قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الرابع و السبعون في التوبة شعر)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الاعتراف متاب كل محققو به الإله الحق يشرح صدره‏
رضي الإله عن المخالف مثل مارضي الإله عن الموافق أمره‏
ما ذا كثير أن ينال منالهلا سيما إن كنت تعرف سره‏
من عين منته ينال مخالفما ناله إن كنت تجهل قدره‏

اعلم أيدنا الله و إياك أن الله يقول وَ تُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فأمر بالتوبة عباده ثم لقنهم الحجة لو خالفوا أمره فقال تعالى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ليقولوا إذا سألوا ذلك أي لو تبت علينا لتبنا مثل قوله تعالى ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ليقول كرمك فهذا من باب تعليم الخصم الحجة خصمه ليحاجه بذلك إذا كان محبوبا و جاء بلفظة الإنسان بالألف و اللام و الإغرار ليعم جميع الناس فهذا مما يدلك على إن إرادة الحق بهم السعادة في المال و لو نالهم ما نالهم مما يناقضها غير أن توبة الله مقرونة بعلي لأن من أسمائه الاسم العلي و توبة الخلق مقرونة بإلى لأنه المطلوب بالتوبة فهو غايتها و اجتمع الحق و الخلق في من من التوبة فهم رجعوا إليه من أنفسهم و العارفون رجعوا إليه منه و العلماء بالله رجعوا إليه من رجوعهم إليه و أما العامة فإنها رجعت من المخالفات إلى الموافقة و الحق عز و جل رجع إليهم من كناية إن يخذلكم ليرجعوا إليه بحسب ما تقتضيه مقاماتهم التي فصلناها آنفا فرجوع الحق عليهم ليرجعوا إليه مثل قوله يحبهم و يحبونه فرجوعه عليهم رجوع عناية محبة أزلية ليتوبوا فإذا تابوا أحبهم حب من رجع إليه فهو حب جزاء قال تعالى إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ فهذا الحب منه ما هو الأول و للعبد حب آخر زائد على قوله وَ يُحِبُّونَهُ و هو أنه‏ قال صلى الله عليه و سلم أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه‏ فهذا حب جزاء المنعم لما أنعم به عليهم فهذا الحب منهم في مقابلة إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ حب جزاء لحب جزاء و الأول حب عناية منه ابتداء و حبهم إياه حب إيثار لجنابه لا حب آلاء و نعم فالتوبة منهم عن محبة منتجة لمحبة أخرى منه فهي بين محبتين متعلقتين بهم من الله كتوبته عليهم عن محبة منهم تنتج محبة أخرى منهم فتوبته عليهم بين محبتين أيضا و هذا من باب خلق الله آدم على صورته أي جميع ما تقبله الحضرة الإلهية من الصفات يقبلها الإنسان الصغير و الكبير و حدها ترك الزلة في الحال و الندم على ما فات و العزم على أنه لا يعود لما رجع عنه و يفعل الله بعد ذلك ما يريد فأما ترك الزلة في الحال فلا بد منه لأن سلطان وقته الحياء و الحياء يحول بسلطانه بين من قام به و بين تعدى حدود الله و من أسماء الله تعالى المذكور في السنة الحي و أن الله يستحيي يوم القيامة من ذي الشيبة فحياء الله من العبد إنه قد أعلمه أنه سبحانه لا يتوبون إليه حتى يتوب عليهم فإذا وقف المخذول الذي لم يتب الله عليه فلم يتب إليه و كان في حال وقوفه بين يديه يوم القيامة ذاكرا في نفسه هذه الآية ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا استحيا الله منه أن يؤاخذه بذنب كما إن العبد يستحيي من الله في حال توبته إلى الله أن يقع منه زلة و هو في هذا الحال فإنه ليس بتائب في تلك الحال و نحن تكلمنا في التائب فالحياء له لازم و الحياء يقتضي ترك الزلة في الحال و من ترك الزلة في الحال للتائب إذا كان عارفا هو ترك نسبتها إلى ربه فينسبها إلى نفسه أدبا مع الله و في نفس الأمر الفعل فعل الله و القدر من الله و الحكم بكونها معصية و زلة حكم الله و مع هذا فالأدب يقول له انسبها إلى نفسك لما تعلق بها لسان الذم و لهذا قال في حد النفس كل خاطر مذموم و الأصل فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها و من العلماء بالله من يكون ترك الزلة في الحال عندهم أن لا يشهدوا أنها