الفراسة من الافتراس فهو نعت إلهي قهري حكمه في الشوارد خوفا من صاحب هذه الصفة و الشرود سببه خوف طبيعي إما على النفس إن تفارق بدنها الذي ألفته و ظهر سلطانها فيه و إما من حيث ما ينسب إليها من الذم الذي يطلقه عليها المفترس بالفراسة الطبيعية أو بالفراسة الإلهية فلهذا لا تتعلق إلا بالشاردين لأن الغالب على العالم الجهل بنفوسهم و سبب جهلهم التركيب فلو كانوا بسائط غير مركبين من العناصر لم يتصفوا بهذا الوصف فاعلم أن الفراسة إذا اتصف بها العبد له في المتفرس فيه علامات بتلك العلامات يستدل و العلامات منها طبيعية مزاجية و هي الفراسة الحكمية و منها روحانية نفسية إيمانية و هي الفراسة الإلهية و هو نور إلهي في عين بصيرة المؤمن يعرف به إذ يكشف له ما وقع من المتفرس فيه أو ما يقع منه أو ما يؤول إليه أمره ففراسة المؤمن أعم تعلقا من الفراسة الطبيعية فإن الفراسة غاية ما تعطي من العلوم العلم بالأخلاق المذمومة و المحمودة و ما يؤدي إلى العجلة في الأشياء و الريث فيها و الحركات البدنية كلها و سأورد في هذا الباب طرفا منهما أعني من الفراستين بعد تحقيق ماهيتهما و الفراسة الإلهية تتعلق بعلم ما تعطيه الفراسة الطبيعية و زيادة و هي إنها تعطي معرفة السعيد من الشقي و معرفة الحركة من الإنسان المرضية عند الله من غير المرضية التي وقعت منه من غير حضور صاحب هذا النور فإذا حضر بين يديه بعد انقضاء زمان تلك الحركة و قد ترك ذلك العمل في العضو الذي كان منه ذلك العمل علامة لا يعرفها إلا صاحب الفراسة فيقول له فيها بحسب ما كانت الحركة من طاعة و معصية كما اتفق لعثمان رضي الله عنه و ذلك أنه دخل عليه رجل فعند ما وقعت عليه عينه قال يا سبحان الله ما بال رجال لا يغضون أبصارهم عن محارم الله و كان ذلك الرجل قد أرسل نظره فيما لا يحل له إما في نظره إلى عورة إنسان أو نظر في قعر بيت مسكون و ما أشبه ذلك فقال له الرجل أ وحي بعد رسول الله ص فقال لا و لكنها فراسة أ لم تسمع إلى قول رسول الله ص اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله و عند ما دخلت على رأيت ذلك في عينيك فهذا معنى قولنا إنها تترك علامة في العضو الذي كان منه ذلك العمل المحمود أو المذموم و الفراسة الطبيعية تعطي معرفة المعتدل في جميع أفعاله و أقواله و حركاته و سكناته و معرفة المنحرف في ذلك كله فيفرق بالنظر في أعضائه و نشأة كل عضو بين الأخرق و العاقل و الذكي و الفطن و الفدم الغمر و الشبق و غير الشبق و الغضوب و غير الغضوب و الخبيث و غير الخبيث و الخداع المحتال و السليم المسلم و النزق و غير النزق و ما أشبه هذا فاعلم أولا أن الفراسة الإيمانية و بها نبدأ أنها نورإلهي يعطاه المؤمن لعين البصيرة يكون كالنور لعين البصر و تكون العلامة في المتفرس فيه كنور الشمس الذي تظهر به المحسوسات للبصر فكما يفرق البصر بما فيه من النور و بما كشف له نور الشمس من المحسوسات فيعرف صغيرها من كبيرها و حسنها من قبيحها و أبيضها من أسودها من أحمرها من أصفرها و متحركها من ساكنها و بعيدها من قريبها و عاليها من أسفلها كذلك نور الفراسة الإيمانية يعرف محمودها من مذمومها و إنما أضيف نور الفراسة إلى الله الذي هو الاسم الجامع لأحكام الأسماء لأنه يكشف المحمود و المذموم و حركات السعادة في الدار الآخرة و حركات الشقاء إلى أن يبلغ بعضهم إذا رأى وطأة شخص في الأرض و هو أثره و الشخص ليس بحاضر يقول هذا قدم سعيد و هذا قدم شقي مثل ما يفعله القائف الذي يتبع الأثر فيقول صاحب هذا الأثر