قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثالث و السبعون في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند ال (بخش ۴)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

(السؤال العشرون و مائة) ما القبضة الجواب قال الله تعالى وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ و الأرواح تابعة للأجسام ليست الأجسام تابعة للأرواح فإذا قبض على الأجسام فقد قبض على الأرواح فإنها هياكلها فأخبر أن الكل في قبضته‏ و كل جسم أرض لروحه و ما ثم إلا جسم و روح غير أن الأجسام على قسمين عنصرية و نورية و هي أيضا طبيعية فربط الله وجود الأرواح بوجود الأجسام و بقاء الأجسام ببقاء الأرواح و قبض عليها ليستخرج ما فيها ليعود بذلك عليها فإنه منها يغذيها و منها يخرج ما فيها مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ من ماءٍ مَهِينٍ وَ هِيَ دُخانٌ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فهي من العناصر فهي أجسام عنصريات و إن كانت فوق الأركان بالمكان فالأركان فوقهن بالمكانة وَ الله يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ فيقبض منها ما يبسطها بها فلا يعطيها شيئا من ذاته فإنها لا تقبله فلا وجود لها إلا بها فالممكنات إنما أقامها الحق من إمكانها فقيامها منها بها و الحق واسطة في ذلك مؤلف راتق فاتق كانتا رتقا لأنه كذا أوجدها بإمكانها ففتقناهما بإمكانهما لو لم يكن الفتق ممكنا لما قام بهما فما أثر في الممكنات إلا الممكنات لكن العمي غلب على أكثر الخلق الذين يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ أ لا ترى ما هو محال لنفسه هل يقبل شيئا مما يقبله الممكن فبنفسه تمكن منه الواجب الوجود بالإيجاد فأوجده و هذه هي الإعانة الذاتية أ لا ترى الحجر إذا رميت به علوا فيقال إن حركته نحو العلو قهرية لأن طبيعته النزول إما إلى الأعظم و إما إلى المركز فلو لا أن طبيعته تقبل الصعود علوا بالقهر لما صعد فما صعد إلا بطبعه أيضا مع سبب آخر عارض ساعده الطبع بالقبول لما أراد منه‏ فالقبضة على الحقيقة قوله إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ و من أحاط بك فقد قبض عليك لأنه ليس لك منفذ مع وجود الإحاطة و إلا فليست إحاطة و ما هو محيط و صورة ذلك أنه ما من موجود سوى الله من الممكنات إلا و هو مرتبط بنسبة إلهية و حقيقة ربانية تسمى أسماء حسني فكل ممكن في قبضة حقيقة إلهية فالكل في القبضة و اعلم أن القبضة تحتوي على المقبوض بأربعة عشر فصلا و خمسة أصول عن هذه الأربعة عشر فصلا ظهر نصف دائرة الفلك و هي أربع عشرة منزلة و في الغيب مثلها و هذه الفصول تحوي جميع الحروف إلا حرف الجيم فإنها تبرأت منه دون سائر الحروف و ما علمنا لما ذا و ما أدري هل هو مما يجوز أن يعلم أم لا فإن الله تعالى ما نفث في روعنا شيئا و لا رأيته لغيرنا و لا ورد في النبوات فرحم الله عبدا وقف عليه فألحقه في هذا الموضع من كتابي هذا و ينسب ذلك إليه لا إلي فتحصل الفائدة بطريق الصدق حتى لا يتخيل الناظر فيه أن ذلك مما وقع لي بعد هذا فإن فتح علي به حينئذ أذكره أنه لي فإن الصدق في هذا الطريق أصل قاطع لا بد منه و لا حظ له في الكذب‏ و هذه الخمسة الأصول متفاضلة في الدرجات فأعلاها و أعمها هو العلم و هو الأصل الوسط و عن يمينه أصلان الحياة و القدرة و عن يساره أصلان الإرادة و القول و كل‏أصل فله ثلاثة فصول إلا أصل القدرة فإن له فصلين خاصة و إنما سقط عنه الفصل الثالث لأن اقتداره محجور غير مطلق و هو قول العلماء و ما لم يشأ أن يكون أن لو شاء أن يكون لكان كيف يكون فعلق كونه بلو فامتنع عن نفوذ الاقتدار عليه لسبب آخر فلم يكن له النفوذ و هذا موضع إبهام لا يفتح أبدا و من هنا وجد في العالم الأمور المبهمة لأنه ما من شي‏ء في العالم إلا و أصله من حقيقة إلهية و لهذا وصف الحق نفسه بما يقوم الدليل العقلي على تنزيهه عن ذلك فما يقبله إلا بطريق الايمان و التسليم و من زاد فبالتأويل على الوجه اللائق في النظر العقلي و أهل الكشف أصحاب القوة الإلهية التي وراء طور العقل يعرف ذلك كما تفهمه العامة و يعلم ما سبب قبوله لهذا الوصف مع نزاهته بليس كمثله شي‏ء و هذا خارج عن مدارك العقول بأفكارها فالعامة في مقام التشبيه و هؤلاء في التشبيه و التنزيه و العقلاء في التنزيه خاصة فجمع الله لأهل خاصته بين الطرفين‏ فمن لم يعرف القبضة هكذا فما قدر الله حق قدره فإنه إن لم يقل العبد إن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فما قدر الله حق قدره و إن لم يقل إن خلق آدم بيده فما قدر الله حق قدره و أين الانقسام من عدم الانقسام و أين المركب من البسيط فالكون يغاير مركبه بسيطه و عدده توحيده و أحديته و الحق عين تركيبه عين بسيطه عين أحديته عين كثرته من غير مغايرة و لا اختلاف نسب و إن اختلفت الآثار فعن عين واحدة و هذا لا يصح إلا في الحق تعالى و لكن إذا نسبنا نحن بالعبارة فلا بد أن نغاير كان كذا من نسبة كذا و كذا من نسبة كذا لا بد من ذلك للافهام‏

(السؤال الحادي و العشرون و مائة) من الذين استوجبوا القبضة حتى صاروا فيها الجواب الشاردون إلى ذواتهم من مرتبة الوجوب و مرتبة المحال إذ لا يقبض إلا على شارد فإنه لو لم يشرد لما قبض عليه فالقبض لا يكون إلا عن شرود أو توقع شرود فحكم الشرود حكم عليه بالقبض فيه استوجبوا أن يقبض عليهم فمنهم من قبض عليه مرتبة الوجوب و منهم من قبض عليه مرتبة المحال‏ و هنا غور بعيد و الإشارة إلى بعض بيانه إن كل ممكن لم يتعلق العلم الإلهي بإيجاده لا يمكن أن يوجد فهو محال الوجود فحكم على الممكن المحال و ألحقه به فكان في قبضة المحال و ما تعلق العلم الإلهي بإيجاده فلا بد أن يوجد فهو واجب الوجود فحكم على الممكن الوجوب فكان في قبضة الواجب و ليس له حكم بالنظر إلى نفسه فما خرج الممكن من أن يكون مقبوضا عليه إما في قبضة المحال و إما في قبضة الواجب و لم يبق له في نفسه مرتبة يكون عليها خارجة عن هذين المقامين فلا إمكان فأما محال و إما واجب و إما الغور البعيد فإن جماعة قالوا و ذهبوا إلى أنه ليس في الإمكان شي‏ء إلا و لا بد أن يوجد إلى ما لا يتناهى فما ثم ممكن في قبضة المحال و لا شك أنهم غلطوا في ذلك من الوجه الظاهر و أصابوا من وجه آخر فأما غلطهم فما من حالة من الأكوان في عين ما تقتضي الوجود فتوجد إلا و يجوز ضدها على تلك العين كحالة القيام للجسم مع جواز القعود لا نفي القيام و من المحال وجود القعود في الجسم القائم في حال قيامه و زمان قيامه فصار وجود هذا القعود بلا شك في قبضة المحال لا يتصف بالوجود أبدا من حيث هذه النسبة لهذا الجسم الخاص و هو قعود خاص و أما مطلق القعود فإنه في قبضة الواجب فإنه واقع و أما وجه الإصابة فإن متعلق الإمكان إنما هو في الظاهر في المظاهر و المظاهر محال ظهورها و واجب الظهور فيها و الظاهر لا يجوز عليه خلافه فإنه ليس بمحل لخلافه و إنما المظهر هو المحل و قد قبل ما ظهر فيه و لا يقبل غيره فإذا وجد غيره فذلك ظهور آخر و مظهر آخر فإن كل مظهر لظاهر لا ينفك عنه بعد ظهوره فيه فلا يبقى في الإمكان شي‏ء إلا و يظهر إلى ما لا يتناهى فإن الممكنات غير متناهية و هذا غور بعيد التصور لا يقبل إلا بالتسليم أو تدقيق النظر جدا فإنه سريع التفلت من الخاطر لا يقدر على إمساكه إلا من ذاقه و العبارة تتعذر فيه‏

(السؤال الثاني و العشرون و مائة) ما صنيعه بهم في القبضة الجواب المحض و هو ما هم عليه فهو يرفع و يخفض و يبسط و يقبض و يكشف و يستر و يخفى و يظهر و يوقع التحريش و يؤلف و ينفر و صنيعه العام بهم التغيير في الأحوال فإنه صنع ذاتي إذ لو لم يغير لتعطل كونه إلها و كونه إلها نعت ذاتي له فتغيير الصنع في الممكنات واجب لا ينفك كما أنهم في القبضة دائما

(السؤال الثالث و العشرون و مائة) كم نظرته إلى الأولياء في كل يوم‏

الجواب بعدد ما يغير عليهم الحال من حيث هومتوليهم لا غير و ينحصر ذلك في مائة مرة من غير زيادة و لا نقصان و لكن ما دام الولي مظروفا لليوم و أما نظره للأولياء إذ أخرجوا من الأوقات فنظر دائم لا توقيت فيه و لا يقبل التوقيت فإنه لا يدخل تحت العدد و لا المغايرة و لا التمييز فإذا دخلوا أو كان حالهم الزمان فمائة مرة و كل مرة يحصل لهم في تلك النظرة ما لا يحده توقت فهو عطاء إلهي من غير حساب و لا هنداز

(السؤال الرابع و العشرون و مائة) إلى ما ذا ينظر منهم‏ الجواب إلى أسرارهم لا إلى ظواهرهم فإن ظواهرهم يجريها سبحانه بحسب الأوقات و سرائرهم ناظرة إلى عين واحدة فإن أعرضوا أو أطرفوا نقصهم في ذلك الإعراض أو تلك الطرفة ما تقتضيه النظرة و هو أكثر مما نالوه من حين أوجدهم إلى حين ذلك الأعراض‏ قال بعض السادة فيما حكاه القشيري في رسالته لو أن شخصا أقبل على الله طول عمره ثم أعرض عنه لحظة واحدة كان ما فاته في تلك اللحظة أكثر مما ناله في عمره و ذلك أن الشي‏ء في المزيد و أن المتأخر يتضمن ما تقدمه و زيادة ما تعطيه عينه من حيث ما هو جامع فيرى ما تقدم في حكم الجمع و هو يخالف حكم انفراده و حكم جمعه دون هذا الجمع الخاص و من حيث ما تختص به هذه اللحظة من حيث ما هي لنفسها لا من حيث كونها حضرة جمع لما تقدمها فبالضرورة يفوته هذا الخير فما أشأم الإعراض عن الله‏ و في هذا يتبين لك شرف العلم فإن العلم هو الذي يفوتك و العلم هو الذي تستفيده قال تعالى آمرا لنبيه عليه الصلاة و السلام وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فإنه أشرف الصفات و أنزه السمات‏

(السؤال الخامس و العشرون و مائة) إلى ما ذا ينظر من الأنبياء عليهم السلام‏ الجواب إن أراد العلم فإلى أسرارهم و إن أراد الوحي فإلى قلوبهم و إن أراد الابتلاء فإلى نفوسهم إلا أن نظره سبحانه على قسمين نظر بواسطة و هو قوله نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ و نظر بلا واسطة و هو قوله تعالى فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحي اذا نظر إلى أسرارهم أعطاهم من العلم به ما شاء لا غير و هو أن يكشف لهم عنهم أنهم به لا بهم فيرونه فيهم و لا يرونهم فيعلمون ما أُخْفِيَ لَهُمْ فيهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ فتقر عيونهم بما شاهدوه وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ بهم في كل نظرة و هو مزيد العلم الذي أمر يطلبه لا علم التكليف فإن النقص منه هو مطلوب الأنبياء عليهم السلام و لهذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول اتركوني ما تركتكم‏ و قوله لو قلت نعم لوجبت و ما كنتم تطيقونها و إذا نظر إلى قلوبهم قلب الوحي فيهم بحسب ما تقلبوا فيه فلكل حال يتقلبون فيه حكم شرعي يدعو إليه هذا النبي و سكوته عن الدعوة شرع أي أبقوا على أصولكم و هذا هو الوحي العرضي الذي عرض لهم فإن الوحي الذاتي الذي تقتضيه ذواتهم هو أنهم يسبحون بحمد الله لا يحتاجون في ذلك إلى تكليف بل هو لهم مثل النفس للمتنفس و ذلك لكل عين على الانفراد و الوحي العرضي هو لعين المجموع و هو الذي يجب تارة و لا يجب تارة و يكون لعين دون عين‏ و هو على نوعين نوع يكون بدليل أنه من الله و هو شرع الأنبياء و منه ما لا دليل عليه و هو الناموس الوضعي الذي تقتضيه الحكمة يلقيه الحق تعالى من اسمه الباطن الحكيم في قلوب حكماء الوقت من حيث لا يشعرون و يضيفون ذلك الإلقاء إلى نظرهم لا يعلمون أنه من عند الله على التعيين لكنهم يرون أن الأصل من عند الله فيشرعونه لمتبعيهم من أهل زمانهم إذ لم يكن فيهم نبي مدلول على نبوته‏ فإن هم قاموا بحدود ذلك الناموس و وقفوا عنده و رعوه جازاهم الله على ذلك بحسب ما عاملوه به في الدنيا و الآخرة جزاء الشرع المقرر المدلول عليه فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فيما ابتدعوه من الرهبانية و من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها و من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها و إن الله يصدق قول واضع الناموس الحكمي كما هو مصدق واضع الناموس الشرعي الحكمي فأما جزاؤه في الدنيا فلا شك و لا خفاء بوقوع المصلحة و وجودها في الأهل و المال و العرض و أما الآخرة فعلى هذا المجرى و إن لم يتعرض إليها صاحب الناموس الحكمي كما أنه في ناموس الحكم الإلهي أن في الآخرة لنا ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و يحصل لنا من غير تقدم علم به كذلك الحاصل في الآخرة جزاء لعمل الناموس الذي اقتضته الحكمة عند من ابتدعه للمصلحة فإن قال في ناموسه قال الله و يكون ممن قد علم أنه مظهر و أن لا موجود على الحقيقة إلا الله صدق و عفا الله عنه و إن كان من أهل الحجاب عن‏ هذا العلم فأمره إلى الله و هو بحسب قصده في ذلك فإنه قد يقصد الرئاسة و تكون المصلحة في حكم التبع و قد يقصد المصلحة و تكون الرئاسة تبعا و هذا الكلام لا يتصور إلا مع عدم الشرع المقرر بالدليل في تلك الجماعة و ذلك المكان خاصة و إذا نظر إلى نفوسهم ابتلاهم بمخالفة أممهم فاختلفوا عليه و اختلفوا فيما بينهم و إن اجتمعوا عليه و هذا كله إذا اتفق أن ينظر النبي إلى نفسه و لا بد له من النظر إلى نفسه فإن الجلوس مع الله لا تقتضي البشرية دوامه و إذا لم يدم فما ثم إلا النفس فيكون نظره في هذا الحال نظر ابتلاء لأن النبي في تلك الحالة صاحب دعوى إنه قد بلغ رسالة ربه و كذا ورد ما من نبي إلا و قد قال فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ به إِلَيْكُمْ و قال ألا هل بلغت‏ فأضاف التبليغ إليه و لم يقل في هذه الحال قد بلغ الله إليكم بلساني ما قد أسمعكم فلو قال هذا ما ابتلوا ببلاء النفوس و في هذا لله حكم خفي ليعلم العبد أنه محل للتوفيق و نقيضه و أنه لا حول و لا قوة إلا بالله على ما أمر به و نهي عنه فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ

