اعلم وفقك الله أنه من كان صفته وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و هو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى و الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ فلا يتوب إلا من لا يشعر و لا يبصر هذا القرب و الشعور علم إجمالي قطعي إن ثم مشعورا به لكن لا يعلم ما هو ذلك المشعور به فالعلم بالله شعور و الشعور لا علم بما هو عليه المشعور به و علمه بنا ليس كذلك فلا يصرف العبد معناه إلى معنى إلا و الحق في الصارف و المصروف و الصرف فإلى أين أتوب إن نادى فهو المنادي لأنه لا ينادي إلا من يسمع و هو سمعك فلا تسمع إلا به فما فقدته في ندائه إياك هذا حد العلم الصحيح و لهذا لم يأمر بالتوبة إلا المؤمنين فقال وَ تُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بغير ألف لحكمة أخفاها يعرفها العالم و لا يشعر بها المؤمن فهي بالألف هاء التنبيه إذا قال أيها المؤمنون و هي بغير الألف هي هويته قرأها الكسائي برفع هاء أيه و حذف الواو لالتقاء الساكنين يقول هو المؤمنون لأنه المؤمن و ما يسمعنداء الحق إلا بالحق و السامع مؤمن و السامعون كثيرون فهو المؤمنون فترك التوبة ترك الرجوع لأنه قال ارْجِعُوا وَراءَكُمْ لمن كان في ظلمة كونه فَالْتَمِسُوا نُوراً انظروا إلى موجدكم و هو النور الذي به الظهور فإذا رأيتم النور كشف لكم عنكم فعلمتم أنه أقرب إليكم مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ لعدم النور فلما حصلت لهم المعرفة هنا بهذا القدر لم تصح منهم توبة عندهم أنهم تائبون فَتابَ عَلَيْهِ فكان هو التائب على الحقيقة و العبد محل ظهور الصفة و لذلك قال لِيَتُوبُوا ثم قال إِنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ و هو لفظ المبالغة إذ كانت له التوبة الأولى من قوله ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ و الثانية من قوله لِيَتُوبُوا فالتوبتان له من كل عبد فهو التواب لا هم وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى و هذا حكم سار في جميع أفعال العباد فما تاب من تاب و لكن الله تاب و لهذا قالت الجماعة التوبة ترك التوبة و التوبة من التوبة فنفيها إثباتها و إثباتها نفيها فترك التوبة حال التبري من الدعوى فليست التوبة المشروعة إلا الرجوع من حال المخالفة إلى حال الموافقة أعني مخالفة أمر الواسطة إلى موافقة أمرها لا غير و التوبة من التوبة هي الرجوع منه إليه به فالتوبة من التوبة لها الكشف و ما لها حجاب و صاحبها مسئول لأنه تبرأ من الدعوى بها أعني بالدعوى و كل مدع مطالب بالبرهان على صحة دعواه فالمكمل من يثبت التوبة حيث أثبتها الحق و لمن أثبتها و لا يعديها محلها فلها رجال يقومون بها و لها رجال يحكمون بها و هم عَنْها مُبْعَدُونَ لأنها حالة غربة و هم في الموطن الذي فيه ولدوا فلا غرب ير جع إلى أهله إلا الغائب و الغائب غريب فالغرباء هم التائبون فالمحبة من الله لهم محبة أهل الغائب إذا ورد عليهم غائبهم فمن كان من أهله مشاهدا له في حال غربته لم يفرح به لنفسه فإنه غير فاقد له و إنما فرحه به لفرحه برجوعه إلى موطنه فهو فرح موافقة كمحبة المحبوب لمحبه لأنها عين حبه لنفسه و لهذا يبغض من يبغضه لحبه لنفسه إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ إليه في كل حال من خلاف و وفاق فهو مقبول محبوب على كل حال و إذا كانت التوبة تحب لأجل الوصلة فالمتصل لا يتصل فهو أشد في المحبة و أعظم في اللذة و هو المعبر عنه بترك التوبة و من رأى أن الأمر الإلهي و اتساع الحقيقة الربانية لا يدوم لها حال معين و لا ينبغي و لذلك هو كل يوم في شأن و لا يكرر فلا تصح توبة فإنها رجوع و لا يكون رجوع إلا من مفارقة لأمر يرجع إليه و الحق على خلافه فلا رجوع فلا توبة و قوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ لما تغرب الأمر عند المحجوبين عن موطنه بما ادعوه فيه لنفوسهم قيل لهم إليه يرجع الأمر كله لو نظرتم لرأيتم من نسبتم إليه هذا الفعل منكم إنما هو الله لا أنتم وَ ما الله بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ من دعواكم إن الأمر إليكم و هو لله فالأصل إنه لا رجوع و أن الأمر في مزيد إلى ما لا نهاية له و لا إحاطة إذ لا نهاية لواجب الوجود فلا نهاية للممكنات إذ هو الخلاق دائما و لا يصح أن يزول عنه هذا الحكم لأنه ما لا يثبت نفيه إلا بإثباته فنفيه محال فكل باب من أبواب هذا الكتاب مما يقتضي ترك ما أثبتناه في الباب الذي قبله فهو كالذيل له فهو منه فنسوقه مختصرا لأنه لا يحتمل التطويل و هو فصل من فصول الباب الذي قبله فنقتصر في ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الخامس و السبعون في ترك التوبة)
متى خالفته حتى تتوبفترك التوب يؤذن بالشهود
فقل للتائبين لقد حجبتمعن إدراك الحقائق بالورود
فممن أو إلى من قد رجعتم و ليس سوى المسود و المسود
فمن عين الذي قد جئت منه إليه به و من عين العبيد
و أسماء الإله هي التي لم تزل موصوفة بسنا الوجود