قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السادس و الأربعون و مائة في معرفة مقام الفتوة و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

اعلم أيدك الله‏

أن الفتوة ما ينفك صاحبها مقدما عند رب الناس و الناس‏
إن الفتى من له الإيثار تحلية فحيث كان فمحمول على الرأس‏
ما أن تزلزله الأهواء بقوتها لكونه ثابتا كالشامخ الراسي‏
لا حزن يحكمه لا خوف يشغله عن المكارم حال الحرب و البأس‏
انظر إلى كسره الأصنام منفردابلا معين فذاك اللين القاسي‏

الفتوة نعت إلهي من طريق المعنى و ليس له سبحانه من لفظها اسم إلهي يسمى به كما ثبت شرعا و دليل عقل أنه له الغني عن العالم على الإطلاق فبالشرع قوله تعالى فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و دليل العقل لو لم يكن وجوده واجبا لنفسه مع اتصافه بالوجود لكان ممكنا لأنه متصف بالوجود و لو كان ممكنا لافتقر إلى المرجح في وجوده فلم يكن يصح له اسم الغني‏على الإطلاق و لو افتقر بنوع ما فليس بغني مطلق و لكان من جملة العالم فيكون علامة تدل على مرجحه فهو غني على الإطلاق و من له هذا الغني ثم أوجد العالم فما أوجده لافتقاره إليه و إنما أوجد العالم للعالم إيثارا له على انفراده بالوجود و هذا هو عين الفتوة و من الفتوة الإلهية الخبران القرآني و النبوي فأما القرآن فقوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و صورة الفتوة هنا إنه خلقهم لينعمهم بالوجود و يخرجهم من شر العدم و يمكنهم من التخلق بالأسماء الإلهية و يجعل منهم خلفا و هذا كله إيثار لهم على انفراده بكل ما استخلفهم فيه ثم علم إن الامتنان يقدح في النعمة عند المنعم عليه فستر ذلك إيثارا لهم بقوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فأظهر أنه خلقهم من أجله لا من أجلهم‏ و في الخبر النبوي الموسوي أنه تعالى خلق الأشياء من أجلنا و خلقنا من أجله‏ و ستر بهذا قوله وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ليفهم الجميع بإعلامه أنهم يسبحون بحمده حتى لا نشم فيه رائحة الامتنان ففي الخبر الموسوي حكم الفتوة أنه خلق الأشياء من أجلنا إيثارا لنا على انفراده بالوجود كما خلقنا و قوله وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ غطاء حتى لا يشم فيه رائحة المنة مثل قوله في حقنا إِلَّا لِيَعْبُدُونِ سواء و أما الخبر النبوي الثاني من الخبرين فما روى عن رسول الله ص عن الله سبحانه أنه قال كنت كنزا لم أعرف فأحببت إن أعرف فخلقت الخلق و تعرفت إليهم فعرفوني‏ ففي قوله كنت كنزا إثبات الأعيان الثابتة التي ذهبت إليها المعتزلة و هي قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ فهذا الخبر من الفتوة كيف كنى عن نفسه أنه أحب أن يعرف و من هذه صفته غطى على ما يجب له من الغني المطلق لأن المحبة لا تتعلق إلا بمعدوم و قد يكون ذلك المعدوم في معدوم أو في موجود فإن كان في معدوم فلا بد أيضا من وجوده حتى يظهر فيه ما أحب إيجاده و إن كان في موجود فأظهر فيه ما أحببته فلا بد أن يكون ما ذكره سترا على الغني المطلق و إيثار الجناب هذا المحبوب حيث تعلق به من له الغني فيورثه عزة في نفسه حيث كان مقصودا