التاركون للفكر رجال أرادوا رفع اللبس عنهم فيما يريدون العلم به ليلحقوا بوراثة من قيل فيه وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى و بما فطر عليه من فطر من المخلوقات كالملائكة و من شاء الله من المخلوقين الذين فطروا على العلم بالله و الوحي إليهم ابتداء من الله و عناية بهم و لأن الأفكار محل الغلط و الطائفة الأخرى نزحت إلى ترك التفكر لأن التفكر جولان في أحد أمرين إما في المخلوقات و إما في الإله و أعلى درجات جولانه في المخلوقات أن يتخذها دليلا و المدلول يضاد الدليل فلا يجتمع دليل و مدلوله عند الناظر أبدا فرأوا ترك التفكر و الاشتغال بالذكر إذ هما مشروعان فإنه لو مات في حال الفكر في الآيات لمات في غير الله و إن كان يطلبها لله و لكن لا يكون له مشهود إلا هي و إن كان جولانه في الإله ليتخذه دليلا على المخلوقات و الكائنات كما يراه بعضهم فقد طلبه لغيره و هو سوء أدب مع الله حيث ما قصد النظر فيه إلا ليدله على حكم الكائنات و لو استندت إليه فما طلبه لعينه و إن ظن أنه يجول بفكره فيه ليتخذه دليلا عليه فهذا غلط بين فإنه لا ينظر فيه إلا و هو عالم به فإن نظر فيه بمعنى هل يصح أن يكون دليلا على نفسه فهذا غاية الجهل فإنه لا شيء أدل من الشيء على نفسه فلما رأوا مثل هذا النظر تركوه فإذا تفكر من هذه صفته كان مثل الذي بشكر الخلق لإحسانهم فشكرهم عبادة لأن الله أمر بشكرهم كذلك أمرهم بالتفكر فيتفكرون فيما أمرهم أو عين لهم أن يتفكروا فيه امتثالا لأمره و يكون ما ينتجه من العلم في حكم التبع لأن علوم الفكر بكل وجه ما تقوم مقام علوم الذكر و الوحي و الوهب الإلهي في الرفعة و المكانة انتهى الجزء الثاني و مائة
(بسم الله الرحمن الرحيم)