قال رسول الله ص ما كان الله لينهاكم عن الربا و يأخذه منكم و هو حديث صحيح فأدخل نفسه معنا فيما نهانا عنه في الحكم فالأخلاق كلها نعوت إلهية فكلها مكارم و كلها في جبلة الإنسان و لذلك خوطب بها فإن بعض من لا معرفة له بالحقائق يقول إنها في الإنسان تخلق و في الحق خلق فهذا من قائله جهل بالأمور إن لم يطلق ذلك مجازا أو بالنظر إلى تقدم وجود الحق على وجود العبد لأنه واجب الوجود لنفسه و الإنسان موجود بربه فاستفاد الوجود فاستفاد الخلق منه فإذا راعى هذا الأصل فقال بالتخلق كان صحيح المقصد و إن أراد بالتخلق أن ما هو للحق حقيقة و اتصف به العبد إن لم يكن عنده إلا في الوقت الذي اتصف به فسماه لذلك تخلقا لا خلقا و ما يكون خلقا إلا ما جبل عليه في أصل نشأته فلا علم له بنشأة الإنسان و لا بإعلام النبي ص بأن الله خلق آدم على صورته و يلزم هذا القائل أن يكون ما جعله من الصفات حقيقة للعبد ثم رأينا الحق قد اتصف به أن يكون ذلك في الله تخلقا من الله بما هو حقللإنسان و هذا لا يقول به من عنده أدنى شيء من العلم و الصحيح في هذه الأخلاق الإلهية إنها كلها في جبلة الإنسان و تظهر لمن يعرفها في كل إنسان على حد ما تظهر في الجناب الإلهي فإن كل خلق من هذه الأخلاق لا يصح أن تعم المعاملة به جميع الأكوان لا من جانب الحق و لا من جانب الإنسان فهو كريم على الإطلاق و كذلك الإنسان كريم على الإطلاق و مع كون الحق كريما على الإطلاق فمن أسمائه المانع و من أسمائه الضار و من أسمائه المذي و يغفر و يعذب من يشاء و يؤتي الملك و ينزع الملك و ينتقم و يجود و هو مع هذا التقييد في حق قوم دون قوم مطلق الصفة و كذا هي في الإنسان فهي خلق أصلي له لا تخلق و لا يصح أن تعم من الإنسان هذه الأخلاق مع كونها مطلقة في حقه كما لم يصح أن تعم من الله في جميع الخلق مع كونه تعالى مطلق الوصف بها و لا يصح في هذه الصفات الاستعارة إلا مجازا كما قلنا من حيث إنه تعالى كان بهذه الصفات و ما كنا فلما كنا كنا بها لا أنا اكتسبناها و لا استعرناها منه فإنها صفة قديمة لله أي نسبة اتصف بها الحق و لا عالم و الصفة لا بد لها من موصوف بها فإنها من حقيقتها لأن تقوم بنفسها و يؤدي القول باستعارتها إلى قيامها بنفسها و إلى خلو الحق عنها و إلى أن يكون الحادث محلا لوجود القديم فيه و هذا كله ما لا يقول به أحد من العلماء بالله فجميع ما يظهر من الإنسان من مكارم أخلاق و سفساف أخلاق كلها في جبلته و هي له حقيقة لا مجاز و لا معارة كما أنه سبحانه جميع ما سمي به الحق نفسه لا و ما وصف به نفسه من صفات الأفعال من خلق و إحياء و إماتة و منع و عطاء و جعل و مكر و كيد و استهزاء و فصل و قضاء و جميع ما ورد في الكتب المنزلة و نطقت به الرسل من ضحك و فرح و تعجب و تبشبش و قدم و يد و يدين و أيد و أعين و ذراع كل ذلك نعت صحيح فإنه كلامه تعالى عن نفسه و كلام رسله عنه و هو الصادق و هم الصادقون بالأدلة العقلية و لكن على حد ما يعلمه و على حد ما تقبله ذاته و ما يليق بجلاله لا يزد شيئا من ذلك و لا نحيله و لا نكفيه و لا نقول بنسبة ذلك كله إليه كما ننسبه إلينا نعوذ بالله فإننا ننسبه إلينا على حد علمنا بنا فنعرف كيف ننسبه و الحق يتعالى أن تعرف ذاته فيتعالى أن يعرف كيف ننسب إليه ما نسبه إلى نفسه و من رد شيئا أثبته الحق لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله فقد كفر بما جاء به من عند الله و بمن جاء به و بالله و من آمن ببعض ذلك و رد بعضه فقد كفر حقا و من آمن بذلك و شبهه في نسبة ذلك إليه تعالى مثل نسبتها إلينا أوتوهم ذلك أو خطر على باله أو تصوره أو جعل ذلك ممكنا فقد جهل و ما كفر هذا هو العقد الصحيح من غير ترجيح غير أن ثم أسماء تطلق على العبد و لا تطلق على الجناب الإلهي و إن كان المعنى يشمل ذلك كالبخيل يطلق على العبد