقص يعتريه عند لقاء محبوبه ارتعاد و خبلان كما قال بعضهم‏

أفكر ما أقول إذا افترقنا و أحكم دائبا حجج المقال‏

فأنساها إذا نحن التقينا و أنطق حين أنطق بالمحال‏

ثم إن قوة الحب الطبيعي تشجع المحب بين يدي محبوبه له لا عليه فالمحب جبان شجاع مقدام فلا يزال هذا حاله ما دامت تلك الصورة موجودة في خياله إلى أن يموت و ينحل نظامه أو تزول عن خياله فيسلو و من الحب الطبيعي أن تلتبس تلك الصورة في خياله فتلصق بصورة نفسه المتخيلة له و إذا تقاربت الصورتان في خياله تقاربا مفرطا و تلتصق به لصوق الهواء بالناظر يطلبه المحب في خياله فلا يتصوره و يضيع و لا ينضبط له للقرب المفرط فيأخذه لذلك خبال و حيرة مثل ما يأخذ من فقد محبوبه و هذا هو الاشتياق و الشوق من البعد و الاشتياق من القرب المفرط كان قيس ليلى في هذا المقام حيث‏كان يصيح ليلى ليلى في كل ما يكلم به فإنه كان يتخيل أنه فقيد لها و لم يكن و إنما قرب الصورة المتخيلة أفرطت في القرب فلم يشاهدها فكان يطلبها طلب الفاقد أ لا تراه حين جاءته من خارج فلم تطابق صورتها الظاهرة الصورة الباطنة المتخيلة التي مسكها في خياله منها فرآها كأنها مزاحمة لتلك الصورة فخاف فقدها فقال لها إليك عني فإن حبك شغلني عنك يريد أن تلك الصورة هي عين الحب فبقي يطلبها ليلى ليلى فإذا تقوت تلك الصورة في خيال المحب أثرت في المحبوب تأثير الخيال في الحس مثل الذي يتوهم السقوط فيسقط أو يتوهم أمرا ما مفزعا فيتغير له المزاج فتتغير صورة حسه كذلك هذه الصورة إذا تقوت أثرت في المحبوب فقيدته و صيرته أشد طلبا لها منها له فإن النفوس قد جبلت على حب الرئاسة و المحب عبد مملوك بحبه لهذا المحبوب فالمحبوب لا يكون له رياسة إلا بوجود هذا المحب فيعشقه على قدر عشقه رياسته و إنما يتيه عليه للطمأنينة الحاصلة في نفس المحبوب بأن المحب لا يصبر عنه و هو طالب إياه فتأخذه العزة ظاهرا و هو الطالب له باطنا و لا يرى في الوجود أحدا مثله لكونه ملكه فالمحب لا يعلل فعل المحبوب لأن التعليل من صفات العقل و لا عقل للمحب يقول بعضهم‏ و لا خير في حب يدبر بالعقل‏ و أنشدني أبو العباس المقراني و كان من المحبين لنفسه الحب أملك للنفوس من العقل‏ و المحبوب يعلل أفعال المحب بأحسن التعليل لأنه ملكه فيريد أن يظهر شرفه و علوه حتى يعلو المحبوب إذ هو المالك و هو يحب الثناء على نفسه و هذا كله فعل الحب فعل في المحبوب ما ذكرناه و فعل في المحب ما ذكرناه و هذا من أعجب الأشياء أن المعنى أوجب حكمه لمن لم يقم به و هو المحبوب فإنه أثر فيه حب المحب كما أثر في المحب كمسألة المعتزلي إن الله مريد بإرادة لم تقم بمحل بل خلقها إما في محل أو في لا محل و أراد بها و هذا خلاف المعقول إيجاب المعاني أحكامها لمن لم تقم به و كذلك الحب لا يجتمع مع العقل في محل واحد فلا بد أن يكون حكم الحب يناقض حكم العقل‏ فالعقل للنطق و التهيام للخرس‏ ثم إنه من شأن الحب الطبيعي أن تكون الصورة التي حصلت في خيال المحب على مقدار المحل الحاصلة فيه بحيث لا يفضل عنها منه ما يقبل به شيئا أصلا و إن لم يكن كذلك فما هي صورة الحب و بهذا تخالف صورة الحب سائر الصور كما كانت صورة العالم على قدر الحضرة الإلهية الأسمائية فما في الحضرة الإلهية اسم إلهي إلا و هو على قدر أثره في نش‏ء العالم من غير زيادة و لا نقصان و لهذا كان إيجاد العالم عن حب و قد ورد ما يؤيد هذا في السنة و هو قوله كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق و تعرفت إليهم فعرفوني‏ فأخبر أن الحب كان سبب إيجاد العالم فطابق الأسماء الإلهية و لو لا تعشق النفس بالجسم ما تألم عند مفارقته