قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثالث و الثلاثون و مائة في مقام ترك الاستقامة)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ فلا تغرنك دار الغرور
و كل ما خالف ما قاله سبحانه فإنه قول زور
فكل معوج له غاية إليه حقا في جميع الأمور
فلا تعين واحدا أنه حكم بجهل حاصل أو قصور
فصلت الأشياء أغراضنا إلى سعيد و إلى من يبور
و رجع الكل إلى قوله أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ

اعلم علمك الله أن ترك الاستقامة من أعلام الإقامة عند الله و الحضور معه في كل حال كما قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في حق النبي ص من أنه كان يذكر الله على كل أحيانه‏ فهو في الدنيا موصوف بصفة أرض الآخرة لا تَرى‏ فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً و لما كانت الاستقامة تتميز بالاعوجاج و لا اعوجاج فلا استقامة مشهودة

فالكل في عين الوجود على طريق واحد
و الكل في عين الرضي من مؤمن أو جاحد

و قد يكون مشهد صاحب هذا الشهود النظر في إمكان العالم و الإمكان سبب مرضه و المرض ميل و الميل ضد الاستقامة و الإمكان للعالم نعت ذاتي لا يتصور زواله لا في حال عدمه و لا في حال وجوده فالمرض له ذاتي فالميل له ذاتي فلا استقامة فالعالم مرضه زمانة لا يرجى رفعها إلا إن الكون محل لوجود المغالطات لأمور تقتضيها الحكمة و يطلبها العقل السليم لعلمه بما يصلح الكون إذ شرع التكليف و لم يكن في الوسع أن تكون آحاد العالم على مزاج واحد فلما اختلفت الأمزجة كان في العالم العالم و الأعلم و الفاضل و الأفضل فمنه من عرف الله مطلقا من غير تقييد و منهم من لا يقدر على تحصيل العلم بالله حتى يقيده بالصفات التي لا توهم الحدوث و تقتضي كمال الموصوف و منهم من لا يقدر على العلم بالله حتى يقيده بصفات الحدوث فيدخله تحت حكم ظرفية الزمان و ظرفية المكان و الحد و المقدار و لما كان الأمر في العلم بالله في العالم في أصل خلقه و على هذا المزاج الطبيعي المذكور أنزل الله الشرائع على هذه المراتب حتى يعم الفضل الإلهي جميع الخلق كله فأنزل ليس كمثله شي‏ء و هو لأهل العلم بالله مطلقا من غير تقييد و أنزل قوله تعالى أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً و هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ و هذا كله في حق من قيده بصفات الكمال و أنزل تعالى من الشرائع قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ و هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ و تَجْرِي بِأَعْيُنِنا و لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ من لَدُنَّا فعمت الشرائع ما تطلبه أمزجة العالم و لا يخلو المعتقد من أحد هذه الأقسام و الكامل المزاج هو الذي يعم جميع هذه الاعتقادات و يعلم مصادرها و مواردها و لا يغيب عنه منها شي‏ء فمثل هذا لا تتعين له الاستقامة لأنه لا يرى لهذه الحال ضدا تتميز به هذه الحالة لأنه فيها و الكون إذا كان في الشي‏ء لا يدركه عينا و رؤية بصر و إن عرفه كما لا يدرك الهواء للقرب المفرط كذلك لا يدرك الحق للقرب المفرط فإنه أقرب إلينا من حَبْلِ الْوَرِيدِ ف لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فسبحان من خلق العالم للسعادة لا للشقاء فكان الشقاء فيه عرضا عرض له ثم يزول و ذلك لأن الله تعالى ما خلق العالم لنفس العالم و إنما خلقه لنفسه فقال فيه وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و نحن من الأشياء ثم قال في حقنا وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فما من أحد منا يتعزز على الله و لا يتكبر عليه و إن تكبر بعضنا على بعض و ما من صاحب نحلة و لا ملة و لا نظر إلا و تسأله عن طلبه فتجده مستوفر الهمة على طلب موجدة لأنه خلقه للمعرفة به و اختلفت أحوالهم في إدراك مطلوبهم لاختلاف أمزجتهم و نزلت الشرائع تصوب نظر كل ناظر و يتجلى لأهل الكشوف و الكل أهل كشف لكن بعضهم لا يدري أن مطلوبه قد أدركه و هو الذي خشع له و آخر قد علم أنه لا يرى سوى مطلوبه فالكل في عين الوجود و الشهود وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ فرحم الله الجميع و هذا معنى قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و سيرد إن شاء الله في منزل الإنعام و الآلاء من هذا الكتاب ما أشرنا إليه في هذا الكلام فإنا جعلنا فيه أن الوجود مدرسة و أن الحق سبحانه هو رب هذه المدرسة و ملقي الدروس فيها على المتعلمين و هم العالم و الرسل هم المعيدون و الورثة هم المذنبون و هم معيدو المعيدين و العلوم التي يلقيها للمتعلمين في هذه المدرسة و إن كثرت فهي ترجع إلى أربعة أصناف صنف يلقى عليهم دروس موازين الكلام في الألفاظ و المعاني ليميزوا بها الصحيح من السقيم و إن كان الكل صحيحا عند العلماء بالله و إنما يسمى سقيما بالنظر إلى ضده أو غرض ما معين و العلم الثاني هو العلم بتنقيح الأذهان و تدريب الأفكار و تهذيب العقول لأن رب المدرسة إنما يريد أن يعرفهم بنفسه و هو الغاية المطلوبة التي لأجلها وضع هذه المدرسة و جمع هؤلاء الفقهاء فاستدرجهم للعلم به شيئا بعد شي‏ء و بعضهم تجلى لهم ابتداء فعرفوه لصحة مزاجهم كالملائكة و الأجسام المعدنية و النباتية و الحيوانية و ما احتجب إلا عن الثقلين ففيهما وضع هذه العلوم ليتدربوا بها للعلم به و هو لا يزال خلف حجاب المعيدين و العقول ستر مسدل و باب مقفل و دروس يلقيها أيضا ليعلمهم بذلك ما سبب وجود هذه الهياكل و اختلافات أمزجتها و بما امتزجت و ما سبب عللها و أمراضها و صحتها و عافيتها و من أي شي‏ء قامت و ما يصلحها و يفسدها و ما معنى الطبيعة فيها و أين مرتبتها من العالم و هل هي أمر وجودي عيني أو هي أمر وجودي عقلي و هل يخرج عنها شي‏ء أو صنف من العالم أو لا حكم لها إلا في الأجسام المركبة التي تقبل الحل و التركيب و الكون و الفساد و ما أشبه هذا الفن و الدرس الرابع هو ما يلقيه من العلم الإلهي و ما يجب أن يكون عليه هذا المفتقر إليه الذي هو الله سبحانه و ما يستحيل أن ينعت به و ما يجوز فعله في خلقه و ما ثم درس خامس أصلا لأنه ليس وراء الله مرمى غير أن كل نوع من أنواع هذه العلوم ينقسم إلى علوم جزئية كثيرة يتسع المجال فيها فمن وقف مع شي‏ء منها و لم يحضر من الدروس إلا درسها كان ناقصا عن غيره و من ارتفعت همته و علم أن هذه الدروس ليس المطلوب منها نفسها و لا وضعت لعينها و إنما المقصود منها تحصيل العلم بالله الذي هو رب هذه المدرسة جعل في همته طلب هذا العلم الإلهي فمنهم من طلبه بمقدمات هذه العلوم و هو طلب عقلي و منهم من طلبه من المعيد و اقتصر عليه فإنه رأى بينه و بين المدرس وصلة و رأى رسولا يخرج إليه من خلف الحجاب يعرفه بأمور يلقيها على الحاضرين و أوقات يدخل المعيد إليه ثم يخرج من عنده فقال هذا الطالب العلم بالله من جهة هذا المعيد أحق و أوثق للنفس من أن تتخذ دليلا نظريا أو فكريا مما تقدم من هذه العلوم الأخر فلما أخذ علمه من المعيد كان وارثا و صار معيدا للمعيد و هو المذنب و يسمى في الشرع الوارث و هم ورثة الأنبياء