أبيض مثلا أعور العين و يصف خلقته كأنه رآه و ما طرأ عليه في خلقه من الأمور العوارض يرى ذلك كله في أثره من غير أن يرى شخصه و يحكم في الأنساب و يلحق الولد بأبيه إذا وقع الاختلاف فيه لعدم المناسبة في الشبه الظاهر المعتاد بين الآباء و الأبناء فأضاف نور الفراسة إلى الله لأجل هذا فلو أضافها إلى الاسم الحميد مثلا لم ير صاحب هذا النور إلا المحمود السعيد خاصة و كذلك لو أضاف إلى أي اسم إلهي لكان بحسب ما تعطي حقيقة ذلك الاسم فلما أضاف ذلك النور إلى الله أدرك به الخيرات و الشرور الواقعة في الدنيا و الآخرة و المذام و المحامد و مكارم الأخلاق و سفسافها و ما تعطيه الطبيعة و ما تعطيه الروحانية و يفرق بهذا النور بين الأحكام الشرعية و هي خمسة أحكام و يعرف بهذا النور لمن استند صاحب تلك الحركة من الأسماء الإلهية و من ينظر إليه من الأرواح العلوية و ما له من الآيات من الحركات الكوكبية لأن الله ما جعل سباحتها في الأفلاك باطلا بل لأمور أودعها الله تعالى في المجموع فيها و في حركاتها و في قطعها في البروج المقدرة في الفلك الأقصى و هو قوله وَ أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فهي تؤدي في تلك السباحة ما أمنت عليه من الأمور التي يطلبها العالم العنصري و اعلم أن الطبيعة التي خلقها الله تعالى دون النفس و فوق الهباء فلما أراد الله إيجاد الأجسام الطبيعية و ما ثم عندنا إلا جسم طبيعي أو عنصري و العناصر أجسام طبيعية و إن تولد عنها أجساد أخر فكل ذلك من آثار الله فيما خلق الله الطبيعة عليها و الطبيعة عبارة عن أمور أربعة إذا تألفت تألفا خاصا حدث عنه ما يناسب تلك الألفة بتقدير العزيز العليم فلذلك اختلفت أجسام العالم لاختلاف ذلك المزاج فأعطى كل جسم في العالم بحسب ما اقتضاه مزاجه و ما زال الأمر ينزل إلى أن خلق الله العناصر و هي الأركان فضم الحرارة إلى اليبوسة على طريق خاص فكان من ذلك المزج ركن النار الذي يعبر عنه أيضا بعنصر النار ثم الهواء كذلك ثم الماء ثم التراب ثم جعل سبحانه يستحيل بعضها إلى بعض بوسائط و بغير وسائط فإذا تنافر العنصران من جميع الوجوه استحال إلى المناسب ثم استحال ذلك المناسب إلى المناسب إليه الآخر الأقرب الذي كان منافرا للمستحيل الأول فقبل الاستحالة إليه بوساطة هذا المناسب الأقرب من سخافة أو كثافة ثم خلق الله الجسم الحيواني من أربع طبائع و هما المرتان و الدم و البلغم و جعل سبحانه في هذه الأخلاط قوى روحانية تظهر آثارها في الجسم المركب عنها فإن كانت هذه الأخلاط في الجسم الظاهر عنها على الاعتدال أو قريب من الاعتدال أعطت ما يعطيه الاعتدال من الأمور المستحسنة المحمودة و الحركات الاقتصادية في الأمور و إن لم تكن فيه على الاعتدال أعطت بحسب ما انحرفت إليه و ظهر في البدن سلطان الأقوى و الأكثر من هذه الأخلاط فيطرأ على الجسم من ذلك علل و على النفس من ذلك أخلاق فالطبيب يداوي العلل بأن يزيد في الناقص من هذه الأخلاط و ينقص من الزائد منها حتى يحصل الاعتدال و الطبيب الإلهي يداوي الأخلاق و يسوس الأغراض النفسية بالذكرى و الموعظة و التنبيه على معالي الأمور و ما لمن قامت به من السعادة و المحمدة عند الله و عند الناس و عند الأرواح العلى فتتأيد بذلك النفس الناطقة و تكون لها هذه الذكرى كالمعينة على صلاح هذا المزاج المنحرف فتعين الطبيب المدبر لطبيعة هذا البدن و إصلاح ما اختل منه و لهذا بعض الأطباء يأمرون المرضى لأمراض خاصة باستعمال سماع الألحان المطربة و الأماكن المستحسنة المتنوعة