و لا يطلق على الحق و هو منع و من أسمائه المانع و من بخل فقد منع هذا هو الحق غير أنا نلتمس له وجها و هو أن نقول كل بخل منع و ما كل منع بخل فمن منع المستحق حقه فقد بخل و الحق قرر قول موسى أن الله أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فما بخل عليك من أعطاك خلقك و وفاك حقك فمنع ما لا يستحقه الخلق ليس بمنع بخل فبهذا القدر نجعل التفرقة بين المنعين و كذلك اسم الكاذب مما اختص به العبد و لا ينبغي أن يطلق على الحق فهو الصادق بكل وجه كما أن العبد صادق و كاذب و صادق أيضا بكل وجه و لكن نسبة الصدق إلى العبد بكل وجه معروف عندنا لعلمنا بنا و نسبتها إلى الحق مجهولة لنا فهو الصادق كما ينبغي أن يضاف إليه الصدق و قال تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و قال ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة فقيد نزوله بالزمان و التقييد بالزمان تقييد بالانتقال و كل ذلك مجهول النسبة ثابت الحكم متوجه كما ينبغي لجلاله و كذلك الاسم الجاهل من أسماء الكون و لا يليق بالجناب الإلهي فالإله عالم من حيث إنه موصوف بالعلم و العبد عالم من حيث إنه موصوف بالعلم و جاهل من حيث خصوص تعلق علمه ببعض الأشياء دون بعض و الحق مطلق العلم عام التعلق و قد قال تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ فحدد خلاف المعقول و أشارت السوداء إن الله في السماء حين قال لها رسول الله ص أين الله و أثبت لها الايمان في إشارتها و هذا خلاف دليل العقل فقد عرف من الله ما لم نعرف و مع هذا فنقول إن الله هو العالم بنفسه و هو الصحيح فما من اسم تسمى العبد به و لم يتسم الحق به و كان في الخلق نعت نقص و سفساف خلق إلا و العقل و الحق قد منع أن يطلق على الله ذلك الاسم أو ينسب إليه ذلك الخلق و مع هذا فإنه يخبر بأمور و فصول تقابل أدلة العقول فهو الفعال لما يشاء و الجاعل في خلقه ما يشاء لا احتكام عليه و هو الحاكم لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَو قد نبهناك على أمر جليل و علم عظيم و سر غامض خفي لا يعلمه إلا الله و من أعلمه من المخلوقين أحاله عقل و ورد به نقل و بعد عنه فهم و قبله فهم فإن تدبرت فصول هذا الباب وقفت على لباب المعرفة الإلهية و تحققت قوله ص من عرف نفسه عرف ربه و قد أوجدتك أنك محل لكل صفة محمودة و مذمومة ثم أعلمتك معنى الحمد و الذم و حددتك و أطلقتك ذلك لتعلم أنك العالم الذي لا يعلم و هو سبحانه العالم الذي يعلم و لا يعلم فلا يعلم ما هو العبد عليه و أعني بالعبد العالم كله و الإنسان إلا الله تعالى هو يعلمه ثم أعلم بعض عبيده فمنا من علم نفسه و منا من جهل نفسه و منا من تخيل أنه علم نفسه و منا من علم من نفسه بعض ما هو عليه في نفسه و بذلك القدر ينسب إليه أنه علم من ربه فإنه من عرف نفسه عرف ربه و كما لا يجتمع الدليل و المدلول لا تجتمع أنت و هو في حد و لا حقيقة فإنه الخالق و أنت المخلوق و إن كنت خالقا و هو المالك و أنت المملوك و إن كنت مالكا فلا يحجبنك الاشتراك في الأخلاق فإنك المخلوق و هو الخلاق فهذا مقام الخلق قد أبنته و ما عدا هذا مما تشير إليه الصوفية من التخلق فهو تلفيق من الكلام و قولهم في التخلق بالأسماء كذلك و نحن قد أطلقنا مثل ما أطلقوه و لكن عن علم محقق و إطلاق مطلق بأدب إلهي عن تحقق فهو في الحقيقة خلق لا تخلق كما أفهمتك و أكثر من هذا الإيضاح و البيان الذي يطلبه هذا المقام فلا يكون فإنا ما تعدينا فيه حدود الله في عبارتنا و لا ذكرنا شيئا ما نسبه إلى نفسه فما خرجنا عن كلامه و ما أنزله على الصادقين من عباده وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ بل هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فهو العليم و لا عالم و هو الحكيم في ترتيب العالم فالعالم و العليم