اعلموا وفقكم الله أني لما شرعت في الكلام على هذا الباب أريت مبشرة عرفت فيها إن الناس لا بد أن ينزل بهم أمر إلهي عارض يحتاجون فيه إلى حمل مشقة و جهد نفسي و حسي و قيل لي لا تغفل في كل باب أن تدرج فيه الحروف الصغار و تبين أن بإشباعها تكون الحروف الثلاثة التي هي حروف العلة و هي حروف العلة و هي حروف المد و اللين و هي الحروف المركبة من علة و معلول و يكون كلامك فيها و إشارتك إلى الأربعة الأصناف و هم العارفون الذين لهم العوارف الإلهية الوجودية الجودية في معرفتهم و أهل المواقف عند الحدود الإلهية لتلقى الأدب بين كل مقامين عند الانتقال في حال لا يتصفون فيه بالمقام الأول و لا بالثاني و هم أهل البرازخ و كذلك أيضا أهل الوصال و الأنس تعين ما لهم من الدرجات في كل مقام كما تبينما لأهل المواقف سواء حتى لا يختلط على السالك و كذلك أيضا المنكرة أحوالهم و هم الملامية الذين يعرفون و لا يعرفون تميزهم من أهل عوارف المعارف و تظهر ما لهم من الكمال و هم العلماء بالله فهؤلاء الأربعة لا بد من تمشية أحوالهم في كل مقام و هم العارفون و الملامية و أهل الأنس و الوصال و أصحاب المواقف و القول و هم الأدباء فإنك مأمور بالنصح لعباد الله عن أمر الله و الدين النصيحة لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم فلما فرع وارد البرزخ في الواقعة فمنا من مرقدنا و سألنا الله تعالى العصمة في القول و العمل و الحال و كنت أرى معي في هذه الواقعة صاحبنا تاج الدين عباس بن عمر السراج و هو الذي كان ينبهني عن الحق تعالى على الكلام في الحروف الصغار التي تتولد عنها حروف العلل الثلاثة فلنبين أولا ما المراد بالحروف الصغار و ما مراتب أولادها و هي حروف العلل و إن كنا قد ذكرناها في الباب الثاني باب الحروف من هذا الكتاب فلا بد من ذكر طرف هنا منها لأجل الواقعة (فصل) اعلم أن المراد بالحروف الصغار الحركات الثلاثة و هي الضمة و الفتحة و الكسرة و لهذه الحروف حالان حال إشباع و حال غير إشباع فإذا اتصف واحد منها بالإشباع كان علة لوجود معلول يناسبه فإن أشبعت الضمة كان عنها الواو المعلولة و إن كانت فتحة كان عنها الألف و إن كانت كسرة كان عنها الياء المعلولة و إنما قيدنا الواو و الياء بالعلة لأنهما قد يوجدان في مقام الصحة غير موصوفين بالعلية و الألف لا توجد أبدا إلا معلولة و لذلك لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا أبدا فهذه تسمى حروف العلة أي وجدت معلولة عن هذه العلل فخرجت على صورة عللها في الحكم فأعربت بها الكلمات كما أعربت بعللها تقول زيد أخوك فعلامة الرفع في زيد ضمة الدال و عن إشباع الضمة في قولك أخوك تكون الواو علامة الرفع في أخوك و كذلك في النصب في رأيت زيدا أخاك و في الخفض مررت بزيد أخيك و كذلك رأيت أخاك زيدا الفتحة في زيد علامة النصب و الألف في أخاك المتولدة عن فتحة الخاء علامة النصب و كذلك مررت بأخيك زيد فالكسرة في زيد علامة الخفض و الياء في أخيك علامة الخفض فأعطيت الياء حكم معلوله فأعلت الكلمة هذه الحروف فلها حكم ابائها إلى الذي هو الرفع له من الأسماء العلى و الفتح له من الأسماء الرحمن ما يفتح الله للناس من رحمة و الكسر له من الأسماء المتعالي و آثار هذه الأسماء الإلهية في الكون معلومة كما هي في الحق متميزة بحدودها يمتاز بعضها عن بعض و قد بيناها في الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب و بينا فيه حركات البناء من حركات الإعراب و مرتبة السكون الحي و الميت و إلحاق النون بحروف العلة في حكم الإعراب في الخمسة الأمثلة من الفعل و هي يفعلان و تفعلان و يفعلون و تفعلون و تفعلين و إثباتها إعراب و حذفها إعراب بحسب العوامل الداخلة عليها و لما كان المعلول موصوفا بالمرض كان ذا جهد و مشقة لما يقاسيه من ألم العلة القائمة به إذ لا يوجد عن العلة إلا معلول فلهذا جعلناه في باب المجاهدة لأن المجاهدة مشقة و تعب و بها سمي الجهاد جهادا و دين الله يسر و قول الله صدق حيث قال ما «جَعَلَ» عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ و قال يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و لهذا جعلنا بابا لترك الجهاد و هو الذي يلي هذا الباب و هو الباب السابع و السبعون في ترك المجاهدة لا ترك العمل لأن المجاهدة حال الأعمال في وقت و الأحوال مواهب و الأعمال مكاسب و لهذا أقيم الكسب مقام العمل و العمل مقام الكسب فجاء في آية وَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ و في آية ما كَسَبَتْ فسمى العمل كسبا و ناب كل واحد منهما مناب صاحبه و لهذا قلنا في الأعمال مكاسب و من العمال من يكون عليهم في عملهم مشقة و هي المجاهدة و منهم من لا يجدها فلا يكون صاحب مجاهدة فلو اقتضى العمل المشقة لكانت صفة كل عامل و اعلم أيدك الله أن المجاهدين هم أهل الجهد و المشقة و المكابدة و هم أربعة أصناف مجاهدون من غير تقييد بأمر و هو قوله تعالى وَ فَضَّلَ الله الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ و الصنف الثاني مجاهدون بتقييد في سبيل الله و هو قوله وَ الْمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ الله و الصنف الثالث المجاهدون فيه و هو قوله وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي نبين لهم حتى يعلموا فيمن جاهدوا فيجاهدون عند ذلك أو لا يجاهدون و الصنف الرابع المجاهدون في الله حَقَّ جِهادِهِ فميزهم عن المجاهدين من غير هذا التقييد كالذين يتقون الله حَقَّ تُقاتِهِ و يتلون الكتاب حَقَّ تِلاوَتِهِ فهي مرتبة رابعة في الجهاد و هذه المجاهدة من المقامات المستصحبة للتكليف فما دام التكليف موجودا كانت المجاهدة قائمة العين فإذا زال حكم التكليف زالت المجاهدة و لهذا نفس الله عن المكلفين بصنف المباح لما شفعت فيهمالصورة التي خلقوا عليها لأنها غير محجور عليها فلما رأت من يشبهها قد حجر عليه سألت فيه رفع الحجر عنه فقيل لها إلى ذلك ما له في الآخرة فقالت فلا بد له أن يكون له حكم في الحياة الدنيا ليكون لي بشرى بقبول الشفاعة فإنك القائل لَهُمُ الْبُشْرى في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ في الْآخِرَةِ فإن هذه الصورة متنزهى و موضع نظري فإذا رأيت عليها التحجير أرى الانكسار فيها و لا نرى أثرا لعنايتي فيها مع كونها مخلوقة على صورتي و لا تحجير علي فشرع الله لها في الدنيا المباح فلا تنظر إليها الصورة الإلهية إلا في وقت تصرفها في المباح و هو أرفع أحوال النفس في الدنيا فإنه من الحياة الأخرى التي لا تحجير فيها فإذا انتقلت من المباح إلى مكروه أو مندوب أعرضت الصورة عن المكلف قليلا و نأت بجانبها مع بعض التفات إليها فإذا انتقلت إلى محظور أو فعل واجب أسدلت الحجاب و أعرضت بالكلية عن ذلك المكلف فلما رأى ذلك من كلفها و حجر عليها و هو الله تعالى أوجب على نفسه ما