الأزهار و خرير المياه و تغاريد الطير كالبلبل و أمثاله كل ذلك طب روحاني يؤدي إلى صلاح المزاج يعين الطبيب عليهو ثم علل أخر لا تحتمل الأصوات بل تصلح بنقيض ما ذكرناه و ذلك كله بحسب الخلط الغالب الأقوى و ضعف المناقض المقابل له و هذه العلل منها أصلية في نفس المزاج و الخلقة مثل الجحوظة في العينين أو الغئورة المفرطة أو الأنف الدقيق جدا أو الغليظ جدا أو المتسع الثقب المنتفخ أو نقيضه أو البياض الشديد أو السواد الشديد أو الجعودة في الشعر أو السبوطة فيه الكثيرة أو الزرقة الشديدة في العين الفيروزجيه أو الكحولة الغائية و كذلك سائر الأعضاء في عدم الاعتدال و هو الانحراف من الاعتدال إلى أحد الميلين كما ذكرنا فإن خلق الإنسان يكون بحسب ما هي هذه الأعضاء عليه من اعتدال و انحراف فإذا جاء هذا الطبيب الإلهي و هو النبي أو الوارث أو الحكيم فيرى ما تقتضيه هذه النشأة التي انقادت إليه و جعلت زمامها في يديه ليربيها و يسعى في سعادتها و يردها إلى خلاف ما تقتضيه نشأته إن كان منحرفا بأن يبين لها مصارف ذلك الانحراف التي يحمدها الله و يكون فيها سعادة هذه النفس فإنه لا يتمكن له أن ينشاها نشأة أخرى فقد فرغ ربك من خلق و من خلق و لم يبق بأيدينا إلا تبيين المصارف فالمعتدل النشأة إذا كان جاهلا بالأمور السعادية عند الله التي تحتاج إلى موقف و هو رسول الله ص يسأل العلماء عن الأمور التي تعطي السعادة عند الله و أما مكارم الأخلاق فلا يحتاج فيها إلى موقف فإن مزاج نشأته و اعتدالها لا تعطيه إلا مكارم الأخلاق بل يحتاج إلى الموقف في بعض الأمور في استعمال الانحراف و هو في ذلك مكلف لما يكون في ذلك الانحراف من المصالح إما دنيا و إما آخرة و إما المجموع و أما المنحرف فتصدر منه مذام الأخلاق و سفسافها و طلب نفوذ الأغراض القائمة به و لا يبالي ما يؤول إليه أمره في نيلها فالطبيب السؤوس يستدرجه حالا بعد حال بتبيين المصارف كما ذكرناه فإذا جاء صاحب الفراسة الإيمانية و كان عالما بما يكون فيه المصلحة لهذا المتفرس فيه و رأى منه حركة تؤدي إلى مذموم أو تكون تلك الحركة قد وقعت منه مذمومة ساسة حتى يتمكن منه إلى أن يسلم إليه نفسه ليتحكم فيها فإن كان منحرفا كان في سلوكه صاحب مجاهدة و رياضة و إن كان معتدلا كان في سلوكه طيب النفس ملتذا صاحب فرح و سرور تهون عليه الأمور الصعاب على غيره و لا تكلف عنده في شيء من مكارم الأخلاق فإذا صفت نفسه و زكت و لحقت بالعالم المطهر و نظرت بالعين الإلهي و سمعت به و تحركت بقوته عرفت مصادر الأمور و مواردها و ما تنبعث عنه و ما تئول إليه فذلك المعبر عنه بالفراسة الإيمانية و هي موهبة من الله تعالى ينالها السليم الطبع و غير السليم و أصل الاعتدال و الانحراف في العالم و في الموجب لغلبة بعض الأصول على بعضها التي لها الحكم في المركبات هي من آثار العلم الإلهي الذي منه يرحم الله من يشاء و يغفر و يعذب و يكره و يرضى و يغضب و أين الغضب من الرضي و أين العفو من الانتقام و أين السخط من الرضوان و كل ذلك جاءت به الأخبار الإلهية في الكتب المنزلة و علمها أهل الكشف مشاهدة عين و لو لا ما وردت على ألسنة الأنبياء و الرسل و نزلت بها الكتب من الله على أيديهم و أيدوا بالمعجزات ليثبت صدقهم عند الأجانب لأجل هذه الأمور الإلهية حتى تقبل منهم إذا وردوا بها فإن أدلة العقول تحيلها في الجناب الإلهي فلو نطق بها مشاهد لها مكاشف بها من غير تأييد آية تدل على صدقه جهل و طعن في نظره و أقيمت الدلالات العقلية على فساد عقله و فكره و