ترك العبودية لا يصح إلا عند من يرى أن عين الممكنات باقية على أصلها من العدم و إنها مظاهر للحق الظاهر فيها فلا وجود إلا لله و لا أثر إلا لها فإنها بذاتها تكسب وجود الظاهر ما تقع به الحدود في عين كل ظاهر فهي أشبه شيء بالعدد فإنها معقول لا وجود له و حكمه سار ثابت في المعدودات و المعدودات ليست سوى صور الموجودات كانت ما كانت و الموجودات سبب كثرتها أعيان الممكنات و هي أيضا سبب اختلاف صور الموجودات فالعدد حكمه مقدم على حكم كل حاكم و لما وصلت في أول هذا الباب من هذه النسخة إلى العدد و المعدودات نمت فرأيت رسول الله ص في منامي و أنا بين يديه و قد سألني سائل و هو يسمع ما أقل الجمع في العدد فكنت أقول له عند الفقهاء اثنان و عند النحويين ثلاثة فقال ص أخطأ هؤلاء و هؤلاء فقلت له يا رسول الله فكيف أقول قال لي إن العدد شفع و وتر يقول الله تعالى وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ و الكل عدد فميز ثم أخرج خمسة دراهم بيده المباركة و رمى بها على حصير كنا عليه فرمى درهمين بمعزل و رمى ثلاثة بمعزل و قال لي ينبغي لمن سئل في هذه المسألة أن يقول للسائل عن أي عدد تسأل عن العدد المسمى شفعا أو عن العدد المسمى وترا ثم وضع يده على الاثنين الدرهمين و قال هذا أقل الجمع في عدد الشفع ثم وضع يده على الثلاثة و قال هذا أقل الجمع في عدد الوتر هكذا فليجب من سئل في هذه المسألة كذا هو عندنا و استيقظت فقيدتها في هذا الباب كما رأيتها حين استيقظت و خرج عن ذكري مسائل كثيرة كانت بيني و بينه ص مما يتعلق بغير هذا الباب و أنا في غاية السرور و الفرح برؤيته ص و وجدت في خاطري عند انتباهي صحة النهي عن البتيراء فإنه تكلم في طريقه فما رأيت معلما أحسن منه و أخذت في تقييدي لهذا الكتاب فنرجع و نقول فالعدد حكمه مقدم على حكم كل حاكم فحكم على الممكنات بالكثرة كثرة الممكنات و اختلافات استعداداتها على الظاهر فيها مع أحديته فكثرته كثرة الممكنات و لما كان الأمر هكذا لم يمكن أن يكون للعبودية عين فلهذا المقام يقال بترك العبودية و من حكم العدد و قوة سريانه و إن لم يكن له وجود قول الله تعالى ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى من ذلِكَ يعني الاثنين و هذا يعضد رؤيانا المتقدمة وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا من المراتب التي يطلبها العدد فينسحب عليها حكم العدد و قوله ص إن لله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحد هذا من حكم العدد و قال لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله ثالِثُ ثَلاثَةٍ و لم يكفر من قال إنه سبحانه رابع ثلاثة و ذلك أنه لو كان ثالث ثلاثة أو رابع أربعة على ما توطأ عليه أهل هذا اللسان لكان من جنس الممكنات و هو سبحانه و تعالى ليس من جنس الممكنات فلا يقال فيه إنه واحد منها فهو واحد أبدا لكل كثرة و جماعة و لا يدخل معها في الجنس فهو رابع ثلاثة فهو واحد و خامس أربعة فهو واحد بالغا ما بلغت فذلك هو مسمى الله فهو و إن كان هو الوجود الظاهر بصور ما هي المظاهر عليه فما هو من جنسها فإنه واجب الوجود لذاته و هي واجبة العدم لذاتها أزلا فلها الحكم فيمن تلبس بها كما للزينة الحكم فيمن تزين بها فنسبة الممكنات للظاهر نسبة العلم و القدرة للعالم و القادر و ما ثم عين موجودة تحكم على هذا الموصوف بأنه عالم و قادر فلهذا نقول إنه عالم لذاته و قادر لذاته و هكذا هي الحقائق فالعدد حاكم لذاته في المعدودات و لا وجود له و المظاهر حاكمة في صور الظاهر و كثرتها في عين الواحد و لا وجودلها و ليس عندنا في العلم الإلهي