اعلم أنه ما من عمل إلا و هو أمر وجودي و ما من أمر وجودي إلا و هو دلالة على وجود الله و توحيده سواء كان ذلك الأمر مذموما عرفا و شرعا أو محمودا عرفا و شرعا و إذا كان دلالة فهو نور و النور محمود لذاته فما ثم ما يجري عليه لسان ذم على الإطلاق كما أنه ما ثم معصية من مؤمن خالصة غير مشوبة بطاعة و هي الايمان بكونها معصية فتحقق هذا ثم حقيقة أخرى إنه ما ثم تكليف من عمل أو ترك إلا و الأولوية تصحبه لا بد من ذلك فيقال تركه أولى من العمل أو العمل به أولى من تركه و ما دخلته الأولوية فما هو خالص لأمر معين هذا معلوم دلالة عقل و كشف و الله قد جعل الشكر عبادة و العبادات لا تترك و جعل الصدق عبادة و ما أطلق عليه الحمد في كل موطن فإن الغيبة صدق و هو صدق مذموم و النميمة بالسوء صدق و هو مذموم و مواطن كثيرة للصدق يكون الصدق مذموما فيها مع الإطلاق إذ الصدق صفة محمودة فإذا أخذه التفصيل ميزته المواطن عرفا و شرعا كما إن الكذب بمطلقه صفة مذمومة فإذا أخذه التقييد و التفصيل ميزته المواطن عرفا و شرعا فإذا شكر الإنسان ربه و رأى الشكر و النعمة منه فقد أتى صفة محمودة و هو عبادة فمن أداها من حيث ما هي عبادة خاصة و لم يخطر له الشكر من أجل المزيد من جهة هذه العبادة كما أنه أيضا طلب المزيد من العلم عبادة مأمور بها فهنالك يكون طلب الزيادة عبادة و أما في غير ذلك الموطن فما هو عبادة مشروعة فإذا أدى الإنسان شكر رب النعمة بفصولها من غير طلب الزيادة فكأنه ترك ما يعطيه الشكر و ما يقتضيه طبع النفوس بذاتها من طلب زيادات النعم و لا يمنع هنا كون الحق سمعه و بصره أن يكون تاركا لطلب الزيادة إذا كان الحق لا ينقصه شيء فإن الله قد اتصف بكونه شاكرا و شكورا و طلب الزيادة من أعمالنا من كونه شكورا فتعين علينا بل وجب أن نعطي الشكر الإلهي حقه و هو الزيادة منا فيما شكر منا و الزيادة عبادات سواء كان ذلك تركا أو عملا فترك الشكر برؤية العمل من الإنسان ترك صحيح لحق الشكر الذي يجب له و هذا مقام العموم فيصح ترك الشكر من العامة من أهل الله و أما من قال شكر النعمة إنه حجاب على المنعم فما عنده معرفة بالحقائق فإن ذلك لا يصح في كل من شكر نعمة فبالضرورة شكر المنعم بها غير إن بعض الناس لا يرى المنعم إلا السبب و بعض الناس يرى المنعم الله سبحانه و الكمل من الناس يرون اللهو السبب فيشكر الله حقيقة و يشكر السبب عن أمر الله عباده من حيث أمرهم بشكره فقال أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ و قال لا يشكر الله من لم يشكر الناس فهذا مقام ترك الشكر أي ترك توحيد شكر المنعم الأصلي لأنه شرك في شكره بين المنعم بالأصالة و بين السبب عن أمر الله فإنه مقام صعب غامض أعني ترك الشكر لكون الله اتصف بالشكر و طلب الزيادة مما شكرنا من أجله فالتخلص من ذلك عسير و أما إذا كان مجلاه و وقته أن يكون الحق هو الشاكر و المشكور و سلب الأفعال عن المخلوقين فقد ترك الشكر في حال كونه شاكرا فيرى الحق إما شاكرا مطلقا و العبد لا شكر له البتة و إما أن يرى الحق تعالى شاكرا به أي بعبده بما هو العبد عليه من الشكر فهذا تارك للشكر من وجه موصوف بالشكر من وجه و هذا سار في جميع ما يصدر من العبد من الأفعال مشهد عزيز من عين المنة هذه المسألة كانت عندي من أصعب المسائل و ما فتح لي فيها بما هو الأمر عليه على القطع الذي لا أشك علما سوى ليلة تقييدي لهذا الباب في هذه المجلدة و هي ليلة السبت السادس من رجب الفرد سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة فإنه لم يكن تتخلص لي إضافة خلق الأعمال لأحد الجانبين و يعسر عندي الفصل بين الكسب الذي يقول به قوم و بين الخلق الذي يقول به قوم فأوقفني الحق بكشف بصري على خلقه المخلوق الأول الذي لم يتقدمه مخلوق إذ لم يكن إلا الله و قال لي هل هنا أمر يورث التلبيس و الحيرة قلت لا قال لي هكذا جميع ما تراه من المحدثات ما لأحد فيه أثر و لا شيء من الخلق فإنا الذي أخلق الأشياء عند الأسباب لا بالأسباب فتتكون عن أمري خلقت النفخ في عيسى و خلقت التكوين في الطائر قلت له فنفسك إذا خاطبت في قولك افعل و لا تفعل قال لي إذا طالعتك بأمر فالزم الأدب فإن الحضرة لا تحتمل المحاققة قلت به و هذا عين ما كنا فيه و من يحاقق و من يتأدب و أنت خالق الأدب و المحاققة فإن خلقت المحاققة فلا بد من حكمها و إن خلقت الأدب فلا بد من حكمه قال هو ذلك فاستمع إذا قرئ القرآن و أنصت قلت ذلك لك أخلق السمع حتى أسمع و أخلق الإنصات حتى أنصت و ما يخاطبك الآن سوى ما خلقت فقال لي ما أخلق إلا ما علمت و ما علمت إلا ما هو المعلوم عليه فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و قد أعلمتك هذا فيما سلف فألزمه مشاهدة فليس سواه ترح خاطرك و لا تأمن حتى ينقطع التكليف و لا ينقطع حتى تجوز على الصراط فحينئذ تكون العبادة من الناس ذاتية ليست عن أمر و لا نهي يقتضيه وجوب أو ندب أو حظر أو كراهة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الأحد و العشرون و مائة في مقام ترك الشكر)
إذا كان حال الشكر يعطي زيادة و كان الإله الحق سمعك و البصر
فلا يقبل الحق الزيادة فانتقد كلامي تجده عبرة لمن اعتبر
فقد زال حكم الشكر من كل عالم بما قلته فالترك للشكر قد شكر