(السؤال السادس و العشرون و مائة) كم إقباله على خاصته في كل يوم‏ الجواب أربعة و عشرون ألف إقبال في كل يوم يهبهم في ذلك الإقبال ما شاء و يأخذ منهم في الإقبال الثاني ما كان أعطاهم في الإقبال الأول إما أخذ قبول و إما أخذ رد غير مقبول فإن الله قد أمرهم بالأدب في كل ما يلقي إليهم عند أخذهم و كذلك إذا ردوا الأمور إليه يردونها محلاة بالأدب الإلهي فذلك داعية القبول الإلهي فإن أساءوا الأدب في الأخذ و الرد عاد وبال ذلك عليهم و ليسوا عند ذلك بخاصة الله فالخاصة تحضر مع الله أربعة و عشرين ألف مرة في كل يوم‏ و إن أردت التحرير في المقال إن لم يكن عندك علم و تخرج من العهدة فقل إقباله على خاصته كل يوم بعدد أنفاسهم كانت ما كانت فمن اطلع على توقيت أنفاسه علم توقيت إقبال الله عليه في كل يوم فإن ذلك النفس من نفس الرحمن فهو عين إقبال الحق عليهم و به تنورت هياكلهم فهو في الأجسام ريح و في اللطائف أرواح جمع روح بفتح الراء و تسكين الواو سكونا حيا

(السؤال السابع و العشرون و مائة) ما المعية مع الخلق و الأصفياء و الأنبياء و الخاصة و التفاوت و الفرق بينهم في ذلك‏

الجواب قال الله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فالأينية إلينا و قال لموسى و هارون إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى‏ فنبههما على أنه سمعهما و بصرهما تذكرة لهما أو أعلاما لم يتقدمه علم به عندهما فإنه‏ قد صح عندنا في الخبر أن العبد إذا أحبه ربه كان سمعه و بصره الذي يسمع به و يبصر به فالنبي أولى بهذا ممن ليس بنبي و طبقات الأولياء كثيرة و لكن ما ذكر منها إلا ما قلناه فلا نتعدى بالجواب قدر ما سأل‏ فنقول إن المعية تقتضي المناسبة فلا نأخذ من الحق إلا الوجه المناسب لا الوجه الذي يرفع المناسبة ثم إننا أردنا أن نعمم الجواب بتعميم قوله تعالى أَيْنَ ما كُنْتُمْ من الأحوال و لا يخلو موجود عن حال بل ما تخلو عين موجودة و لا معدومة أن تكون على حال وجودي أو عدمي في حال وجودها أو عدمها و لهذا قال تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فإن قلت قوله كنتم لفظة معناها وجودي فالمعنى أينما كنتم من الوجود فنقول صحيح و لكن من أي الوجوه من الوجود من حيث العلم بكم و ما ثم إلا هو أو من حيث الوجود الذي يتصف به عين الممكنات من حيث ما هي مظاهر فحالة منها توصف العين الممكنة بها بالعدم و لهذا نقول كان هذا معدوما و وجد و الكون يناقض العدم مع صحة هذا القول فيعلم عند ذلك أن قوله تعالى أَيْنَ ما كُنْتُمْ أي على أي حالة تكونون من الوصف بالعدم أو الوجود ثم نقول إنه مع الخلق بإعطاء كل شي‏ء خلقا من كونهم خلقا لا غير فينجر معه إنه معهم بكل ما تطلبه ذواتهم من لوازمها و معيته مع الأصفياء بما يعطيه الصفاء من التجلي فإنهم قد وصفهم و أنهم أصفياء فما هو معهم بالصفاء و الاصطفاء و إنما هو معهم بما يطلبه الاصطفاء و قدم الخلق فإنه مقدم بالرتبة فإن الاصطفاء لا يكون إلا بعد الخلق بل هم من الخلق عند الحق بمنزلة الصفي الذي يأخذه الإمام من المغنم قبل القسمة فذلك هو نصيب الحق من الخلق و ما بقي فله و لهم‏ و أما معيته مع الأنبياء فبتأييد الدعوى لا بالحفظ و العصمة إلا أن أخبر بذلك في حق نبي معين فإن الله قد عرفنا إن الأنبياء قتلتهم أممهم و ما عصموا و لا حفظوا فلا بد أن يكون ظرف المعية التأييد في الدعوى لإقامة الحجة على الأمم فإنه قال فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و لا يكون نبيا حتى يقدمه الاصطفاء فلهذا أخر النبوة عن الاصطفاء فإنه ما كل خلق مصطفى و ما كل مصطفى نبي‏ و معيته مع الخاصة بالمحادثة برفع الوسائط بعد تبليغ ما أمر بتبليغه مثل قوله وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ الله أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ‏من أيام التبليغ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي يرجع إليك الرجوع الخاص الذي يربي على مقام التبليغ فيجتمع هذا كله في الرسول و هو شخص واحد و في كل مقام أشخاص فيكون الشخص الواحد خلقا مصطفى نبيا خاصا و أما معية الذات فلا تنقال فإن الذات مجهولة فلا تعلم نسبة المعية إليها فهو مع الخلق بالعلم و اللطف و مع الأصفياء بالتولي و مع الأنبياء بالتأييد و مع الخاصة بالمباسطة و الأنس‏

(السؤال الثامن و العشرون و مائة) ما ذكره الذي يقول وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ الجواب ذكره نفسه لنفسه بنفسه أكبر من ذكره نفسه في المظهر لنفسه‏ اعلم أن الله ما قال هذا الذكر و وصفه بهذه الصفة من الكبرياء إلا في قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ أبناء عن حقيقة لأجل ما فيها من الإحرام و هو المنع من التصرف في شي‏ء مما يغاير كون فاعله مصليا فهي تنهى عن الفحشاء و المنكر و لا تنهى عن غيرها من الطاعات فيها مما لا يخرجك فعله عن أن تكون مصليا شرعا فيكون قوله وَ لَذِكْرُ الله فيها أكبر أعمالها و أكبر أحوالها إذ الصلاة تشتمل على أقوال و أفعال فتحريك اللسان بالذكر من المصلي من جملة أفعال الصلاة و القول المسموع من هذا التحريك هو من أقوال الصلاة و ليس في أقوالها شي‏ء يخرج عن ذكر الله في حال قيام و ركوع و رفع و خفض إلا ما يقع به التلفظ من ذكر نفسك بحرف ضمير أو ذكر صفة تسأله أن يعطيكها مثل اهدني و ارزقني و لكن هو ذكر شرعا لله فإن الله سمي القرآن ذكرا و فيه أسماء الشياطين و المغضوب عليهم و المتلفظ به يسمى ذكر الله فإنه كلام الله فذكرتهم بذكر الله و هذا مما يؤيد قول من قال ليس في الوجود إلا الله فالأذكار أذكار الله‏ ثم إن قوله تعالى وَ لَذِكْرُ الله هذه الإضافة تكون من كونه ذاكرا و من كونه مذكورا فهو أكبر الذاكرين و هو أكبر المذكورين و ذكره أكبر الأذكار التي تظهر في المظاهر فالذكر و إن لم يخرج عنه فإن الله قد جعل بعضه أكبر من بعض ثم يتوجه فيه قصد آخر من أجل الاسم الله فيقول وَ لَذِكْرُ الله بهذا الاسم الذي ينعت و لا ينعت به و يتضمن جميع الأسماء الحسنى و لا يتضمنه شي‏ء في حكم الدلالة أَكْبَرُ من كل اسم تذكره به سبحانه من رحيم و غفور و رب و شكور و غير ذلك فإنه لا يعطي في الدلالة ما يعطي الاسم الله لوجود الاشتراك في جميع الأسماء كلها هذا إذا أخذنا أكبر بطريق أفعل من كذا فإن لم نأخذها على أفعل من كذا فيكون إخبارا عن كبر الذكر من غير مفاضلة بأي اسم ذكر و هو أولى بالجناب الإلهي‏ و إن كانت الوجوه كلها مقصودة في قوله تعالى وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ فإنه كل وجه تحتمله كل آية في كلام الله من فرقان و توراة و زبور و إنجيل و صحيفة عند كل عارف بذلك اللسان فإنه مقصود لله تعالى في حق ذلك المتأول لعلمه الإحاطي سبحانه بجميع الوجوه و بقي عليه في ذلك الكلام من حيث ما يعلمه هو فكل متاول مصيب قصد الحق بتلك الكلمة هذا هو الحق الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ على قلب من اصطفاه الله به من عباده فلا سبيل إلى تخطئة عالم في تأويل يحتمله اللفظ فإن مخطئه في غاية من القصور في العلم و لكن لا يلزمه القول به و لا العمل بذلك التأويل إلا في حق ذلك المتأول خاصة و من قلده‏

(السؤال التاسع و العشرون و مائة) قوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ما هذا الذكر الجواب هذا ذكر الجزاء الوفاق قال تعالى جَزاءً وِفاقاً فذكر الله في هذا الموطن هو المصلي عن سابق ذكر العبد قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ أي يؤخر ذكره عن ذكركم فلا يذكركم حتى تذكروه و لا تذكرونه حتى يوفقكم و يلهمكم ذكره فيذكركم بذكره إياكم فتذكروه به أو بكم فيذكركم بكم و به بالواو لا بأو فإن له الذكرين معا و قد يكون لبعض العلماء الذكران معا و قد يكون الذكر الواحد دون الآخر في حق بعض الناس‏ و تختلف أحوال الذاكرين منا فمنا من يذكره في نفسه و هم على طبقات طبقة تذكره في نفسها و الضمير من النفس يعود على الله من حيث الهو و شخص يذكره في نفسه و الضمير يعود على الشخص و شخص يذكره في نفسه و الضمير يعود على الله من حيث ما هو خالقها لا من حيث ما هي نفسه من كونها ظاهرة في مظهر خاص فإذا ذكره كل شخص من هؤلاء إما بوجه واحد من هذه الوجوه أو بكل الوجوه فإن الله يذكره في نفسه و قد يكون قوله ذكرته في نفسي عين ذكر هذا العبد ربه في نفسه من حيث ما هوالضمير يعود على الله من نفسه من حيث ما هي نفسه عينا لا من حيث ما هي نفسه خلقا فيكون عين ذكر العبد هو عين ذكر الحق كما قلنا في قوله وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ الله و هو عين مكرهم عين مكر الله بهم لا أنه استأنف مكرا آخر و يؤيده أيضا بقوله ذكرته في نفسي‏ يريد نفس العبد مضافة إلى الله من حيث ما هي ملك له خلقا و إيجادا و يريد أيضا ذكرته في نفسي نفس الحق لا من حيث الوجه الذي ذكره به العبد من حيث نفسه نفس الحق و هو الوجه الأول فهذه أحوال ذكر النفس بالجزاء الوفاق في كل وجه و الحالة الثانية أن يذكره في ملأ فيذكره الله في ملأ خير من ذلك الملإ و قد يكون عين ذلك الملإ و تكون الخيرية بالحال فحال ذلك الملإ في ذكر هذا العبد لله دون حال ذلك الملإ في ذكر الله فيهم لهذا العبد فهو في هذه الحال خير منه في حال ذكر العبد و الملأ واحد كما تتشرف الجماعة بالملك إذا كان فيها على شرفها إذا لم يكن الملك فيها و عين الجماعة واحدة فهي خير منها و لكن بشرط أن يكون كل واحد من ذلك الملإ حاله الكشف إن الله قد ذكر هذا العبد فيهم و هم يسمعون ذكر الله إياه كما سمعوا ذكر هذا العبد ربه فحينئذ يكون الشرف في الملإ الواحد يتفاضل و الوجه الآخر أن يكون الملأ مغايرا لذلك الملإ فيكون خيره على هذا الملإ إما بكون الحق أسمعهم ذكره عبده و هو فيهم أو يكون خيره لأمر آخر تقتضيه مرتبته عند الله إما نشأة أو حالا أو علما و هذه أمور إن تأملتها انفتح لك منها علوم جمة من العلم الإلهي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(السؤال الثلاثون و مائة) ما معنى الاسم‏ الجواب أمر يحدث عن الأثر أو أمر يكون عنه الأثر أو منه ما يكون عنه الأثر و منه ما يحدث عن الأثر إذا لم ترد به المسمى فإن أردت به المسمى فمعناه المسمى كان ما كان مركبا تركيبا معنويا أو حسيا أو غير مركب معنويا أو حسيا كلفظة رحيم أي ذات راحمة فالمسمى بهذه التسمية هي عين تلك النسبة الجامعة بين ذات و رحمة حتى جعل عليها من هذه النسبة اسم فاعل و إن كانت التسمية جامدة لا يعقل منها غير الذات فليست بمركبة تركيبا معنويا فقد تكون هذه الذات مفردة معنى و في نفسها و قد تكون مركبة حسا مثل إنسان تحته مركب حسي و معنوي‏ و الاسم و الرسم عند بعض أصحابنا نعتان يجريان في الأبد على حكم ما كان عليه أزلا و فرق بين الاسم و الرسم و سيأتي ذكرهما في شرح معاني ألفاظ أهل الله من هذا الباب فإنه يطلبها

(السؤال الحادي و الثلاثون و مائة) ما رأس أسمائه الذي استوجب منه جميع الأسماء

الجواب الاسم الأعظم الذي لا مدلول له سوى عين الجمع و فيه الْحَيُّ الْقَيُّومُ و لا بد فإن قلت فهو الاسم الله قلت لا أدري فإنه يفعل بالخاصية و هذه اللفظة إنما تفعل بالصدق إذا كان صفة للمتلفظ بها بخلاف ذلك الاسم‏ و لكن الظاهر من مذهب الترمذي أن رأس الأسماء الذي استوجب منه جميع الأسماء إنما هو الإنسان الكبير و هو الكامل و إذا كان هذا فهو الأولى في طريق القوم أن يشرح به رأس الأسماء فإن آدم علمه الله جميع الأسماء كلها من ذاته ذوقا فتجلى له تجليا كليا فما بقي اسم في الحضرة الإلهية الأظهر له فيه فعلم من ذاته جميع أسماء خالقه‏

(السؤال الثاني و الثلاثون و مائة) ما الاسم الذي أبهم على الخلق الأعلى خاصته‏ الجواب هذا الاسم الذي استوجب منه جميع الأسماء و إن شئت قلت هو اسم مركب من عشرين و ثلاثين بينهما أحد و أربعون حسا و معنى و قد يتركب حسا لا معنى من ثمانية و ثمانين و مائتين و ستة عددا فإذا جمعتها على وجه مخصوص من غير إسقاط الستة كان اسما مركبا و إن أسقطت الستة كان اسما غير مركب و لا ينبغي أن يوضح في العامة ما أبهمه الحق على خلقه و خص به خاصته فإن هذا من غاية سوء الأدب و ما أظن الترمذي قصد بهذا السؤال طلب الشرح و الإيضاح لمعناه و إنما قصد اختبار المسئول أنه إن كان من أهل الله لا يوضحه فإن أوضحه فيكون قد تلقاه من أحد غلطا ممن تلقاه منه لقرينة حال و ذكاء فيه و أما أهل الله فعندهم من الأدب الإلهي ما يمنعهم أن يستروا ما كشف الله أو يكشفوا ما ستره الله‏

(السؤال الثالث و الثلاثون و مائة) بما نال صاحب سليمان عليه السلام ذلك و طوى عن سليمان عليه السلام‏ الجواب بجمعيته و تلمذته ليعرف الشيخ بما حصل عنده و بسببه و طوى عن سليمان بوجوده في محل التبديد في الوقت فإن الحكم للوقت و وقته أنه رسول فهو صاحب وجود مصروف العين إلى من أرسل إليه و صاحبه في جمعيته‏على أمر واحد متحقق بها فظهر بما طوى عن سليمان العمل به تعظيما لقدر سليمان عليه السلام عند أهل بلقيس و سائر أصحابه و ما طوى عن سليمان العلم به و إنما طوى عنه الأذن في التصرف به تنزيها لمقامه‏

(السؤال الرابع و الثلاثون و مائة) ما سبب ذلك‏ الجواب إعلام الغير بأن التلميذ التابع إذا كان أمره بهذه المثابة فما ظنك بالشيخ فيبقى قدر الشيخ مجهولا في غاية التعظيم فلو ظهر على سليمان لتوهم إن هذا غايته و لا شك أن مشهد سليمان في ذلك الوقت و الله أعلم كان مشهد أدب لا يريد أن يكون عنه شرك في التصرف كما قال أبو السعود أعطيت التصرف و تركته تظرفا في حكاية طويلة و الغرض للنبي إنما هو الدلالة و ظهورها على يد صاحبه أتم في حقه إذ كان هذا التابع مصدقا به و قائما في خدمته بين يديه تحت أمره و نهيه فيزيد المطلوب رغبة في هذا الرسول إذا رأى بركته قد عادت على تابعيه فيرجو هذا الداخل أن يكون له بالدخول في أمره ما كان لهذا التابع و النفس مجبولة على الطمع و حب الرئاسة و التقدم‏

