قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الواحد و الأربعون و مائة في مقام ترك الحرية)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
من ليس ينفك عن حاجاته أبدا كيف التحرر و الحاجات تطلبه‏
فهو الفقير إلى الأشياء أجمعها فالفقر مذهبه و الفقر مكسبه‏
لذا تسمى بأعيان الكيان لنا حتى تعين في المنطوق مذهبه‏
فليس في الكون حر حيث يطلبنا من كل وجه و منه نحن نطلبه‏

اعلم وفقك الله أن ترك الحرية عبودة محضة خالصة تسترق صاحبها الأسباب لتحققه بعلم الحكمة في وضعها فهو بذل تحت سلطانها فصاحبها كالأرض يطئوها البر و الفاجر و تعطي منفعتها المؤمن و الكافر تؤثر فيه تأثير الدعاء من الكون في الحق إجابة دعائه تحققا بمولاه حين رأى هذا المقام يصحبه مع الغني المنسوب إليه فكيف حال من يجوع مركبه و يعري و يظمأ و يضحى و هو مأمور بحفظه و النظر في شأنه و ما يصلحه قد ولاة الله عليه و أنزله خليفة فيه و ليس في قوته أن يقوم بحقه إلا أن تمكنه الأسباب من نفسها فبالضرورة يخضع في تحصيلها لأداء حق الله فيه المتوجه عليه فإن الله يقول له إن لنفسك عليك حقا و لعينك عليك حقا و لزورك عليك حقا و من توجهت عليه الحقوق فإني له الحرية

فكل كون عليه حق فهو عبيد لذلك الحق‏
و ليس حرا فكن عليما به خبيرا كمن تحقق‏
و لا تكن مثل من تأبى عن أمر مولاه إذ تخلق‏
الله رب و أنت عبد له فكنه فالكون أسبق‏
قد قلت ذا حين كان سمعي و مقولي حين كنت أنطق‏
و من يكن مثل ما ذكرنا فذلك العالم الموفق‏

فهو عبد نفسه ما دامت تطلبه بحقها و عبد عينه ما دام يطلبه بحقه و عبد زوره ما دام يطلبه بحقه و النعم الإلهية تطلبه بشكر المنعم بها عليه و التكليف قائم و الاضطرار لازم إن رام دفعه لا يندفع يؤثر فيه المدح و الثناء فيقول الحمد لله المنعم المفضل و يملكه الذم و الجفاء و الأذى فيقول الحمد لله على كل حال فتغير حمده لتغير الأحوال فلو تغيرت الأحوال لتغير حمده لكان حرا عنها قال رسول الله ص لأبي بكر الصديق ما أخرجك قال يا رسول الله الجوع قال رسول الله ص و أنا أخرجني الجوع فجاء مع من كان معه من أصحابه إلى دار الهيثم بن أبي التيهان فذبح لهم و أطعمهم‏ فما أخرجهم إلا من حكم عليهم لما توجه له حق عليهم و هو الجوع و الجوع أمر عدمي فموجود يؤثر فيه المعدوم كيف حاله مع الموجود و مثل هؤلاء المشهود لهم بالحرية و لهذا الذوق ما خرجوا إلا لطلب أداء ما عليهم من الحقوق لأنفسهم فقد استرقهم الجوع و لو لم يخرجوا و سكنوا لكانوا تحت قهر الصبر و ما تطلبه هذه الحال فغاية نسبة الفضل إليهم أنهم خرجوا كما قلنا يلتمسون أداء حقوق نفوسهم بالسعي فيها إذ كانوا متمكنين من ذلك و أعلى من هذا فلا يكون فإن قعدوا مع التمكن اتصفوا بالظلم و الجهل بالحكم الإلهي و إني تعقل الحرية فيمن هذه صفته في الدنيا و الآخرة أما في الدنيا فواقع لا يقدر على إنكاره جحده و يجحده من نفسه و إن لم يركن إلى الأسباب و لا يعتمد عليها و غايته إن يعتمد على الله في استعمالها فهو عبد معلول لأنه توجه خاص و كذلك في الآخرة عبد شهوته لكونه تحت سلطانها تحكم فيه و لا معنى للعبودية إلا هذا دخوله تحت الأحكام و رق الأسباب و لما أبصر هذا العارف من نفسه علم إن الحرية حديث نفس و حال عرضي لا ثبات له مع الصحو ثم إن ترك الحرية نعت إلهي فكيف يصح له الخروج عنه و غايته إن يكون فيه بصورة حق يلتمس الدعاء و يطلب التوبة من عباده و سؤال المغفرة منهم و يذمهم إن لم يأتوا بما التمسه منهم حتى‏ قال لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ثم يتوبون فيغفر لهم‏ فقد نبهتك عن أسرار هذا المقام إن وقفت معها عرفت نفسك و عرفت ربك و ما تعديت قدرك‏ و إن كان للحرية درجات في عباد الله فغير الأحرار أعظم عند الله درجة و أكمل وصفا و الأصل معهم حفيظ يحفظ عليهم ترك الحرية و الاسترقاق لما تعطيه الحكمة فإن قلت فكم للحرية من الدرجات فنقول لها في العارفين من أهل الأنس ستمائة درجة و تسع و أربعون درجة و في العارفين من أهل الأدب أربع و خمسون درجة و مائتا درجة و في الملامية من أهل الأنس ستمائة و ثمان عشرة درجة و في الملامية من أهل الأدب ثلاث و عشرون و مائتا درجة و هذه الدرجات بأعيانها لمن ترك الحرية و زيادة ما يعطيه الترك من الدرجات لقيامه بالحكمة و حفظ الأصل لإبقاء الحرية