قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثاني و الثلاثون و مائة في معرفة مقام الاستقامة)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
للمستقيم ولاية مخصوصة شملت جميع الكون في تخصيصها
للمستقيم تنزلت أرواحه بالطيب المكنون في تنصيصها
الاستقامة نزلت أربابها منها منازل لم تنل بخصوصها
هي نعته سبحانه في قصة قد قالها فانظره في منصوصها

جاءت هذه الأبيات لزوم ما لا يلزم من غير قصد و كذلك أمثالها فإنما أنطق بما يجريه الله فينا من غير تعمل و لا روية اعلم وفقك الله أن الله أخبر عن نبيه و رسوله ع في كتابه أنه قال إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فوصف نفسه بأنه على صراط مستقيم و ما خطأ هذا الرسول في هذا القول ثم إنه ما قال ذلك إلا بعد قوله ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها فما ثم إلا من هو مستقيم على الحقيقة على صراط الرب لأنه ما ثم إلا من الحق آخذ بناصيته و لا يمكن إزالة ناصيته من يد سيده و هو على صراط مستقيم و نكر لفظ دابة فعم فأين المعوج حتى تعدل عنه فهذا جبر و هذه استقامة فالله يوفقنا لإنزال كل حكمة في موضعها فهنالك تظهر عناية الله بعبده‏ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً و هي أحكام الطريقة التي في قوله وَ مِنْهاجاً فكلها مجعولة بجعل الله فمن مشى في غير طريقه التي عين الله له المشي عليها فقد حاد عن سواء السبيل التي عين الله له المشي عليها كما أن ذلك الآخر لو ترك سبيله التي شرع الله له المشي عليها و سلك سبيل هذا سميناه حائدا عن سبيل الله و الكل بالنسبة إلى واحد واحد على صراط مستقيم فيما شرع له‏ و لهذا خط رسول الله ص خطا و خط عن جنبتي ذلك الخط خطوطا فكان ذلك الخط شرعه و منهاجه الذي بعث به و قيل له قل لأمتك تسلك عليه و لا تعدل عنه و كانت تلك الخطوط شرائع الأنبياء التي تقدمته و النواميس الحكمية الموضوعة ثم وضع يده على الخط و تلا وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فأضافه إليه و لم يقل صراط الله و وصفه بالاستقامة و ما تعرض لنعت تلك الخطوط بل سكت عنها ثم قال فَاتَّبِعُوهُ الضمير يعود على صراطه وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ يعني شرائع من تقدمه و مناهجهم من حيث ما هي شرائع لهم إلا إن وجد حكم منها في شرعي فاتبعوه من حيث ما هو شرع لنا لا من حيث ما كان شرعا لهم فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ يعني تلك الشرائع عن سبيله أي عن طريقه الذي جاء به محمد ص و لم يقل عن سبيل الله لأن الكل سبيل الله إذ كان الله غايتها ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي تتخذون تلك السبيل وقاية تحول بينكم و بين المشي على غيره من السبل‏ و هو قوله إِنَّ الَّذِينَ قالُوا من أي شرع كان إذا كان له الزمان و الوقت رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقامُوا على طريقهم التي شرع الله لهم المشي عليها تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ و هذا التنزل هو النبوة العامة لا نبوة التشريع تتنزل عليهم بالبشر أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا فإنكم في طريق الاستقامة ثم قالوا لهم هؤلاء المبشرون من الملائكة نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا أي نحن كنا ننصركم في الحياة الدنيا في الوقت الذي كان الشيطان يلقي إليكم بلمته العدول عن الصراط الذي شرع لكم المشي عليه فكنا ننصركم عليه باللمة التي كنتم تجدونها في وقت التردد بين الخاطرين هل يفعل أو لا يفعل نحن كنا الذين نلقي إليكم ذلك في مقابلة إلقاء العدو فنحن أيضا أولياؤكم في الآخرة بالشهادة لكم إنكم كنتم تأخذون بلمتنا و تدفعون بها عدوكم فهذه ولايتهم في الآخرة و ولايتهم أيضا بالشفاعة فيهم فيما غلب عليهم الشيطان في لمته فيكون العبد من أهل التخليط فتشفع الملائكة فيه حتى لا يؤاخذ بعمل الشيطان فهذا معنى قوله وَ في الْآخِرَةِ وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ من شهادتنا لها و شفاعتنا فيها في هذا الموطن وَ لَكُمْ (فِيها) ما تَدَّعُونَ من الدعة نُزُلًا من غَفُورٍ رَحِيمٍ بشهادتنا و شفاعتنا حيث قبلها فأسعدكم الله بها فستركم في كنفه و أدخلكم في رحمته هذا معنى الاستقامة المتعلقة بالنجاة و أما الاستقامة التي تطلبها حكمة الله فهي السارية في كل كون قال تعالى مصدقا لموسى ع أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فكل شي‏ء في استقامة حاصلة فاستقامة النبات أن تكون حركته منكوسة و استقامة الحيوان أن تكون حركته أفقية و إن لم يكن كذلك لم ينتفع بواحد منهما لأن حركة النبات إن لم تكن منكوسة حتى يشرب الماء بأصولها لم تعط منفعة إذ لا قوة له إلا كذلك و كذلك الحيوان لو كانت حركته إلى العلو و قام على رجلين مثلنا لم يعط فائدة الركوب و حمل الأثقال على ظهره و لا حصلت به المنفعة التي تقع بالحركة الأفقية فاستقامته ما خلق له فهي الحركة المعتبرة التي تقع بها المنفعة المطلوبة و إلا فالنبات و الحيوان لهما حركة إلى العلو و هو قوله وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ فلو لا الحركة ما نما علوا و إنما غلبنا عليه الحركة المنكوسة للمنفعة المطلوبة فافهم ذلك‏ فإن المتكلمين في هذا الفن ما حرر و الكلام في حقيقة هذه الحركات فالحركة في الوسط مستقيمة لأنها أعطت حقيقتها كحركة الأرض و حركة الكرة و الحركة من الوسط حركة العروج و الحركة إلى الوسط حركة النزول فحركة النزول ملكية و إلهية و حركة العروج حركة بشرية و كلها مستقيمة فما ثم إلا استقامة لا سبيل إلى المخالفة فإن المخالفةتشاجر أ لا ترى أنه ما وقع التحجير على آدم إلا في الشجرة أي لا تقرب التشاجر و ألزم طريقة إنسانيتك و ما تستحقه و اترك الملك و ما يستحقه و الحيوان و ما يستحقه و كل ما سواك و ما يستحقه و لا تزاحم أحدا في حقيقته فإن المزاحمة تشاجر و خلاف و لهذا لما قرب من الشجرة خالف نهي ربه فكان مشاجرا فذهبت عنه في تلك الحال السعادة العاجلة في الوقت و ما ذهبت عنه استقامة التشاجر فإنه وفاها حقها بمخالفة النهي الإلهي‏ اعوجاج القوس استقامته لما أريد له فما في الكون إلا استقامة فإن موجدة و هو الله تعالى على صراط مستقيم من كونه ربا فإن دخلت السبل بعضها على بعض و اختلطت فما خرجت عن الاستقامة استقامة الأخلاط و استقامة ما وجدت له فهي في الاستقامة المطلقة التي لها الحكم في كل كون و هي قوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ... وَ هُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ... فَاعْبُدْهُ أي تذلل له في كل صراط يقيمك فيه لا نتذلل لغيره فإن غيره عدم و من قصد العدم لم تظفر يداه بشي‏ء ثم إنه جاء بضمير الغائب في قوله فَاعْبُدْهُ أي لا تقل أنت المدرك فإن الأبصار لا تدركه إذ لو أدرك الغيب ما كان غيبا فاعبد ذاتا منزهة مجهولة لا تعرف منها سوى نسبتك إليها بالافتقار و لهذا تمم فقال وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ أي اعتمد عليه وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قطع بهذا ظهر المدعين في هذا المقام إذا لم يكن صفتهم و لا حالهم و لا وصل إليهم علمه فالاستقامة سارية في جميع الأعيان من جواهر و أعراض و أحوال و أقوال كما قال وَ أَقْوَمُ قِيلًا و هي نعت إلهي و كوني جعلنا الله ممن لم يعدل عن استقامته إلا باستقامته آمين بعزته‏ و أما الاستقامة بلسان عامة أهل الله فهي أن تقول الاستقامة عامة في الكون كما قررنا فما ثم طريق إلا و هو مستقيم لأنه ما ثم طريق إلا و هو موصل إلى الله و لكن قال الله تعالى لنبيه و لنا فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ لم يخاطبه بالاستقامة المطلقة فإنه قد تقرر أن إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ و أنه غاية كل طريق و لكن الشأن إلى أي اسم تصل و تصير من الأسماء الإلهية فينفذ في الواصل إليه أثر ذلك الاسم من سعادة و نعيم أو شقاوة و عذاب فمعنى الاستقامة الحركات و السكنات على الطريقة المشروعة