هو حال و ليس بمقام و هو مؤد إلى خراب القلوب و في طيه مكر إلهي إلا للعارف فإنه لا يخرج عن مقام الحزن إلا من أقيم في مقام سلب الأوصاف عنه قيل لأبي يزيد كيف أصبحت قال لا صباح لي و لا مساء إنما هي لمن تقيد بالصفة و أنا لا صفة لي و ذلك لما سأله بكيف و هي للحال و هو من أمهات المطالب الأربعة و له من النسب الإلهية سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ على قراءة الكسائي و كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و يخفض القسط و يرفعه فهذا مقام الكيف في الإلهيات و أما أبو يزيد فما قصد التمدح بهذا القول و إنما قصد التعريف بحاله فإن الصباح و المساء لله لا له و هو المقيد تعالى بالصفة و العبد العنصري مقيد بالصباح و المساء غير مقيد بالصفة و لهذا نفى الصفة فقال لا صفة لي لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا فالصباح و المساء يملكه و لا ملك لأبي يزيد عليهما لأنهما بالصفة يملكان و أبو يزيد لا صفة له فمن لا علم له بالمقام يتخيل أن أبا يزيد تأله في هذا القول و لم يقصد ذلك رضي الله عنه بل هو أجل من أن يعزي إليه مثل هذا التأويل في قوله هذا فإن قال من يتأول عليه خلاف ما قلناه من أنه تأله في قوله بقوله ضحكت زمانا و بكيت زمانا و أنا اليوم لا أضحك و لا أبكي فاعلم أنه ثم تجلى يضحك و ما رأيت أحدا في هذا الطريق من أهل الضحك إلا واحدا يقال له علي السلاوي سحت معه و صحبته سفرا و حضرا بالأندلس لا يفتر عن الضحك شبه الموله و ما رأيته جرى عليه قط لسان ذنب و أما البكاءون فما رأيت منهم إلا واحدا يوسف المغاور الجلاء سنة ست و ثمانين و خمسمائة بإشبيلية و كان يلازمنا و يعرض أحواله علينا كثير الجزع لا تفتر له دمعة صحبته في الزمان الذي صحبت الضحاك و أما كون أبي يزيد انتقل عن هذين المقامين إلى المقام الذي بينهما فإنهما من الأمور المتقابلة التي ما يكون بينهما واسطة كالنفي و الإثبات لا كالوجود و العدم و الحار و البارد فإن بينهما واسطة تأخذ من كل طرف بنسبة تميزه عن الطرفين و كذلك إذا لم يكن الشخص في موجب ضحك و لا موجب بكاء كحالة البهت لأهل الله فهو لا ضاحك و لا باك فوصفه البهت و التعري عن الموجبين فأراد التعريف ما أراد التمدح
(الباب الخامس و مائة في ترك الحزن)
الحق أعطى كل شيء خلقه ثم هدى
فما ترى من فائت قد فات فالحزن سدى
الحزن حكم واقع لفائت و ما عدا
هذا فلا تحفل به فإنه حكم البدا