قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب التاسع عشر و مائة في ترك التوكل)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
أنت الخليفة فيما أنت مالكه و الحق ليس به نفع و لا ضرر
ترك التوكل حال ليس يعلمه غير الوكيل فلا روح و لا بشر
كيف التوكل و الأعيان ليس سوى عين الموكل لا عين و لا أثر

التوكل مشروع فينال الحد المشروع منه و التوكل الحقيقي غير واقع من الكون في حال وجوده فما هو إلا للمعدوم في حال عدمه و ما ثم مقام يتصف به المعدوم و لا يصح في الموجود من جهة الحقيقة إلا التوكل فلا يزال المعدوم موصوفا بالتوكل حتى يوجد فإذا وجد خرج عنه التوكل فذلك المعبر عنه بترك التوكل‏ ثم أقول لا يصح ترك التوكل المعروف عند العامة من أهل الله إلا لرجلين الواحد علم أنه لا يصح فترك الشروع فيه لأنه عنده لا يمكن تحصيله لما رأى نفسه إذا أخذه ألم الجوع و عنده ما يدفعه به تناوله ليزيل ألم الجوع فلا فرق بينه و بين من يسترقي و يتطبب و يلجأ إلى محل الأمن من الأمور المخوفة مع الصحو و توفر العقل و العلم التام فالتوكل من حيث ما هو مقام هو حاصل و من حيث حاله ليس بحاصل فالتوكل يصح لا يصح و أما الرجل الآخر قال إن الله أعلم بمصالح الخلق و قد أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ففيم التوكل مع هذا الفراغ فترك التوكل فإنه ما بقي له ما يعتمد على الله فيه لأنه قال فرغ ربك و مع هذا فهو واقف مع الأمر و النهي عامل بما أمر به أو نهى عنه من الأعمال قائم بالحكم المشروع عليه‏ فمن أسرار التوكل ترك التوكل فإن ترك التوكل يبقي الأغيار و التوكل ينفي الأغيار و عند أكثر القوم أن الأعلى ما ينفي لا ما يبقى و عندنا و عند شيخنا أبي السعود بن الشبلي و أبي عبد الله الهواري بتنس من بلاد المغرب و أبي عبد الله الغزال بالمرية ببلاد الأندلس و أبي عمران موسى بن عمران الميرتلي بإشبيلية و غيرهم إن الأعلى ما يفنى ما ينبغي و يبقى ما ينبغي في الحال التي تنبغي و الوقت الذي ينبغي و به كان يقول عبد القادر الجيلي ببغداد فإن الله تعالى أفنى و أبقى يقول تعالى ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ فلا تعتمد عليه وَ ما عِنْدَ الله باقٍ فتعتمد على الله في بقائه فأفنى و أبقى و الإفناء حال أبي مدين في وقت إمامته و لا أدري هل انتقل عنه بعد ذلك أم لا لأنه انتقل عن الإمامة قبل أن يموت بساعة أو ساعتين الشك مني لبعد الوقت‏ و صاحب ترك التوكل ما له دعوى و هو غير مسئول لأنه أمر عدمي فجرى مجرى الأصل في قوله تعالى هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً يريد عدمه في عينه لأنه كان مذكورا لله تعالى و الدهر اسم من أسماء الله و لهذا الاشتراك اللفظي نهي عن سب الدهر و قال إن الله هو الدهر و ما ثم عين تسب لعينها و إنما تسب لما يصدر منها و ما يصدر كون إلا من الله و الدهر الزماني نسبة و قوله لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً يعني الإنسان في ذلك الحين أي موجودا في عينه مع وجود الأعيان و لكن ما تعرفه حتى تذكره و لا هي ذات فكر حتى تجمعه في ذهنها تقديرا فتذكره فإن الفكر من القوي التي اختص بها الإنسان لا توجد في غيره‏ ثم إن هذه الآية من أصعب ما نزل في القرآن في حق نقصان الإنسان و فيما يظهر من عدم الاعتناء الإلهي به و عندنا ما أخر الله نشأته و وجود عينه إلا اعتناء الله به لأنه لو أوجده الله أول الأشياء كان يمر عليه وقت لا يكون فيه خليفة فإنه ما ثم من قد هياه لمرتبة الخلافة و النيابة عنه فلا بد أن يتأخر وجود عينه عن وجود الأعيان حتى لا يزول عنه اسم الخلافة دنيا و لا آخرة فما وجد إلا ملكيا سيدا كما أنه مع غيره لله عبد مملوك ففضل العالم كله بالخلافة فلم تكن لغير الإنسان و هذه المرتبة أوجبت له أن يخلق على الصورة و من قال إن هذه الآية تدل على عدم الاعتناء الإلهي بالإنسان لأن الله متكلم أزلا عالم بما يكون أزلا و نفى أن يكون الإنسان شيئا مذكورا مع أنه شي‏ء و لا بد لقوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فما يؤمر إلا من يسمع بسمع ثبوتي أو وجودي و نفى أن يكون الإنسان مذكورا في حين من الدهر و الدهر هنا الزمان و الحين جزء منه لم يكن فيه الإنسان مذكورا مع وجوده صورة إنسان و جهل من‏شاهد صورته مراد الله فيه و ما علم له اسم رتبة يذكر به و لا ما له عند الله من العناية به التي ظهر أثرها عليه حين أقامه خليفة في أرضه و ما غربه عن موطنه و هو التراب الذي خلق منه و موطن ذلته لشهود عبوديته فإن الأرض ذلول فما حجبته الخلافة عن عبودته و إن كانت أعلى المراتب فهو فيها بالذات و الملائكة المقربون فيها بالعرض يقول تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ لكونه يحيي الموتى و يخلق و يبرئ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ثم عطف فقال وَ لا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ و هم العالون عن العالم العنصري المولد فهم أعلى نشأة و الإنسان أجمع نشأة فإن فيه الملك و غيره فله فضيلة الجمع و لهذه جعله معلم الملائكة و أسجدهم له فمساق الآية يوزن بتقرير النعم عليه و إنما وقعت الصعوبة في هذا الذكر كونه نكرة و النكرة تعم في مساق النفي فالتنكير يوزن بتعميم نفي الذكر عنه من كل ذاكر و هو دليل على إن الله ما ذكره لمن أوجد قبله من الأعيان و إن كان مذكورا له في نفسه ثم ذكره لملائكته بمرتبته التي خلق لها لا باسمه العلم الذي هو آدم فاعلم‏