(السؤال الخامس و الثلاثون و مائة) ما ذا أطلع من الاسم على حروفه أو معناه‏ الجواب على حروفه دون معناه فإنه لو وقف على معناه لمنعه العمل به كما منع سليمان أ لا ترى إلى قوله تعالى في صاحب موسى فَانْسَلَخَ مِنْها فكانت عليه كالثوب و هو مثل الحرف على المعنى فعمل بها في غير طاعة الله فأشقاه الله و صاحب سليمان عمل به في طاعة الله فسعد و ما وقف على معناه من الأمم الخالية سوى الرسل و الأنبياء فإنهم وقفوا على معناه و حروفه إلا هذه الطائفة المحمدية فإنهم جمع لبعضهم بين حروفه و معناه و لبعضهم أعطى معناه دون حروفه و ليس في هذه الأمة من أعطى حروفه دون معناه و كذلك صاحب الأخدود أعطى حروفه دون معناه فإنه تلقاه من الراهب كلمات كما ورد و هي الكلمات التي ذكرناها في السؤال الثاني و الثلاثين و مائة

(السؤال السادس و الثلاثون و مائة) أين باب هذا الاسم الخفي على الخلق من أبوابه‏ الجواب بالمغرب‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تزال طائفة من أهل المغرب ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة و عليه تطلع الشمس من المغرب عند ما يسد باب التوبة و يغلق ف لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها و لا ما تكتسبه من خير بذلك الايمان‏ و المؤمن لا يغلق له باب و كيف يغلق دونه و قد جازه و تركه وراءه فمن عناية المؤمن غلقه حتى لا يخرج عليه بعد ما دخل منه فلا يرتد مؤمن بعد ذلك فإنه ليس له باب يخرج منه فغلق باب التوبة رحمة بالمؤمن و وبالا بالكافر و جعله الله بالمغرب لأنه محل الأسرار و الكتم و هو سر لا يعلمه إلا أهل الاختصاص فلو كان هذا الباب بالشرق لكان ظاهرا عند العام و الخاص و وقع به الفساد في العموم و هذا يناقض ما وجد له العالم من الصلاح و قد جاء في جانب الشرق من الذم ما جاء و الشرق بمنزلة الخروج إلى الدنيا و هي دار الابتلاء للعام و الخاص و الغرب بمنزلة الخروج من الدنيا و الدخول إلى الآخرة فإنه انتقال إلى دار التمييز و البيان و معرفة المنازل و المراتب على ما هي عند الله تعالى فيعلم السعيد سعادته و الشقي شقاوته فيظهر عند ذلك عين هذا الاسم الخفي لجميع الخلق و يحرمون الدعاء به لشغلهم بما هم فيه من الهول فيعظم في قلوبهم شدة الهول بحيث أن يظنوا أنه ما ثم دعاء يرد ما هم فيه و لو وفقوا للدعاء به لسعدوا فسبحان القدير على ما يشاء

(السؤال السابع و الثلاثون و مائة) ما كسوته‏ الجواب حال الداعي به المعنوي و كسوته على الحقيقة حروفه إذا أخذت الاسم من طريق معناه فإن أخذته من طريق حروفه فحينئذ يكون كسوته حال الداعي به فإذا أقيم في شاهد الحس في التخيل أو الخيال فيكون كسوته الثوب السابغ الأصفر يلتوي فيه فإنه غير مخيط أ لا ترى بقرة بنى إسرائيل صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها لا شِيَةَ فِيها فحيي بها الميت و هو أعظم الآثار إحياء الموات حياة الايمان و حياة العلم و حياة الحس و أعظم أثره في زمان الشتاء إذا وقع فيه شهر صفر في أول الشتاء إلى انتصافه فهو أسرع أثرا منه في باقي الأزمنة و باقي الشهور و يكون الثوب صوفا أو شعرا أو وبر إلا غير ذلك و الريش منه و إنما قلنا هذا لأنه قد يظهر لقوم بنوع من أنواع ما ذكرناه من هذه الأنواع التي تلبس فلو ظهر في نوع واحد لعرفناكم به و اقتصرنا عليه‏ و قال بعضهم رأيت كسوته جلداأصفر قد صفر بورس أو زعفران و هكذا رآه الحسين بن منصور و لكن لم يكن سابغ الثوب و إنما ستر بعض أعضائه ستر منه قدر ستة أذرع لا غير

(السؤال الثامن و الثلاثون و مائة) ما حروفه‏ الجواب الألف و لام الألف و الواو و الزاي و الراء و الدال و الذال فإذا ركبت التركيب الخاص الذي تقوم به نشأة هذا الاسم ظهر عينه و لونه و طوله و عرضه و قدره و انفعل عنه جميع ما توجهه عليه هكذا هو عند الطائفة في الواقعة و لا تنقل عني أني أعلمه لما ذكرت فيه هذا لا يلزم فقد ننقل من الواقعة و الكشف جميع ما سطرته و لا يلزم أن أكون به عالما و إنما قلت هذا لئلا يتوهم أني ما ذكرته إلا عن علم به و لكن مطلبى من الحق العبودة المحضة التي لا تشوبها ربوبية لا حسا و لا معنى‏

(السؤال التاسع و الثلاثون و مائة) و الحروف المقطعة مفتاح كل اسم من أسمائه فأين هذه الأسماء و إنما هي ثمانية و عشرون حرفا فأين هذه الحروف‏ الجواب لأنه يفتح الحرف الواحد من الأسماء الإلهية أسماء كثيرة لا يحصرها عدد و ذلك لأنه إنما يفتح أسماء الأسماء التي تتركب من الحروف بحكم الاصطلاح و قد ثبت أن الحق متكلم فقد سمي نفسه من كونه متكلما بالكلام الذي نسب إليه و يليق به و هذه الأسماء التي تظهر عن الحروف أسماء تلك الأسماء فلو أن الحرف الواحد يفتح اسما واحدا لكان كما قلت من التعجب أ لا ترى في الأسماء المحفوظة في العموم كالملك و المصور و المان و المنان و المقتدر و المحيي و المميت و المقيت و المالك و المليك و المقدم و المؤخر و المؤمن و المهيمن و المتكبر و المغني و المعز و المذل فهذا حرف واحد افتتحنا به كذا كذا اسما إلهيا مع أنا لم نستوف ثم لتعلم إن كل اسم في العالم هو اسمه لا اسم غيره فإنه اسم الظاهر في المظهر و ليس في وسع المخلوقين حصرها و لا إحصاؤها و جميعها مفاتيحها هذه الحروف على قلتها و لك في اختلاف اللغات أعظم شاهد و أسد دليل إن فهمت مقصود القوم‏ و أما قوله فأين هذه الحروف فقل له في عوارض الأنفاس تعرض للنفس الرحماني ما يحدث عين الحرف و يعرض للحروف ما يحدث الأسماء فأينية الأسماء في الحروف و أينية الحروف الأنفاس و أينية الأنفاس الأرواح و أينية الأرواح القلوب و أينية القلوب عندية مقلبها و أسماء الحق لا تتعدد و لا تتكثر إلا في المظاهر و أما بالنسبة إليه فلا يحكم عليها العدد و لا أصله الذي هو الواحد فأسماؤه من حيث هو لا تتصف بالوحدة و لا بالكثرة فسؤال الإمام إنما هو عن الأسماء التي يقع بها التلفظ في عالم الحروف اللفظية و يقع بها الرقم في عالم الكتابة فتارة يراعي الرقم و تارة يراعي اللفظ و أما غيره فيجعل حروفا ثوالث و هي الحروف الفكرية و هي ما يضبطه الخيال من سماع المتلفظ بها أو أبصار الكاتب إياها

(السؤال الأربعون و مائة) كيف صار الألف مبتدأ الحروف‏ الجواب لأن له الحركة المستقيمة و عن القيومية يقوم كل شي‏ء فإن قلت إنما يقع التكوين بالحركة الأفقية فإنه لا يقع إلا بمرض و المرض ميل أ لا ترى إلى القائلين بحكم العقل كيف جعلوا موجد العالم علة العلل و العلة تناقض القيومية فلنقل إنما وقع الوجود بقيومية العلة فإنه لكل أمر قيومية فافهم فقيومية الألوهية تطلب المألوه بلا شك أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ‏ و ما ثم ما يناسب الألف إلا الحرف المركب و هو اللام فإنه مركب من ألف و نون فلما تركب حدث اللام الرقمي لا اللفظي فلام اللفظ صورته في الرقم مركب من حرفين فيفعل بالتلفظ فعل الواحد و هو عينه و يفعل بالنقش فعل الألف و النون و هكذا كل حرف مركب و يفعل فعل الراء و الزاي ببعد كما يفعله النون بقرب لأن النون حرف مركب من زاى و راء و أريد حروف الرقم‏ فابتدءوا بالألف في الرقم لما ذكرناه و انفتحت فيه أشكال الحروف كلها لأن أصل الأشكال الخط كما إن أصل الخط النقطة و الخط هو الألف فالحروف منه تتركب و إليه تنحل فهو أصلها و أما الحروف اللفظية فالألف يحدثها بلا شك كما يظهر الألف عن الحرف إذا أشبعته الفتح فإنه يدل على الألف كما أنك إذا أشبعت الحرف الضم دل على ألف الميل و هو واو العلة و إنما ظهر عن الرفع المشبع لأن العلة أرفع من المعلول فما ظهر عن الحرف إلا بصفة الرفع البالغ ليعلم أنه و إن مال فإنه ما مال إلا عن رفعة رحمة بك ليوجدك مظهرا لخالقك أ لا تراه في حرف الإيجاد كيف جاء برفع الكاف المشبع فقال إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فجاء بالكاف مشبعة الضم لتدل على الواو فإن قلت و أين الواوقلنا غيب في السكون الذي هو الثبوت فإن الحق يستحيل عليه الحركة فلما التقى سكون الواو من كون و سكون النون اتصفت الواو بالغيب فلم تظهر و لزمت الهوية و لهذا هو الهو غيب و ضمير عن غائب و بقيت النون ساكنة تدل على سكون الواو و ظهرت النون على صورة الواو في السكون و هو الثبوت كقوله خلق آدم على صورته فأثبت الأسماء بوجود النون في كن أي ما ثم كائن حادث إلا عند سبب فلا يرفع الأسباب إلا جاهل بالوضع الإلهي و لا يثبت الأسباب إلا عالم كبير أديب في العلم الإلهي‏ فعن الحروف اللفظية يوجد عالم الأرواح و عن الحروف الرقمية يوجد عالم الحس و عن الحروف الفكرية يوجد عالم العقل في الخيال و من كل صنف من هذه الحروف تتركب أسماء الأسماء

(السؤال الحادي و الأربعون و مائة) كيف كرر الألف و اللام في آخره‏ الجواب هذا يختص بحروف الرقم المناسب المزدوج و هو نظم أ ب ت ث لا حروف وضع أبجد فإن لام ألف ما ظهر إلا في نظم أ ب ت ث فإنه ناسب بين الحروف لتناسبها في الصورة بخلاف وضع أبجد و ذلك لأن اللام كسوة الألف و جنته فإنه مستور فيها بالنون الملصقة به الذي تمم وجود اللام و جعلها في آخر النظم ليس بعدها إلا الياء لأنه ظهر في عالم التركيب و هو آخر العوالم و جاء بعده بالياء فإنه لها السفل إذ كانت إنما حدثت من إشباع حركة الخفض و الخفض سفل و السفل آخر المراتب فكان تنبيها أجرى على خاطر الواضع لهذه الحروف و ربما لم يقصد ذلك و نحن إنما ننظر في الأشياء من حيث إن الباري واضعها لا من حيث يد من ظهرت منه فلا بد من القصد في ذلك و التخصيص فشرحنا لكون الحق هو الواضع لها لا غيره و لما كانت الأولية للالف انبغي أن تكون له الآخرية و كما له الظاهر في أول الحروف انبغي أن يكون له الباطن في آخر الحروف ليجمع بين الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و الياء هي ألف الميل في عالم الحس الذي هو العالم الأسفل لحدوثها عن الخفض لتدل على الألف التي في لام ألف و لتدل على السبب الذي في شكل اللام إذا انفردت فإذا عانقت الألف صغرت النون في الالتواء و قابل الألف التي في اللام الألف التي في لام الألف حتى لا يكون يقابله إلا نفسه فقابل الألف الألف و ربطت النون بينهما و هو ألف سر العبد الذي تألف بربه و هو من باب الامتنان الإلهي‏ قال الله تعالى ممتنا على عبده لَوْ أَنْفَقْتَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ و لم يقل بين قلوبهم و لا بينها فجاء بهاء الهو في بينهم و جعل ميم الجمع سترا عليه ليدل على ما ينسب إليه من الجمعية من حيث كثرة الأسماء له تعالى و المراد أنه سبحانه ألف بين قلوب المؤمنين و بينه لأنهم ما اجتمعوا على محمد صلى الله عليه و سلم إلا بالله و لله فبه تألفوا لتالف محمد صلى الله عليه و سلم به فافهم لما ذا كرر لام الألف في نظم تناسب الحروف و هو نظم أ ب ت ث‏

(السؤال الثاني و الأربعون و مائة) من أي حساب صار عددها ثمانية و عشرين حرفا الجواب لأنها إنما ظهرت أعيان الحروف في العالم العنصري و في عنصر الهواء سلطانها كما إن التراب و الماء للأجسام الحيوانية كما إن عنصر النار للجان‏ و العالم العنصري إنما نسب إلى العناصر لأنها السبب الأقرب و العناصر إنما حدثت عن حركات الأفلاك و حركات الأفلاك إنما قطعت ثمانيا و عشرين منزلة في الفلك الذي قطعت فيه و العالم إنما صدر من نفس الرحمن لأنه نفس به عن الأسماء لما كانت تجده من عدم تأثيرها و النفس مناسب لعنصر الهواء فتشكلت المنازل الفلكية في الهواء العنصري لما ظهرت العناصر فلما جاء حكمه فيما تولد عن العناصر من المولدات ظهرت في أكمل نشأة المولدات و هو الإنسان صور الحروف ثمانية و عشرين حرفا عن ثمان و عشرين منزلة و الحق فيها لام الألف خطأ لينبه على القاطع في هذه المنازل و هي الكواكب السيارة فكما عمت المنازل بقوتها و تقطع فيها إيجاد الكائنات و الحوادث كذلك أوجدت هذه الحروف جميع الكلمات التي لا نهاية لها دنيا و آخرة فقد بان لك على التقريب لم كانت ثمانية و عشرين حرفا فمن تمكن له أن يضع قلما على شكل المنازل في طالع مخصوص و تكون الدراري في عقدة الرأس فإنه يكون عن ذلك القلم متى كتب به عجائب في سرعة ظهور ما يكتب له في أي شي‏ء كان حتى لو كتب به كاتب دعاء أجيب ذلك الدعاء و لم يتوقف‏

(السؤال الثالث و الأربعون و مائة) ما قوله خلق آدم على صورته‏ الجواب اعلم أنه كل ما يتصوره المتصور فهوعينه لا غيره فإنه ليس بخارج عنه و لا بد للعالم أن يكون متصورا للحق على ما يظهر عينه و الإنسان الذي هو آدم عبارة عن مجموع العالم فإنه الإنسان الصغير و هو المختصر من العالم الكبير و العالم ما في قوة إنسان حصره في الإدراك لكبره و عظمه و الإنسان صغير الحجم يحيط به الإدراك من حيث صورته و تشريحه و بما يحمله من القوي الروحانية فرتب الله فيه جميع ما خرج عنه مما سوى الله فارتبطت بكل جزء منه حقيقة الاسم الإلهي التي أبرزته و ظهر عنها فارتبطت به الأسماء الإلهية كلها لم يشذ عنه منها شي‏ء فخرج آدم على صورة الاسم الله إذ كان هذا الاسم يتضمن جميع الأسماء الإلهية كذلك الإنسان و إن صغر جرمه فإنه يتضمن جميع المعاني و لو كان أصغر مما هو فإنه لا يزول عنه اسم الإنسان كما جوزوا دخول الجمل في سم الخياط و إن ذلك ليس من قبيل المحال لأن الصغر و الكبر العارضين في الشخص لا يبطلان حقيقته و لا يخرجانه عنها و القدرة صالحة أن تخلق جملا يكون من الصغر بحيث لا يضيق عنه سم الخياط فكان في ذلك رجاء لهم أن يدخلوا جنة النعيم كذلك الإنسان و إن صغر جرمه عن جرم العالم فإنه يجمع جميع حقائق العالم الكبير و لهذا يسمى العقلاء العالم إنسانا كبير و لم يبق في الإمكان معنى إلا و قد ظهر في العالم فقد ظهر في مختصره‏ و العلم تصور المعلوم و العلم من صفات العالم الذاتية فعلمه صورته و عليها خلق آدم فآدم خلقه الله على صورته و هذا المعنى لا يبطل لو عاد الضمير على آدم و تكون الصورة صورة آدم علما و الصورة الآدمية حسا مطابقة للصورة و لا يقدر يتصور هذا إلا بضرب من الخيال يحدثه التخيل و أما نحن و أمثالنا فنعلمه من غير تصور و لكن لما جاء في الحديث ذكر الصورة علمنا أن الله إنما أراد خلقه على الصورة من حيث إنه يتصور لا من حيث ما يعلمه من غير تصور فاعتبر الله تعالى في هذه العبارة التخيل و إذا أدخل سبحانه نفسه في التخيل فما ظنك بمن سوى الحق من العالم‏ صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال لجبريل الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه‏ فهذا تنزيل خيالي من أجل كاف التشبيه و انظر من كان السائل و من كان المسئول و مرتبتهما من العلم بالله و لم يكن بأيدينا إلا الأخبار الواردة بالنزول و المعية و اليدين و اليد و العين و الأعين و الرجل و الضحك و غير ذلك مما ينسب الحق إلى نفسه و هذه صورة آدم قد فصلها في الأخبار و جمعها في‏ قوله خلق الله آدم على صورته‏ فالإنسان الكامل ينظر بعين الله و هو قوله كنت بصره الذي يبصر به الحديث‏ كذلك يتبشبش بتبشبش الله و يضحك بضحك الله و يفرح بفرح الله و يغضب بغضب الله و ينسى بنسيان الله قال تعالى نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ و ينسب جميع ما ذكرناه إلى كل ذات بحسب ما تقتضيه مع علمنا بحقيقة كل صفة فإن كانت الذات المنسوب إليها معلومة علم صورة نسبة هذا المنسوب و إن جهلت الذات المنسوب إليها كنت بنسبة هذا المنسوب أجهل فهذا الوجه الذي يليق بجواب سؤال هذا السيد فلو سأل مثل هذا السؤال فيلسوف إسلامي أجبناه بأن الضمير يعود على آدم أي أنه لم ينتقل في أطوار الخلقة انتقال النطفة من ماء إلى إنسان خلقا بعد خلق بل خلقه الله كما ظهر و لم ينتقل أيضا من طفولة إلى صبي إلى شباب إلى كهولة و لا انتقل من صغر جرم إلى كبره كما ينتقل الصغير من الذرية بهذا يجاب مثل هذا السائل فلكل سائل جواب يليق به‏