مع كونه ضدا له فجمع بين المقادير و الأحوال لوجود النسب و الأشكال فالنسب أصل في وجود الأنساب و إن كانت الأرواح تخالف الأشباح و المعاني تخالف الكلمات و الحروف و لكن تدل الكلمة على المعنى بحكم المطابقة بحيث لو تجسد المعنى لما زاد على كمية الكلمة و مثل هذا النوع يسمى حبا و أما الحب الروحاني فخارج عن هذا الحد و بعيد عن المقدار و الشكل و ذلك أن القوي الروحانية لها التفات نسبي فمتى عمت النسب في الالتفاتات بين المحب و المحبوب عن نظر أو سماع أو علم كان ذلك الحب فإن نقص و لم تستوف النسب لم يكن حبا و معنى النسب أن الأرواح التي من شأنها أن تهب و تعطي متوجهة على الأرواح التي من شأنها أن تأخذ و تمسك و تلك تتألم بعدم القبول و هذه تتألم بعدم الفيض و إن كان لا ينعدم إلا أن كونه لم تكمل شروط الاستعداد و الزمان سمي ذلك الروح القابل عدم فيض و ليس بصحيح فكل واحد من الروحين مستفرغ الطاقة في حب الآخر فمثل هذا الحب إذا تمكن من الحبيبين لم يشك المحب فرقة محبوبه لأنه ليس من عالم الأجسام و لا الأجساد فتقع المفارقة بين الشخصين أو يؤثر فيه القرب المفرط كما فعل في الحب الطبيعي فالمعاني لا تتقيد و لا تتحيز و لا يتخيلها إلا ناقص الفطرة فإنه يصور ما ليس بصورة و هذا هو حب العارفين الذين يمتازون به عن العوام أصحاب الاتحاد فهذا محب أشبه محبوبه في الافتقار لا في الحال و المقدار و لهذا يعرف المحب قدر المحبوب من حيث ما هو محبوب‏ و أما الحب الإلهي فمن اسمه الجميل و النور فيتقدم النور إلى أعيان الممكنات فينفر عنها ظلمة نظرها إلى نفسها و إمكانها فيحدث لها بصرا هو بصره إذ لا يرى إلا به فيتجلى لتلك العين بالاسم الجميل فتتعشق به فيصير عين ذلك الممكن مظهرا له فيبطن العين من الممكن فيه و تفني عن نفسها فلا تعرف أنها محبة له سبحانه أو تفني عنه بنفسها مع كونهاعلى هذه الحالة فلا تعرف أنها مظهر له سبحانه و تجد من نفسها أنها تحب نفسها فإن كل شي‏ء مجبول على حب نفسه و ما ثم ظاهر إلا هو في عين الممكن فما أحب الله إلا الله و العبد لا يتصف بالحب إذ لا حكم له فيه فإنه ما أحبه منه سواه الظاهر فيه و هو الظاهر فلا تعرف أيضا أنها محبة له فتطلبه و تحب أن تحبه من حيث إنها ناظرة إلى نفسها بعينه فنفس حبها أن تحبه هو بعينه حبها له و لهذا يوصف هذا النور بأنه له أشعة أي أنه شعشعاني لامتداده من الحق إلى عين الممكن ليكون مظهرا له بنصب الهاء لا اسم فاعل فإذا جمع من هذه صفته بين المتضادات في وصفه فذلك هو صاحب الحب الإلهي فإنه يؤدي إلى الحاقة بالعدم عند نفسه كما هو في نفس الأمر فعلامة الحب الإلهي حب جميع الكائنات في كل حضرة معنوية أو حسية أو خيالية أو متخيلة و لكل حضرة عين من اسمه النور تنظر بها إلى اسمه الجميل فيكسوها ذلك النور حلة وجود فكل محب ما أحب سوى نفسه و لهذا وصف الحق نفسه بأنه يحب المظاهر و المظاهر عدم في عين و تعلق المحبة بما ظهر و هو الظاهر فيها فتلك النسبة بين الظاهر و المظاهر هي الحب و متعلق الحب إنما هو العدم فمتعلقها هنا الدوام و الدوام ما وقع فإنه لا نهاية له و ما لا نهاية له لا يتصف بالوقوع و لما كان الحب من صفات الحق حيث قال يُحِبُّهُمْ و من صفات الخلق حيث قال وَ يُحِبُّونَهُ اتصف الحب بالعزة لنسبته إلى الحق و وصف الحق به و سرى في الخلق بتلك النسبة العزية فأورثت في المحل ذلة من الطرفين فلهذا ترى المحب يذل تحت عز الحب لا عز المحبوب فإن المحبوب قد يكون مملوكا للمحب مقهورا تحت سلطانه و مع هذا تجده يذل له المحب فعلمنا إن تلك عزة الحب لا عزة المحبوب قال أمير المؤمنين هارون الرشيد في محبوباته‏