و الصراط المستقيم هو الشرع الإلهي و الايمان بالله رأس هذا الطريق و شعب الايمان منازل هذا الطريق التي بين أوله و غايته و ما بين المنزلين أحواله و أحكامه و لما كان الصراط المستقيم مما تنزلت به الملائكة المعبر عنها بالأرواح العلوية و هي الرسل من الله إلى المصطفين من عباده المسمين أنبياء و رسلا جعل الله بينها و بين من تنزل عليه من هؤلاء الأصناف نسبا جوامع بينهما بتلك النسب يكون الإلقاء من الملائكة و بها يكون القبول من الأنبياء فكل من استقام بما أنزل على هؤلاء المسمين أنبياء و رسلا من البشر بعد ما آمن بهم أنهم رسل الله و أنهم أخذوا ما جاءوا به عن رسل آخرين ملكيين تنزلت الملائكة عليهم أيضا بالبشرى و كانت لمن هذه صفته جلساء و لما كانت هذه الأرواح العلوية حية بالذات كان الاسم الذي تولاها من الحضرة الإلهية الاسم الحي كما كان المتولي من الأسماء الإلهية لمن كانت حياته عرضية مكتسبة الاسم المحيي فما عقل الملك قط الأحياء بخلاف البشر فإنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم و لأهل هذه الحياة العرضية من العناصر ركن الماء قال تعالى وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و قال وَ جَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ فالماء أصل العناصر و الأسطقسات و العرش الملك و ما تم الملك و كمل إلا في عالم الاستحالة و هو عالم الأركان الذي أصله الماء و لو لا عالم الاستحالة ما كان الله يصف نفسه بأنه كل يوم في شأن فالعالم يستحيل و الحق في شأن حفظ وجود أعيانه يمده بما به بقاء عينه من الإيجاد فهو الشأن الذي هو الحق عليه و ليس لغير عالم الاستحالة هذه الحقيقة و لما صار الماء أصلا لكل حي حياته عرضية كان من استقام سقاه الله ماء الحياة فإن كان سقي عناية كالأنبياء و الرسل حيي به من شاء الله و إن كان سقي ابتلاء لما فيه من الدعوى كان بحكم ما أريد بسقيه قال تعالى وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ فهذا سقي ابتلاء و إنما طلبت الاستقامة من المكلف في القيام بفرائض الله عليه فإن المكلف من جهة الحقيقة ملقى طريح عند باب سيده تجري عليه تصاريف الأقدار و ما أودع الله في حركات هذه الأكوار مما يجي‏ء به الليل و النهار من تنوع الأطوار بين محو و إثبات لظهور آيات بعد آيات و قد جعل الله المكلف محلا للحياة و الحركات و طلب منه القيام من تلك الرقدة بما كلفه من القيام بحقه فأصعب ما يمر على العارفين أمر الله بالاستقامة و هو قوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ من تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا أي لا ترتفعوا عن أمره بما تجدونه في نفوسكم من خلقكم على الصورة الإلهية فتقولوا مثلنا لا يكون مأمورا فلا يعرف العلماء بالله هل وافق أمر الله إرادته فيهم أنهم يمتثلون أمره أو يخالفونه فلهذا صعب عليهم أمر الله و اشتد و هو قوله ع شيبتني هود فإنها السورة التي نزل فيها فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ و أخواتها مما فيها هذه الآية أو ما في معناها فهم من ذلك على خطر و طريق الاستقامة لا تتقيد مراتبه و لا تنضبط كما قال ص استقيموا و لن تحصوا يعني طرق الاستقامة و ما أحصيتم منها فلن تحصوا ما لكم في ذلك من الأجر و الخير و الظاهر إنما أراد لن تحصوا طرق الاستقامة فإنها كثيرة لن يسعها أحد منكم على التعيين و لهذا اتبع هذا القول‏ بقوله و اعملوا و خير أعمالكم الصلاة و إذ لم تستطيعوا إحصاء طرق الاستقامة فخذوا الأفضل منها و ينظر إلى الاسم الحي المحيي بهذه العبادات الاسم القيوم و لهذا قيل للمكلف وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ فالقيوم أخو الحي الملازم له قال تعالى الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و قال الم الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و قال وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ فما جاء الاسم الحي إلا و القيوم معه فتدبر هذا الباب فإنه يحتوي على أسرار إلهية