(السؤال الرابع و الأربعون و مائة) ليتمنين اثنا عشر نبيا أن يكونوا من أمتي‏ الجواب لما كانت أمته خير الأمم و عندها زيادة على أنبياء الأمم باتباعهم سنن هدى رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنهم ما اتبعوه لأنهم تقدموه و ليس حيرا من كل أمة إلا نبيها و نحن خير الأمم فنحن و الأنبياء في هذه الخيرية في سلك واحد منخرطين لأنه ما ثم مرتبة بين النبي و أمته و محمد خير من أمته كما كان كل نبي خيرا من أمته فهو صلى الله عليه و سلم خير الأنبياء فهؤلاء الاثنا عشر نبيا ولدوا ليلا و صاموا إلى أن ماتوا و ما أفطروا نهارا مع طول أعمارهم سؤالا و رغبة و رجاء أن يكونوا من أمة محمد صلى الله عليه سلم فلهم ما تمنوا و هم مع من أحبوه يوم القيامة فيأتي النبي يوم القيامة و في أمته النبي و الاثنان و الثلاثة و يأتي محمد صلى الله عليه و سلم و في أمته أنبياء أتباع و أنبياء أتباع و أنبياء ما هم أنبياء أتباع فيتبع محمدا صلى الله عليه و سلم ثلاثة أصناف من الأنبياء و هذه مسألة أعرض عن ذكرها أصحابنا لما فيها مما يتطرق إلى الأوهام الضعيفة من الإشكال‏ و جعلهم الله اثني عشر كما جعل الفلك الأقصى اثني عشر برجا كل برج منها طالع نبي من هؤلاء الاثني عشر لتكون‏جميع المراتب تتمنى أن تكون من أمة محمد صلى الله عليه و سلم من الاسم الظاهر ليجمعوا بينه و بين ما حصل لهم من اسمه الباطن إذ كان كل شرع بعثوا به من شرعه عليه السلام من اسمه الباطن إذ كان نبيا و آدم بين الماء و الطين فقوله تعالى له‏ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و ما قال بهم إذ كان هداهم هداك الذي سرى إليهم في الباطن من حقيقتك فمعناه من حيث العلم إذا اهتديت بهداهم فهو اهتداؤك بهديك لأن الأولية لك باطنا و الآخرية لك ظاهرا و الأولية لك في الآخرية ظاهرا و باطنا

(السؤال الخامس و الأربعون و مائة) ما تأويل قول موسى اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه و سلم الجواب لما عرف موسى أن الأنبياء في النسبة إلى محمد نسبة أمته إليه و أن نسبة أمته إليه من اسمه الظاهر و الباطن و نسبة الأنبياء إليه من اسمه الباطن أراد موسى أن يجمع الله له بين الاسمين في شرعه ثم إنه لما علم أنه تبع و لم يشك أراد إقامة جاهه عند محمد صلى الله عليه و سلم على غيره من الرسل إذ كان التباهي يوم القيامة بالتكاثر بالأمم و الأتباع و ليس في الرسل أكثر أتباعا من موسى عليه السلام كما أخبر صلى الله عليه و سلم في الصحيح حين رأى سوادا أعظم فسأل فقيل له هذا موسى و أمته‏ و قد قال صلى الله عليه و سلم إنه سيد الناس يوم القيامة و السيد لا يكاثر فإذا كان موسى بدعائه من أمة محمد في الدرجة ظاهره و باطنه مثل ما نحن زاد هو و أمته في سوادنا بلا شك و ما قال عليه السلام إني مكاثر بكم الأمم‏ إلا في أمم لم يكن لنبيها مجموع الاسمين اللذين دعا الله موسى أن يكونا له فكل من جمع بين الاسمين حشر معنا في أمته صلى الله عليه و سلم فيباهي موسى بأمته سائر الأنبياء الذين حشروا معنا فيكونون معه بمنزلة الأمراء المقدمين على العساكر فأكبرهم أميرا أكثرهم جيشا و أكثرهم جيشا أعظمهم قدرا و حرمة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم و لهذا قال الترمذي إنه يكون في أمة محمد صلى الله عليه و سلم من هو أفضل من أبي بكر الصديق عند ما يرى أنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم من المسلمين‏ فإنه معلوم أن عيسى عليه السلام أفضل من أبي بكر و هو من أمة محمد صلى الله عليه و سلم و متبعيه و إنما ذكرناه لكون الخصم يعلم أنه لا بد أن ينزل في هذه الأمة في آخر الزمان و يحكم بسنة محمد صلى الله ليه و سلم مثل ما حكم الخلفاء المهديون الراشدون فيكسر الصليب و يقتل الخنزير و يدخل بدخوله من أهل الكتاب في الإسلام خلق كثير أيضا

(السؤال السادس و الأربعون و مائة) إن لله عبادا ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون بمقاماتهم و قربهم إلى الله تعالى‏ (الجواب) يريد ليسوا بأنبياء تشريع لكنهم أنبياء علم و سلوك اهتدوا فيه بهدى أنبياء التشريع و قد ذكرنا مقامهم و معنى النبوة و تفاصيلها في هذا الباب و في غيره من هذا الكتاب‏ غير أنهم ليس لهم أتباع لوجهين الواحد لغنائهم في دعائهم إلى الله على بصيرة عن نفوسهم فلا تعرفهم الأتباع و هم المسودون الوجه في الدنيا و الآخرة من السؤدد عند الرسل و الأنبياء و الملائكة و من السواد لكونهم مجهولين عند الناس فلم يكونوا في الدنيا يعرفون و لا في الآخرة يطلب منهم الشفاعة فهم أصحاب راحة عامة في ذلك اليوم‏ و الوجه الآخر أنهم لما لم يعرفوا لم يكن لهم أتباع فإذا كان في القيامة جاءت الأنبياء خائفة يحزنهم الفزع الأكبر على أممهم لا على أنفسهم و جاء غير الأنبياء خائفين يحزنهم الفزع الأكبر على أنفسهم و جاءت هذه الطائفة مستريحة غير خائفة لا على نفوسهم و لا يحزنهم الفزع الأكبر على أممهم إذ لم يكن لهم أمم و فيهم قال الله تعالى لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أن يرتفع الحزن و الخوف فيه عنكم في حق أنفسكم و حق الأمم إذ لم تكن لكم أمة و لا تعرفتم لأمة مع انتفاع الأمة بكم ففي هذا الحال تغبطهم الأنبياء المتبوعون أولئك المهيمون في جلال الله العارفون الذين لم تفرض عليهم الدعوة إلى الله انتهى الجزء التسعون

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(السؤال السابع و الأربعون و مائة) ما تأويل قول بِسْمِ الله‏ (الجواب) هو للعبد في التكوين بمنزلة كُنْ‏ للحق فبه يتكون عن بعض الناس ما شاءوا قال الحلاج بِسْمِ الله من العبد بمنزلة كُنْ من الحق و لكن بعض العباد له كُنْ دون بِسْمِ الله و هم الأكابر جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك أنهم رأوا شخصا فلم يعرفوه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كن أبا ذر فإذا هو أبو ذر و لم يقل بسم الله فكانت كن منه كن الإلهية فإنه‏ قال الله تعالى فيمن أحبه حب النوافل كنت سمعه و بصره و لسانه الذي يتكلم ب ه و قد شهد الله لمحمد صلى الله عليه و سلم بأن له نافلة بقوله تعالى وَ من اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ فلا بد أن يكون سمعه الحق و بصره الحق و كلامه الحق و لم يشهد بها لأحد من الخلق على التعيين فعلامة من لم تستغرق فرائضه نوافله و فضلت له نوافل أن يحبه الله تعالى هذه المحبة الخاصة و جعل علامتها أن يكون الحق سمعهم و بصرهم و يدهم و جميع قواهم و لهذا دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكون كله نورا فإن الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ و لهذا تشير الحكماء بأن الغاية المطلوبة للعبد التشبه بالإله و تقول فيه الصوفية التخلق بالأسماء فاختلفت العبارات و توحد المعنى و نحن نرغب إلى الله و نضرع أن لا يحجبنا في تخلقنا بالأسماء الإلهية عن عبودتنا

(السؤال الثامن و الأربعون و مائة) قوله السلام عليك أيها النبي‏ الجواب لما كانت الأنبياء بصفة تقتضي الاعتراض و التسليم شرع للمؤمن التسليم و من سلم لم يطلب على العلة في كل ما جاء به النبي و لا في مسألة من مسائله فإن جاء النبي بالعلة قبلها كما قبل المعلول و إن لم يجي‏ء بها سلم فقال السلام عليك أيها النبي و قد بينا معناها في باب الصلاة من هذا الكتاب في فصول التشهد و إذا قال هذا النبي فالمسلم عليه منه هو الروح‏

(السؤال التاسع و الأربعون و مائة) قوله السلام علينا و على عباد الله الصالحين‏ الجواب يريد التسليم علينا لنا إذ فينا ما يقتضيه الاعتراض منا علينا فنلزم نفوسنا التسليم فيه لنا و لا نعترضه و لا سيما إذا رأينا أن الحكم الذي يقتضي الاعتراض صدر من الظاهر في هذا المظهر الذي هو عيني فنسلم و لا بد علينا و على عباد الله الصالحين للاشتراك في العطف أي لا يصح هذا العطف بعباد الله الصالحين إلا بأن يكون بتلك الصفة الصالحة و حينئذ يكون السلام علينا حقيقة و قد بينا أيضا هذا المعنى في باب الصلاة من هذا الكتاب في فصول التشهد قال تعالى فَسَلِّمُوا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً من عِنْدِ الله مُبارَكَةً طَيِّبَةً فقد أمرنا بالسلام علينا لنحظى بجميع المراتب في امتثال الأمر الإلهي و هذا يدلك على أن الإنسان ينبغي أن يكون في صلاته أجنبيا عن نفسه بربه حتى يصح له أن يسلم عليه بكلام ربه فإنه قال تَحِيَّةً من عِنْدِ الله مُبارَكَةً طَيِّبَةً فهو سلام الله على عبده و أنت ترجمانه إليك‏

(السؤال الخمسون و مائة) أهل بيتي أمان لأمتي‏ الجواب‏ قال صلى الله عليه و سلم سلمان منا أهل البيت‏ فكل عبد له صفات سيده وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ الله فأضافه إليه صفة أي صفته العبودة و اسمه محمد و أحمد و أهل القرآن هم أهل الله فإنهم موصوفون بصفة الله و هو القرآن و القرآن أمان فإنه شفاء و رحمة و أمته صلى الله عليه و سلم من بعث إليهم و أهل بيته من كان موصوفا بصفته فسعد الطالح ببركة الصالح فدخل الكل في رحمة الله فانظر ما تحت هذه اللفظة من الرحمة الإلهية بأمة محمد صلى الله عليه و سلم و هذا معنى قوله تعالى وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و وصف النبي صلى الله عليه و سلم بالرحمة فقال بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و ما من أحد من الأمة إلا و هو مؤمن بالله و قد بينا فيما تقدم من هذا الكتاب في باب‏ سلمان منا أهل البيت‏ فأغنى عن الكلام في أهل البيت طلبا للاختصار قال تعالى لما وصف و وصى أزواج النبي صلى الله عليه و سلم بقوله وَ قَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ الله وَ رَسُولَهُ ثم أعلمهم أن ذلك كله بكونهن أزواجه صلى الله عليه و سلم حتى لا ينسبن إلى قبيح فيعود ذلك العار على بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فببركة أهل البيت و ما أراد الله به من التطهير بقوله إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ تفعل الأزواج ما أوصيناهن به وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً من دنس الأقوال المنسوبة إلى الفحش و هو الرجس فإن الرجس هو القذر فكان أهل البيت أمانا لأزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوقوع في المخالفات التي يعود عارها على أهل البيت‏ فكذلك أمة محمد صلى الله عليه و سلم لو خلدت في النار لعاد العار و القدح في منصب النبي صلى الله عليه و سلم و لهذايقول أهل النار ما لَنا لا نَرى‏ رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ من الْأَشْرارِ و هو من دخل النار من أمة محمد صلى الله عليه و سلم التي بعث إليها في مشارق الأرض و مغاربها فكما طهر الله بيت النبوة في الدنيا بما ذكره مما يليق بالدنيا كذلك الذي يليق بالآخرة إنما هو الخروج من النار فلا يبقى في النار موحد ممن بعث إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بل و لا أحد ممن بعث إليه يبقى شقيا و لو بقي في النار فإنها ترجع عليه بَرْداً وَ سَلاماً من بركة أهل البيت في الآخرة فما أعظم بركة أهل البيت‏ فإنه من حين بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم انطلق على جميع من في الأرض من الناس أمة محمد إلى يوم القيامة فالمؤمنون به منهم يحشرون معه و غير المؤمنين به يحشرون إليه و قد أعلم أنه ما أرسل إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و لم يقل للمؤمنين خاصة و قد قيل له لما دعا في الصلاة على رعل و ذكوان و عصية ما بعثك الله سبابا و لا لعانا أي طرادا أي لا تطرد عن رحمتي من بعثتك إليه و إن كان كافرا و إنما بعثتك رحمة و هو قوله وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً فإذا حشروا إليه و هم أمته و هو بهذه المثابة من الرحمة التي فطر عليها و الرحمة التي بعث بها فيرحم منهم من يقتضي ذلك الموطن أن يرحم فإنه حكيم و الذي لا يقتضي ذلك الموطن أن يرحمه يقول فيه سحقا سحقا أدبا مع الله حتى يتجلى الحق في صفة غير تلك الصفة مما يقتضي الإسعاف في الجميع فعند ذلك تظهر بركته و رحمته صلى الله عليه و سلم فيمن بعث إليهم بما يرحمهم الله به و ينقلهم من النار إلى الجنان و من حال الشقاء إلى حال السعادة و إن كانوا مخلدين في النار فإن الحكم يقضي بحكم الموطن كرجل مقرب عند مليك رأى الملك في حال غضب على عبد من عبيده فلا ينبغي له في الأدب أن يشفع فيه في تلك الحال و لكن ينبغي له أن يقول أزيلوه من بين يدي الملك و اجعلوه في الحبس و قيدوه فإنه لا يصلح لشي‏ء من الخير هذا العبد الآبق الكافر نعمة سيده كل ذلك بمرأى من سيده فإذا تجلى ذلك السيد في حال بسط و رضي و زال ذلك العبد إلى السجن و القيد و بعد عن الرحمة و إن كان في رحمة حينئذ يليق بهذا المقرب أن يقول للسيد يا مولانا فلأن على كل حال هو عبدك و ما له راحم سواك و إلى من يلجأ إن طردته و من يوسع عليه إن ضيقت عليه و هو محسوب عليك و في هذا من العار بالحضرة أن يقال فيه أنه لم يحترم سيده إذا رى‏ء معاقبا و الحضرة أجل من أن يقال عنها إنها لم تحترم فإذا عفوت عنه و ألحقته بالسعداء استتر الأمر و أنا يا مولاي أغار أن ينسب إلى هذه الحضرة ما يشينها و مثل هذا الكلام مع البسط الذي هو عليه السيد و اقتضى الموضع الشفاعة فيه فيأمر السيد بتبديل حال الشقاء عنه بحال السعادة و إن يخلع عليه خلع الرضي و إن بقي محبوسا فيصير له ذلك الدار و المنزل ملكا و يهبه له ربه ملكا و يرجع عذابه نعيما و هو أبلغ في القدرة هذا إن كانت تلك الدار سكناه أو يأمر بإخراجه إلى منازل السعداء فهكذا الناس يوم القيامة في بركة أهل البيت ممن بعث إليه صلى الله عليه و سلم فما أسعد هذه الأمة فإن اعتبر الله البيت اعتبار الباطن إذ كان كل شرع متقدم شرع محمد صلى الله عليه و سلم بمنزلة طلوع الفجر إلى حين طلوع الشمس فكان ذلك الضوء و تزايده من الشمس فتكون أمة محمد صلى الله عليه و سلم من آدم إلى آخر إنسان يوجد فيكون الكل من أمة محمد صلى الله عليه و سلم فينال الكل بركة أهل البيت فيسعد الجميع أ لا تراه‏ يقول يوم القيامة أنا سيد الناس‏ فلم يخص و لم يقل أنا سيد أمتي ثم إنه ما ذكر بعد هذه اللفظة إلا حديث الشفاعة فقال أ تدرون بما ذاك و ذكر حديث الشفاعة يوم القيامة و هو معنى ما أشرنا إليه آنفا فإن فهمت ما أومأنا إليه فافعل ما شئت فقد غفر لك إنه واسِعُ الْمَغْفِرَةِ

