اعلم أيدك الله أن هاتين الصفتين مجبول عليهما الإنسان بما هو إنسان و كل ما هو الإنسان مجبول عليه فمن المحال زواله فهو مقام لا حال فإنه ثابت و يتطرق إليه الذم من جهة متعلقة إذا كان مذموما شرعا و عقلا قال تعالى وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ و قال ص زادك الله حرصا و لا تعد فالآية موجهة لطرفي الحمد و الذم لو لا الضمير الذي في قوله وَ لَتَجِدَنَّهُمْ فإنه يعود على قوم مذمومين و قرينة الحال تدل على أن مساقه الحرص فيها على الذم تكذيبا لهم فيما ادعوه من أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس فمن نظر في الحرص هنا الدلالة على كذبهم كان محمودا فيهم لأنه دليل إلهي على كذبهم فهو من جانب الحق فيهم عليهم حجة لله و لله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و المذموم هو المذموم من كل وجه من حيث ما هو فيهم لا من حيث دلالته عليهم و كان متعلقة ما يفنى و تكذيب الصادق كان مذموما و أما في الخبر الذي أوردناه فهو محمود لأنه حرص على أداء عبادة مفروضة ثم إنه مع هذا فإنهما صفتان من صفات العالم الوارثالمكمل الذي هو سائس أمة فهو ينظر فيما فيه صلاحهم كما قال في نبيه ص يمدحه به حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ فمدحه بالحرص على ما تسعد به أمته و شرهه و حرصه على إسلام عمه أبي طالب إلى أن قال له قلها في أذني حتى أشهد لك بها لعلمه بأن شهادته مقبولة و كلامه مسموع فيعرف الكامل نائب الله في عباده نوائب الزمان المستأنفة فيستعد لها عن الأمر الذي كان له منه الاطلاع على منازلتها فيتخيل من لا علم له أنه سعى في حق نفسه و ليس الأمر كذلك و هو كذلك فإنه يباهي الأمم بالأتباع من أمته فكان يطلب الكثرة من المؤمنين و لكن لا بد لهذا الشرة من وجود الشرطين الاطلاع و الأمر الإلهي و هو الشرط الأعظم و أما الاطلاع و إن اشترط فهو شرط ضعيف فإنه لا يشترط إلا لمن ادعى أنه يدخر في حق الغير ثم يتناول من ذلك المدخر في حق نفسه فيقال له هل أطلعك الله على من له هذا المدخر عندك و هل اطلعت على أنه لا يصل إليهم إلا على يدك فإن قال نعم سلم له الادخار و إن قال لا قيل له فحرصك ما قام على أصل مقطوع بصحته فدخله الخلل فإن قيل فقد قالت طائفة من صح توكله في نفسه صح توكله في غيره قلنا هذا صحيح و هذا لا يناقض حال هذا الحريص على الكسب و الادخار و المزاحمة لأبناء الدنيا الذين لا توكل لهم على ذلك فإن التوكل أمر باطن و هو الاعتماد على الله و هذا المدخر إن كان اعتماده على ما ادخره فهذا يناقض التوكل و إن لم يعتمد عليه فليس يناقض لكن يناقض التجريد الظاهر و قطع الأسباب و ليس هذا من أحوال المكملين و إنما هو من أحوال السالكين ليكون لهم ما اتخذوه عقدا ذوقا فإن الذوق أتم في التمكن فإنه يزيل الاضطراب في حال عدم السبب الذي من عادة النفس أن تسكن إليه و سيرد تحقيق هذا في مقام التوكل بعد هذا إن شاء الله و لهذا الشرة و الحرص من الدرجات عند العارفين سواء كانوا من أهل الأدب و الوقوف أو من أهل الأنس و الوصال ثمانمائة و خمس و ستون درجة و عند الملامتية سواء كان الملامي من أهل الأنس و الوصال أو من أهل الأدب و الوقوف ثمانمائة درجة و ثلاث درجات فإن كان العارفون من أهل الأسرار فلهم من الدرجات ألف و خمسمائة و خمس و ثلاثون درجة و إن كانوا من أهل الأنوار فلهم ثمانمائة درجة و خمس و ستون درجة و إن كان الملامية من أهل الأسرار فلهم ألف و أربعمائة و ثلاث و سبعون درجة و إن كانوا من أهل الأنوار فلهم ثمانمائة و ثلاث درجات و هو نعت إلهي فإنه يقول عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ و كذلك الحرص نعت إلهي أيضا و هو الذي يقتضيه قول الله لملائكته في المتشاحنين أنظروا هذين حتى يصطلحا و تسخير الملائكة في حق المؤمنين بالاستغفار و الدعاء لهم فهذا من ثمرته و إن لم يرد الإطلاق اللفظي به فإن هذه الأمور على قسمين منهما ما ورد إطلاق اللفظ بأسمائها على الجناب الإلهي و منها ما وجد منه آثارها و لم يطلق عليه منها اسم و منها ما نسب الفعل الذي يكون منها إليه و لم يطلق عليه منه اسما و منه ما أطلق عليه منه اسما في جماعة بحكم التضمين فمثل ما نسب إليه الفعل و لم يطلق الاسم قوله الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و قوله سَخِرَ الله مِنْهُمْ و مثل ما نسب إليه الفعل و أطلق عليه الاسم في جماعة بحكم التضمين قوله وَ مَكَرَ الله وَ الله خَيْرُ الْماكِرِينَ و مثل ما أطلق عليه منه اسم قوله وَ هُوَ خادِعُهُمْ و مثل ما وجد منه آثارها و لم يطلق عليه منها اسم و لا فعل قوله عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ
(الباب السابع عشر و مائة في مقام الشرة و الحرص في الزيادة على الاكتفاء
لا تقنعن بشيء دونه أبدا و اشره فإنك مجبول على الشرة
و احرص على طلب العليا تحظ بها فليس نائمها عنها كمنتبه
إن الحلال حلال ما وثقت به و ليس مال حرام مثل مشتبه