أوجبه مثل قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ فرفع الحجاب و نظرت الصورة إلى كل واحد في كل حال من أحوال الأحكام فانظر يا ولي ما ألطف الله و ما أرأفه بعباده حيث شرك نفسه معهم في حكم الوجوب و ما أسقط الوجوب عنهم بل أدخل نفسه معهم فيه إذ قد اتصفوا به ابتداء فلو أزاله عنهم لم يقم عندهم مقام إدخال نفسه معهم فيه أي ذقنا ما ذوقناكم هذا و غاية اللطف في الحكم و التنزل الإلهي كما نزل معهم في العلم المستفاد إذ كان علمهم مستفادا فقال وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ و هو العليم فانسهم و فيه حكم إيمان يعتض به من يسمع ممن لا يعرف الله قولهم إن الله لا يعلم الجزئيات و إن كانوا قصدوا بذلك التنزيه و هذه مسألة لا يمكن تحققها بالعقل ما لم يكن الكشف بكيفية تعلق العلم الإلهي بالمعلومات و أنه ليس في حق الحق ماض و لا آت و أن آنه لم يزل و لا يزال لا يتصف آنه بأنه لم يكن ثم كان و لا بانقضاء بعد ما كان و ربما يعطي الله هذه القوة لمن شاء من عباده و قد ظهر منها نفحة على محمد صلى الله عليه و سلم علم بها علم الأولين و الآخرين فعلم الماضي و المستقبل في الآن فلو لا حضور المعلومات له في حضرة الآن لما وصف بالعلم بها فهذا يعلم أن الله يعلم الجزئيات علما صحيحا غاب عنه من قصد التنزيه بنفيه عن جناب الحق ثم نرجع و نقول إن المجاهدة حمل النفس على المشاق البدنية المؤثرة في المزاج و هنا و ضعفا كما إن الرياضة هذيب الأخلاق النفسية بحملها على احتمال الأذى في العرض و الخارج عن بدنه مما لا حركة فيه بدنية ثم إن هذه الحركات البدنية المحمودة شرعا منها حركات في سبيل الله مطلقا و هي أنواع سبيل كل بر مشروع فمنه ما فيه مشقة فيسمى مجاهدة و منه ما لا مشقة فيه فيرتفع عنها حكم هذا الاسم و هذا الباب مخصوص بما فيه مشقة و لهذا سميناه باب المجاهدة فنظرنا إلى أعظم المشاق فلم نجد أعظم من إتلاف المهج في سبيل الله و هو الجهاد في سبيل الله الذي وصف الله قتلاه بأنهم أحياء يرزقون و نهى أن يقال فيهم أموات و نفى العلم عمن يلحقهم بالأموات للمشاركة في صورة مفارقة الإحساس و عدم وجود الأنفاس و هذا من أدل دليل على إبطال القياس لأن المعتقدين موت المجاهدين المقتولين في سبيل الله إنما اعتقدوه قياسا على المقتول في غير سبيل الله بالعلة الجامعة في كونهم رأوا كل واحد من المقتولين على صورة واحدة من عدم الأنفاس و الحركات الحيوانية و عدم الامتناع مما يراد من الفعل بهم من قطع الأعضاء و تمزيق الجلود و أكل سباع الطير و السباع و استحالة أجسامهم إلى الدود و البلى فقاسوا فأخطأ و القياس و لا قياس أوضح من هذا أولا أدل في وجود العلة منه و مع هذا أكذبهم الله و قال لهم ما هو الأمر في المقتول في سبيلي كالمقتول في غير سبيلي وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ فقال لهم ذلك الحكم الذي حكمتم علي ليس بعلم و إذا لم يكن علما لم يكن صحيحا و إذا لم يصح لم يجز الحكم به مع علمنا بأخبار الله أن ذلك ليس بصحيح ثم قال وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبِيلِ الله أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ فنفى عنهم العلم الذي أعطاهم القياس فإذا كان حكم هذا القياس على وضوحه و عدم الريب فيه و توفر أسبابه و ظهور علله الجامعة بينه و بين غيره من القتلى و هو باطل بأخبار الله فما ظنك بقياس الفقهاء