ليست القناعة عندنا الاكتفاء بالموجود من غير طلب المزيد أرسل الله تعالى على أيوب و هو نبي مكرم قيل فيه نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ و أثنى عليه بالصبر مع دعائه ربه في كشف الضر عنه فازاله فلما أرسل عليه رجلا من جراد من ذهب فأخذ يجمعه في ثوبه فقال له ربه أ لم أكن أغنيتك عن هذا فقال يا رب لا غنى بي عن خيرك فإن كان فعل هذا لما هو عليه ظاهر الحال فهو ما أردنا و إن كان ليقتدي به في ذلك فما فعل إلا ما هو أولى بالقربة إلى الله من تركه و هو من الَّذِينَ هَدَى الله و أمر الله نبيه ص بالاقتداء بهداهم و قال لنا لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و القناعة عندنا على بابها في اللسان و هي المسألة و القانع السائل و السؤال من الله لا من غيره يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل و هو الذي رفع سؤاله إلى الله و هو قوله في الظالمين يوم القيامة مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ أي رافعين إلى الله يسألونه المغفرة عن جرائمهم و يجتمع الحدان في أمر و هو أن السائلين الله قنعوا به في سؤالهم و التجائهم إليه فلم يسألوا غيره تعالى فهذا معنى قول الأكابر الاكتفاء بالموجود و هو الله بالسؤال عن طلب المزيد و هو أن يتعدى بالسؤال إلى غيره و الخلق عيال الله أي الفقراء إلى الله فمن سأل غير الله فليس بقانع و يخاف عليه من الحرمان و الخسران فإن السائل موصوف بالركون لمن سأله و الله يقول وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ من دُونِ الله من أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ و من ركن إلى جنسه فقد ركن إلى ظالم فإن الله يقول في الإنسان إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لحمله الأمانة و ما من أحد من الناس إلا حملها فلا تركن إلى غير الله و اكتف بالله في سؤالك تسعد إن شاء الله و للقناعة درجات عند العارفين من أهل الأنس و الوصال و هي ستمائة و اثنتان و خمسون درجة و درجاتها عند العارفين من أهل الأدب و الوقوف مائتان و سبع و خمسون درجة و درجاتها عند الملامية من أهل الأنس و الوصال ستمائة و إحدى و عشرون درجة و درجاتها عند الملامتية من أهل الأدب و الوقوف مائتان و ست و عشرون درجة و للقناعة الدعوى و لها نسبتان نسبة إلى عالم الجبروت و نسبة إلى عالم الملكوت و ليس لها إلى عالم الملك نسبة ظاهرة بل لها نسبة باطنة إلى عالم الملك يظهر ذلك القنوع و هذا القدر كاف فيها و الله الموفق
(الباب السادس عشر و مائة في معرفة القناعة و أسرارها)
إن القناعة باب أنت داخله إن كنت ذاك الذي يرجى لخدمته
فاقنع بما أعطت الأيام من نعم من الطبيعة لا تقنع بنعمته
لو كان عندك مال الخلق كلهم لم يأكل الشخص منه غير لقمته