الجوع حلية أهل الله و أعني بذلك جوع العادة و هو الموت الأبيض فإن أهل الله جعلوا في طريقهم أربع موتات هذا أحدها و موت أخضر و هو لباس المرقعات إلا المشهرات كان لعمر بن الخطاب ثوب يلبسه فيه ثلاث عشرة رقعة إحداهن قطعة جلد و هو أمير المؤمنين و موت أسود و هو تحمل الأذى و موت أحمر و هو مخالفة النفس في أغراضها و هو لأهل الملامية فالجوع المطلوب في الطريق هو للسالكين جوع اختيار لتقليل فضول الطبع و لطلب السكون عن الحركة إلى الحاجة فإن علا فلطلب الصفة الصمدية وحده عندنا صوم يوم فإن زاد فإلى السحر هذا هوالجوع المشروع الاختياري و ما لنا طريق إلى الله إلا على الوجه المشروع و لو لا إن الله جعل هذا حد المصلحة في عموم خلقه لما وقته إلى هذا القدر فلا يكون الإنسان في الزيادة عليه أعلم بمصالح الجوع في العبد من ربه هذا غاية سوء الأدب فإن كان ممن يطعم و يسقى في مبيته و فنائه و يجد أثر ذلك في قوته و صحة عقله و حفظ مزاجه فليواصل ما شاء فإنه ليس بصاحب جوع و كلامنا في الجوع و إن كان أيضا ممن يستغرقه حال و وارد قوي يحول بينه و بين الطعام كأبي عقال فإن كان صاحب فائدة فهي المطلوب و إن لم يكن فذلك مرض يعرض حاله على الأطباء و ما ذلك مطلب القوم و أما جوع الأكابر فجوع اضطرار فإن الذي ينتجه الجوع قد حصل لهم ملكة لا تزول عنهم في حال جوع و لا شبع فلم يبق إلا التقليل و لكن من الحلال إما للنشاط في الطاعات و إما لخفة الحساب
فإن النبي ص قال إنكم لتسئلون عن نعيم هذا اليوم و لم يكن سوى تمر و ماء و ما أدخل نفسه في الجماعة فإن لله عبادا سليمانيين يقول الله لهم هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ و هم سبعون ألفا في هذه الأمة قد نعتهم النبي ص و الخبر صحيح و عكاشة منهم بالنص عليه فينبغي للصالح السالك أن لا يزيد على الحد المشروع فيكون متبعا فإن ترك العمل بالاتباع أعظم أجرا من العمل بالابتداع فإنا بالاتباع بحكم الأصل فإن وجودنا تبع لوجود من أوجدنا فلتكن أفعال العلماء بهذه المرتبة على ذلك و لما قال ص إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فسدوا مجاريه بالجوع و العطش لم يختلف أحد من العلماء و لا من أهل الله إنه أراد الصوم و التقليل من الطعام في السحور المسنون لمن واصل و في الإفطار لمن أفطر فإنه قال بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فلا يتعدى المريد الحد الذي سنه من شرع الطريق إلى الله به و لا تعرف قدر ما دللتك عليه إلا في نتيجته إن فتح لك هنا و لا تجع من غير صوم فإنه غير طريق مشروعة و لا تجعل سبب ذلك حديث أجر الصوم فذلك ليس لك إنما هو للعمل و دع النفس ترغب في الأجرة التي لها على ذلك فإن فيها من يطلب ذلك و أنت بالسر الإلهي و الروح الامري بمعزل عن هذا الطلب الذي تطلبه النفس الحيوانية فإنك مجموع و لا تلحق بأهل الغلط من أهل هذه الطريق الذين يجوعون تلامذتهم من غير صوم أو يصومونهم ثم يطعمونهم قبل غروب الشمس ذلك غلط منهم و جهل بطريق الله تعالى و إن كانوا يقصدون بذلك مخالفة النفوس فما هذا موضعه و إنما ينبغي أن يخالفوها في تعيين المأكول على حد مخصوص و وجه معين و ميزان مستقيم يعرفه أهل الله فإذا مالت إلى طعام خاص معين عندها حتى لا تكره شيئا من نعم الله و لقد عملت على هذا زمانا حتى طاب لي كل شيء كنت لا أقدر على أكله و تمجه نفسي و كذلك في التقليل منه و هو أشد ما على النفس أن تشرع في الشيء ثم يحال بينها و بين التملي منه و الله الموفق لا رب غيره