زلة و هو عين قضاء الله فيها لأنه الذي حكم أنها زلة و من حيث إنها فعل من أفعال الله فهي في غاية الحسن و الجمال و إنما سميت زلة من زل إذا زلق أي زلت من نسبة كونها من أفعال الله إلى حكم الله فيها بالذم فحكم الله فيها بالزلل عن هذه المرتبة فاعلم و من العلماء بالله من يكون ترك الزلة في حقه أن يشهد الزلة في ذلك الفعل من كونها زلة لا من كونها فعلا يتعلق به الذم أو الحمد فيشهد نسبتها للعبد التي بها سميت زلة ثم يتبعها الذم و إن كان كل فعل إلهي نسب إلى العبد من هذا الباب فجميع الأفعال الكونية كلها زلل محمودها و مذمومها و من الناس من يكون ترك الزلة في الحال في حقه شغله برجوعه إلى ربه و الذلة رجوعه عن ربه فهو في النقيض و من هو في النقيض بالحال لا يكون في نقيضه فبالضرورة لا يكون له في هذه الحال زلة و من الناس من يكون ترك الزلة في الحال في حقه هو شغله بشهوده رجوع الحق عليه ليرجع إليه ليفرق ما بين رجوعه عليه ليرجع إليه و بين رجوع آخر لا ليرجع إليه ليميز بين الرجوعين ليقيم على نفسه ميزان ما يجب عليه في ذلك من الله من عمل من الأعمال من ذكر بلسان أو قلب أو عمل بجارحة أو المجموع أو بعض المجموع و من كان بهذه المثابة من الشغل فلا تقوم به زلة في الحال و من الناس من يكون ترك الزلة في الحال في حقه أن يشهد رجوع الحق إليه لا ليميز و لا ليرجع إليه بل ليعلم حقيقة معنى الرجوع الإلهي لما ذا ينسبه هل إلى الذات أو لاسم إلهي و ما سبب ذلك الرجوع هل هو ذاتي أو غير ذاتي أو لا نسبة له إلى الذات فهذه الوجوه و أمثالها مما يطلبه ترك الزلة في الحال‏ و أما الركن الثاني و هو الندم على ما فات و هو عند الفقهاء الركن الأعظم بمنزلة قوله الحج عرفة لأنه الركن الأعظم و هنا تتشعب أمور كثيرة في التائبين ميم الندم منقلبة عن باء مثل لازم و لازب و هو أثر حزنه على ما فاته يسمى ندما و الندب الأثر فقلبت ميما و جعلت لأثر الحزن خاصة و أما تعلقه بالفوات فمن أصحابنا من رأى أنه تضييع للوقت فإنه ما فات لا يسترجع و من أصحابنا من يرى أنه صاحب الوقت و أن فائدته أن يجبر له ما مضى و يحتج بقوله إِلَّا من تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ و من أصحابنا من يرى أنه لا يندم إلا بإحضاره في نفسه ذنبه الحائل بينه و بين ما فاته من طاعة أمر ربه عز و جل و ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء فينبغي له أن ينسى ذنبه و هو خلاف الأول فإنه قال التوبة أن لا تنسى ذنبك و الكلام فيما فاته فمنهم من يندم على ما فاته من الاستغفار في عقب كل ذنب و منهم من يرى الندم على ما فاته من الوقت و من الناس من يرى الندم على ما فاته من الطاعة في وقت المخالفة و من الناس من يرى الندم على ما فاته من فعل الكبائر في وقت المخالفة لأنه يشاهد التبديل كل سيئة بما يوازنها من الحسنات كقتل نفس بإحياء نفس و ذم بمحمدة و صدقة بغصب أو سرقة أو خيانة و من الناس من يرى الندم على ما فاته من الحضور مع الله في قضائه بالمعصية في حال المعصية و من الناس من يرى الندم على ما فاته من إضافة ذلك الفعل إلى الفاعل في حال الفعل‏ و هو نور عظيم شعشعاني حجابه أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فقرن به السوء لما أضافه إليه فرآه حسنا و لا بد من حضرة وجودية هي التي أوجبت له الحسن الذي رآه محل الفعل إذ العدم لا يراه الممكن و ما ثم حسن إلا كونه من أفعال الله و ما أساءه إلا إضافته إلى العبد فإنه قال أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ بكونه لربه سُوءُ عَمَلِهِ من كونه عمله فكسبه السوء فَرَآهُ حَسَناً بالتزيين الإلهي و زينة الله غير محرمة فهو في نفس الأمر مزين بزينة الله و عند العبد بحسب ما يحضر فيه فإن حضره تزيين الشيطان فهو سوء على سوء و إن حضره تزيين الحياة الدنيا فهو غفلة في سوء و إن حضرة تزيين الله و الإضافة إلى العبد فهو حسن في سوء فإن أخذ إضافة السوء إلى العمل أدبا إلهيا فهو حسن في حسن‏