في النوازل و قياس العقلاء بحكم الشاهد على الغائب في معرفة الله هيهات صدق الله و كذب أهل القياس على الله و الله لا أشبه من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ من مثله الأشياء فلما كان إتلاف المهج أعظم المشاق على النفوس لهذا سمي جهادا فإن النفوس نفسان نفس ترغب في الحياة الدنيا لألفتها بها فلا يريد المفارقةو تشق عليها و نفس ترغب في الحياة الدنيا لتزيد بذلك طاعة و أفعالا مقربة و معرفة إلهية و ترقيا دائما مع الأنفاس فشق عليها مفارقة الحياة الدنيا فلهذا سمي جهادا في حق الطائفتين فأما المجاهدون في سبيل الله و هي الطريق إلى الله أي إلى الوصول إليه من كونه إلها فهو جهاد لنيل معرفة المرتبة التي عنها ظهر العالم و الأحكام فيه و عنها تكون الخلائف في الأرض فينا لهم في هذه السبل من المشقة ما يناله المسافر في طريقه المخوفة فإنه في طريق عرض نفسه في السلوك فيه إلى إتلاف ماله و نفسه و يتم أولاده و فقد مألوفاته قال تعالى وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ الله و قال يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ و لما علم الله من العباد أنه يكبر عليهم مثل هذا لدعواهم أن نفوسهم و أموالهم لهم كما أثبتها الحق لهم و الله لا يقول إلا حقا فقدم شراء الأموال و النفوس منهم حتى يرفع يدهم عنها فبقي المشتري يتصرف في سلعته كيف يشاء و البائع و إن أحب سلعته فالعوض الذي أعطاه فيها و هو الثمن أحب إليه مما باعه فقال إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ و بعد هذا الشراء أمر أن يجاهد بها في سبيل الله ليهون ذلك عليهم فهم يجاهدون بنفوس مستعارة أعني النفوس الحيوانية القائمة بالأجسام و الأموال مستعارة فهم كمن سافر على دابة معارة و مال غيره و قد رفع عنه الحرج مالكها عند ما أعاره إن نفقت الدابة و هلك المال فهو مستريح القلب فما بقي عليه مشقة نفسية إن كان مؤمنا إلا ما يقاسي هذا المركب الحيواني من المشقة من طول الشقة و تعب الطريق و إن كان في قتال العدو فما ينال من الكر و الفر و الطعن بالأرماح و الرشق بالسهام و الضرب بالسيوف و الإنسان مجبول على الشفقة الطبيعية فهو يشفق على مركوبه من حيث إنه حيوان لا من جهة مالكه فإن مالكه قد علم منه هذا المعبر أنه يريد إتلافه فذلك محبوب له فلم يبق له عليه شفقة إلا الشفقة الطبيعية فالنفوس التي اشتراها الحق في هذه الآية إنما هي النفوس الحيوانية اشتراها من النفوس الناطقة المؤمنة فنفوس المؤمنين الناطقة هي البائعة المالكة لهذه النفوس الحيوانية التي اشتراها الحق منها لأنها التي يحل بها القتل و ليست هذه النفوس بمحل للإيمان و إنما الموصوف بالإيمان النفوس الناطقة و منها اشترى الحق نفوس الأجسام فقال اشترى من المؤمنين و هي النفوس الناطقة الموصوفة بالإيمان أنفسهم التي هي مراكبهم الحسية و هي الخارجة للقتال بهم و الجهاد فالمؤمن لا نفس له فليس له في الشفقة عليها إلا الشفقة الذاتية التي في النفس الناطقة على كل حيوان و أما المجاهدون الذين لم يقيدهم الله بصفة معينة لا في سبيل الله و لا فيه و لا بحق جهاد فهم المجاهدون بالله الذي ليس من صفته التقييد فجهاده في كل شيء و هو الجهاد العام و نسبة الجهاد إليه فيه الذي هو المشقة لكونه سماه مجاهدا و لم يقيد فيما ذا يجاهد فهو حكم القضاء و القدر في الأشياء التي يحصل منه الكرة في المقضي عليه بما قضى به