اعلم وفقك الله أن ترك الحرية عبودة محضة خالصة تسترق صاحبها الأسباب لتحققه بعلم الحكمة في وضعها فهو بذل تحت سلطانها فصاحبها كالأرض يطئوها البر و الفاجر و تعطي منفعتها المؤمن و الكافر تؤثر فيه تأثير الدعاء من الكون في الحق إجابة دعائه تحققا بمولاه حين رأى هذا المقام يصحبه مع الغني المنسوب إليه فكيف حال من يجوع مركبه و يعري و يظمأ و يضحى و هو مأمور بحفظه و النظر في شأنه و ما يصلحه قد ولاة الله عليه و أنزله خليفة فيه و ليس في قوته أن يقوم بحقه إلا أن تمكنه الأسباب من نفسها فبالضرورة يخضع في تحصيلها لأداء حق الله فيه المتوجه عليه فإن الله يقول له إن لنفسك عليك حقا و لعينك عليك حقا و لزورك عليك حقا و من توجهت عليه الحقوق فإني له الحرية
فهو عبد نفسه ما دامت تطلبه بحقها و عبد عينه ما دام يطلبه بحقه و عبد زوره ما دام يطلبه بحقه و النعم الإلهية تطلبه بشكر المنعم بها عليه و التكليف قائم و الاضطرار لازم إن رام دفعه لا يندفع يؤثر فيه المدح و الثناء فيقول الحمد لله المنعم المفضل و يملكه الذم و الجفاء و الأذى فيقول الحمد لله على كل حال فتغير حمده لتغير الأحوال فلو تغيرت الأحوال لتغير حمده لكان حرا عنها قال رسول الله ص لأبي بكر الصديق ما أخرجك قال يا رسول الله الجوع قال رسول الله ص و أنا أخرجني الجوع فجاء مع من كان معه من أصحابه إلى دار الهيثم بن أبي التيهان فذبح لهم و أطعمهم فما أخرجهم إلا من حكم عليهم لما توجه له حق عليهم و هو الجوع و الجوع أمر عدمي فموجود يؤثر فيه المعدوم كيف حاله مع الموجود و مثل هؤلاء المشهود لهم بالحرية و لهذا الذوق ما خرجوا إلا لطلب أداء ما عليهم من الحقوق لأنفسهم فقد استرقهم الجوع و لو لم يخرجوا و سكنوا لكانوا تحت قهر الصبر و ما تطلبه هذه الحال فغاية نسبة الفضل إليهم أنهم خرجوا كما قلنا يلتمسون أداء حقوق نفوسهم بالسعي فيها إذ كانوا متمكنين من ذلك و أعلى من هذا فلا يكون فإن قعدوا مع التمكن اتصفوا بالظلم و الجهل بالحكم الإلهي و إني تعقل الحرية فيمن هذه صفته في الدنيا و الآخرة أما في الدنيا فواقع لا يقدر على إنكاره جحده و يجحده من نفسه و إن لم يركن إلى الأسباب و لا يعتمد عليها و غايته إن يعتمد على الله في استعمالها فهو عبد معلول لأنه توجه خاص و كذلك في الآخرة عبد شهوته لكونه تحت سلطانها تحكم فيه و لا معنى للعبودية إلا هذا دخوله تحت الأحكام و رق الأسباب و لما أبصر هذا العارف من نفسه علم إن الحرية حديث نفس و حال عرضي لا ثبات له مع الصحو ثم إن ترك الحرية نعت إلهي فكيف يصح له الخروج عنه و غايته إن يكون فيه بصورة حق يلتمس الدعاء و يطلب التوبة من عباده و سؤال المغفرة منهم و يذمهم إن لم يأتوا بما التمسه منهم حتى قال لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ثم يتوبون فيغفر لهم فقد نبهتك عن أسرار هذا المقام إن وقفت معها عرفت نفسك و عرفت ربك و ما تعديت قدرك و إن كان للحرية درجات في عباد الله فغير الأحرار أعظم عند الله درجة و أكمل وصفا و الأصل معهم حفيظ يحفظ عليهم ترك الحرية و الاسترقاق لما تعطيه الحكمة فإن قلت فكم للحرية من الدرجات فنقول لها في العارفين من أهل الأنس ستمائة درجة و تسع و أربعون درجة و في العارفين من أهل الأدب أربع و خمسون درجة و مائتا درجة و في الملامية من أهل الأنس ستمائة و ثمان عشرة درجة و في الملامية من أهل الأدب ثلاث و عشرون و مائتا درجة و هذه الدرجات بأعيانها لمن ترك الحرية و زيادة ما يعطيه الترك من الدرجات لقيامه بالحكمة و حفظ الأصل لإبقاء الحرية