قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخمسون و مائة في معرفة مقام الغيرة التي هي الستر و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
ما أعجب الغيرة في العالم و وصفنا الله بها أعجب‏
و قولنا الله غيور على ما قرر الشرع و ما نذهب‏
و قد قبلناه و لكنه من أصعب الأمر الذي ينسب‏
و إنه من حيث أفكارنا فرض محال عينه ينصب‏
و الكشف مثل الشرع في قوله و شأن رب الكشف لا يحجب‏
و الأمر حق و هو أعجوبة من أجلها عقولهم تهرب‏
قد جعل الشبلي في حكمه أن لها حكما و ذا أصعب‏
و هو من أهل الكشف في علمنا ضرب مثال عندنا يضرب‏
و عند أهل الفكر في زعمهم على الذي يعطيهم المذهب‏
بأنها من عالم زلة و هي إلى حكم العمي أقرب‏

اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن الغيرة نعت إلهي‏ ورد في الخبر أن رسول الله ص قال في سعد إن سعدا لغيور و أنا أغير من سعد و الله أغير مني و من غيرته حرم الفواحش‏ و في هذا الحديث مسألة عظيمة بين الأشاعرة و المعتزلة و هو حديث صحيح فالغيرة أثبتها الايمان و لكن بأداة مخصوصة و هي اللام الأجلية أو من أو الباء و تستحيل بأداة على و هي التي وقعت من الشبلي إما غلطة و إما قبل أن يعرف الله معرفة العارفين فالغيرة في طريق الله هي الغيرة لله أو بالله أو من أجل الله و الغيرة على الله محال‏ فتحقيق كونها نعتا إلهيا و هو نعت يطلب الغير و لذا سميت غيرة فلو لا ملاحظة الغير ما سميت غيرة و لا وجدت فالإله القادر يطلب المألوه المقدور و هو الغير فلا بد من وجود ما يطلب إلا له وجوده فأوجد العالم على أكمل ما يكون الوجود فإنه لا بد أن يكون كذلك لاستحالة إضافة النقص إلى الكامل الاقتدار فلذلك قال أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ و هو الكمال فلو لم يوجد النقص في العالم لما كمل العالم فمن كمال العالم وجود النقص الإضافي فيه فلذلك قلنا إنه وجد على أكمل صورة بحيث إنه لم يبق في الإمكان أكمل منه لأنه على الصورة الإلهية ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورته‏ فكان في قوة الإنسان من أجل الصورة أن ينسى عبوديته و لذلك وصف الإنسان بالنسيان فقال في آدم فَنَسِيَ و النسيان نعت إلهي فما نسي إلا من كونه على الصورة فما زلنا مما كنا فيه قال تعالى نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ كما يليق‏ بجلاله فلما علم الحق أن هذا العبد بما كمله الله به من القوة الإلهية بالصورة الكمالية لا بد أن يدعي في نعوت ما هو حق لله لطلب الصورة الكمالية لذلك النعت و هو من بعض النعوت الإلهية فغار الحق من المشاركة في بعض نعوت الجلال و شغل الإنسان بما أباح له من باقي النعوت الإلهية فلما علم أيضا أنه لا يقف عند ذلك و أنه لا بد أن يعطي الصورة الكمالية حقها في الاتصاف بالنعوت الإلهية و إنها تتعدى ما حجر عليها مثل العظمة و الكبرياء و الجبروت‏ فقال الكبرياء ردائي و العظمة إزاري من نازعني واحدا منهما قصمته‏ و قال كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ فهذا هو عين الغيرة غار على هذه النعوت أن تكون لغير الله فحجرها و كذلك تحجرت على الحقيقة بقوله كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ فلا يدخل مع هذا الطابع قلب كون من الأكوان تكبر على الله و لا جبروت لأجل هذا الطبع‏ فعلم كل من أظهر من المخلوقين دعوى الألوهية كفرعون و غيره و تكبر و تجبر كل ذلك في ظاهرالكون و هذا الذي ظهرت منه صفة الكبرياء مطبوع على قلبه إن يدخل فيه الكبرياء على الله فإنه يعلم من نفسه افتقاره و حاجته و قيام الآلام به من ألم جوع و عطش و هواء و مرض التي لا تخلو هذه النشأة الحيوانية عنه في هذه الدار و تعذر بعض الأغراض أن تنال مرادها و تألمه لذلك و من هذه صفته من المحال أن يتكبر في نفسه على ربه فهذا معنى الطابع الذي طبع الله على قلب المتكبر الذي يظهر لكم به من الدعوى الجبار يجبركم على ما يريد فمنكم المطيع و المخالف و لو هلك بمخالفته و لهذا يرجى حكم السعادة في المال و لو بعد حين فإن القلوب ما يدخلها كبرياء على الله لكن يدخلها بعضهم على بعض قال تعالى لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ و إذا علمت السماء أنها أكبر من خلق الناس كانت موصوفة بالكبرياء على الناس و ذلك الكبرياء لا يقدح فيها فهذا معنى الغيرة الإلهية فلا رافع لما حجره فلا يتكبر على الله فيما بينه