حكم خياله عليه و أن الله لا ينبغي أن يوصف بهذه الأوصاف فهذا كان سبب نزولها على أيدي الرسل و الكتب ليستريح إليها المشاهد و يأنس بكلامه إذا أتى بمثل هذا النوع فلأجل هذه الأمور وردت الشرائع و لأجل الأحكام التي لا توافق أغراض الرؤساء و المقدمين لو سمعوها من غير الرسول فلما أنسوا بها من الرسل و ألفت النفوس أحكام النواميس الإلهية و استصحبتها هان على الملوك و الرؤساء أن يتلمذوا للصالحين و يدخلوا نفوسهم تحت أحكامهم و إن شق عليهم فهم يرجحون علمهم بذلك على ما يدركونه من مشقة خلاف الغرض فإنه على هذا الشرط أدخل نفسه فحجته قائمة على نفسه فسبحان العليم الحكيم و لو لا شرف العلم ما شرفت الفراسة لأن الفراسة لو لا ما تعطي العلم ما شرفت و لا كان لها قدر فالعلم أشرف الصفات و به تحصل النجاة إذا حكمه الإنسان على نفسه و تصرف في أموره بحسب حكمه رَبِّ زِدْنِي عِلْماً رَبِّ زِدْنِي عِلْماً رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و استعملني له و اجعله الحاكم علي و الناظر إلي إذ أنت العلم و العالم و المعلوم لك لا لنا فأعطنا منه على قدرنا و أما الفراسة المذكورة عند الحكماء فأنا أذكر منها طرفا على ما أصلوهو ما جربوه و اختبروه ثم اعتباره في الصفات بما تقتضيه طريقنا في هذا الكتاب مختصرا كافيا إن شاء الله تعالى اعلم أن الله تعالى إذا أراد أن يخلق إنسانا معتدل النشأة ليكون جميع حركاته و تصرفاته مستقيمة وفق الله الأب لما فيه صلاح مزاجه و وفق الأم أيضا لذلك فصلح المني من الذكر و الأنثى و صلح مزاج الرحم و اعتدلت فيه الأخلاط اعتدال القدر الذي به يكون صلاح النطفة و وقت الله لإنزال الماء في الرحم طالعا سعيدا بحركات فلكية جعلها الله علامة على الصلاح فيما يكون في ذلك من الكائنات فيجامع الرجل امرأته في طالع سعيد بمزاج معتدل فينزل الماء في رحم معتدل المزاج فيتلقاه الرحم و يوفق الله الأم و يرزقها الشهوة إلى كل غذاء يكون فيه صلاح مزاجها و ما تتغذى به النطفة في الرحم فتقبل النطفة التصوير في مكان معتدل و مواد معتدلة و حركات فلكية مستقيمة فتخرج النشأة و تقوم على أعدل صورة فتكون نشأة صاحبها معتدلة ليس بالطويل و لا بالقصير لين اللحم رطبة بين الغلظ و الرقة أبيض مشربا بحمرة و صفرة معتدل الشعر طويله ليس بالسبط و لا الجعد القطط في شعره حمرة ليس بذاك السواد أسيل الوجه أعين عينه مائلة إلى الغور و السواد معتدل عظيم الرأس سائل الأكتاف في عنقه استواء معتدل اللبة ليس في وركه و لا صلبه لحم خفي الصوت صاف ما غلظ منه و ما رق مما يستحب منه غلظة أو رقته في اعتدال طويل البنان للرقة سبط الكف قليل الكلام و الصمت إلا عند الحاجة ميل طبائعه إلى الصفراء و السوداء في نظره فرح و سرور قليل الطمع في المال ليس يريد التحكم عليك و لا الرئاسة ليس بعجلان و لا بطيء فهذا قالت الحكماء أعدل الخلقة و أحكمها و فيها خلق سيدنا محمد ص ليصح له الكمال في النشأة كما صح له الكمال في المرتبة فكان أكمل الناس من جميع الوجوه ظاهرا و باطنا فإن اتفق أن يكون في الرحم اختلال مزاج فلا بد أن يؤثر ذلك الاختلال في نشأة الإنسان في الرحم في عضو من أعضائه أو في أكثر الأعضاء أو في أقلها بحسب ما تكون المادة في الوقت لذلك العضو من القوة الجاذبة التي تكون في النطفة فيخرج ذلك إما في كلية النشأة و إما في بعض أعضائها فمن ذلك و الله الموفق أن البياض الصادق مع الشقرة و الزرقة الكثيرة دليل على القحة و الخيانة و الفسوق و خفة العقل فإن كان مع ذلك واسع