عليه و الحق لا يريد مساءته لما له بهذا العبد من العناية فقال في هذا المقام ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نسمة عبدي المؤمن يكره الموت و أكره مساءته و لا بد له من لقائي يقول و لا بد له من الموت لما سبق به العلم فيقبضه عن مجاهدة مطلقة غير مقيدة بأذى و لا غيره و لكن تنبيهه تعالى بالتردد دليل على حكم مناسب حكم المجاهدة فإنه ما جاء به إلا ليقيدنا العلم بالأمر على ما هو عليه فإنه سبحانه المعلم عباده العلم و هو قوله وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ و هو الذي أعطاهم العلم من اسمه الرحمن الذي قال فيه عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فالمجاهدون من العباد الذين لا يتقيدون كما أطلقهم الله هم المترددون في الأفعال الصادرة أعيانها فيهم هل ينسبونها إلى الله ففيها ما لا ينبغي أن ينسب إليه أدبا و تبرأ الحق منها كما قال بَراءَةٌ من الله أو ينسبونها لأنفسهم ففيها ما ينبغي أن ينسب إلى الله أدبا مع الله و نسبة حقيقية و رأوا الله يقول وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ فنفى و أثبت عين ما نفى ثم قال وَ لكِنَّ الله رَمى فجعل الإثبات بين نفيين فكان أقوى من الإثبات لما له من الإحاطة بالمثبت ثم قال وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ في نفس هذه الآية فعلمنا أن الله حير المؤمنين و هو ابتلاؤه بما ذكر من نفي الرمي و إثباته و جعله بلاء حسنا أي إن نفاه العبد عنه أصاب و إن أثبته له أصاب و ما بقي إلا أي الإصابتين أولى بالعبد و إن كان كله حسنا و هذا موضع الحيرة و لذلك سماه بلاء أي موضع اختبار فمن أصاب الحق و هو مراد الله أي الإصابتين أو أي الحكمين أراد حكم النفي أو حكم الإثبات كان أعظم عند الله من الذي لا يصيب ذلك فهؤلاء هم المجاهدون الذين فضلهم الله على القاعدين عن هذا النظر أجرا عظيما و ما عظم الله فلا يقدر قدرهدرجات منه و ما جعلها درجة واحدة كما قال في المجاهدين في سبيل الله حيث جعل لهم درجة واحدة ثم زادهم ما ذكر في تمام الآية فهذان صنفان قد ذكرنا و أما الصنف الثالث و هم الذين جاهدوا في الله حَقَّ جِهادِهِ فالهاء من جهاده تعود على الله أي يتصفون بالجهاد أي في حال جهاده صفة الحق كما ذكرنا في التردد الإلهي أي لا يرون مجاهدا إلا الله و ذلك لأن الجهاد وقع فيه و لا يعلم أحد كيف الجهاد في الله إلا الله فإذا ردوا ذلك إلى الله و هو قوله حَقَّ جِهادِهِ فنسب الجهاد إليه بإضافة الضمير فكان المجاهد لا هم و إن كانوا محل ظهور الآثار فهم المجاهدون لا مجاهدون قال الله لموسى يا موسى اشكرني حق الشكر قال يا رب و من يقدر على ذلك قال إذا رأيت النعمة مني فقد شكرتني حق الشكر و هذا الحديث خرجه ابن ماجة في سننه فكل عمل أضفته إلى الله عن ذوق و كشف و مشاهدة لا عن اعتقاد و حال بل عن مقام و علم صحيح فقد أعطيت ذلك العمل حقه حيث رأيته ممن هو له فحيث ما وقع لك مثل هذا فشرحه ما شرحه به الله على لسان رسوله فبلغه إلينا و هي طريقة موصلة إلى الله سهلة لينة قريبة المأخذ مستوية لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً و الصنف الرابع هم الذين قال الله فيهم وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا الذين قلنا لهم فيها وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ يعني السبيل التي لكم فيها السعادة و