مسألة أغمض من هذه المسألة فإن الممكنات على مذهب الجماعة ما استفادت من الحق إلا الوجود و ما يدري أحد ما معنى قولهم ما استفادت إلا الوجود إلا من كشف الله عن بصيرته و أصحاب هذا الإطلاق لا يعرفون معناه على ما هو الأمر عليه في نفسه فإنه ما ثم موجود إلا الله تعالى و الممكنات في حال العدم فهذا الوجود المستفاد إما أن يكون موجودا و ما هو الله و لا أعيان الممكنات و إما أن يكون عبارة عن وجود الحق فإن كان أمرا زائدا ما هو الحق و لا عين الممكنات فلا يخلو أن يكون هذا الوجود موجودا فيكون موصوفا بنفسه و ذلك هو الحق لأنه قد قام الدليل على أنه ما ثم وجود أزلا إلا وجود الحق فهو واجب الوجود لنفسه فثبت أنه ما ثم موجود لنفسه غير الله فقبلت أعيان الممكنات بحقائقها وجود الحق لأنه ما ثم وجود إلا هو و هو قوله وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ و هو الوجود الصرف فانطلق عليه ما تعطيه حقائق الأعيان فحدث الحدود و ظهرت المقادير و نفذ الحكم و القضاء و ظهر العلو و السفل و الوسط و المختلفات و المتقابلات و أصناف الموجودات أجناسها و أنواعها و أشخاصها و أحوالها و أحكامها في عين واحدة فتميزت الأشكال فيها و ظهرت أسماء الحق و كان لها الأثر فيما ظهر في الوجود غيرة أن تنسب تلك الآثار إلى أعيان الممكنات في الظاهر فيها و إذا كانت الآثار للأسماء الإلهية و الاسم هو المسمى فما في الوجود إلا الله فهو الحاكم و هو القابل فإنه قابل التوب فوصف نفسه بالقبول و مع هذا فتحرير هذه المسألة عسير جدا فإن العبارة تقصر عنها و التصور لا يضبطها لسرعة تفلتها و تناقض أحكامها فإنها مثل قوله وَ ما رَمَيْتَ فنفى إِذْ رَمَيْتَ فأثبت وَ لكِنَّ الله رَمى فنفى كون محمد و أثبت نفسه عين محمد و جعل له اسم الله فهذا حكم هذه المسألة بل هو عينها لمن تحقق فهذا معنى ترك العبودية في خصوص العلماء بالله و أما من نزل منهم عن هذه الطبقة فإنه يقول لا يصح تركها باطنا لوجود الافتقار الذي لا ينكره المحدث من نفسه فلا بد أن يذله فتلك الذلة عين العبودية إلا أن يؤخذ الإنسان عن معرفته بنفسه و أما تركها من باب المعرفة فهو أن العبد إذا نظرته من حيث تصرفه لا من حيث ما هو ممكن و أطلقت عليه اسم العبودة من ذلك الباب فيمكن في المعرفة تركها من باب التصرف لا من باب الإمكان و ذلك أن حقيقة العبودية الوقوف عند أوامر السيد و ما هنا مأمور إلا من يصح منه الفعل بما أمر به و الأفعال خلق الله فهو الآمر و المأمور فأين التصرف الحقيقي الذي به يسمى العبد عبدا قائما بأوامر سيده أو منازعا له فيتصف بالإباق فبقي المسمى عبدا على ظهور الاقتدار الإلهي بجريان الفعل على ظاهره و باطنه إما بموافقة الأمر أو بمخالفته و إذا كان هذا على ما ذكرناه فلا عبودية تصريف فهو أعني العبد موجود بلا حكم و هذا مقام تحقيقه عند جميع علماء الذوق من أهل الله إلا طائفة من أصحابنا و غيرهم ممن ليس منا يرون خلاف ذلك و أن الممكن له فعل و أن الله قد فوض إلى عباده أن يفعلوا بعض الممكنات من الأفعال فكلفهم فعلها فقال أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ و أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ و جاهِدُوا في الله و أمثال هذا فإذا أثبتوا أن للعبد فعلا لم يصح ترك عبودية التصريف و أما عبودية الإمكان فأجمعوا على كونها و أنه لا يتصور تركها فإن ذلك ذاتي للممكن و بعض أصحابنا يلحظ في ترك العبودية كون الحق قوى العبد و جوارحه فإنه يغيب عن عبوديته في تلك الحال فهو ترك حال لا ترك حقيقة انتهى الجزء المائة
( (بسم الله الرحمن الرحيم))