كل شي‏ء أنت فيه حسن لا يبالي حسن ما لبسا

من‏ثوب مخالفة أو موافقة فإنك إن لم توافق الأمر وافقت الإرادة و لو لا ما بين السيئ و الحسن مناسبة تقتضي جمعهما في عين واحدة يكون بها حسنا سيا ما قبل التبديل في قوله يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ و لا كان يتصف سوء العمل بالحسن في رؤيته فما اتصف بالحسن عنده حتى قبل العمل صفة الحسن في وجه من الوجوه الوجودية فهو سوء بالخبر حسن بالرؤية فكان الرؤية لا تصدق الخبر و شاهد الرؤية أقطع‏

و لكن للعيان لطيف معنى لذا سأل المعاينة الكليم‏

و الناس يطلبون أن يصدق الخبر الخبر و الخبر الرؤية و لم نر أحدا يطلب أن يصدق الخبر الرؤية كما يصدق الخبر الخبر و لهذا اختلف في شهادة الأعمى و لم يختلف في شهادة صاحب البصر و لهذا قال في الآية فَإِنَّ الله يُضِلُّ من يَشاءُ أي يحيره في مثل هذا حيث وصفه بالسيئ و الحسن فلا يدري المكلف ما يغلب و بقوله زين بنية ما لم يسم فاعله فلا يدري من زينه هل تزيين الله أو تزيين الشيطان أو تزيين الحياة الدنيا ثم قال وَ يَهْدِي من يَشاءُ أي يوفق للاصابة في معنى السوء و الحسن لهذا العمل ما معناه و كيف ينبغي أن يأخذه فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ أي فلا تكترث لهم حسرة عليهم فهي بشرى من الله بسعادة الجميع فإنه ما حيل بينه صلى الله عليه و سلم و بين إنسانيته فهو إنسان في كل حال و لا تزول الحسرات عنه و هو إنسان كامل إلا باطلاعه على سعادتهم في المال فلا يبالي من العوارض فإن السوء للعمل عارض بلا شك و الحسن له ذاتي و كل عارض زائل و كل ذاتي باق لا يبرح فَإِنَّ الله خبير أي عَلِيمٌ عن ابتلاء بِما يَصْنَعُونَ من كل ما يظهر فيكم من الأفعال و عنكم‏ و في هذا الركن أيضا في قوله ما فات من فات فلان فلانا جودا إذا أربى عليه في الجود و زاد فهذا يرى الندم في التوبة على ما فات أي ما زاد حسن السيئة المبدلة على حسن الحسنة غير المبدلة فإن حسن الحسنة بنفسها لا بأمر آخر و حسن السيئة إذا أبدلت لها حسنان حسن ذاتي و هو الحسن الذي لكل فعل من حيث ما هو لله و حسن زائد و هو ما خلع الحق على هذا الفعل بالتبديل فكسا ما ظهر فيه من السوء حسنا ففات سوء العمل حسن على حسن العمل بما كساه الحق فالحسنة كشخص جميل في غاية الجمال لا بزة عليه و شخص جميل مثله في غاية الجمال طرأ عليه وسخ من غبار فنظف من ذلك الوسخ العارض فبان جماله ثم كسي بزة حسنة فاخرة تضاعف بها جماله و حسنه ففات الأول حسنا فالتائب يندم على ما فات حيث لم تكن أفعاله كلها معلومة له إنها بهذه المثابة فيتصل فرحه قال في هذه الآية وَ كانَ الله غَفُوراً أي يستر عمن شاء الوقوف على مثل هذا كشفا رَحِيماً رحمة به لمعنى علمه سبحانه لم يعينه لنا فندم مثل هذا الذي هو أثر الحزن مثل ما يجده المحب على محبوبه من الوجد و الحزن و الكرب و الندم على ما فرط في حق محبوبه الذي زين له فكان يتلقاه بأعظم مما تلقاه من الحرمة و الحشمة يقول لسان آدم‏