الجبهة ضيق الذقن أزعر أوجن كثير الشعر على الرأس فقال أهل الفراسة من الحكماء إن التحفظ ممن هذه صفته كالتحفظ من الأفاعي القتالة فإن كان الشعر خشنا دل على الشجاعة و صحة الدماغ و إن كان لينا دل على الجبن و برد الدماغ و قلة الفطنة و إن كان الشعر كثيرا على الكتفين و العنق دل على الحمق و الجراءة و إن كثر على الصدر و البطن دل على وحشية الطبع و قلة الفهم و حب الجور و الشقرة دليل على الجبن و كثرة الغضب و سرعته و التسلط و الأسود من الشعر يدل على السكون الكثير في العقل و الأناة و حب العدل و المتوسط بين هذين يدل على الاعتدال و إن كانت الجبهة منبسطة لا غضون فيها دل على الخصومة و الشغب و الرقاعة و الصلف فإن كانت الجبهة متوسطة في النتو و السعة و كانت فيها غضون فهو صدوق محب فهم عالم يقظان مدبر حاذق و من كان عظيم الأذنين فهو جاهل إلا أنه يكون حافظا و من كان صغير الأذنين فهو سارق أحمق و إن كان الحاجب كثير الشعر دل على الغي و غث الكلام فإن امتد الحاجب إلى الصدغ فصاحبه تياه صلف و من رق حاجبه فاعتدل في الطول و القصر و كانت سوداء فهو يقظان فإن كان العين أزرق فهي أردأ العيون و أردأ الزرق الغير و زجية فمن عظمت عيناه و جحظت فهو حسود وقح كسلان غير مأمون و إن كانت زرقاء كان أشد و قد يكون غاشا و من كانت عيناه متوسطة مائلة إلى الغور و الكحلة و السواد فهو يقظان فهم ثقة محب فإذا أخذت العين في طول البدن فصاحبها خبيث و من كانت عينه جامدة قليلة الحركة كالبهيمة ميت النظر فهو جاهل غليظ الطبع و من كان في عينه حركة بسرعة وحدة نظر فهو محتال لص غادر و من كانت عينه حمراء فهو شجاع مقدام فإن كان حواليها نقط صفر فصاحبها أشر الناس و أرداهم و إن كان أنفه دقيقا فصاحبه نزق و من كان أنفه يكاد يدخل في فمه فهو شجاع و من كان أفطس فهو شبق و من كان أنفه شديد الانتفاخ فهو غضوب و إذا كان غليظ الوسط مائلا إلى الفطوسة فهو كذوب مهذار و أعدل الأنوف ما طال غير طول فاحش و من كان أنفه متوسط الغلظ و قناه غير فاحش فهو دليل على العقل و الفهم و من كان واسع الفم فهو شجاع و من كان غليظ الشفتين فهو أحمق و من كان متوسط الشفتين في الغلظ مع حمرة صادقة فهو معتدل و من كانت أسنانه ملتوية أو ناتئة فهو خداع متحيل غير مأمون و من كانت أسنانه منبسطة خفافا بينهما فلج فهو عاقل ثقة مأمون مدبر و من كان لحم الوجه منه منتفخ الشدقين فهو جاهل غليظ الطبع و من كان نحيف الوجه أصفر فهو ردىء خبيث خداع شكس و من طال وجهه فهو وقح و من كانت أصداغه منتفخة و أوداجه ممتلئة فهو غضوب و من نظرت إليه فاحمر و خجل و ربما دمعت عيناه أو تبسم تبسما لا يريده فهو لك متودد محب فيك لك في نفسه مهابة و إن كان ذا صوت جهر دل على الشجاعة و المعتدل بين الكد و التأني و الغلظ و الرقة دل على العقل و التدبير و الصدق و سرعة الكلام و رقته يدل على الكذب و القحة و الجهل الغلظ في الصوت دليل على الغضب و سوء الخلق الغنة في الصوت دليلة على الحمق و قلة الفطنة و كبر النفس التحرك الكثير دليل على الصلف و الهذر و الخداع و الوقار في الجلسة و تدارك اللفظ و تحريك اليد في فضول الكلام دليل على تمام العقل و التدبير و صحة العقل قصر العنق دليل على الخبث و المكر طول العنق و رقته دليل على الحمق و الجبن و الصياح فإن انضاف إليهما صغر الرأس فإنه يدل على الحمق و السخف غلظ العنق يدل على الجهل و كثرة الأكل اعتدال العنق في الطول و الغلظ دليل على العقل و التدبير و خلوص المودة و الثقة و الصدق البطن