لمن له صفة الغني‏ و كان سبب الوجود إن الوجود و العلم طلبا بالحال من الله كمال مرتبتهما في التقسيم العقلي فأوجدهما منة لظهور الكمال الوجودي و العلمي هذا أصله منة منه فأعرض عن هذا و نسب وجود العالم لمحبته أن يعرف حتى لا يشم منه كمال الوجود و العلم رائحة المنة أيضا كما ذكر في القرآن سواء و إذا كان الحق قد نزل مع عباده في مكارم الأخلاق التي هي الفتوة إلى هذا الحد فالعبد أولى بهذه الصفة أن يتخلق بها فالفتوة على الحقيقة إظهار الآلاء و المنن و ستر المنة و الامتنان كما قال لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏ تخلقا إلهيا فإنه سبحانه تصدق علينا بالوجود و المعرفة به و ما من علينا بذلك و أما قوله بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ معناه أنه لو من لكان المن لله لما منوا عليه ص بالإسلام قال الله تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قال الله لمحمد ص قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ثم آثر محمدا ص على نفسه سبحانه حتى لا يجعل له نعتا فيما أجرى عليه لسان ذم فقال له قل لهم بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ و لو شاء لقال بل أنا أمن عليكم إن هداكم الله بي للإيمان الذي رزقكم بتوحيده و أسعدكم به فما جعله تعالى محلا للمن هذا من الفتوة الإلهية التي لا يشعر بها فحكمها موجود في الحق و إطلاقها لم يرد لا في كتاب و لا سنة كما يعلم قطعا أنه لا فرق بين قولنا علمت الشي‏ء و عرفته و أنا عالم بالشي‏ء أو عارف و مع هذا ورد إطلاق اسم العالم و العليم و العلام عليه تعالى و ما ورد إطلاق الاسم العارف عليه فما يلزم من الأمر الذي لله منه حكم أن يطلق عليه منه اسم فأسماؤه من حيث إطلاقها عليه موقوفة على ورودها منه فلا يسمى إلا بما سمي به نفسه و إن علم فيه مدلول ذلك الاسم فالتوقيف في الإطلاق أولى‏ و ما فعل هذا سبحانه كله إلا ليعلم الخلق الأدب معه إذا و قد علم إن من أهل الله من له شطحات ليتأدبوا فلا يشطحوا فإن الشطح نقص بالإنسان لأنه يلحق نفسه فيه بالرتبة الإلهية و يخرج عن حقيقته فيلحقه الشطح بالجهل بالله و بنفسه و قد وقع من الأكابر و لا أسميهم لأنه صفة نقص و أما رعاع الناس فلا كلام لنا معهم فإنهم رعاع بالنظر إلى هؤلاء السادة و إذا وقع مثل هذا من السادة فعليهم يقع العتب منا و قد يشطح أيضا الأدنى على الأعلى كمثل الشطحات على مراتب الأنبياء و هي أعظم عند الله في المؤاخذة من شطحهم على الله فإن مرتبة الإله تكذبهم بالحال و عند السامع و أما شطحتهم على الأنبياء فموضع شبهة يمكن أن تقبل الصحة في نفس الأمر فيغتر بها السامع الحسن الظن به الذي‏لا معرفة عنده بمراتب أصناف الخلق عند الله فيغار الله لذلك حيث هو حق للغير و ما يؤثر من الضلالة في الناس فيؤاخذ صاحب الشطحة بها و لا سيما إن ظهرت منه في حال صحو و كذلك من الشطحات المنقولة عن السادة رؤية فضيلة جنسهم من البشر على الملائكة جهلا منهم و هم مسئولون مؤاخذون بذلك عند الله و العالم بالله المكمل هو الذي يحمي نفسه أن يجعل لله عليه حجة بوجه من الوجوه و من أراد أن يسلم من ذلك فليقف عند الأمر و النهي و