و بين الله أحد من خلق الله هذا محال وقوعه و القدر الذي وقع عليه التحجير الظاهر عليه وقع الذم لمن انتهكه و أضافه إلى نفسه و كذبوا على الله فيه‏ و أما الغيرة لله و من أجل الله و بالله فهو أن يرى الإنسان ما حده الحق أن يتعداه الخلق فيقوم به صفة الغيرة لله لا لنفسه و من أجل الله لا من أجل نفسه إذ علم أن الخلق عبيد الله و أنه من حكم العبد أن لا يتعدى حد ما رسم له سيده و أما أن يغار على الله فإن الغيرة ستر يحجب المغار عليه حتى لا يكون إلا عنده خاصة و طريق الله مبني على أن ندعو الخلق إلى الله و أن نردهم إليه و نحببه إليهم و نعرفهم به و بمكانته و بهذا أمرنا و الغيرة الكونية تأبى ذلك كله لجهلها بالمغار عليه الذي لا يستحق الغيرة عليه و لو لا الوقوع فيمن انتمى إلى الله و جهل بعض ما ينبغي لله و قصد بذلك الخير و لكن ما علم طريقه و إلا كنا نذكر جهل هذا القائل بالغيرة على الله و لكن يكفي تنبيهنا على أن هذا ليس بصحيح و إنما التبس على مثل هؤلاء الغيرة لله بالغيرة على الله و ما علموا ما بينهما من الفرقان‏ ذكر في باب الغيرة القشيري في رسالته عن بعضهم أنه قيل له متى تستريح قال إذا لم أر له ذاكرا و ليس هذا بغيرة فالقشيري أخطأ حيث جعل مثل هذا في باب الغيرة من كتابه و تخيل أن الشبلي في حال رؤية الذاكرين الله على الغفلة و بعدم الحرمة مثل من يذكره بلغو الايمان و الايمان الفاجرة و ذكر الله في طلب المعاش في الأسواق فغار أن يذكر بهذه الصفة لما لم يوف المذكور حقه من الحرمة عند الذكر و الشبلي ما يبعد أن يكون هذا قصده بذلك القول في بدء أمره و في وقت حجابه عن معرفة ربه و أما مع المعرفة فلا يكون هذا يعني قوله إذا لم أر له ذاكرا و إن معنى ذلك عندنا في حق كبراء العارفين أن الذكر لا يكون مع المشاهدة فلا بد للذاكر أن يكون محجوبا و إن كان الله جليس الذاكر و لكنه من وراء حجاب الذكر و كل من هو خلف حجاب من مطلوبه فإنه لا راحة عنده فإذا رفع الحجاب وقعت المشاهدة و زال الذكر بتجلى المذكور فلذلك قال إنما أستريح إذا لم أر له ذاكرا فطلب إن تكون مشاهدته تمنعه عن إدراك الذاكرين أو تمنى للذاكرين أن يكونوا في مقام الشهود الذي يمنعهم من الذكر إذ المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه على هذا يخرج قول هذا الرجل إن كان من العارفين و على ذوق آخر و هو أنه لا يستريح إلا إذا رأى أن الذكر هو الله لا الكون إذا كان الحق لسانه كما هو سمعه و بصره و يده فيستريح لأنه رأى أنه قد ذكره من يعلم كيف يذكره إذ كان هو الذاكر نفسه بلسان عبده فاستراح عند ذلك فلم ير له ذاكرا غيره‏ و أما غيرة الرسول و أكابر الأولياء فغيرتهم لله كما قلنا و هي غيرة أدب و الغيرة كتمان ما ينبغي أن يكتم لعدم احترامه لو ظهر عند من لا يقدر قدره كما قال تعالى وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ فمن الغيرة ستر مثل هذا و من الغيرة الإلهية ستره لضنائنه من أهل الخصوص في كنف صونه فلا يعرفون و ذلك رحمة بالخلق فإنه تعالى لو أبدى مكانتهم و رتبتهم العلية لمن علم منه أنه لا بد أن يجري الأذى على يديه في حق هذا المقرب المجتبى ثم جرى منه ذلك الأذى في حقه لكان عدم احترام للجناب الإلهي حيث لم يعظم ما عظمه الله فسترهم عن العلم بهم فما احترموهم و آذوهم لجهلهم بهم و ذلك لما قدره الله و لهذا تسأل هذا الذي آذى ذلك العبد المقرب من نبي أو صديق فتقول له من غير تعيين ما عندك في أولياء الله فيجد عنده من الحرمة لهم و التبرك بذكرهم و الخضوع تحت أقدامهم لو وجدهم فإذا قلت له هذا منهم و هو منهم لم يقم عنده تصديق بذلك و لو جئته بأمر معجز و كل آية ما قدر يعتقد أن ذلك آية و لا أعطته علما فما آذى إلا من جهل لا من علم‏ و ممايؤيد ما ذكرناه أنه لو حسن الظن بشخص و تخيل أنه من أولياء الله و ليس كذلك في نفس الأمر عظمه و احترمه هذا في فطرة كل مخلوق فما قصد أحد انتهاك حرمة الله في أوليائه و هذا من غيرة الحق فإن قلت فقد آذوا الله مع علمهم بأنه الله قلنا في الجواب عن ذلك ما علموا إن ذلك أذى و أنهم تأولوا فأخطئوا في نفس الأمر لحكم الشبهة التي قامت لهم و تخيلوا أنها دليل و هي في نفس الأمر ليست كذلك و هذه كلها من الحق في عباده أمور مقدرة لا بد من وقوعها فمن غيرته حجابهم عن العلم به و بالخاصة من عباده فجناب الله و أهل الله على الإطلاق محترمون ما لم تعين أو يتأول فاعلم ذلك‏