ملك الثلاث الآنسات عنانيو حللن من قلبي بكل مكان‏
ما لي تطاوعني البرية كلهاو أطيعهن و هن في عصياني‏
ما ذاك إلا أن سلطان الهوىو به قوين أعز من سلطاني‏

فأضاف القوة إلى الهوى بقوله سلطان الهوى يقول الله في غير ما موضع من كتابه متلطفا بعباده يا عبادي اشتقت إليكم و أنا إليكم أشد شوقا و يخاطبهم بنزول من لطف خفي و هذا الخطاب كله لا يتمكن أن يكون منه إلا من كونه محبا و مثل ذلك يصدر من المحبين له تعالى فالمحب في حكم الحب لا في حكم المحبوب و من هي صفته عينه فعينه تحكم عليه لا أمر زائد فلا نقص غير أن أثره في المخلوقين التلاشي عند استحكامه لأنه يقبل التلاشي فلهذا يتنوع العالم في الصور فيكون في صورة فإذا أفرط فيها الحب من حيث لا يعلم و حصل التجلي من حيث لا يظهر تلاشت الصورة و ظهرت في العين صورة أخرى و هي أيضا مثل الأولى في الحكم راجعة إليه و لا يزال الأمر كذلك دائما لا ينقطع و من هنا غلط من يقول إن العالم لا بد له من التلاشي و من نهاية علم الله في العالم حيث وصف نفسه بالإحاطة في علمه بهم ثم إنه من كرمه سبحانه إن جعل هذه الحقيقة سارية في كل عين ممكن متصف بالوجود و قرن معها اللذة التي لا لذة فوقها فأحب العالم بعضه بعضا حب تقييد من حقيقة حب مطلق فقيل فلان أحب فلانا و فلان أحب أمرا ما و ليس إلا ظهور حق في عين ما أحب ظهور حق في عين أخرى كان ما كان فمحب الله لا ينكر على محب حب من أحب فإنه لا يرى محبا إلا الله في مظهر ما و من ليس له هذا الحب الإلهي فهو ينكر على من يحب ثم إنه ثم دقيقة من كون من قال إنه يستحيل أن يحب أحد الله تعالى فإن الحق لا يمكن أن يضاف إليه و لا إلى ما يكون منه نسبة عدم أصلا و الحب متعلقة العدم فلا حب يتعلق بالله من مخلوق لكن حب الله يتعلق بالمخلوق لأن المخلوق معدوم فالمخلوق محبوب لله أبدا دائما و ما دام الحب لا يتصور معه وجود المخلوق فالمخلوق لا يوجد أبدا فأعطت هذه الحقيقة أن يكون المخلوق مظهرا للحق لا ظاهرا فمن أحب شخصا بالحب الإلهي فعلى هذا الحد يكون حبه إياه فلا يتقيد بالخيال و لا بجمال ما فإنها كلها موجودة له فلا يتعلق الحب بها فقد بان الفرقان بين‏ المراتب الثلاثة في الحب و اعلم أن الخيال حق كله و التخيل منه حق و منه باطل‏

