اعلم فهمك الله ما أسمعك أن الغيبة ذكر الغائب بما لو سمعه ساءه و هي حرام على المؤمنين فالحق لا يغتاب لأنه السميع البصير في نفس الأمر و عند العلماء به و قد أبان لعباده ما يكرهه منهم و ما يحمده فَمِنْهُمْ من آمَنَ وَ مِنْهُمْ من كَفَرَ فلا يغتاب أيضا اسم فاعل و اسم مفعول فالغيبة حرام على المكلفين فيما بينهم و يجتنبها أهل المروءات من غير المؤمنين نزاهة و شرف نفس لأن اجتنابها يدل على كرم الأصول إلا في مواطن مخصوصة فإنها واجبة و قربة إلى الله و أهل الورع من المؤمنين يعرضون بها و لا يصرحون فمن ذلك في طريق الجرح الذي يعرفه المحدثون في رواة الأحكام المشروعة روينا عن بعض العلماء بالله أنه كان يقول في ذلك لصاحبه تعال نغتب في الله و منها عند المشورة في النكاح فإنه مؤتمن و النصيحة واجبة و منها الغيبة المرسلة و هو أن يغتاب أهل زمانه من غير تعيين شخص بعينه و منها غيبة المشايخ المريدين في حال التربية إذا كان فيها صلاح المريد إذا وصل ذلك إليه و مع كون الغيبة محمودة في هذه المواطن فعدم التعيين فيها أولى من التعيين فإن النبي ص يقول لا غيبة في فاسق نهيا لا نفيا على هذا أخذ أهل الورع هذا الخبر و طريق التعريض هين المأخذ و ما عدا أمثال هذه المواطن فهي مذمومة يجب اجتنابها و من هذا الباب تجريح الشهود إذا عرف المشهود عليه أنهم شهدوا بالزور فوجب عليه نصرة الحق و أهله و خذلان الباطل و أهله و من هنا يتبين لك أن العدم هو الشر فإن شهداءالزور مالوا إلى جانب العدم و رجحوه على الوجود و وصفوا بالكون ما ليس بكائن و جعله الله على لسان رسوله من الكبائر لأنه ما مدلول قولهم إلا العدم و مع هذا كله إن استطاع من هو من أهل طريق الله التعريض لا التصريح حتى يفهم عنه ما يريد إذا علم إن في ذلك منفعة دينية فليفعل فهو أولى و يحصل الغرض و يكون اللسان قد وفى ما تعين عليه من غير فحش في المنطق و هذا كله ما دام يسمى مؤمنا و أما إن كان هذا الشخص في مقام من كان الحق سمعه و بصره و لسانه فحاله غير حال المؤمن مع أنه من أهل الايمان و اعلم أن الله تعالى ما خلق داء إلا و خلق له دواء و الأدوية على نوعين دواء العامة و هو الذي يقدر عليه كل أحد و الدواء الآخر دواء ملكي و هو الذي لا يقدر عليه إلا الملوك و الأغنياء لنفاسته و غلو ثمنه فلا يقدر عليه إلا المتمكن من المال و السلطان و هكذا قسم الأدوية أهل الطب و صادفوا الحق في ذلك فأما الدواء العام النافع الداخل تحت قدرة كل أحد من غني و فقير و سوقة و ملوك من داء جميع الذنوب و المعاصي فهو التوبة و إرضاء الخصوم من شروطها مما يقدر عليه من ذلك و عينه عليه الشارع إذا كان ذلك الداء مما ينبغي أن يرضى فيه الخصوم و إذا كان مما لا ينبغي فيتوب و لا يرضى خصمه فإنه إن أرضاه قد يقع في محظور أشد مما كان قد تاب عنه فلا يغفل عنه و أما الدواء الملكي فلا يستعمله إلا العارفون السادة من رجال الله و هم الذين يكون الحق سمعهم و بصرهم و لسانهم و هو قوله عقيب قوله وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ هذا خطاب عام ثم قال وَ اتَّقُوا الله هذا هو الدواء و معناه اتخذوه وقاية بينكم و بين هذه الأمور المذمومة التي الغيبة منها فإذا اتخذتموه جنة تعاورت هذه الجنة سهام هذه الأفعال و هي قوية لا تنفذها هذه السهام فيكون المتقي بها في حمايتها و لا يكون الحق وقاية للعبد حتى يتلبس به العبد كما يتلبس المتوقى