الكبير يدل على الحمق و الجهل و الجبن لطافة البطن و ضيق الصدر يدلان على جودة العقل و حسن الرأي عرض الكتفين و الظهر يدلان على الشجاعة و خفة العقل انحناء الظهر يدل على الشكاسة و النزاقة استواء الظهر علامة محمودة بروز الكتفين دليل على سوء النية و قبح المذهب إذا طالت الذراعان حتى يبلغ الكف الركبة دل على الشجاعة و الكرم و نبل النفس و إذا قصرت فصاحبها جبان محب في الشر الكف الطويلة مع الأصابع الطوال تدل على النفوذ في الصنائع و إحكام الأعمال و تدبير الرئاسة اللحم الغليظ في القدم يدل على الجهل و حب الجور القدم الصغير اللين يدل على الفجور رقة العقب تدل على الحسن غلظ العقب يدل على الشجاعة غلظ الساقين مع العرقوبين دليل على البله و القحة من كانت خطأه واسعة بطيئة فهو منجح في جميع أعماله مفكر في عواقبه و الضد للضد فهذا ما نقلته من أقوال الحكماء من أهل التجربة من العلماء بالطبيعة و هذه النعوت قد تكثر و تقل و الحكم للغالب و قد تتساوى في الشخص فيدفع هذا حكم هذا بأن يكون في الشخص حكم أحدها بوجه في قضية خاصة و حكم أحدها بوجه آخر في قضية خاصة و بالجملة فإن الرياضة و استعمال العلم مؤثر في إزالة حكم كل صفة مذمومة مما ذكر و من جرب وجد صحة ما قلناه فإن العادة طبيعة خامسة لها أثر في الطبيعة الأصلية هذا كله مجرب وصل محقق الاعتبار فيما ذكرناه من العلامات التي أعطت الطبيعة حكمها فيه و شهدت لها التجارب فاعلم أن لطيفة الإنسان المدبرة جسده لما كان لها وجه إلى النور المحض الذي هو أبوها و وجه إلى الطبيعة و هي الظلمة المحضة التي هي أمها كانت النفس الناطقة وسطا بين النور و الظلمة و سبب توسطها في المكانة لكونها مدبرة كالنفس الكلية التي بين العقل و الهيولى الكل و هو جوهر مظلم و العقل نور خالص فكانت هذه النفس الناطقة كالبرزخ بين النور و الظلمة تعطي كل ذي حق حقه فمتى غلب عليها أحد الطرفين كانت لما غلب عليها و إن لم يكن لها ميل إلى أحد الجانبين تلقت الأمور على الاعتدال و أنصفت و حكمت بالحق فلنذكر في هذا الوصل اعتبار ما مشى في علامات الفراسة في الجسد فنقول أما البياض المفرط فاستفراغ الإنسان في النظر في عالم النور بحيث لا يبقى في استفراغه ما يدبر به عالم طبيعته كأبي عقال المغربي و أمثاله فيفسد سريعا قبل حصول الكمال و كذلك اعتبار السواد المفرط و هو استفراغه في عالم شهوته و طبيعته بحيث أن يحول بينه و بين النظر في علوم الأنوار و هي العلوم الإلهية فهذا مذموم الحال بلا خلاف فإذا كان وقتا و وقتا و وفى كل ذي حق حقه كما قال ص لي وقت لا يسعني فيه غير ربي فذلك الإمام العادل و أما اعتبار الطول و القصر فهو مدة إقامته في النظر في أحد العالمين فأما مدة ممتدة و هي الطول أو قليلة و هي القصر و ينبغي من ذلك أن تكون المدة بقدر الحاجة و أما اعتدال اللحم في الرطوبة و بين الغلظ و الرقة فهو اعتدال للإنسان في البرزخيات بين المعنى و الحس كاللحم بين العظم و الجلد و أما اعتدال الشعر فهو إقامته بين البسط و القبض و أما كونه أسيل الوجه فهي الطلاقة و البشاشة و أما كونه أعين فصحة النظر في الأمور و أما كون عينه مائلة إلى الغور و السواد فهو النظر في المغيبات و استخراج الأمور الخفية و أما الجحوظة فهو ميلة إلى استنباط العلوم من عالم الشهادة و هم أهل الاعتبار و أما اعتدال عظم الرأس فتوفير العقل و أما كونه سائل الأكتاف فاحتمال الأذى في الغيبة من غير أثر و أما استواء العنق فالاستشراف على الأشياء من غير ميل إليها و أما الطول