(السؤال السابع عشر و مائة) ما كأس الحب‏ الجواب القلب من المحب لا عقله و لا حسه فإن القلب يتقلب من حال إلى حال كما إن الله الذي هو المحبوب كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ فيتنوع المحب في تعلق حبه بتنوع المحبوب في أفعاله كالكأس الزجاجي الأبيض الصافي يتنوع بحسب تنوع المائع الحال فيه فلون المحب لون محبوبه و ليس هذا إلا للقلب‏فإن العقل من عالم التقييد و لهذا سمي عقلا من العقال و الحس فمعلوم بالضرورة أنه من عالم التقييد بخلاف القلب‏ و ذلك أن الحب له أحكام كثيرة مختلفة متضادة فلا يقبلها إلا من في قوته الانقلاب معه فيها و ذلك لا يكون إلا للقلب و إذا أضفت مثل هذا إلى الحق فهو قوله أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و إن الله لا يمل حتى تملوا و من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‏ و الشرع كله أو أكثره في هذا الباب‏ و شرابه عين الحاصل في الكأس و قد بينا أن الكأس هو عين المظهر و الشراب عين الظاهر فيه و الشرب ما يحصل من المتجلي للمتجلي له فاعلم ذلك على الاختصار انتهى الجزء التاسع و الثمانون

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال الثامن عشر و مائة) من أين‏ الجواب من تجليه في اسمه الجميل‏ قال صلى الله عليه و سلم إن الله جميل يحب الجمال‏

و هو حديث ثابت فوصف نفسه بأنه يحب الجمال و هو يحب العالم فلا شي‏ء أجمل من العالم و هو جميل و الجمال محبوب لذاته فالعالم كله محب لله و جمال صنعه سار في خلقه و العالم مظاهره فحب العالم بعضه بعضا هب من حب الله نفسه‏ فإن الحب صفة الموجود و ما في الوجود إلا الله و الجلال و الجمال لله وصف ذاتي في نفسه و في صنعه و الهيبة التي هي من أثر الجمال و الأنس الذي هو من أثر الجلال نعتان للمخلوق لا للخالق و لا لما يوصف به و لا يهاب و لا يأنس إلا موجود و لا موجود إلا الله فالأثر عين الصفة و الصفة ليست مغايرة للموصوف في حال اتصافه بها بل هي عين الموصوف‏ و إن عقلت ثانيا فلا محب و لا محبوب إلا الله عز و جل فما في الوجود إلا الحضرة الإلهية و هي ذاته و صفاته و أفعاله كما تقول كلام الله علمه و علمه ذاته فإنه يستحيل عليه أن يقوم بذاته أمر زائد أو عين زائدة ما هي ذاته تعطيها حكما لا يصح لها ذلك الحكم دونها مما يكون كمالا لها في ألوهيتها بل لا تصح الألوهة إلا بها و هو كونه عالما بكل شي‏ء ذكر ذلك عن نفسه بطريق المدحة لذاته و دل عليه الدليل العقلي و من المحال أن تكمل ذاته بغير ما هي ذاته فتكون مكتسبة الشرف بغيرها و من علمه بذاته علم العلماء بالله من الله ما لا تعلمه العقول من حيث أفكارها الصحيحة الدلالة و هذا العلم ما تقول فيه الطبعة إنه وراء طور العقل قال تعالى في عبده خضر وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً و قال تعالى عَلَّمَهُ الْبَيانَ فأضاف التعليم إليه لا إلى الفكر فعلمنا إن ثم مقاما آخر فوق الفكر يعطي العبد العلم بأمور شتى منها ما يمكن أن يدركها من حيث الفكر و منها ما يجوزها الفكر و إن لم يحصل لذلك العقل من الفكر و منها ما يجوزها الفكر و إن كان يستحيل أن يعينها الفكر و منها ما يستحيل عند الفكر و يقبلها العقل من الفكر مستحيلة الوجود لا يمكن أن يكون له تحت دليل الإمكان فيعلمها هذا العقل من جانب الحق واقعة صحيحة غير مستحيلة و لا يزول عنها اسم الاستحالة و لا حكم الاستحالة عقلا قال صلى الله عليه و سلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله‏ هذا و هو من العلم الذي يكون تحت النطق فما ظنك بما عندهم من العلم مما هو خارج عن الدخول تحت حكم النطق فما كل علم يدخل تحت العبارات و هي علوم الأذواق كلها فلا أعلم من العقل و لا أجهل من العقل فالعقل مستفيد أبدا فهو العالم الذي لا يعلم علمه و هو الجاهل الذي لا ينتهي جهله‏