(السؤال الحادي و الخمسون و مائة) قوله آل محمد الجواب‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لكل نبي آل و عدة و آلي و دتي المؤمن‏ و من أسمائه تعالى الْمُؤْمِنُ و هو العدة لكل شدة و الآل يعظم الأشخاص فعظم الشخص في السراب يسمى الآل فآل محمد هم العظماء بمحمد و محمد صلى الله عليه و سلم مثل السراب يعظم من يكون فيه و أنت تحسبه محمدا العظيم الشأن كما تحسب السراب ماء و هو ماء في رأى العين فإذا جئت محمدا صلى الله عليه و سلم لم تجد محمدا و وجدت الله في صورة محمدية و رأيته برؤية محمدية كما أنك إذا جئت إلى السراب لتجده كما أعطاك النظر فلم تجده في شيئيته ما أعطاك النظر و وجدت الله عنده أي عرفت أن معرفتك بالله مثل معرفتك بالسراب أنه ماء فإذا به ليس ماء و تراه العين ماء فكذلك إذا قلت عرفت الله و تحققت بالمعرفة عرفت أنك ما عرفت الله فالعجز عن معرفته هي المعرفة به فما حصل‏بيدك إلا أنه لا يتحصل لأحد من خلقه‏ و كل من استند إلى الله عظم في القلوب و عند العارفين بالله و عند العامة كما أنه من كان في السراب عظم شخصه في رأى العين و يسمى ذلك الشخص آلا و هو في نفسه على خلاف ما تراه العيون من التضاؤل تحت جلال الله و عظمته كذلك محمد يتضاءل تضاؤل السراب في جنب الله لوجود الله عنده فهذا إذا فهمت ما قلناه معنى آل محمد

(السؤال الثاني و الخمسون و مائة) أين خزائن الحجة من خزائن الكلام من خزائن علم التدبير الجواب في قوله فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ بكل وجه فأوله تدبير و هي الخزائن العامة و هو قوله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ و في هذه الخزائن خزائن الكلام لأن خزائن علم التدبير تحوي على خزائن شتى منها خزائن الكلام و هي في قوله يُفَصِّلُ الْآياتِ بالكلام‏ و في خزائن الكلام خزائن الحجة في مقابلة المعارض و هو الذي لا يعرف الله معرفة ذوق و هم أصحاب الأدلة العقلية فإنهم لا يقبلون ما جاءت به الشرائع من صفات الحق التي لو قالها غير النبي جهله العقلاء بأدلتهم و كفره المؤمنون و هو ما قال إلا ما قيل له فمتى ما لم يكن العلم ذوقا لم يخلص خاطر سامعه من الإنكار بقلبه من حيث عقله‏ ثم خزائن الحجة خصوص في خزائن الكلام و هو القول المعجز و هو قول الحق و الصدق و كذا رأيته في الواقعة مثل القرآن فهو الحجة من الكلام فَأْتُوا بِسُورَةٍ من مِثْلِهِ و لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً لأنه أتى من خزائن الحجة و سائر الكتب و الصحف من خزائن الكلام و سائر المخلوقات من خزائن علم التدبير

(السؤال الثالث و الخمسون و مائة) أين خزائن علم الله من خزائن علم البدء الجواب في المساوقة الوجودية لأن الله لم يزل عالما بأنه الإله و أن الممكن مألوه و أن العدم للممكن نعت أزلي و أنه لم يزل مظهرا للحق فخزانة علم الله من علم البدء هو معرفة مرتبة الاسم الله من الاسم المبدئ كما يقال أين خزانة علم البدي‏ء من علم المعيد فإن الظرفية لا تخلوا إما أن تكون مكانية أو زمانية و لا مكان و لا زمان فإنهما هما اللذان يعطيان المقدار و أين كذا من كذا يطلب المقدار فغاية أن يقال في المرتبة الأولى التي لا تقبل الثاني و هي مرتبة الواجب الوجود الذاتي كما نقول في الممكن إنه في مرتبة الوجوب الإمكانى الذاتي و العلم بهذا هو علم سر السر و هو الأخفى و هو العلم الذي انفرد به الحق دون ما سواه و لا يعلم هذا إلا بالتحلي بالحاء المهملة فإن قلت و ما التحلي قلنا الاتصاف بالأخلاق الإلهية المعبر عنها في الطريق بالتخلق بالأسماء و عندنا التحلي ظهور أوصاف العبودة دائما مع وجود التخلق بالأسماء فإن غاب عن هذا التحلي كان التخلق بالأسماء عليه وبالا قال تعالى كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ و تحلى العبد بأوصاف العبودة هو من تخلقه بالأخلاق الإلهية و لكن أكثر الناس لا يعقلون فلو عرفوا معنى ما ورد في القرآن و السنة من وصف الحق سبحانه نفسه بما لا يقبله العقل إلا بالتأويل إلا نزه ما نفروا من ذلك إذا سمعوه من أمثالنا فإن العبودة أعني معقولها إن كان أمرا وجوديا فهو عينه فإن الوجود له و إنما الحق لما كانت أعيان الممكنات مظاهره عظم على العقول أن تنسب إلى الله ما نسبه لنفسه فلما ظهر المقام الذي وراء طور العقل بالنبوة و عملت الطائفة عليه بالإيمان أعطاهم الكشف ما أحاله العقل من حيث فكره و هو في نفس الأمر ليس على ما حكم به و هذا من خصائص التصوف‏ فإن قلت و ما التصوف قلنا الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا و باطنا و هي مكارم الأخلاق و هو أن تعامل كل شي‏ء بما يليق به مما يحمده منك و لا تقدر على هذا حتى تكون من أهل اليقظة فإن قلت و ما اليقظة حتى أكون من أهلها قلنا اليقظة الفهم عن الله في زجره فإذا فهمت عن الله انتبهت‏ فإن قلت فما الانتباه قلنا هو زجر الحق عبده على طريق العناية و هذا لا يحصل إلا لأهل العبودة فإن قلت و ما العبودة قلنا نسبة العبد إلى الله لا إلى نفسه فإن انتسب إلى نفسه فتلك العبودية لا العبودة فالعبودة أتم حتى لا يحكم عليه مقام السواء فإن قلت و ما السواء قلنا بطون الحق في الخلق و بطون الخلق في الحق و هذا لا يكون إلا فيمن عرف أنه مظهر للحق فيكون عند ذلك باطنا للحق و بهذا وردت الفهوانية فإن قلت و ما الفهوانية قلنا خطاب الحق كافحة في عالم المثال و هو قوله صلى الله عليه و سلم في الإحسان أن تعبد الله كأنك ترا ه‏ و من هناك تعلم الهو فإن قلت و ما الهو قلنا الغيب الذاتي الذي لا يصح شهوده فليس هو ظاهرا و لا مظهرا و هو المطلوب الذي‏أوضحه اللسن‏ فإن قلت و ما اللسن قلنا ما يقع به الإفصاح الإلهي لآذان العارفين و هي كلمة الحضرة فإن قلت و ما كلمة الحضرة قلنا كن و لا يقال كن إلا لذي رؤية ليعلم من يقول له كن على الشهود فإن قلت و ما الرؤية قلنا المشاهدة بالبصر لا بالبصيرة حيث كان و هو لأصحاب النعت فإن قلت و ما النعت قلنا ما طلب النسب العدمية كالأول و لا يعرفه إلا عبيد الصفة فإن قلت و ما الصفة قلنا ما طلب المعنى الوجودي كالعالم و العلم لأهل الحد فإن قلت و ما الحد قلنا الفصل بينك و بينه لتعرف من أنت فتعرف أنه هو فتلزم الأدب معه و هو يوم عيدك‏ فإن قلت و ما العيد قلنا ما يعود عليك في قلبك من التجلي بعود الأعمال و هو قوله صلى الله عليه و سلم إن الله لا يمل حتى تملوا فطوبى لأهل القدم‏ فإن قلت و ما القدم قلنا ما ثبت للعبد في علم الحق به قال تعالى أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ أي سابق عناية عند ربهم في علم الله و يتميز ذلك في الكرسي‏ فإن قلت و ما الكرسي قلنا علم الأمر و النهي فإنه‏ قد ورد في الخبر أن الكرسي موضع القدمين‏ قدم الأمر و قدم النهي الذي قيده العرش‏ فإن قلت و ما العرش قلنا مستوي الأسماء المقيدة و فيه ظهرت صورة المثل من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و هذا هو المثل الثابت‏ فإن قلت و ما المثل قلنا المخلوق على الصورة الإلهية الواردة في‏ قوله صلى الله عليه و سلم إن الله خلق آدم على صورته‏ و قال تعالى فيه إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً و هو نائب الحق الظاهر بصورته وَ هُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ أظهره النائب و مشهد هذا النائب حجاب العزة ليلا يغلط في نفسه‏ فإن قلت و ما حجاب العزة قلنا العمي و الحيرة فإنه المانع من الوصول إلى علم الأمر على ما هو عليه في نفسه و لا يقف على حقيقة هذا الأمر إلا أهل المطلع‏ فإن قلت و ما المطلع قلنا الناظر إلى الكون بعين الحق و من هنالك يعلم ما هو ملك الملك‏ فإن قلت و ما هو ملك الملك قلنا هو الحق في مجازاة العبد على ما كان منه مما أمر به و ما لم يؤمر به و يختص بهذا الأمر عالم الملكوت‏ فإن قلت و ما عالم الملكوت قلنا عالم المعاني و الغيب و الارتقاء إليه من عالم الملك‏ فإن قلت و ما عالم الملك قلنا عالم الشهادة و الحرف و بينهما عالم البرزخ‏ فإن قلت و ما عالم البرزخ قلنا عالم الخيال و يسميه بعض أهل الطريق عالم الجبروت و هكذا هو عندي و يقول فيه أبو طالب صاحب القوت عالم الجبروت هو العالم الذي أشهد العظمة و هم خواص عالم الملكوت و لهم الكمال‏ فإن قلت و ما الكمال قلنا التنزه عن الصفات و آثارها و لا يعرفها إلا الساكن بأرين‏ فإن قلت و ما أرين قلنا عبارة عن الاعتدال في قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ فإن أرين موضع خط اعتدال الليل و النهار فاستعاروه و قد ذكره منهم عبد المنعم بن حسان الجلباني في مختصره غاية النجاة له و لقيته و سألته عن ذلك فقال فيه ما شرحناه به و صاحب هذا المقام هو صاحب الرداء فإن قلت و ما الرداء قلنا الظهور بصفات الحق في الكون‏ فإن قلت و ما الكون قلنا كل أمر وجودي و هو خلاف الباطل‏ فإن قلت و ما يريد أهل الله بالباطل قلنا العدم و يقابل الباطل الحق‏ فإن قلت و ما الحق عندهم قلنا ما وجب على العبد القيام به من جانب الله و ما أوجبه الرب للعباد على نفسه إذ كان هو العالم و العلم‏ فإن قلت و ما العالم و العلم قلنا العالم من أشهده الله الوهته و ذاته و لم يظهر عليه حال و العلم حاله و لكن بشرط أن يفرق بينه و بين المعرفة و العارف فإن قلت و ما المعرفة و العارف قلنا من مشهده الرب لا اسم الإلهي غيره فظهرت منه الأحوال و المعرفة حاله و هو من عالم الخلق كما أن العالم من عالم الأمر فإن قلت و ما عالم الخلق و الأمر و الله يقول أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ قلنا عالم الأمر ما وجد عن الله لا عند سبب حادث و عالم الخلق ما أوجده الله عند سبب حادث فالغيب فيه مستور فإن قلت و ما الغيب في اصطلاحكم قلنا الغيب ما ستره الحق عنك منك لا منه و لهذا يشار إليه‏ فإن قلت و ما الإشارة قلنا الإشارة نداء على رأس البعد يكون في القرب مع حضور الغير و يكون مع البعد في العموم و الخصوص‏فإن قلت و ما العموم و الخصوص عندهم قلنا العموم ما يقع في الصفات من الاشتراك و الخصوص ما يقع به الانفراد و هو أحدية كل شي‏ء و هو لب اللب‏ فإن قلت و ما لب اللب قلنا مادة النور الإلهي يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى‏ نُورٍ فلب اللب هو قوله نُورٌ عَلى‏ نُورٍ فإن قلت و ما اللب قلنا ماضين من العلوم عن القلوب المتعلقة بالسوى و هو القشر فإن قلت و ما القشر قلنا كل علم يصون عين المحقق من الفساد لما يتجلى له من خلف حجاب الظل‏ فإن قلت و ما الظن قلنا وجود الراحة خلف حجاب الضياء فإن قلت و ما الضياء قلنا ما ترى به الأغيار بعين الحق فالظل من أثر الظلمة و الضياء من أثر النور و العين‏واحدة فإن قلت و ما الظلمة و النور اللذان عنهما الظل و الضياء قلنا النور كل وارد إلا هي ينفر الكون عن القلب و الظلمة قد يطلقونها على العلم بالذات فإنه لا يكشف معها غيرها و أكثر ما يعلم هذين أرباب الأجساد فإن قلت و ما الجسد قلنا كل روح أو معنى ظهر في صورة جسم نوري أو عنصري حتى يشهده السوي‏ فإن قلت و ما السوي هنا قلنا الغير الذي يتعشق بالمنصات‏ فإن قلت و ما المنصة قلنا مجلى الأعراس و هي تجليات روحانية إلية فإن قلت و ما الإل قلنا كل اسم إلهي أضيف إلى ملك أو روحاني مثل جبريل و ميكائيل أو عبدئل و بأيديهم الطبع و الختم‏ فإن قلت و ما الطبع و الختم قلنا الختم علامة الحق على القلوب العارفين و الطبع ما سبق به العلم في حق كل مختص من الإلهيين‏ فإن قلت و ما الإلهية قلنا كل اسم إلهي يضاف إلى البشر مثل عبد الله و عبد الرحمن و هم الخارجون عن الرعونة فإن قلت و ما الرعونة قلنا الوقوف مع الطبع بخلاف أهل الإنية فإنهم وافقون مع الحق‏ فإن قلت و ما الإنية قلنا الحقيقة بطريق الإضافة و هم المعتكفون على اللوح المشاهدون للقلم الناظرون في النون المستمدون من الهوية القائلون بالأناية الناطقون بالاتحاد لأجل الجرس‏ فإن قلت و ما هذه الألفاظ التي ذكرتها قلنا أما اللوح فمحل التدوين و التسطير المؤجل إلى حد معلوم و أما الهوية فالحقيقية الغيبية و أما النون فعالم الإجمال و أما الإنابة فقولك بك و أما القلم فعلم التفصيل و أما الاتحاد فتصيير الذاتين ذاتا واحدة فأما عبد و إما رب و لا يكون إلا في العدد و في الطبيعة و هو حال و أما الجرس فإجمال الخطاب بضرب من القهر لقوة الوارد و هذا كله لا يناله إلا أهل النوالة فإن قلت و ما النوالة قلنا الخلع التي تخص الأفراد من الرجال و قد تكون الخلع مطلقا و مع هذا فهم في الحجاب‏ فإن قلت و ما الحجاب قلنا ما ستر مطلوبك عن عينك إذا كان الحجاب مما يلي المخدع‏ فإن قلت و ما المخدع قلنا موضع ستر القطب عن الأفراد الواصلين عند ما يخلع عليهم و هو خزانة الخلع و الخازن هو القطب قال محمد بن قائد الأواني رقيت حتى لم أر أمامي سوى قدم واحدة فغرت فقيل هي قدم نبيك فسكن جأشي و كان من الأفراد و تخيل أن ما فوقه إلا نبيه و لا تقدمه غيره و صدق رضي الله عنه فإنه ما شاهد سوى طريقه و طريقه فما سلك عليها غير نبيه و قيل له هل رأيت عبد القادر قال ما رأيت عبد القادر في الحضرة فقيل ذلك لعبد القادر قال صدق ابن قائد في قوله فإني كنت في المخدع و من عندي خرجت له النوالة و سماها بعينها فسئل ابن قائد عن النوالة ما صفتها فقال مثل ما قال عبد القادر فكان أحدهما من أهل الخلوة و الآخر من أهل الجلوة فإن قلت و ما الخلوة و الجلوة قلنا الجلوة خروج العبد من الخلوة بنعوت الحق فيحرق ما أدركه بصره و الخلوة محادثة السر مع الحق حيث لا ملك و لا أحد و هناك يكون الصعق‏ فإن قلت و ما الصعق قلنا الفناء عند التجلي الرباني و هو لأهل الرجاء لأهل الخوف‏ فإن قلت و ما الرجاء و الخوف قلنا الرجاء الطمع في الآجل و الخوف ما تحذر من المكروه في المستأنف و لهذا يجنح إلى التولي و هو رجوعك إليك منه بعد التلقي‏ فإن قلت و ما التلقي قلنا أخذك ما يرد من الحق عليك عند الترقي‏ فإن قلت و ما الترقي قلنا التنقل في الأحوال و المقامات و المعارف نفسا و قلبا و حقا طلبا للتداني‏ فإن قلت و ما التداني قلنا معراج المقربين إلى التدلي‏ فإن قلت و ما التدلي قلنا نزول الحق إليهم و نزولهم لمن هو دونهم بسكينة فإن قلت و ما السكينة قلنا ما تجده من الطمأنينة عند تنزل الغيب بالحرف‏ فإن قلت و ما الحرف قلنا ما يخاطبك به الحق من العبارات مثل ما أنزل القرآن على سبعة أحرف و الحرف صورة في السبحة السوداء فإن قلت و ما السبحة قلنا الهباء الذي فتح فيه صور أجسام العالم المنفعل عن الزمردة الخضراء فإن قلت و ما الزمردة الخضراء قلنا النفس المنبعثة عن الدرة البيضاء فإن قلت و ما الدرة البيضاء قلنا العقل الأول صاحب علم السمسمة فإن قلت و ما السمسمة قلنا معرفة دقيقة في غاية الخفاء تدق عن العبارة و لا تدرك بالإشارة مع كونها ثمرة شجرة فإن قلت و ما هذه الشجرة قلنا الإنسان الكامل مدبر هيكل الغراب‏ فإن قلت و ما الغراب قلنا الجسم الكل الذي ينظر إليه العقاب بوساطة الورقاء فإن قلت و ما العقاب قلنا الروح الإلهي الذي ينفخ الحق منه في الهياكل كأنها أرواحها المحركة لها و المسكنة و الورقاء النفس التي بين الطبيعة و العقل و دون الطبيعة هي العنقاء فإن قلت و ما العنقاء قلنا الهباء لا موجود و لا معدوم على أنها تتمثل في الواقعة فإن قلت و ما الواقعة قلنا ما يرد على القلب من العالم العلوي بأي طريق كان من خطاب أو مثال أو غير ذلك على يد الغوث‏ فإن‏قلت و ما الغوث قلنا صاحب الزمان و واحدة و قد يكون ما يعطيه على يد الياس‏ فإن قلت و ما الياس قلنا عبارة عن القبض و قد يكون ما يعطيه على يد الخضر فإن قلت و ما الخضر قلنا عبارة عن البسط و هذه العطايا من بحر الزوائد فإن قلت و ما الزوائد قلنا زيادات الايمان بالغيب و اليقين و لها رجال مخصوصون ذكرناهم في أول الباب فإنهم موقنون هم عشرة أشخاص لا يزيدون و لا ينقصون غير أنهم قد يكون منهم نساء يوجدهم الاسم و الرسم‏ فإن قلت و ما الاسم و الرسم قلنا الرسم نعت يجري في الأبد بما جرى في الأزل و الاسم الحاكم على حال العبد في الوقت من الأسماء الإلهية عند الوصل‏ فإن قلت و ما الوصل قلنا إدراك الفائت و هو أول الفتوح‏ فإن قلت و ما الفتوح قلنا فتوح العبارة في الظاهر و فتوح الحلاوة في الباطن و فتوح المكاشفة لتصحيح المطالعة فإن قلت و ما المطالعة قلنا توقيعات الحق تعالى للعارفين ابتداء و عن سؤال منهم فيما يرجع إلى حوادث الكون و فيها أقول‏

