و اليقين هو قوله لنبيه ص وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ و حكمه سكون النفس بالمتيقن أو حركتها إلى المتيقن و هو ما يكون الإنسان فيه على بصيرة أي شيء كان فإذا كان حكم المبتغي في النفس حكم الحاصل فذلك اليقين سواء حصل المتيقن أو لم يحصل في الوقت كقوله أَتى أَمْرُ الله و إن كان لم يأت بعد و لكن تقطع النفس المؤمنة بإتيانه فلا فرق عندها بين حصوله و بين عدم حصوله و هو قول من قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا مع أن المتيقن ما حصل في الوجود العيني فقال الله لنبيه و لكل عبد يكون بمثابته اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ فإذا أتاك اليقين علمت من العابد و المعبود و من العامل و المعمول به و علمت ما أثر الظاهر في المظاهر و ما أعطت المظاهر في الظاهر و اعلم أن لليقين علما و عينا و حقا و لكل حق حقيقة و سيرد ذلك في باب له مفرد بعد هذا من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى و إنما جعل له علما و عينا و حقا لأنه قد يكون يقينا ما ليس بعلم و لا عين و لا حق و يقطع به من حصل عنده و هو صاحب يقين لا صاحب علم يقين و اختلف أصحابنا في اليقين هل يصح أن يكون يقين أتم من يقين أم لا فإنه روى عن النبي ص أنه قال في عيسى عليه السلام لو ازداد يقينا لمشى في الهواء أشار به إلى ليلة الإسراء و أن باليقين صح له المشي في الهواء و هذا التفسير ليس بشيء فإنه أسرى به ربه ليريه من آياته و بعث إليه بالبراق فكان محمولا في إسرائهو مثل هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ص إنه أشار بذلك إلى نفسه و معلوم أنه ليس أحد من البشر يماثله في اليقين لكنه ما مشى في الهواء بيقينه و إنما جاءه جبريل ع بدابة دون البغل و فوق الحمار تسمى البراق فكان و البراق هو الذي مشى في الهواء ثم إنه ص لما انتهى البراق به إلى الحد الذي أذن له نزل عنه و قعد في الرفرف و علا به إلى حيث أراد الله و غفل الناس عن هذا كله فما أسرى به ص لقوة يقينه بل يقينه في قلبه على ما هو به من التعلق بالمتيقن العام كان ما كان لكنه مما فيه سعادته لأنه وصف به في معرض المدح و لنا في اليقين جزء شريف وضعناه في مسجد اليقين مسجد إبراهيم الخليل في زيارتنا لوطا ع فقد يتيقن الجاهل أنه جاهل و الظان أنه ظان و الشاك أنه شاك فيما هو فيه شاك و كل واحد صاحب يقين قاطع بحاله الذي هو عليه علما كان أو غير علم فإن قلت فأين شرفه قلنا شرفه بشرف المتيقن كالعلم سواء و لهذا جاء بالألف و اللام في قوله حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ يريد متيقنا خاصا ما هو يقين يقع المدح به بل هو يقين معين و قوله تعالى وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً يريد ما هو مقتول في نفس الأمر لا عندهم بل شُبِّهَ لَهُمْ فهذا يقين مستقل ليس له محل يقوم به فإنهم متيقنون أنهم قتلوه و الله ليس بمحل لليقين فلم يبق محل لليقين سوى القتل و هذا من باب قيام المعنى بالمعنى فإن اليقين معنى و القتل معنى فالقتل قد تيقن في نفسه أنه ما قام بعيسى ع فالقتل موصوف في هذه الآية باليقين و أصدق المعاني ما قام بالمعاني و هذه المسألة عندنا من محارات العقول مما لا يقضي فيها بشيء و عند بعضنا يلحقه بالمحال و عند بعضهم ممكنة واقعة و بالجملة فاليقين عزيز الوجود في الأمور الطبيعية المعتادة فإن العادة تسرق الطبع و لا سيما في الأمور التي بها قوام البدن الطبيعي فإذا فقد ما به يصل إلى ما به قوامه فإنه يتألم و الألم لا يقدح في اليقين فإنه ما يضاده و لكن قل إن يتألم ذو ألم إلا و لا بد أن يضطرب و يتحرك في نفسه و لا سيما ألم الجوع و العطش و البرد و الحر و الاضطراب يضاد اليقين فإن اليقين سكون النفس إلى من بيده هذه الأمور المزيلة لهذه الآلام فيريد من قامت به الآلام سرعة زوالها طبعا و إذا كان هذا فنسلك في اليقين طريقة غير ما يتخيلها أهل الطريق و هو أن الاضطراب لا يقدح في اليقين إذا كان هبوب اليقين في إزالة تلك الآلام إلى جناب الحق لا إلى الأسباب المزيلة في العادة فإن شاء الحق أزالها بتلك الأسباب أزالها بأن يوجد عنده تلك الأسباب و إن شاء أزالها بغير ذلك فصار متعلق اليقين الجناب الإلهي لا غير و هذا قد يكون كثيرا في رجال الله و درجات اليقين عند العارفين مائتان درجة و درجة واحدة و عند الملامية مائة و سبعون درجة و هو ملكوتي جبروتي له إلى الملكوت نسبة واحدة و عند العارفين نسبتان لأنه عند العارفين مركب من ست حقائق و نشأته عند الملامية من أربع حقائق و له السكون الميت و الحي فبالسكون الحي يضطرب صاحبه و بالسكون الميت يتعلق بالله فما يضطرب فيه من غير تعيين مزيل بل بما أراد الله أن يزيله
(الباب الثاني و العشرون و مائة في معرفة مقام اليقين و أسراره)
إن اليقين مقر العلم في الخلد في كل حال بوعد الواحد الصمد
إن اليقين الذي التحقيق حصله اعكف عليه و لا تنظر إلى أحد
فإن تزلزل عن حكم الثبات فما هو اليقين الذي يقوى به خلدي