فيا طاعتي لو كنت كنت بحسرة و معصيتي لولاك ما كنت مجتبى‏

قال تعالى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ فالله كان التائب لا آدم و الذي صدر من آدم ما اقتضته خاصية الكلمات التي تلقاها و ما فيها ذكر توبة و إنما هو مجرد اعتراف و هو قوله رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا حيث عرضوها إلى التلف و كان حقها عليهم أن يسعوا في نجاتها بامتثال نهي سيدهم وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا أي و إن لم تسترنا عن وارد المخالفة حتى لا يحكم سلطانه علينا و ترحمنا بذلك الستر لَنَكُونَنَّ من الْخاسِرِينَ ما ربحت تجارتنا فانتج لهم هذا الاعتراف قوله فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ أي رجع عليهم بستره فحال بينهم ذلك الستر الإلهي و بين العقوبة التي تقتضيها المخالفة و جعل ذلك من عناية الاجتباء أي لما اجتباه أعطاه الكلمات و هدى أي بين له قدر ما فعل و قدر ما يستحقه من الجزاء و قدر ما أنعم به عليه من الاجتباء و مع التوبة قال له اهبط هبوط ولاية و استخلاف لا هبوط طرد فهو هبوط مكان لا هبوط رتبة

هبوط مكان لا هبوط مكانةلتلقى به فوزا و ملكا مخلدا
كما قال من أغواه صدقا لكونهرآه كلاما من إله مسددا