خرج التوقيع لي بالأمانو لتحاذر غائلات الأماني‏
ينقضي الدهر و لا شي‏ء منهاحاصل قد ملكته اليدان‏
فاشتغل بي لا تخالط سواىفسواي شأنه غير شأني
لا يغرنك عبدي المثاني‏ فإنا الثاني و لست بثاني‏
يشتهي من ظل بي مستهاماأن يراني أو يرى من رآني‏
و أنا أقرب منه إليهفليزل عني حكم المكان‏
فيراني منه فيه بعينيأن عين الغير ليست تراني‏

و المطالعة لا تكون إلا لأهل الحرية فإن قلت و ما الحرية قلنا إقامة حقوق العبودية لله تعالى فهو حر عما سوى الله لأجل الغيرة الإلهية فإن الله غيور و من غيرته حرم الفواحش‏ فإن قلت و ما الغيرة قلنا تطلق في الطريق بإزاء ثلاثة معان غيرة في الحق لتعدي الحدود و غيرة تطلق بإزاء كتمان الأسرار و السرائر و غيرة الحق ضنته على أوليائه و هم الضنائن أصحاب الهمم‏ فإن قلت و ما الهمة قلنا تطلق بإزاء تجريد القلب للمنى و بإزاء أول صدق المريد و بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام هذا عند أهل الغربة فإن قلت و ما الغربة قلنا مفارقة الوطن في طلب المقصود و غربة عن الحال من حقيقة النفوذ فيه و غربة عن الحق من الدهش عن المعرفة لحكم الاصطلام‏ فإن قلت و ما الاصطلام قلنا نعت و له يرد على القلب فيسكن تحت سلطانه حذر المكر فإن قلت و ما المكر قلنا إرداف النعم مع المخالفة و قد رأيناه في أشخاص و إبقاء الحال مع سوء الأدب و هو الغالب على أهل العراق و ما نجا منه في علمنا إلا أبو السعود بن الشبل سيد وقته و إظهار الآيات و الكرامات من غير أمر و لا حد و هي عندنا خرق عوائد لا كرامات إلا أن يقصد بها المتحدث التحدث بالنعم و لكن تمنع العارفين من مثل هذا الرهبة فإن قلت و ما الرهبة قلنا رهبة الظاهر لتحقيق الوعيد و رهبة الباطن لتقلب العلم و رهبة لتحقيق أمر السبق و لكن بعد سبق الرغبة فإن قلت و ما الرغبة قلنا رغبة النفس في الثواب و رغبة القلب في الحقيقة و رغبة السر في الحق و هو مقام التمكين‏ فإن قلت و ما التمكين قلنا عندنا هو التمكن في التكوين و عند الجماعة حال أهل الوصول و عدلنا نحن فيه إلى ما قلناه لقوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و عدلت الجماعة إلى قوله تعالى إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا و هذه الآية أيضا تعضدنا فيما ذهبنا إليه فالتمكين في التلوين أولى‏ فإن قلت فما التلوين قلنا تنقل العبد في أحواله و هو عند الأكثرين مقام ناقص و عندنا هو أكمل المقامات لأنه موضع التشبه بالمطلوب للإنسان و سببه الهجوم‏ فإن قلت و ما الهجوم قلنا ما يرد على القلب بقوة الوقت من غير تصنع منك عقيب البوادة فإن قلت و ما البوادة قلنا ما يفجأ القلب من الغيب على سبيل الوهلة إما موجب فرح أو موجب ترح و لكن مع كونها بواده لا بد أن يتقدمها لوامع‏ فإن قلت و ما اللوامع قلنا ما ثبت من أنوار التجلي وقتين و قريب من ذلك بعد الطوالع‏ فإن قلت و ما الطوالع قلنا أنوار التوحيد تطلع على قلوب أهل المعرفة فتطمس سائر الأنوار عند ما تحكم على الأسرار اللوائح‏ فإن قلت و ما اللوائح قلنا ما يلوح للاسرار الظاهرة من السمو من حال إلى حال هذا عند القوم و عندنا هي ما يلوح للبصر إذا لم‏يتقيد بالجارحة من الأنوار الذاتية لا من جهة السلب و هي من أحوال أهل المسامرة فإن قلت و ما السمر قلنا خطاب الحق للعارفين من عالم الأسرار و الغيوب نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ و هو خصوص في المحادثة فإن قلت و ما المحادثة قلنا خطاب الحق للعارفين من عباده من عالم الملك كالنداء من الشجرة لموسى و هو فرع عن المشاهدة فإن قلت و ما المشاهدة قلنا رؤية الأشياء بدلائل التوحيد و تكون أيضا رؤية الحق في الأشياء و تكون أيضا حقيقة اليقين من غير شك و هي تتلو المكاشفة و قد قيل تتلوها المكاشفة فإن قلت و ما المكاشفة قلنا تحقيق الأمانة بالفهم و تحقيق زيادة الحال و تحقيق الإشارة التي تعطيها المحاضرة فإن قلت و ما المحاضرة قلنا حضور القلب بتواتر البرهان و عندنا مجاراة الأسماء بينها بما هي عليه من الحقائق في وقت التخلي‏ فإن قلت و ما التخلي قلنا اختيار الخلوة و الإعراض عن كل ما يشغل عن الحق طلب التجلي بالجيم‏ فإن قلت و ما التجلي قلنا ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب بعد الستر فإن قلت و ما لستر قلنا كل ما سترك عن ما يغنيك و قيل هو غطاء الكون و قد يكون الوقوف مع العادات و قد يكون الوقوف مع نتائج الأعمال ما لم يغلب سلطان المحق‏ فناؤك في عينه بعد تحكم السحق‏ فإن قلت و ما السحق قلنا تفرق تركيبك تحت القهر لأجل الزاجر فإن قلت و ما الزاجر قلنا واعظ الحق في قلب المؤمن و هو الداعي بحكم الزمان‏ فإن قلت و ما الزمان قلنا السلطان فإنه قد يحول بينك و بين الذهاب‏ فإن قلت و ما الذهاب قلنا غيبة القلب عن حس كل محسوس بمشاهدة محبوبه كان المحبوب ما كان قبل الفصل‏ فإن قلت و ما الفصل قلنا فوت ما ترجوه من محبوبك و هو عندنا تميزك عنه بعد حال الاتحاد الذي هو نتيجة المجاهدة فإن قلت و ما المجاهدة قلنا حمل النفس على المشاق البدنية و مخالفة الهوى على كل حال و لكن لا يتمكن له مخالفة الهوى إلا بعد الرياضة فإن قلت و ما الرياضة قلنا رياضة الأدب و هو الخروج عن طبع النفس و رياضة الطلب و هي صحة المراد به و بالجملة فهي عبارة عن تهذيب الأخلاق النفسية و ذلك عن علة فإن قلت و ما العلة قلنا تنبيه الحق لعبده بسبب و بغير سبب و هو من عين اللطف و تسميه أهل الطريق اللطيفة فإن قلت و ما اللطيفة قلنا كل إشارة دقيقة المعنى تلوح في الفهم لا تسعها العبارة و هي المؤدية إلى التفريد و قد يطلقون اللطيفة على حقيقة الإنسان‏ فإن قلت و ما التفريد قلنا وقوفك بالحق معك و من شرطه التجريد فإن قلت و ما لتجريد قلنا إماطة السوي و الكون عن القلب و السر من أجل حكم الفترة فإن قلت و ما الفترة قلنا خمود نار البداية المحرقة و هي حالة تشبه حالة الوقفة التي للواقفين‏ فإن قلت و ما الوقفة قلنا الحبس بين المقامين مع العصمة من الوله‏ فإن قلت و ما الوله قلنا إفراط الوجد بمشاهدة السر فإن قلت و ما السر قلنا سر العلم بإزاء حقيقة العالم به و سر الحال بإزاء معرفة مراد الله فيه و سر الحقيقة بإزاء ما يقع به الإشارة من الروح‏ فإن قلت و ما الروح قلنا الملقي إلى القلب علم الغيب على وجه مخصوص يتلقاه منه النفس‏ فإن قلت و ما النفس قلنا ما كان معلوما من أوصاف العبد بحكم الشاهد فإن قلت و ما الشاهد قلنا ما تعطيه المشاهدة من الأثر في قلب المشاهد و هو على صورة ما يضبطه القلب من رؤية المشهود و على الشاهد يرد لوارد فإن قلت و ما الوارد قلنا ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة من غير تعمل و كل ما يرد على القلب من كل اسم إلهي و هو الذي يعطي أحيانا حق اليقين‏ فإن قلت و ما حق اليقين قلنا ما حصل من العلم بالعلة و لكن بعد عين اليقين‏ فإن قلت و ما عين اليقين قلت ما أعطته المشاهدة و الكشف ابتداء و بعد علم اليقين‏ فإن قلت و ما علم اليقين قلنا ما أعطاه الدليل الذي لا يحتمل الشبه الواردة من الخاطر فإن قلت و ما الخاطر قلنا ما يرد على القلب و الضمير من الخطاب ربانيا كان أو غير رباني و لكن من غير إقامة فإن أقام فهو حديث نفس فصاحبه مفتقر إلى النفس فإن قلت و ما النفس قلنا روح يسلطه الله على نار القلب ليطفئ شررها لأجل سلطان الحقيقة فإن قلت و ما الحقيقة قلنا سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه بأنه الفاعل بك فيك منك لا أنت ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها فكأنه حال البعد فإن قلت و ما البعد قلنا الإقامة على المخالفات و قد يكون البعد منك و تختلف باختلاف الأحوال فيدل على ما يعطيه قرائن الأحوال و كذلك القرب‏ فإن قلت و ما القرب قلنا القيام بالطاعة و قد يطلق على حقيقة قاب قوسين و هو قدر الخط الذي يقسم قطري الدائرة فيشقها بقسمين و هو غاية القرب المشهود و لا يدركه إلا صاحب إثبات لا صاحب محو فإن‏قلت فما المحو و ما الإثبات قلنا الإثبات إقامة أحكام العبادات و إثبات المواصلات و أما المحو فرفع أوصاف العادة و إزالة العلة و هو أيضا ما ستره الحق و نفاه و عنه يكون الذوق‏ فإن قلت و ما الذوق قلنا أول مبادي التجلي المؤدي إلى الشرب‏ فإن قلت و ما الشرب قلنا الوسط من التجلي من مقام يستدعي الري و قد يكون من مقام لا يستدعي الري و قد يكون مزاج الشارب لا يقبل الري‏ فإن قلت و ما الري قلنا غايات التجلي في كل مقام فإن كان المشروب خمرا أدى إلى السكر فإن قلت و ما السكر قلنا غيبة بوارد قوي مفرح يكون عنه صحو في الكبير فإن قلت فما الصحو قلنا رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قوي‏ فإن قلت و ما الغيبة قلنا غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لشغل الحس بما ورد عليه من الحضور فإن قلت و ما الحضور قلنا حضور القلب بالحق عند غيبته فيتصف بالفناء فإن قلت و ما الفناء قلنا فناء رؤية العبد فعله بقيام الله على ذلك و هو شبه البقاء فإن قلت و ما البقاء قلنا رؤية العبد قيام الله على كل شي‏ء من عين الفرق‏ فإن قلت و ما الفرق قلنا إشارة إلى خلق بلا حق و قيل مشاهدة العبودة و هو نقيض الجمع‏ فإن قلت و ما الجمع قلنا إشارة إلى حق بلا خلق و عليه يرد جمع الجمع‏ فإن قلت و ما جمع الجمع قلنا الاستهلاك بالكلية في الله عند رؤية الجمال‏ فإن قلت و ما الجمال قلنا نعوت الرحمة و الألطاف من الحضرة الإلهية باسمه الجميل و هو الجمال الذي له الجلال المشهود في العالم‏ فإن قلت و ما الجلال قلنا نعوت القهر من الحضرة الإلهية الذي يكون عنده الوجود فإن قلت و ما الوجود قلنا وجدان الحق في الوجد فإن قلت و ما الوجد قلنا ما يصادف القلب من الأحوال المغنية له عن شهوده و إن تقدمه التواجد فإن قلت و ما التواجد قلنا استدعاء الوجد و إظهار حالة الوجد من غير وجد لأنس يجده صاحبه‏ فإن قلت و ما الأنس قلنا أثر مشاهدة جمال الحضرة الإلهية في القلب و هو جلال الجمال فإنه لا يكون عنه الهيبة فإن قلت و ما الهيبة قلنا هي مشاهدة جمال الله في القلب و أكثر الطبقة يرون الأنس و البسط من الجمال و ليس كذلك‏ فإن قلت و ما البسط قلنا هو عندنا من يسع الأشياء و لا يسعه شي‏ء و قيل هو حال الرجاء و قيل هو وارد توجبه إشارة إلى قبول و رحمة و أنس و هو نقيض القبض‏ فإن قلت و ما القبض قلنا حال الخوف في الوقت و وارد يرد على القلب توجبه إشارة إلى عتاب و تأديب و قيل أخذ وارد الوقت و هاتان الحالتان قد توجدان لأهل المكان‏ فإن قلت و ما المكان قلنا منزلة في البساط لا تكون إلا لأهل الكمال الذين تحققوا بالمقامات و الأحوال و جازوها إلى المقام الذي فوق الجلال و الجمال فلا صفة لهم و لا نعت قيل لأبي يزيد كيف أصبحت قال لا صباح لي و لا مساء إنما الصباح و المساء لمن تقيد بالصفة و لا صفة لي و اختلف أصحابنا في هذا القول هل هو شطح أو ليس بشطح فإن المكان اقتضاه له‏ فإن قلت و ما الشطح قلنا عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة و دعوى و هي نادرة أن توجد من المحققين أهل الشريعة فإن قلت و ما الشريعة قلنا عبارة عن الأمر بالتزام العبودية الذي لا يكون معها عين التحكم‏ فإن قلت و ما عين التحكم قلنا تحدي الولي بما يريده إظهارا لمرتبته لأمر يراه فيزعجه‏ فإن قلت و ما الانزعاج قلنا أثر الواعظ الذي في قلب المؤمن و في أصحاب الأحوال التحرك للوجد و الأنس‏ فإن قلت و ما الحال قلنا هو ما يرد على القلب من غير تعمل و لا اجتلاب و من شرطه أن يزول و يعقبه المثل بعد المثل إلى أن يصفو و قد لا يعقبه المثل و من هنا نشأ الخلاف بين الطائفة في دوام الأحوال فمن رأى تعاقب الأمثال و لم يعلم أنها أمثال قال بدوامه و اشتقه من الحلول و من لم يعقبه مثل قال بعدم دوامه و اشتقه من حال يحول إذا زال و أنشدوا في ذلك‏