ليرتقب الموت و يلزم الصمت إلا عن ذكر الله من القرآن خاصة فمن فعل ذلك فلم يدع للخير مطلبا و لا من الشر مهربا و قد استبرأ لنفسه و أعطى كل ذي حق حقه كما أعطى الله كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ و هذا هو العاقل مقصود الحق من العالم و ما فوق هذه المرتبة مرتبة لمخلوق أصلا هذا قد مشى من الفتوة طرف صالح في حكمها في الجناب الإلهي و إذا كان الحق يا ولي مع غناه و ماله من صفات الجلال و نعوت الكمال قد أريتك ما له من هذه النسبة في إيثاره إياك فأنت أولى بهذه الصفة أن تتصف بها في حقه خاصة لا في حق الخلق كما اتصف هو بها في حق الخلق هذا هو عمدتها فينا فالفتى من لا يراعي الخلق و لا يتفتى عليهم فإن التفتي عليهم إنما هو لله كما ذكرنا فيكون هذا العبد يطلب التفتي على جانب الحق إيثارا له على الخلق فلا يتفتى على الخلق إلا بصفة حق أو أمر حق فيكون الحق المتفتي لا هذا العبد هكذا هو التخلق بالفتوة و إلا فلا إذ كان من المحال أن تسري الفتوة من الفتى في إيثار الغير من غير تأذى الغير لأن الأغراض مختلفة و الأهواء متقابلة رياحها زوابع غير لواقح بل هي عقيم تدمر و لا توجد فما من حالة يرضاها زيد منك إلا و يسخطها عمرو فإذا كان الأمر هكذا فاترك الخلق بجانب إن أردت تحصيل هذا المقام و ارجع إلى الله في أصل الفتوة فإن أصلها أن تخرج عن حظ نفسك إيثار الحظ غيرك لا تخرج عن حظ غيرك إيثارا لحظ غيرك فهذا ليس من الفتوة و لو كانت الفتوة هذا ما صح لها وجود فإذا تعارضت الأمور فرجح جانب الحق و زل عن حظك لما يستحقه جلاله إذ قد عاملك بصفة الفتوة مع غناه فأنت مع فقرك أحوج إلى ذلك و من إيثارك إياه أنه إن طلب منك أن تطلب منه أجرا على ما تفتيت به عليه فمن الفتوة أن تطلب الأجر فإن امتثالك أمره خروجك عن حظك فيحصل لك حظك بترك حظك مع تحقيق الوصف بالفتوة إبراهيم عليه السلام جاد بنفسه على النار إيثار التوحيد ربه فإن كان ذلك عن أمر إلهي فهو أعظم في لفتوة و إن لم يكن عن أمر إلهي فهو فتى على كل حال فإنه من آثر أمر ربه على هوى نفسه فهو الفتى‏ فحقيقة الفتوة أن يؤثر الإنسان العلم المشروع الوارد من الله على السنة الرسل على هوى نفسه و على أدلة عقله و ما حكم به فكره و نظره إذا خالف علم الشارع المقرر له هذا هو الفتى فيكون بين يدي العلم المشروع كالميت بين يدي الغاسل و لا ينبغي أن يقال هنا يكون بين يدي الحق كالميت بين يدي الغاسل فإنه غلط و مزلة قدم فإن الشرع قيدك فقف عند تقييده فما أوجب عليك مما هو له أن تنسبه إلى نفسك أو إلى مخلوق من المخلوقات سوى الله فمن الفتوة أن تنسبه إلى ذلك لا إلى الله حقيقة كما أمرك و إن دلك على خلاف ذلك عقلك فارم به و كن مع العلم المشروع و ما أوجب أن تنسبه إليه سبحانه فانسبه إليه تعالى و ما خيرك فيه فإن شئت أن تقف و لا تعين و إن شئت نظرت بما يتعلق بالمخير فيه من حمد فانسبه إليه و ما تعلق به من ذم فانسبه إليه و ما تعلق به من ذم فانسبه إلى نفسك أدبا مع الله فإن الأدب عبارة عن جماع الخير فما زلت عن مقام الفتوة كان الشيخ أبو مدين رحمه الله إذا جاءه مأكول طيب أكله و إذا جاءه مأكول خشن أكله و إذا جاع و جاءه نقد علم إن الله