الزائد في العنق فهو الاستشراف على ما لا ينبغي مثل التجسس و أما القصر المفرط فهو التفريط فيما ينبغي أن يستشرف عليه و أما اعتدال اللبة فاستقامة العبارة بالوزن الذي تقع به المنفعة عند المخاطب و أما قلة اللحم في الورك و الصلب فهو نظره في الأمور التي يتورك عليها و يعول عليها أن يخلصه إلى أحد الطرفين فإنه إن كانت برزخية قد تقدر به في غالب الأمر و أما كونه خفي الصوت فهو حفظ السر في موضع الجهر و أما صفاء الصوت فهو أن لا يزيد فيه شيئا و أما طول البنان فللطافة التناول و أما بسط الكف فرمى الدنيا من غير تعلق و أما قلة الكلام و الضحك فنظره إلى مواقع الحكمة فيتكلم و يضحك بقدر الحاجة و أما كون ميل طباعه إلى المرتين فهو أن يغلب عليه في الصفراء الجنوح إلى العالم العلوي و في السوداء إلى العالم السفلي و استخراج ما أخفي فيه من قرة أعين مما تحجب الطبيعة أكثر العقول في النظر فيها لما يسبق في أذهانهم من ذم الطبيعة و أما كونه في نظره فرح و سرور فهو استجلاب نفوس الغير إليه بالمحبة و أما كونه قليل الطمع في المال فهو البعد عن كل ما يميل به إلى ما لا فائدة له فيه و أما كونه ليس يريد التحكم عليك و لا الرئاسة فهو شغله بكمال عبوديته لا به و أما كونه ليس بعجلان و لا بطيء أي ليس بسريع الأخذ مع القدرة و لا عاجز و كذلك أيضا لما نظرنا إلى أرباب الفراسة الحكمية وجدناهم راجعين في ذلك إلى طرفين و واسطة و قسموا الأمور إلى محمود و مذموم أعني الأخلاق و جعلوا الخير كله في الوسط و جعلوا الانحراف في الطرفين فقالوا في الأبيض الشديد البياض و الأشقر الأزرق ما سمعت من الذم و أنه غير محمود و كذلك الشديد السواد و الرقيق الأنف جدا مذموم كل هذا و المعتدل بينهما الغير مائل إلى أحد الطرفين مثلا خارجا عن الحد هو المحمود على نحو ما تقدم فلما رأيناهم قد قصروها على ما ذكرنا نظرنا إلى ذلك في هذا العالم الإنساني أين ظهر الحسن و القبح فقلنا لا حسن يقع به المنزلة عند الله و لا قبح يقع باجتنابه الخير من الله إلا ما حسنه الشرع و قبحه فلما رأينا الحمد و الذم على الفعل من جهة ما شرعا نظرنا كيف نجمع طرفين و واسطة لنجعل الطرفين مخالفا لحكم الوسط الذي هو محل الاعتدال فنقول لا يخلو الإنسان أن يكون واحدا من ثلاثة بالنظر إلى الشرع و هو إما أن يكون باطنيا محضا و هو القائل بتجريد التوحيد عندنا حالا و فعلا و هذا يؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع كالباطنية و العدول عما أراد الشارع بها و كل ما يؤدي إلى هدم قاعدة دينية مشروعة فهو مذموم بالإطلاق عند كل مؤمن و إما أن يكون ظاهريا محضا متغلغلا متوغلا بحيث أن يؤديه ذلك إلى التجسيم و التشبيه فهذا أيضا مثل ذلك ملحق بالذم شرعا فأما أن يكون جاريا مع الشرع على فهم اللسان حيثما مشى الشارع مشى و حيثما وقف وقف قدما بقدم و هذه حالة الوسط و به صحت محبة الحق له قال تعالى أن يقول نبيه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فاتباع الشارع و اقتفاء أثره يوجب محبة الله للعباد و صحة السعادة الدائمة فهذا وجه مقابلة النسختين فإن قال قائل هذا مجمل فكيف يعرف تفصيله فإنا إذا رأينا رجلا ساكنا يشهد الصلوات و الجماعات و هو مع ذلك منافق مصر فنقول إن السكون و شهود الصلوات و شبه ذلك من عالم الشهادة و كونه كافرا بذلك في قلبه فهو من عالم الغيب و نحن إذا حصلت لنا الفراسة الذوقية الإيمانية كما ذكرناها و كما نتمها إن شاء الله تعالى حكمنا بكونه كافرا في نفوسنا و أبقينا ماله و