لو لم تحل ما سميت حالا و كل ما حال فقد زالا

و قد قيل الحال تغير الأوصاف على العبد فإذا استحكم و ثبت فهو المقام‏ فإن قلت و ما المقام قلنا عبارة عن استيفاء حقوق المراسم على التمام و غاية صاحبه أن لا مقام و هو الأدب‏ فإن قلت و ما الأدب قلنا وقتا يريدون به أدب الشريعة و وقتا أدب الخدمة و وقتا أدب الحق فأدب الشريعة الوقوف عند مراسمها و هي حدود الله و أدب الخدمة الفناء عن رؤيتها مع المبالغة فيها برؤية مجريها و أدب الحق أن تعرف ما لك و ما له و الأديب من كان بحكم الوقت أو من عرف وقته‏ فإن قلت و ما الوقت قلنا ما أنت به من غير نظر إلى ماض و لا إلى مستقبل هكذا حكم أهل الطريق‏ فإن قلت و ما الطريق عندهم قلنا عبارة عن مراسم الحق المشروعة التي لا رخصة فيها من عزائم و رخص في أماكنها فإن الرخص في‏أماكنها لا يأتيها إلا ذو عزيمة فإن كثيرا من أهل الطريق لا يقول بالرخص و هو غلط فإنه يفوته محبة الله في إتيانها فلا يكون له ذوق فيها فهو كمثل الذي يقضي و لا يتنفل دائما و هو غاية الخطاء بل المشروع أن يتطوع فإن نقصت فرائضه كملت له من تطوعه و هو النوافل و إن لم ينتقص منها شيئا كانت له نوافل كما نواها و يحصل له ذوق محبة الله إياه من أجلها فقد أبطل شرع الله من لم تكن هذه حاله فإنه إن كانت فريضته تامة لم يجز قضاؤها فقد شرع ما لم يشرع له و لم يأذن به الله و أن الله ما يكتبها له نافلة فإنه ما نواها و قد أساء الأدب مع الله حيث سماها الله تطوعا و قال هذا قضاء فلا يحصل له ثمرة النوافل لأنها غير منوبة و لا ورد في ذلك شرع أنه يكتب له ما نواه قضاء نافلة هذا هو الطريق الذي يكون فيه سفر القوم‏ فإن قلت و ما السفر قلنا القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى بالذكر بحق أو بنفس كيف كان يسمى مسافرا فإن قلت و ما المسافر قلنا هو الذي سافر بفكره في المعقولات و هو الاعتبار في الشرع فعبر من العدوة الدنيا إلى العدوة القصوى و هو العامل السالك‏ فإن قلت و ما السالك قلنا هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه و هو العمل فكان له عينا قال ذو النون لقيت فاطمة النيسابورية فما ذكرت لها مقاما إلا كان ذلك المقام لها حالا و قد يحصل هذا للمراد و المريد فإن قلت و ما المراد و ما المريد قلنا المراد عبارة عن المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمر له فجاوز الرسوم كلها و المقامات من غير مكابدة و أما المريد فهو المتجرد عن إرادته و قال أبو حامد هو الذي صح له الأسماء و دخل في جملة المنقطعين إلى الله بالاسم و أما المريد عندنا فنطلقه على شخصين لحالين الواحد من سلك الطريق بمكابدة و مشاق و لم تصرفه تلك المشاق عن طريقه و الآخر من تنفذ إرادته في الأشياء و هذا هو المتحقق بالإرادة لا المراد فإن قلت و ما الإرادة قلنا لوعة في القلب يطلقونها و يريدون بها إرادة التمني و هي منه و إرادة الطبع و متعلقها الخط النفسي و إرادة الحق و متعلقها الإخلاص و ذلك بحسب الهاجس‏ فإن قلت و ما الهاجس قلنا الخاطر الأول و هو الخاطر الرباني الذي لا يخطئ أبدا و يسمونه السبب الأول و نقر الخاطر فهذا قد بينا لك ارتباط المقامات و المراتب بضرب من التناسب و تعلق بعضها ببعض و قليل من سلك في إيضاحها هذا المسلك و هذا مساق المسلسل في لغات العرب و هي طريقة غريبة أشار إليها إبراهيم بن أدهم و غيره رضي الله عنهم و بأن منها شرح ألفاظ اصطلاح القوم فحصل من ذلك منها فائدتان الواحدة معرفة ما اصطلحوا عليه و الثاني المناسبات التي بينهما و الله الموفق‏

(السؤال الرابع و الخمسون و مائة) ما تأويل أم الكتاب فإنه ادخرها من جميع الرسل له و لهذه الأمة الجواب الأم هي الجامعة و منه أم القرى و الرأس أم الجسد يقال أم رأسه لأنه مجموع القوي الحسية و المعنوية كلها التي للإنسان‏ و كانت الفاتحة أما لجميع الكتب المنزلة و هي القرآن العظيم أي المجموع العظيم الحاوي لكل شي‏ء و كان محمد صلى الله عليه و سلم قد أوتي جوامع الكلم فشرعه تضمن جميع الشرائع و كان نبيا و آدم لم يخلق فمنه تفرعت الشرائع لجميع الأنبياء عليهم السلام هم إرساله و نوابه في الأرض لغيبة جسمه و لو كان جسمه موجودا لما كان لأحد شرع معه و هو قوله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني‏ و قال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا و نحن المسلمون و علماؤنا الأنبياء و نحكم على أهل كل شريعة بشريعتهم فإنها شريعة نبينا إذ هو المقرر لها و شرعه أصلها و أرسل إلى الناس كافة و لم يكن ذلك لغيره و الناس من آدم إلى آخر إنسان و كانت فيهم الشرائع فهي شرائع محمد صلى الله عليه و سلم بأيدي نوابه فإنه المبعوث إلى الناس كافة فجميع الرسل نوابه بلا شك فلما ظهر بنفسه لم يبق حكم إلا له و لا حاكم إلا رجع إليه و اقتضت مرتبته أن تختص بأمر عند ظهور عينه في الدنيا لم يعطه أحد من نوابه و لا بد أن يكون ذلك الأمر من العظم بحيث أنه يتضمن جميع ما تفرق في نوابه و زيادة و أعطاه أم الكتاب فتضمنت جميع الصحف و الكتب و ظهر بها فينا مختصرة سبع آيات تحتوي على جميع الآيات كما كانت السبع الصفات الإلهية تتضمن جميع الأسماء الإلهية كلها و يرجع كل اسم إلهي إلى واحد منها بلا شك و قد فعل ذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني في كتاب الجلي و الخفي له فرد جميع الأسماء إليها و ما وجد من الأسماء الإلهية لصفة الكلام إلا الاسم الشكور و الشاكر خاصة و باقي الأسماء قسمها على الصفات فقبلتها حيث تتضمنها بلا شك فمنها ما ألحقه بالعلم و منها بالقدرة و سائر الصفات‏ فكذلك أم الكتاب ألحق الله بها جميع الكتب و الصحف المنزلة على الأنبياء نواب محمد صلى الله عليه و سلم فادخرها له و لهذه الأمة ليتميز على الأنبياء بالتقدم و أنه الإمام الأكبر و أمته التي ظهر فيها خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ لظهوره بصورته فيهم و كذلك القرن الذي ظهر فيهم خير القرون لظهوره فيه بنفسه و قبل ذلك و بعده بشرعه‏ فمن جمعية هذه الأمة أن جعل الله لأوليائها حظا في نعوت أهل البعد عن الله بطريق القربة فيقع الاشتراك في اللفظ و المعنى و يتغير المصرف كما قلنا في الحرص إنه مذموم فإذا حرصنا في طلب العلم و التقرب به إلى الله كان محمودا و هو بإطلاق اللفظ مذموم فإنه ما يستعمل مطلقا إلا في مذموم فإذا أريد به الحمد قيد فقيل حريص على الخير و هكذا الحسد يتعوذ منه مطلقا من غير تقييد فإنه بالإطلاق للذم و يستعمل في المحمود بالتقييد فلهذا جمع الله لأولياء هذه الأمة النظر في مثل هذا فحصلوا حظوظهم من أسماء الذم في الإطلاق حتى لا يفوتهم شي‏ء إذ كانوا الجامعين للمقامات كلها فلهم في كل أمر شرب و حظ

إذا جاء نعت أي نعت فرضتهلنا فيه حظ وافر ثم مشرب‏
سواء يكون النعت في ذم حالةو في حمدها فالكل للقوم مطلب‏
أ لست ترى أوصافه في نعوتناو أوصافنا نعت له لا يكذب‏
له فرح في حالة و تبششإلى ملل قد جاءنا و تعجب‏
و هزء نسيانه له و ترددو مكر و كيد كل ذاك مرتب‏
كما كان للعبد الجلال و مجدهو عز و تعظيم لديه مرغب‏
و هذا من أوصاف الإله فدبرواكلامي الذي قد قلت فيه و طنبوا
كذلك نعتي الأولياء مدحتهمبما ذم عرفا في الأنام فنقبوا
فمن أنكر العلم الذي قد شرحتهفليس هو الشخص العليم المقرب‏

فمنهم الحاسدون قال عليه السلام لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله علما فهو يبثه في الناس و رجل آتاه الله ما لا فهو ينفقه في سبيل البر فقام أهل النفوس الآبية التي تأبى الرذائل و تحب الفضائل و جماع الخير فقالوا لا ينبغي الحسد إلا في معالي الأمور و أعلى الأمور ما تعرف إلا بأربابها و رب الأرباب و ذو الصفات العلى و الأسماء الحسنى هو الله فيقال نتشبه به في التخلق بأسمائه ففعلوا و بالغوا و اجتهدوا إلى أن صاروا يقولون للشي‏ء كن فيكون و ذلك أقصى المراتب التي تمدح الله بها فلو لا الحسد ما تعمل القوم في تحصيل هذا المقام‏ و منهم الساحرون السحر بالإطلاق صفة مذمومة و حظ الأولياء منها ما أطلعهم الله عليه من علم الحروف و هو علم الأولياء فيتعلمون ما أودع الله في الحروف و الأسماء من الخواص العجيبة التي تنفعل عنها الأشياء لهم في عالم الحقيقة و الخيال فهو و إن كان مذموما بالإطلاق فهو محمود بالتقييد و هو من باب الكرامات و خرق العوائد و لكن لا يسمون سحرة مع أنه يشاهد منهم خرق العوائد فسمى ذلك في حقهم كرامة و هو عين السحر عند العلماء فقد كان سحرة موسى ما زال عنهم علم السحر مع كونهم آمنوا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى‏ و دخلوا في دين الله و آثروا الآخرة على الدنيا و رضوا بعذاب الله على يد فرعون مع كونهم يعلمون السحر و يسمى عندنا علم السيمياء مشتق من السمة و هي العلامة أي علم العلامات التي نصبت على ما تعطيه من الانفعالات من جمع حروف و تركيب أسماء و كلمات‏

