قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السابع و الأربعون و مائة في معرفة مقام ترك الفتوة و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
ترك الفتوة إيثار لخالقنا هو الفتوة إن حققت معناها
فنفيها عين إثبات لها فمتى أمتها جاء ذاك الموت أحياها
فليس يعدمها إلا الفناء فكن من أهله فيكون الحق مأواها

اعلم أن ترك الفتوة مشيك في حق نفسك و حظها إذا مشيت في ذلك عن أمر الله لا لما يقتضيه طبع النفس كنت صاحب فتوة فصاحب هذا المقام صاحب فتوة لا فتوة متصف بالنقيضين فالفتوة مثل الحب في الحكم سواء فإن الحب يقضي في المحب الاتصاف بالنقيضين إذا اتفق أن يكون أحد النقيضين محبوبا للمحبوب مما يكرهه المحب لكون الحب لا يطلبه و لا يقتضيه‏ فاعلم أن الإنسان إنما يرغب في الأعمال التي نص الشارع على عملها أو تركها إن كانت من التروك ليكون بامتثال ما كلف على حد ما أعطاه الكشف و الايمان و العقل في أعلى المراتب و لا يكون ذا همة دنية فإذا تعرض له في وقت عملان أعني أمرين من فعل أو ترك عمد إلى أفضلهما و قد ورد الخبر أنه من قتل شخصا و لم يقتل به فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه و إن شاء عذبه‏ و قال فيمن قتل نفسه بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة و لم يجعله في المشيئة و لا جعل لعمله كفارة في ماله فعلمنا أن حق النفس في حقه آكد عليه و أعظم في الحرمة من حق غيره و الفتوة العمل في حق الغير إيثارا على حق نفسه و قد قدم الشارع في غير ما موضع أن حق نفس الإنسان عليه أوجب من حق الغير عند الله و الفتى هو الماشي في الأمور بأمر غيره لا بأمر نفسه و في حق غيره لا في حق نفسه لكن بأمر ربه فهما طرفان أحدهما يسوغ و هو المشي في الأمور عن أمر الله و الشطر الآخر لا يسوغ في كل موطن‏ فالعارف إذا أقيم في مقام أداء الحقوق إلى أصحابها و تعينت الحقوق عليه لأصحابها لم يتمكن له أن يتفتى مطلقا فيؤثر الغير على الإطلاق فإنه بأداء حق نفسه يبدأ و إذا بدأ به قدح في شرط الفتوة و إذا لم يبدأ به قدح في الطرف الآخر من الفتوة الذي هو امتثال أمر الله فيبقى هالكا و التخليص من ذلك أن يقول أنا مؤمن و الله تعالى اشْتَرى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ فنفسي‏ للحق لا لي فابدأ بها و أوثرها على غيرها من النفوس من كونها لله لا لي فلهذا تكمل الفتوة في تركها المعلوم عند المحجوبين عن إدراك حقائق الأمور فإن مالكها أمرني بتقديمها في أداء الحقوق‏ و أما حكاية صاحب السفرة و هي أن شيخا من المشايخ جاءه أضياف فأمر تلميذه أن يأتيه بسفرة الطعام فأبطأ عليه فسأله ما أبطأ بك فقال وجدت النمل على السفرة فلم أر من الفتوة إن أخرجهم فتربصت حتى خرجوا من نفوسهم فقال له الشيخ لقد دققت فجعل هذا الفعل من تدقيق باب الفتوة و نعم ما قال و نعم ما فاته فلو قال أحد لهذا الشيخ كيف شهد له بالتدقيق في الفتوة على جهة المدح و الأضياف متالمون بالتأخير و الانتظار و مراعاة الأضياف أولى من مراعاة النمل فإن قال الشيخ النمل أقرب إلى الله من حيث طاعتهم لله من الإنسان لما يوجد فيه من المخالفة و كراهة بعض الأمور التي هي غير مستلذة قلنا و جلد الإنسان و جوارحه و شعره و بشره ناطق بتسبيح الله تعالى كالنمل و لهذا تشهد يوم القيامة على النفس الناطقة الكافرة الجاحدة قال تعالى وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا و قال يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ فهم عدول و شهادتهم مقبولة فكان الأولى مراعاة الأضياف الذين أمر الشارع بتعجيل تقديم الطعام لهم فلو تفتي هذا الخادم و ترك السفرة للنمل و استأذن الشيخ و عرفه بالقصة و نظر في تقديم أمر آخر للاضياف كان أولى و أدق في الفتوة