إلا فالسبل كلها إليه لأن الله منتهى كل سبيل ف إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و لكن ما كل من رجع إليه سعد فسبيل السعادة هي المشروعة لا غير و إنما جميع السبل فغايتها كلها إلى الله أولا ثم يتولاها الرحمن آخر أو يبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه و هذه مسألة عجيبة المكاشف لها قليل و المؤمن بها أقل و لما كان سبب الجهاد أفعالا تصدر من الذين أمرنا بقتالهم و جهادهم و تلك الأفعال أفعال الله فما جاهدنا إلا فيه لا في العدو و إذ لم يكن عدوا إلا بها فإذا جاهدنا فيه و تبين لنا بقوله إذا جاهدنا فيه إن يهدينا سبله أي يبين لنا سبلها فندخلها فلا نرى إذا جاهدنا غيرا فاستغفرنا الله مما وقع منا و كان من السبل مشاهدة ما وقع منا إنه الموقع لا نحن فاستغفرنا الله أي طلبنا منه أن لا نكون محلا لظهور عمل قد وصف نفسه بالكراهة فيه فقد ثبت أنه ما في الوجود إلا الله فما جاهد فيه سواه و لو لا ما هدانا سبله ما عرفنا ذلك و لذلك تمم الآية بقوله وَ إِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ و الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإذا رأيته علمت إن الجهاد إنما كان منه و فيه فهذا قد أعربت لك عن أحوال أهل المجاهدات و هم المجاهدون و الكلام يطول في تفاصيل هذا الباب و الكتاب كبير فإن استقصينا إيراد ما يطلبه منا كل باب لا يفي العمر بكتابته فإذا و لا بد من الاقتصار فلنقتصر على ما يجري من كل باب مجرى الأمهات لا غير و كل أم مثل حواء مع بنى آدم فإنهم بنوها كلهم فلو أعطانا الله الكتابة الإلهية أبرزنا جميع ما يحويه هذا الكتاب على الاستيفاء في ورقة صغيرة واحدة كما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم بكتابين في يده بالكتاب الإلهي الذي ليس لمخلوق فيه تعمل و أخبر أن في الكتاب الذي في يمينه أسماء أهل الجنة و أسماء آبائهم و قبائلهم و عشائرهم من أول خلقهم إلى يوم القيامة و الكتاب الآخر مثله في أسماء أهل الشقاء و لو كان ذلك بالكتاب المعهود ما وسع ورقه المدينة فمثل ذلك لو وقع لنا أظهرناه في اللحظة و قد رأينا تلك الكتابة و هي كالجنة في عرض الحائط و النار و كصورة السماء في المرآة فلنذكر ما لهذه الصفة التي هي المجاهدة من المقامات التي هي مراتبها و منازلها الذين ينزلها أهلها و هم الملامية و هم قسمان أهل أدب بوقوف عند حد و أهل أنس و وصال و كذلك ما للعارفين من هذا الباب و هم قسمان أهل أدب و وقوف عند حد و أهل أنس و وصال و هذا سار في كل مقام فالذي للملامية منه من الصنف الذي له أدب الوقوف عند الحدود فثلاث و خمسون درجة و إنما عدلنا إلى ذكر الدرجات لما سمعنا الله يقول بالدرجات في فضلهم فاتبعنا ما قال الله فهو أولى بنا و التي للملامية أهل الأنس و الوصال من الدرجات في هذا الباب أربعمائة درجة و ثلاث و خمسون و أما درجات العارفين أهل الأنس و الوصال فلهم أربعمائة درجة و أربع و ثمانون درجة و أما الذي لأهل الأدب و الوقوف عند الحدود من العارفين فتسع و ثمانون درجة تسعون إلا واحدة بينه و بين درجات الأسماء الإلهية عشرة
(الباب السادس و السبعون في المجاهدة)
سبح إلهك بكرة و أصيلا فالنعل يرجع بالهدى إكليلا
جاهد هواك و لا تكن ذا فترة فيه و كن للنائبات خليلا
إن المجاهد لا يزال مكابدا يهوى الخطوب و يعشق التعليلا
لا تركنن إلى البطالة إنها تردى و كن للحادثات وصولا