فمن الناس من يعطي ذلك كله في بسم الله وحده فيقوم له ذلك مقام جميع الأسماء كلها و تنزل من هذا العبد منزلة كن و هي آية من فاتحة الكتاب و من هناك تفعل لا من بسملة سائر السور و ما عند أكثر الناس من ذلك خبر و البسملة التي تنفعل عنها الكائنات على الإطلاق هي بسملة الفاتحة و أما بسملة سائر السور فهي لأمور خاصة و قد لقينا فاطمة بنت مثنى و كانت من أكابر الصالحين تتصرف في العالم و يظهر عنها من خرق العوائد بفاتحة الكتاب خاصة كل شي‏ء رأيت ذلك منها و كانت تتخيل أن تلك يعرفه كل أحد و كانت تقول لي العجب ممن يعتاص عليه شي‏ء و عنده فاتحة الكتاب لأي شي‏ء لا يقرءوها فيكون له ما يريد ما هذا إلا حرمان بين و خدمتها و انتفعت‏بها و منهم الكافرون و هم الساترون مقامهم مثل الملامية و الكفار الزراعون لأنهم يسترون البذر في الأرض و ذلك أن أهل الأنس و الجمال و الرحمة إذا نظروا في القرآن و في الأشياء كلها لم تقع عينهم إلا على حسن و جمال لا على غير ذلك كان ذلك ما كان و إذا قرءوا القرآن لم يقم لهم من صور الممقوتين إلا ما تتضمنه من مصارف الحسن فعلى ذلك تقع أعينهم و ذلك يشهدهم الحق من تلك الآية التي وصف الله بها من مقته من عباده لقيام تلك الصفة به على حد مطلقها فيأخذون من كل صفة ما يليق بهم في طريقهم فيصرفون ذلك إليهم بالوجه الأحسن فيتنعمون بما هو عذاب عند غيرهم و الصورة واحدة و المتصور مختلف منها لاختلاف الناظرين فلكل منظر عين تخصه فالكافر من ختم الله عَلى‏ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى‏ بَصَرِهِ غِشاوَةً و الكافر من الأولياء من كان ختم الحق على قلبه لأنه اتخذه بيته‏ فقال ما وسعني أرضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي‏ و الله غيور فلا يريد أن يزاحمه أحد من خلقه فيه كما ختم الحرم فلم يحل لأحد قتل صيده و لا قطع شجره فإن الله لا ينظر إلا إلى قلب العبد فلما ختم الله على قلب هذا العبد لم يدخل في قلبه سوى ربه و ختم على سمعه فلا يصغي إلى كلام أحد إلا إلى كلام ربه ف هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ و عَلى‏ بَصَرِهِ غِشاوَةً و هي غطاء العناية فلا ينظرون إلى شي‏ء إلا و لهم فيه آية تدل على الله فكان هذا الحفظ غشاوة تحول بين أعينهم و بين النظر من غير دلالة و لا اعتبار و حالت بينهم و بين ما لا ينبغي أن ينظر إليه فهي غشاوة محمودة وَ لَهُمْ عَذابٌ من العذوبة عَظِيمٌ يعني عظيم القدر فإن العذاب إنما سماه الله بهذا الاسم إيثارا للمؤمن فإنه يستعذب ما يقوم بأعداء الله من الآلام فهو عذاب بالنظر إلى هؤلاء و منهم الصم البكم العمي الذين لا يَعْقِلُونَ و لا يَرْجِعُونَ فهم صُمٌّ عن سماع ما لا يحل سماعه و عن سماع كل كلام غير كلام سيدهم بُكْمٌ أي خرس فلا يتكلمون بما لا يرضى سيدهم كما كان أولئك بكم عن الكلام بذكر الله فاختلف المصرف و صح الوصف عُمْيٌ فلا تقع عينهم على غير الله فاعلا في الأشياء و كل واحد من الأولياء على قدر مقامه في ذلك من المعرفة بالله فإنهم تختلف مأخذهم في المحمود من ذلك و لا يتسع الوقت لتفصيل ذلك و حصلت الفائدة بالتنبيه على اليسير من ذلك فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ إلا إلى الله و لا يَعْقِلُونَ إلا عن الله لا يرجعون إلى المصارف المذمومة من هذه الصفات حيث وصف بها الأشقياء من عباده فهم لا يعقلون من هذه الصفات سوى ما يحمد منها في صرفه فهي كل صفة بحقيقتها في كل موصوف بها و اختلفوا في المصرف فلم يكن اتصافهم بها مجازا بل هو حقيقة و منهم الظالمون قال تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا من عِبادِنا و المصطفى هو الولي ثم قال في المصطفين فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ و هو أن يمنعها حقها من أجلها أي الحق الذي لك يا نفسي علي في الدنيا يؤخره لك إلى الآخرة و بادر هنا إلى الكد و الاجتهاد و خذ بالعزائم و اجتنب الميل إلى الرخص و هذا كله حق لها فهو ظالم لنفسه نفسه من أجل نفسه و لهذا قال فيمن اصطفاه فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ أي من أجل نفسه ليسعدها فما ظلمها إلا لها و منهم الساهون و هم الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ بصلاة الله بهم فهم يرون أن نواصيهم بيد الله يقيمهم فيها و يركع بهم و يسجد بهم و يقرأ بهم و يكبر بهم و يسلم بهم لأنه سمعهم و بصرهم و لسانهم و يدهم و رجلهم كما ورد في الخبر و من كان هذا مشهده و حاله فهو عن صلاته ساه فإنه لم يقل عن الصلاة فإنه ليس بساه عن الصلاة و إنما سهوهم عن إضافة الصلاة إليهم فلهذا اعتبروا قوله عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ و الويل الذي لهم إنما هو بالنظر لمن جمع في نظره بين صلاته و صلاة الله به فإنه الأكمل فإذا قست بين الرجلين في هذين المقامين الكبيرين نقص أحدهما ما كان خيرا في حق الآخر الجامع لهما فيكون ذلك النقص ويلا له بالإضافة حسنات الأبرار سيئات المقربين‏ و جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها و منهم المراؤون الذين يُراؤُنَ النَّاسَ و هم الذين يفعلون الفعل ليقتدي بهم فيه علماء هذه الأمة يعلمون الناس بالفعل يقصدون تعليمهم إذ كان الفعل أتم عند الرأي من القول كما قال عليه السلام صلوا كما رأيتمونى أصلي‏ مع كونه وصف الصلاة لهم و مع هذا كله صلى على المنبر ليراه الناس فيقتدوا به و هكذا في كل ما يمكن من الأعمال هذا حظ الأولياء من الرياء في الأفعال المقربة إلى الله‏ و منهم المانعون الماعون و حظهم من هؤلاء أن يحجبوا الناس عن رؤية الأسباب ليصرفوا نظرهم إلى مسببها فلا معين إلا الله قيل لهم قولوا وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لا بالماعون و منهم الهمازون اللمازون و هم العيابون و أولياء الله يطلعون كل شخص على عيوب‏النفس إذ كان لا يشعر كل أحد بذلك فإذا أخذ العارف يصف عيوب النفوس في حق كل طائفة من أصحاب المراتب كالسلطان و ما يتعلق بمرتبته من العيوب و القاضي و جميع الولاة و عيوب نفوس الزهاد و الصالحين و العوام فيعرف كل طائفة عيبها بعد ما كان مستورا عنها هذا حظهم من الهمز و اللمز و منهم الفاسقون الناقضون القاطعون المفسدون الفاسقون الخارجون عن الصفات التي تحول بينهم و بين السعادة و القربة إلى الله فهم يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله من بَعْدِ مِيثاقِهِ و ذلك أنهم يعهدون مع الله أن يطيعوه فإذا حصلوا في مقام التقريب و الكشف رأوا أن الله هو العامل بهم وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ فرأوا أنهم لا حول لهم و لا فعل و لا قول فنقضوا عهد الله برده إليه سبحانه لأنه ما انعقد ذلك إلا مع فاعل يفعله و رأوا مشاهدة أن الله هو الفاعل لذلك فلم يقع العهد في نفس الأمر إلا من الله بين الله و بين نفسه فعلموا أن الحجاب أعماهم عن هذا الإدراك في حين أخذ العهد و أن العهد إنما يلزم لأهل الحجاب فانتقض عهدهم و الأعمال تجري منهم بالله و هم لا يرونها فهم المعصومون في أعمالهم عن إضافتها إليهم و كذلك في قطعهم ما أمرهم الله أن يصلوه من أرحامهم فقال عليه السلام الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله فوصلوها بالرحمن و ردوا القطعة إلى موضعها فشاهدوا الرحمن يمتن عليهم و خرج هؤلاء من الوسط و امتثلوا قول الشارع بصلة الرحم فأخذها الناس على صلة القرابة بالمال و يأخذ هؤلاء على صلة القربى إلى الله فهم يدلون أرحامهم على أصلهم و هو الرحمن و يرون في إعطائهم الصلات يد الله معطية و يد الله آخذة فإنها شجنة من الرحمن فالعطاء منه و الأخذ منه فانقطع هؤلاء عن صلة الرحم بالمال لأنهم لا يد لهم مع غاية الإحسان في الشاهد و الناس لا يشعرون و كذلك قوله وَ يُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ و فساد دنياهم هو فسادهم في الأرض لأن الجنة في السماء و في هذا الفساد صلاح آخرتهم في السماء فيصومون و يسهرون و يحملون الأثقال الشاقة و هذا كله من فساد أرض أجسامهم لما طرأ عليها من النحول و الذبول و الضعف و هذا كله وصف أهل الشقاء في الكتاب فقال فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ثم وصفهم الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله من بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ الله به أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ‏ و منهم الضالون و هم التائهون الحائرون في جلال الله و عظمته كلما أرادوا أن يسكنوا فتح لهم من العلم به ما حيرهم و أقلقهم فلا يزالون حيارى لا ينضبط لهم منه ما يسكنون عنده بل عقولهم حائرة فهؤلاء هم الضالون الذين حيرهم التجلي في الصور المختلفة و منهم المضلون قال تعالى وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً و هو في الاعتبار الذين أظهروا لأتباعهم من المتعلمين طريق الحيرة في الله و العجز عن معرفته و أنه بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مع كونه خاطب عباده بالعمل و هو العامل بهم لا هم فلما نبهوا الناس على ما يقتضيه جلال الله من الإطلاق و عدم التقييد كانوا مضلين أي محيرين من أجل ما حيروا الخلق في جلال الله فقال تعالى ما جعلناهم محيرين عضدا يعتضد بهم في تحييرهم بل أنا محيرهم على الحقيقة لا هم مع كونهم لهم أجر ما قصدوه و الدليل على أني محيرهم لا هم و لا اتخذتهم عضدا أن من الناس من يقبل منهم و من الناس من لا يقبل و لو كان الأمر بأيديهم لأثروا في الكل القبول فلما كان الأمر بيدي لا بأيديهم جعلت القبول في البعض دون البعض فقبلوا الحيرة في فإنا كنت محيرهم لا هم فعلى هذا يعتبر قوله وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً بل لناجرهم على ذلك‏ و منهم الكاذبون و هم الذين يقولون صلينا و سمعنا و أطعنا و قيل لهم يَقُولُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا و غير ذلك مما يدعونه من أعمال البر المأمور بها شرعا و هم يعلمون أن الأمور بيد الله و أنه لو لا ما أجرى الله العمل على أيديهم ما ظهر و لو لا أن الله قال لهذا العمل كن في هذا المحل ما كان و هم مع ذلك يضيفونه إلى أنفسهم فهم كاذبون من هذا الوجه و هكذا يسرى في سائر الأعمال‏ و منهم المكذبون و هي الطائفة التي ترى هؤلاء المدعين في أعمالهم ممن يراها أنها أعمالنا و ممن يراها أنها من الله و لكن يدعونها و هم كاذبون فتكذبهم هذه الطائفة في دعواهم و إضافتهم ذلك إليهم فيقال فيهم مكذبون و الكامل من يضيف الأعمال على حد ما أضافها الحق و يزيلها عن الإضافة على حد ما أزالها الحق من علمه بالمواطن فمن نقص عن هذا النظر و كذب المدعين في كل حال فقد نقصه هذا الأدب مع كونه جليل القدر فهذا النقص يعبر عنه بالويل في حقه الذي في العموم للمكذبين فإنه يقول يوم القيامة إذا رأى ما فاته في تكذيبه من المواطن التي كان ينبغي له أن يقرر فيها إضافة العمل إليهم فلم يفعل يا ويلنا لم لم أحقق النظر في ذلك حتى‏أفوز بعلم الأدب الذي هو جماع الخير فيدخل تحت عموم قوله فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي يقولون يا وَيْلَتى‏ و يا حَسْرَتى‏ و إن كانوا سعداء فإنه يَوْمُ التَّغابُنِ‏ و منهم الفجار فإنهم في سجين من السجن و هم الذين حبسوا نفوسهم و سجنوها عن التصرف فيما منعوا من التصرف فيه و لا يقع التفجير إلا في محبوس عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ الله يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً فهم الفجار جاءوا عيون المعارف التي سدها الله في العموم لكون الفطر أكثرها لا تسعد بتفجيرها لما يؤدي إليه بالنظر الفاسد من الإباحة و القول بالحلول و غير ذلك مما يشقيهم فجاءت هذه الطائفة إلى المعنى ففجرت هذه العيون لأنفسها فشربت من مائها فزادت هدى إلى هداها و بيانا إلى بيانها فسعدت و طالت و عظمت سعادتها فهذا حظ الأولياء من الفجور الذي سموا به فجار أو على هذا الأسلوب نأخذ كل صفة مذمومة بالإطلاق فتقيدها فتكون محمودة و نضع عليك اسما منها كما يسمى صاحب إطلاقها فلتتبع الكتاب العزيز و السنة في ذلك و اعمل بحسبها فإنه يعطيك النظر فيها من حيث ما وصف بها الأشقياء ما لا يعطيك من حيث ما وصف بنقيضها الأتقياء فاجعل بالك و هذا كله من بركة أم الكتاب فإنه مثل هذا النظر ما فتح لأمة من الأمم و عصمت فيه إلا لهذه الأمة و أعظم صفة في الذم الشرك‏ و منهم المشركون بالله قال تعالى إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به و كذا هو لأنه لو ستر لم يشرك به و هذا الاسم الله هو الذي وقع عليه الشرك فيما يتضمنه فشاركه الاسم الرحمن قال تعالى قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فجعل للاسم الله شريكا في المعنى و هو الاسم الرحمن فالمشركون هم الذين وقعوا على الشركة في الأسماء الإلهية لأنها اشتركت في الدلالة على الذات و تميزت بأعيانها بما تدل عليه من رحمة و مغفرة و انتقام و حياة و علم و غير ذلك و إذ كان للشرك مثل هذا الوجه فقد قرب عليك مأخذ كل صفة يمكن أن تغفر فلا تجزع من أجل الشريك الذي شقي صاحبه فإن ذلك ليس بمشرك حقيقة و أنت هو المشرك على الحقيقة لأنه من شأن الشركة اتحاد العين المشترك فيه فيكون لكل واحد الحكم فيه على السواء و إلا فليس بشريك مطلق و هذا الشريك الذي أثبته الشقي لم يتوارد مع الله على أمر يقع فيه الاشتراك فليس بمشرك على الحقيقة بخلاف السعيد فإنه أشرك الاسم الرحمن بالاسم الله و بالأسماء كلها في الدلالة على الذات فهو أقوى في الشرك من هذا فإن الأول شريك دعوى كاذبة و هذا أثبت شريكا بدعوى صادقة فغفر لهذا المشرك بصدقه فيه و لم يغفر لذلك المشرك لكذبه في دعواه فهذا أولى باسم المشرك من الآخر

(السؤال الخامس و الخمسون و مائة) ما معنى المغفرة التي لنبينا و قد بشر النبيين بالمغفرة الجواب الغفر الستر فستر عن الأنبياء عليهم السلام في الدنيا كونهم نوابا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و كشف لهم عن ذلك في الآخرة إذ قال أنا سيد الناس يوم القيامة فيشفع فيهم صلى الله عليه و سلم أن يشفعوا فإن شفاعته صلى الله عليه و سلم في كل مشفوع فيه بحسب ما يقتضيه حاله من وجوه الشفاعة فبشر النبيين بالمغفرة الخاصة و بشر محمدا صلى الله عليه و سلم بالمغفرة العامة و قد ثبتت عصمته فليس له ذنب يغفر فلم يبق إضافة الذنب إليه إلا أن يكون هو المخاطب و القصد أمته كما قيل‏ إياك أعني فاسمعي يا جارة و كما قيل له فَإِنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ من قَبْلِكَ و معلوم أنه ليس في شك فالمقصود من هو في شك من الأمة و كذلك لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و قد علم أنه لا يشرك فالمقصود من أشرك فهذه صفته فكذلك قيل له لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و هو معصوم من الذنوب فهو المخاطب بالمغفرة و المقصود من تقدم من آدم إلى زمانه و ما تأخر من الأمة من زمانه إلى يوم القيامة فإن الكل أمته‏ فإنه ما من أمة إلا و هي تحت شرع من الله و قد قررنا إن ذلك هو شرع محمد صلى الله عليه و سلم من اسمه الباطن حيث كان نبيا و آدم بين الماء و الطين و هو سيد النبيين و المرسلين فإنه سيد الناس و هم من الناس و قد تقدم تقرير هذا كله فبشر الله محمدا صلى الله عليه و سلم بقوله لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ بعموم رسالته إلى الناس كافة و كذلك قال إنا أرسلناك إلى الناس كافة و ما يلزم الناس رؤية شخصه فكما وجه في زمان ظهور جسمه رسوله عليا و معاذا إلى اليمن لتبليغ الدعوة كذلك وجه الرسل و الأنبياء إلى أممهم من حين كان نبيا و آدم بين الماء و الطين فدعا الكل إلى الله‏فالناس أمته من آدم إلى يوم القيامة فبشره الله بالمغفرة لما تقدم من ذنوب الناس و ما تأخر منهم فكان هو المخاطب و المقصود الناس فيغفر الله للكل و يسعدهم و هو اللائق بعموم رحمته التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و بعموم مرتبة محمد صلى الله عليه و سلم حيث بعث إلى الناس كافة بالنص و لم يقل أرسلناك إلى هذه الأمة خاصة و لا إلى أهل هذا الزمان إلى يوم القيامة خاصة و إنما أخبره أنه مرسل إلى الناس كافة و الناس من آدم إلى يوم القيامة فهم المقصودون بخطاب مغفرة الله لما تقدم من ذنب و ما تأخر وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ لكن ثم مغفرة في الدنيا و ثم مغفرة في القبر و ثم مغفرة في الحشر و ثم مغفرة في النار بخروج منها و بغير خروج لكن يستر عن العذاب أن يصل إليه بما يجعل له من النعيم في النار مما يستعذ به فهو عذاب بلا ألم‏ و قد انتهت سؤالاته رضي الله عنه و انتهى ما ذكرناه من الأجوبة عليها من غير استيفاء و ما تركناه من ذلك في الجواب أكثر مما أوردنا بما لا يتقارب فإن الاختصار أولى من الإكثار إذ باب النطق و الإبانة عن حقائق الأمور لا يتناهى فإن علم الله أوسع فتعليمه لنا لا يقف عند حد و الله الموفق لا رب غيره انتهى الجزء الحادي و التسعون

(بسم الله الرحمن الرحيم)