دمه معصوما شرعا لظهور كلمة التوحيد فمعاملتنا له على هذا الحد و ما كلفنا غير هذا ثم لتعلم وفقك الله أن العالم العلوي بالجملة هو المحرك عالم الحس و الشهادة و تحت قهره حكمة من الله تعالى لا لنفسه استحق ذلك فعالم الشهادة لا يظهر فيه حكم حركة و لا سكون و لا أكل و لا شرب و لا كلام و لا صمت إلا عن عالم الغيب و ذلك أن الحيوان لا يتحرك إلا عن قصد و إرادة و هما من عمل القلب و الإرادة من عالم الغيب و التحرك و ما شاكله من عالم الشهادة و عالم الشهادة كلما أدركناه بالحس عادة و عالمالغيب ما أدركناه بالخبر الشرعي أو النظر الفكري مما لا يظهر في الحس عادة فنقول إن عالم الغيب يدرك بعين البصيرة كما إن عالم الشهادة يدرك بعين البصر و كما أن البصر لا يدرك عالم الشهادة ما عدا الظلمة ما لم يرتفع عنه حجاب الظلم أو ما أشبهه من الموانع فإذا ارتفعت الموانع و انبسطت الأنوار على المحسوسات و اجتمع نور البصر و النور المظهر أدرك المبصر بالبصر المبصرات كذلك عين البصيرة حجابه الريون و الشهوات و ملاحظة الأغيار من العالم الطبيعي الكثيف إلى أمثال هذه الحجب فتحول بينه و بين إدراك الملكوت أعني عالم الغيب فإذا عمد الإنسان إلى مرآة قلبه و جلاها بالذكر و تلاوة القرآن فحصل له من ذلك نور و لله نور منبسط على جميع الموجودات يسمى نور الوجود فإذا اجتمع النوران فكشف المغيبات على ما هي عليه و على ما وقعت في الوجود غير أن بينهما لطيفة معنى فذلك أن الحس يحجبه الجدار و البعد المفرط و القرب المفرط و عين البصيرة ليس كذلك لا يحجبه شيء إلا ما ذكرنا من الران و الكن و أشباه ذلك إلا أنه أيضا ثم حجابا لطيفا أذكره و هو أن النور الذي ينبسط من حضرة الجود على عالم الغيب في الحضرات الوجودية لا يعمها كلها و لا ينبسط منه عليها في حق هذا المكاشف إلا على قدر ما يريد الله تعالى و ذلك هو مقام الوحي دليلنا على ذلك لأنفسنا ذوقنا له و لغيرنا قوله قُلْ ... ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ مع غاية الصفاء المحمدي و هو قوله أَوْ من وَراءِ حِجابٍ فمهما ظهر ممن حصل في هذا المقام شيء من ذلك على ظاهره في حق شخص ما فتلك الفراسة و هي أعلى درجات المكاشفة و موضعها من كتاب الله إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ من السمة و هي العلامة كما قلنا و لا يخطئ أبدا بخلاف الفراسة الحكمية و ثم كشف آخر في الفراسة و ذلك أن الله جعل في العالم حضرة السمات فيها صور بنى آدم و أحوالهم في أزمانهم إلى حين انفصالهم و هي مخبوءة عن جميع الخلائق العلوي و السفلي إلا عن القلم و اللوح فإذا أراد الله اصطفاء عبد و أن يخصه بهذا المقام طهر قلبه و شرحه و جعل فيه سراجا منيرا من إيمانه خاصة يسرجه من الأسماء الإلهية الاسم المؤمن المهيمن و بيده هذه الحضرة و ذلك السراج من حضرة الألوهة يأخذه الاسم المؤمن فإذا استنار القلب بذلك النور الإلهي و انتشر النور في زوايا قلبه مع نور عين البصيرة بحيث يحصل له إدراك المدركات على الكشف و المشاهدة لوجود هذه الأنوار فإذا حصل القلب على ما ذكرناه جعل في ساحة من ساحات هذا القلب تلك الحضرة التي ذكرناها فمن هناك يعرف حركات العالم و أسراره انتهى الجزء الثالث و مائة
(الباب الثامن و الأربعون و مائة في معرفة مقام الفراسة و أسرارها)
إن الفراسة نور النقل جاء به لفظ النبي الرسول المصطفى الهادي
رب الفراسة من كان الإله له عينا و سمعا و ذاك الناشىء الشادى
و ما النهاية إلا أن يقوم به عكس القضية في غيب و إشهاد