أعم و الحكيم تعلق خاص للعلم فهذا هو التحقق بالخلق الإلهي و أما الأخلاق التي تحتاج إلى معرفتها أهل السلوك و كلنا سالك إذ لا تصح نهاية فهو أن نقول إن العرف و الشرع قد وردا بمكارم الأخلاق و سفساف الأخلاق و أمرنا بإتيان مكارمها و اجتناب سفسافها ثم إن الشرع قد نبه على أنها على قسمين من الأخلاق ما يكون في جبلة الإنسان كما قال رسول الله ص للاشج أشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله و رسوله الحلم و الأناة و في لفظ آخر لغير مسلم فقال الرجل يا رسول الله أ شيء جبلت عليه قال نعم قال الحمد لله الذي جبلني عليهما أو كما قال و منها مكتسبة فالمكتسب هو الذي يعبر عنه بالتخلق و هو التشبه بمن هي فيه هذه الأخلاق الكريمة جبلية في أصل خلقه و لا شك أن استعمال مكارم الأخلاق صعب لملاقاة الضد في استعمالها في الكون فإن الغرضين و الإرادتين من الشخصين إذا تعارضتا و طلب كل واحد منهما منك أن تصرف معه كريم خلق بقضاء غرضه و لا يتمكن لك الجمع بينهما فمهما أرضيت الواحد أسخطت الآخر و إذا تعذر الجمع و استحال تعميم الرضي و تصريف الخلق الكريم مع كل واحد منهما تعين على الإنسان أن يخرج عن نفسه في ذلك و يجعل الحكم فيه للشرع فيتخذه لهذا الباب ميزانا و إماما فاجعل إمامك ما يرضي الله و فيما يرضي الله و لتصرف خلقك الكريم مع الله خاصة فهو الصاحب و الخليفة و هو أولى أن يعامل بمكارم الأخلاق فما قدمه الله قدمه فإن ذلك التقديم هو تصريف الحق لذلك الخلق مع ذلك العبد و في ذلك المحل فتصريف خلقك مع الله أولى من تصريفه مع الكون بل هو واجب لا أولى فإن جميع الخلق من الملائكة و الرسل و المؤمنين يحمدونك على ذلك الفعل و الخلق الذي عاملت به ذلك الشخص الذي قدمه الحق و أوجب عليك أن تعامله به و ما يذمك فيه إلا صاحب ذلك الغرض إذا لم يكن مؤمنا و مراعاة الأصل أولى و إذا لم تتخلق بمكارم الأخلاق على ما رسمته لك لم يصح لك هذا المقام و يذمك فيه كل مخلوق أ لا ترى شاهد الزور فإنه أول من يتجرح عنده و لا يعتقد فيه و يذمه في باطنه من شهد له و قد أسخط الله و ملائكته و رسله و المؤمنين و ليست مكارم الأخلاق إلا ما يتعلق منها بمعاملة غيرك لا غير و ما عدا ذلك فلا يسمى مكارم خلق و إنما هي نعوت يتخلق بها لتصحيح الصورة أو النسبة لا غير هذا هو ربط هذا الباب في السالكين و المخلصين سعادة الأبد و تفاصيل تصاريف الأخلاق مع الموجودات تكثر لو بيناها و كيفياتها لم يحصرها كتاب و بعد أن أعطيناك أصلا فيها تعتمد عليه فاعمل به و هو أن تنظر إلى حكم الشرع في كل حركة منك في حق كل موجود فتعامله بما قال لك الشارع عامله به على الوجوب أو الندب و لا تتعداه تكن في ذلك محمود النقيبة مأمونا معظما عند الله صاحب نور إلهي (نكتة) فإن كنت فعالا بالهمة أرضيت جميع الموجودات عنك إذ كان لكالتصرف في الكل و هو مقام عزيز يعلم و يعقل و لكن ما حصله أحد من خلق الله فهو مخصوص بالحق و لا يظهر به الحق إلا إذا أخذ أهل النار منازلهم و أهل الجنة منازلهم رضي الكل بما هم فيه بإرضاء الحق فلا يشتهي واحد منهم يخرج عن منزلته و هو بها مسرور و هو سر عجيب ما رأينا أحدا نبه عليه من خلق الله و إن كانوا قد علموه بلا شك و ما صانوه و الله أعلم إلا صيانة لأنفسهم و رحمة بالخلق لأن الإنكار يسرع إليه من السامعين و و الله ما نبهت عليه هنا إلا لغلبة الرحمة علي في هذا الوقت فمن فهم سعد و من لم يفهم لم يشق بعدم فهمه و إن كان محروما و السلام
(الباب التاسع و الأربعون و مائة في معرفة مقام الخلق و أسراره)
كون التخلق في الإنسان و الخلق مثل التكحل في العينين و الكحل
و إن تضاعف فيه أجره فمتى ينال مرتبة الأملاك و الرسل
ذاك الوحيد الذي يحيا الزمان به فهو المرتب للاحكام و الدول
تنحط من عزها غلب الرقاب له و هو المثبت للاعراض و العلل