فإن إبليس قال له هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏ فسمع ذلك الخطاب من ربه تعالى فكان صدقا لحسن ظنه بربه فعرض له من أجل المحل الذي ظهر فيه خطاب الحق و أورثه ظهور السوآت من أجل المحل و أورثه الأكل الخلد و الملك الذي لا يبلى و لكن بعد ظهور سلطانه و نيابته و نيابة بنيه في خلقه حكما مقسطا عدلا يرفع القسط و يضعه أورثه‏ذلك كله توبة ربه‏ و اعلم أن توبة ربه مقطوع لها بالقبول و توبة العبد في محل الإمكان لما فيها من العلل و عدم العلم باستيفاء حدودها و شروطها و علم الله فيها فالعارفون آدميون يسألون من ربهم أن يتوب عليهم و حظهم من التوبة الاعتراف و السؤال لا غير ذلك هذا معنى قوله تعالى وَ تُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أي ارجعوا إلى الاعتراف و الدعاء كما فعل أبوكم آدم فإن الرجوع إلى الله بطريق العهد و هو لا يعلم ما في علم الله فيه خطر عظيم فإنه إن كان قد بقي عليه شي‏ء من مخالفة فلا بد من نقض ذلك العهد فينتظم في قوله الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله من بَعْدِ مِيثاقِهِ فلم ير أكمل معرفة من آدم عليه السلام حيث اعترف و دعا و ما عهد مع الله توبة عزم فيها إنه لا يعود كما يشترطه علماء الرسوم في حد التوبة فالناصح نفسه من سلك طريقة آدم‏ فإن في العزم سوء أدب مع الله بكل وجه فإنه لا يخلو أن يكون عالما بعلم الله فيه إنه لا يقع منه زلة في المستأنف أم لا فإن كان عالما بذلك فلا فائدة في العزم على أن لا يعود بعد علمه أنه لا يعود و إن لم يعلم و عاهد الله على ذلك و كان ممن قضى الله عليه أن يعود ناقض عهد الله و ميثاقه و إن أعلمه الله أنه يعود فعزمه بعد العلم أنه يعود مكابرة فعلى كل وجه لا فائدة للعزم في المستأنف لا لذي العلم و لا لغير العالم فالتوبة التي طلب منا إنما هي صورة ما جرى من آدم عليه السلام‏ هذا معنى التوبة عند أهل الله فإن الله يحب كل مفتن تواب أي كل من اختبره الله في كل نفس فيرجع إلى الله فيه لا عزم إنه لا يعود لما تاب منه فهو جهل على الحقيقة فإن الذي تاب منه من المحال أن يرجع إليه و إن رجع إنما يرجع إلى مثله لا إلى عينه فإن الله لا يكرر شيئا في الوجود فالعالم بذلك لا يعزم على أنه لا يعود و الذي ينظره أهل الله أن التائب يعزم أنه لا يعود أن ينسب إليه ما ليس إليه و إن عاد بنسبته إليه فقد علم عند العزم أن ذلك العود إلى الله لا إليه فلا تضره الغفلة بعد تصحيح الأصل و هو بمنزلة النية عند الشروع في العمل فإن الغفلة لا تؤثر في العمل فسادا و إن لم يحصر في أثناء العمل ما أحضره عند الشروع فهكذا العازم في عزمه‏ و اعلم أن مقام التوبة من المقامات المستصحبة إلى حين الموت ما دام مخاطبا بالتكليف أعني التوبة المشروعة و أما توبة المحققين فلا ترتفع دنيا و لا آخرة فلها البداية و لا نهاية لها إلا أن يكون الاسم التواب في المظهر عين الظاهر فلا بدء في أحواله و لا نهاية و إن كانت كل توبة لها بدء و التوبة الكونية ملكية جبروتية عند الجماعة و هو محل إجماعهم و زاد بعضهم أنها ملكوتية فمن لم ير أنها ملكوتية قال إنها تعطي صاحبها ثمانمائة مقام و ثمانية مقامات و من رأى أنها ملكوتية قال إنها تعطي أربعمائة مقام و ثلاثة عشر مقاما و الواقفية أرباب المواقف مثل محمد بن عبد الجبار النفري و أبي يزيد البسطامي قال هي غيبية آثارها حسية و جميع ما تتضمنه هذه المعاملات من المقامات الإلهية الجسام ما فيها مقام يتكرر على ما قد تقرر في الأصل و لو تاب الخلق كلهم ملك و إنس و جان و معدن و نبات و حيوان و فلك و نالوا هذه المقامات كلها لما اجتمع اثنان في ذوق واحد منها و هي منازل فيها ينزلها العبد إذا أحكم ذلك المقام الذي هو التوبة أو غيره و يعطيه كل منزل منها من الأسرار و العلوم ما لا يعلمه إلا الله و لهذا المقام الحجاب و الكشف‏ و مما يؤيد ما ذكرناه من أن التوبة اعتراف و دعاء لا عزم على أنه لا يعود ما ثبت في الأخبار الإلهية و صح أن العبد بذنب الذنب و يعلم أن له ربا يغفر