قد خيره إذ لو أراد أن يطعمه أي صنف شاء من المأكولات جاء به إليه فيقول هذا النقد ثمن المأكول جاء به الله للتخيير و الاختيار فينظر في ذلك الوقت ما هو الأحب إلى الله من المأكولات بالنظر إلى صلاح المزاج للعبادة لا إلى الفرض النفسي و اتباع الشهوة فإن وافقه كل مأكول حينئذ يرجع إلى موطن الدنيا و ما ينبغي أن يعامل به من الزهد في ملذوذاتها مع صلاح المزاج الذي يقوم بصلاحه العبادة المشروعة فيعدل بحكم الموطن إلى شظف العيش الذي تكرهه النفس لعدم اللذة به و يكتفي بلذة الحاجة فإنه يتناوله عند الضرورة فإن لذة الضرورة ما فوقها لذة لأن الطبع يطلبها و إذا حصل للطبع طلبه التذ به‏ فالفتى هو من ذكرناه و يسرى فعله و تصرفه في الجماد و النبات و الحيوان و في كل موجود و لكن على ميزان العلم المشروع و إن ورد عليه أمر إلهي فيما يظهر له يحل له ما ثبت تحريمه في نفس الأمر من الشرع المحمدي فقد لبس فيه فيتركه و يرجع إلى حكم‏الشرع الثابت فإنه قد ثبت عند أهل الكشف بأجمعهم أنه لا تحليل و لا تحريم و لا شي‏ء من أحكام الشرع لأحد بعد انقطاع الرسالة و النبوة من أهل الله فلا يعول عليه صاحب ذلك و يعلم قطعا أنه هوى نفسي إذ كان ذلك الأمر المحلل أو المحرم في نفس الأمر هذا شرطه و لا يمنع التعريف الإلهي لأهل الله بصحة الحكم المشروع في غير المتواتر بالمنصوص عليه و أما في المتواتر المنصوص إذا ورد التعريف بخلافه فلا يعول عليه هذا لا خلاف فيه عند أهل الله من أهل الكشف و الوجود فإنه من المنتمين إلى الله من يطرأ عليهم التلبيس في أحوالهم من حيث لا يشعرون و هو مكر خفي و كيد متين إلهي و استدراج من حيث لا يشعرون فإياك أن ترمي ميزان الشرع من يدك في العلم الرسمي و المبادرة لما حكم به و إن فهمت منه خلاف ما يفهمه الناس مما يحول بينك و بين إمضاء ظاهر الحكم به فلا تعول عليه فإنه مكر نفسي بصورة إلهية من حيث لا تشعر و قد وقعنا بقوم صادقين من أهل الله ممن التبس عليهم هذا المقام و يرجحون كشفهم و ما طهر لهم في فهمهم مما يبطل ذلك الحكم المقرر فيعتمدون عليه في حق نفوسهم و يسلمون ذلك الحكم المقرر في الظاهر للغير و هذا ليس بشي‏ء عندنا و لا عند أهل الله و كل من عول عليه فقد خلط و خرج عن الانتظام في سلك أهل الله و لحق بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً و ربما يبقى صاحب هذا الكشف على العمل بظاهر ذلك الحكم و لا يعتقده في حق نفسه فيعمله تقريرا للظاهر و يقول ما أعطى من نفسي لهذا الأمر المشروع إلا ظاهري فإني قد أطلعت على سره فحكمه على سرى خلاف حكمه في ظاهري فلا يعتقده في سره عند العمل به فمن عمل على هذا منه فقد حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ في الْآخِرَةِ من الْخاسِرِينَ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ و خرج عن أن يكون من أهل الله و لحق بمن اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ الله عَلى‏ عِلْمٍ فهو يظن أنه في الحاصل و هو في الفائت فتحفظوا يا إخواننا من غوائل هذا المقام و مكر هذا الكشف فقد نصحتكم و نصحت هذه الطائفة و وفيت بالأمر الواجب علي فيه فمن لم يعلم الفتوة كما ذكرناها فما علمها