بالجنن من الدرع الحصينة و غيرها و صورة تلبسه أن يكون الحق سمعه و لسانه و جميع قواه و جوارحه في حال تصرفها فيما هي له فيكون نورا كله فنبه الله في كتابه على هذه الأدواء الملكية السلطانية مثل قوله تعالى فَأَلْهَمَها فُجُورَها و الغيبة من الفجور وَ تَقْواها أي الذي يتخذه وقاية من هذا الفجور و لم يجعل الفجور من أوصافها و إنما جعله مجعولا فيها من الملهم لها كما أيد هذا بقوله أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فما جعل التزيين له بل قال زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ و قال زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ و لما أضاف التزيين إليه سبحانه قال فَهُمْ يَعْمَهُونَ أي يحارون و الحيرة من صفات الأكابر و صفة الحيرة في مثل هذا أنه الأمر في إيجاده للملهم المزين و المجعول فيه الملهم و المزين له مأمور باجتنابه و هو الاتصاف بما ألهم له و ما زين من قبل أن يظهر بالفعل فهو مذموم غير مؤاخذ به حتى يتلبس به في الظاهر ثم قال في أمور من هذا الباب إنه رِجْسٌ من عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ و هو البعيد من الرحمة فَاجْتَنِبُوهُ أي و كونوا مع الاسم القريب من الرحمة و من أسمائه سبحانه البعيد فمن اتخذ الحمق جنة و وقاية كما أمر لم تضره هذه الأشياء فإن الله تعالى ما نبهه على استعمال هذه الأدواء إلا لإقامة العذر منه إذا سئل عن مثل هذا و المؤمن غيب خلف جنته فهو في حمى فلا يخرج عن حماه و الفاسق الذي لا غيبة فيه ليس بغائب خلف جنته بل هو خارج عنها لأن الفسوق الخروج فقال لا غيبة في فاسق فمن أخرج غيبا يستحق أن يكون غيبا إلى شهادة فقد أخطأ و لهذا أضاف الغيبة إلينا فقال وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فجعلنا نشأة واحدة ذات أبعاض فإن الجزء و التفصيل إنما يرد على الكل فما خرجنا عنا و لا وقعنا إلا فينا فشدد الأمر علينا في ذلك فإن القاتل نفسه حرمت عليه الجنة و هي الساترة فإن الشيء لا يستتر عن نفسه و كل من ذكر غائبا فقد صيره شهادة و غربه عن موطنه و موت الغريب شهادة فالمغتاب فاعل خير في حق من اغتابه و إن كان يكره ذلك ففيه منفعة كشارب الدواء الكرة وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ و إذا كان فاعل خير من غير قصد فهو ممن أجرى الله الخير لزيد على يديه فيكون جزاؤه جزاء من وفق لعمل خير من غير قصد في حق من اغتابه لكن ذلك مقصود لمن ألهمه إياه و سماه فجورا في حقه فيصلح الله يوم القيامة بين عباده لما يراه المظلوم من الخير الواصل إليه على يدي أخيه فيشكره على ذلك فيسعدان جميعا و في الخبر الصحيح فَاتَّقُوا الله وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة فالغيبة و إن كانت مذمومة فهي من ذلك الوجه محمودة في حق من اغتيب فمال ذلك إلى الخير إذ كانت الجنة و الوقاية الحائلة بينهماالحق و الحق و الغيبة وجود ما هي عدم فوقع التناسب بين الموجودين فاندرج الأضعف في الأقوى فاعلم ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الخامس عشر و مائة في معرفة الغيبة و محمودها و مذمومها)
إذا نزل الحق من عزه إلى منزل الجوع و المرحمة
فخذه على حد ما قاله فإن به تحصل المكرمة
و لا تلقينه على جاهل فتحصل في موقف المندمه
فغيبك الحق في ذكره بما لم يقل و هي المشأمة
و إن كان حقا و لكنه إذا قاله قائل قال مه