قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب العشرون و مائة في معرفة مقام الشكر و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الشكر شكران شكر الفوز و الرفد هذا من الروح و الثاني من الجسد
فالشكر للرفد يعطيني زيادته و الشكر للفوز مثل السلب للأحد
و الشكر للفوز محصور بغايته و الشكر للرفد لا يجري إلى أمد

اعلم أن درجات الشكر في الأسرار الإلهية ألف درجة و مائتان و إحدى و خمسون درجة عند العارفين من أهل الله و عند الملامية منهم ألف و مائتان و عشرون و درجاته في الأنوار عند العارفين خمسمائة و إحدى و خمسون درجة و عند الملامية من أهل الأنوار خمسمائة و عشرون درجة اعلم أيدك الله أن الشكر هو الثناء على الله بما يكون منه خاصة لصفة هو عليها من حيث ما هو مشكور و من أسمائه الشكور و شاكر و قد قال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ فهي صفة تقتضي الزيادة من المشكور للشاكر و هي واجبة بالاتفاق عقلا عند طائفة و شرعا عند طائفة فإن شكر المنعم يجب عقلا و شرعا و ما تسمى الله تعالى بشاكر لنا إلا لنزيده من العمل الذي أعطاه أن يشكرنا عليه لنزيده منه كما يزيدنا نعمة إذا شكرناه على نعمه و آلائه و لا يصح الشكر إلا على النعم‏ فتفطن لنسبة الشكر إليه تعالى ببنية المبالغة في حق من أعطاه من العمل ما تعين على جميع أعضائه و قواه الظاهرة و الباطنة في كل حال بما يليق به و في كل زمان بما يليق به فيشكره الحق على كل ذلك بالاسم الشكور و هذا من خصوص أهل الله و أما العامة فدون هذه الرتبة في أعمال الحال و الزمان و جميع الكل فإذا أتوا بالعمل على هذا الحد من النقص تلقاهم الاسم الشاكر لا الشكور فهم على كل حال مشكورون و لكن قال الله تعالى وَ قَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ فهم خاصة الله الذين يرون جميع ما يكون من الله في حقهم و في حق عباده نعمة إلهية سواء سرهم ذلك أم ساءهم فهم يشكرون على كل حال و هذا الصنف قليل بالوجود و بتعريف الله إيانا بقلتهم و أما الشاكرون من العباد فهم الذين يشكرون الله على المسمى نعمة في العرف خاصة و الشكر نعت إلهي و هو لفظي و علمي و عملي فاللفظي الثناء على الله بما يكون منه على حد ما تقدم و العملي قوله تعالى وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ فهذا هو الشكر العملي و قوله وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ فهو موجه له وجه إلى اللفظ و هو الذكر بما أنعم الله به عليه فإذا ذكر ما أنعم الله به عليه من النعم المعلومة في العرف من المال و العلم فقد عرض نفسه لنقصد في ذلك فيجود به على القاصد فيدخلك في الشكر العملي لأن من النعم ما يكون مستورا لا يعرف صاحبها أنه صاحب نعمة فلا يقصد فإذا حدث بما أعطاه الله و أنعم عليه به قصد في ذلك فلهذا أمر بالحديث بالنعم و التحدث بالنعم شكر و الإعطاء منها شكر على شكر فجمع بين الذكر و العمل فيقول الحمد لله المنعم المفضل‏ و أما الشكر العلمي و هو حق الشكر فهو أن يرى النعمة من الله فإذا رأيتها من الله فقد شكرته حق الشكر خرج ابن ماجة في سننه عن رسول الله ص أن الله أوحى إلى موسى يا موسى اشكرني حق الشكر قال موسى يا رب و من يقدر على ذلك قال يا موسى إذا رأيت النعمة مني فقد شكرتني حق الشكر هذا حال من رأى النعمة و من نعمته على عبده أن يوفقه لبذل ما عنده من نعم الله على المحتاجين من عباده فيعطيهم بيد حق لا بيده فهم ناظرون‏في هذه النعمة و هي رؤيتهم ذلك التصريف من عند الله في مرضاة الله فيدخلون في حزب من شكره حق الشكر و هذا هو أعلى الشكر في الشاكرين و هو هين على العارفين المتجردين عن أوصافهم برد الأمور إلى الله‏ و ليس لهذا المقام نسبة إلا لعالم البرازخ و هو الجبروت ليعم الطرفين فإن البرازخ أتم المقامات علما بالأمور و هو مقام الأسماء الإلهية فإنها برزخ بيننا و بين المسمى فلها نظر إليه من كونها اسما له و لها نظر إلينا من حيث ما تعطي فينا من الآثار المنسوبة للمسمى فتعرف المسمى و تعرفنا و اختلف أصحابنا في الزيادة التي يعطيها الشكر هل هي من جنس ما وقع الشكر عليه أو لا يكون إلا من نعم أخر أو منهما فالمحققون يجعلونها من الجنس المشكور من أجله و ما لم يكن من جنسه فما هو من الزيادة التي أوجبها الشكر بل تكون تلك النعم من باب المنة ابتداء لا من باب الجزاء و منهم من قال أي نعمة وقعت بعد الشكر فهي جزاء و هي الزيادة و ما لم يقع عقيب شكر من النعم فهو من عين المنة و إنما قالوا ذلك لعدم معرفتهم بالمناسبة بين الأشياء التي اختارها الحكيم سبحانه و قصد القوم القائلون بهذا تنزيه الحق عن التقييد بل يعطي مما شاء من غير تقييد فالمحققون أكبر علما منهم و هؤلاء في الظاهر أنزه و في المعنى الكل سواء في تنزيه الحق و الله الموفق انتهى الجزء التاسع و التسعون‏

( (بسم الله الرحمن الرحيم))