الذنب و يأخذ بالذنب و لم يزد على هذا مثل صورة آدم سواء ثم يذنب الذنب فيعلم إن له ربا يغفر الذنب و يأخذ بالذنب فيقول الله له في ثالث مرة أو رابع مرة اعمل ما شئت فقد غفرت لك و هذا مشروع أن الله قد رفع في حق من هذه صفته المؤاخذة بالذنب على من يرى أن الخطاب على غير من ليس بهذه الصفة منسحب و أما ظاهر الحديث فإن الله قد أباح له ما قد كان حجر عليه لأجل هذه الصفة كما أحل الميتة للمضطر و قد كانت محرمة على هذا الشخص قبل أن تقوم به صفة الاضطرار ثم إنه قد بينا أن من عباد الله من يطلعه الله على ما يقع منه في المستأنف فكيف يعزم على أن لا يعود فيما يعلم بالقطع أنه يعود و لم يرد شرع نقف عنده أن من حد التوبة المشروعة العزم في المستأنف فلم تبق التوبة إلا ما قررناه في حديث آدم عليه السلام ثم يؤيد ذلك قوله تعالى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ يعني في الحالتين ما هم أنتم ينظر إليه قوله وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ و قوله فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ الله قَتَلَهُمْ و قوله ما قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى‏ أُصُولِها فَبِإِذْنِ الله‏ و الأذن الأمر الإلهي أمر بعض الشجر أن تقوم فقامت و أمر بعض الشجر أن تنقطع‏فانقطعت بإذن الله لا بقطعهم و بإذن الله لا بتركهم مع كونهم موصوفين بالقطع و الترك فإنه لا يناقض إذن الله فإن إذن الله لها في هذه الصورة كالاستعداد في الشي‏ء فالشجرة مستعدة للقطع فقبلته من القاطع فقوله فَبِإِذْنِ الله يعني للشجرة كقوله فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي فالنفخ من عيسى لوجود الروح الحيواني إذ كان النفخ أعني الهواء الخارج من عيسى هو عين الروح الحيواني فدخل في جسم هذا الطائر و سرى فيه إذ كان هذا الطائر على استعداد يقبل الحياة بذلك النفس كما قبل العجل الحياة مما رمى فيه السامري فطار الطائر بإذن الله كما خار عجل السامري بإذن الله و لهذا قال وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن معرفة هذا الأذن الإلهي الذي قطع هذه الشجرة و ترك الأخرى‏ و لشيوخنا في هذا المقام حدود أذكر منها ما تيسر و أبين عن مقاصدهم فيها بما يقتضيه الطريق و هكذا أفعل إن شاء الله في كل مقام إذا وجدنا لهم فيه كلاما على أنهم إذا سألوا عن ماهية الشي‏ء لم يجيبوا بالحد الذاتي لكن يجيبون بما ينتج ذلك المقام فيمن اتصف به فعين جوابهم يدل على إن المقام حاصل لهم ذوقا و حالا و كم من عالم بحده الذاتي و ليس عنده منه رائحة بل هو عنه بمعزل بل ليس بمؤمن رأسا و هو يعلم حده الذاتي و الرسمي فكان الجواب بالنتائج و الحال أتم بلا خلاف فإن المقامات لا فائدة فيها إلا أن يكون لها أثر في الشخص لأنها مطلوبة لذلك لا لأنفسها و الله المرشد و اختلف أصحابنا ما أول منزل من منازل السالكين فقال بعضهم اليقظة و قال بعضهم الانتباه و قال بعضهم التوبة و روى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الندم توبة فقد يخرج مخرج‏ قوله الحج عرفة و لو قال صلى الله عليه و سلم الندم التوبة لكان أقرب إلى الحد من‏ قوله الندم توبة و قد تقدم الكلام في الشروط الثلاثة المصححة للتوبة في هذا الباب‏ قال بعضهم و هو أبو علي الدقاق التوبة على ثلاثة أقسام لأن لها بداية و وسطا و غاية فبدؤها يسمى توبة و وسطها يسمى إنابة و غايتها يسمى أوبة فالتوبة للخائف و الإنابة للطائع و الأوبة لراعي الأمر الإلهي يشير بهذا التقسيم إلى أن التوبة عنده عبارة عن الرجوع عن المخالفات خاصة و الخروج عما يقدر عليه من أداء حقوق الغير المترتبة في ذمته مما لا يزول إلا بعفو الغير عن ذلك أو القصاص أو رد ما يقدر على رده من ذلك و قال رويم و قد سئل عن التوبة التوبة من التوبة كما قال ابن العريف‏

قد تاب أقوام كثير و ما تاب من التوبة إلا أنا

و مقالات القوم في التوبة كثيرة مذكورة في كتب المقامات للمنذري و القشيري و المطوعي و عمرو بن عثمان المكي و غيرهم فلينظر هنالك‏