(السؤال التاسع عشر و مائة) ما شراب حبه لك حتى يسكرك عن حبك له‏ الجواب إن أراد باللام الذي في لك و له الأجلية فجوابه مغاير لجوابه إذا كانت لا للاجلية إذ يكون المعنى ما شراب حبه إياك حتى يسكرك عن حبك إياه فجواب الوجه الأول و الثاني متغاير نقول تغاير التجليات إنما كان من حيث ظهوره فيك فوصف نفسه بالحب من أجلك فأسكرك هذا العلم الحاصل لك من هذا التجلي عن أن تكون أنت المحب له أي المحب من أجله فلم تحب أحدا من أجله و هو أحب من أجلك فلو زلت أنت لم يتصف هو بالمحبة و أنت لا تزول فوصفه بالحب لا يزول فهذا جواب يعم الأول و الثاني لفرقان بين ما يستحقه الأول منه و الثاني دقيق غامض‏ و أما الجواب عن الثاني إن شراب حبه إياك و هو حبه إياك أن تحبه فإذا أحببته علمت حين شربت شراب حبه إياك أن حبك إياه عين حبه إياك و أسكرك عن‏حبك إياه مع إحساسك بأنك تحبه فلم تفرق و هو تجلى المعرفة فالمحب لا يكون عارفا أبدا و العارف لا يكون محبا أبدا فمن هاهنا يتميز المحب من العارف و المعرفة من المحبة فحبه لك مسكر عن حبك له و هو شراب الخمر الذي لو شربه رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء لغوت عامة الأمة و حبك له لا يسكرك عن حبه لك و هو شراب اللبن الذي شربه رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ليلة الإسراء فأصاب الله به الفطرة التي فطر الله الخلق عليها فاهتدت أمته في ذوقها و شربها و هو الحفظ الإلهي و العصمة و علمت ما لها و ما له في حال صحو و سكر فشراب حبه لك هو العلم بأن حبك إياه من حبه إياك فغيبك عن حبك إياه فأنت محب لا محب وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً مثل هذا البلاء في فنون من المقامات يظهر فيه كما ظهر في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم في رميه التراب في وجوه الأعداء فأثبت أنه رمى و نفى أنه رمى فعبر عنه الترمذي بالسكر إذ كان السكران هو الذي لا يعقل‏ فإن الترمذي كان مذهبه في في السكر مذهب أبي حنيفة و كان حنفي المذهب في الأصل قبل أن يعرف الشرع من الشارع و هو الصحيح في حد السكر و لكن من شي‏ء يتقدم هذا السكران قبل سكره من شربه طرب و ابتهاج و هو الذي اتخذه غير أبي حنيفة في حد السكر و هو ليس بصحيح فكل مسكر بهذه المثابة فهو الذي يترتب عليه الحكم المشروع فإن سكر من شي‏ء لا يتقدم سكره طرب لم يترتب عليه حكم الشرع لا بحد و لا بحكم‏