إذا اقتضى نظر العبد العارف ظهور الحق في أعيان الممكنات الثابتة و إنها ما استفادت منه الوجود و إنما استفادت منه ما ظهر مما هي عليه من الحقائق عند ظهوره فيها فأعطته كل وصف و نعت اتصف به مما تضيفه بطريق الحقيقة إلى الإنسان أو العالم كيفما شئت قلت و من جملة النعوت الغيرة المحكوم بها في نسبة ما ظهر به الظاهر لظهور آخر لحكم آخر من عين آخر فإذا كانت العين واحدة فلا غيرة إذ لا غير و إذا نزلت عن هذا النظر إلى قوله ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها و قوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ لم يصح وجود الغيرة فإن الغيرة متعلقها النسب أو قل الأعمال و هي كلها لله فعلى من تقع الغيرة و ما هو ثم إذ كانت النسب و الأعمال كلها لله و الغيرة المعلومة الظاهرة في الكون شح طبيعي و الشح في ذلك الجناب العالي و في الأرواح العلى لا يصح فإذا ظهرت فمن النفس الحيوانية و لهذا توجد الغيرة في الحيوانات و أصلها ضيق الملك و فقد الغرض فالكرم المطلق لا يكون معه غيرة أصلا
(الباب الحادي و الخمسون و مائة في معرفة مقام ترك الغيرة و أسراره)
من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فهو الذي بنوره في كل أمر يهتدى
و غيرة العبد إذا حققتها شح طبيعي من أسباب الردي
و غيرة الحق إذا علمتها من رؤية الغير و لا غير بدا
فلا تقل بغيرة فإنها مشتقة من غير فاتركها سدى
و أين عين الغير و هو عدم فاسلك هديت الرشد أسباب الهدى
و انسب إلى الباري ما قال و ما جاء به شرع و لكن ابتدا
مما لو أن العقل يبقى وحده ما قاله معتقدا و قدا
فإن يكن بعد سؤال قاله فهو دواء و هو بالبرهان دا
فالحق ما قرره الشرع و لو دل على كل محال و بدا
فالمؤمن الحق بهذا مؤمن و كل من أوله قد اعتدى
لأنه ظن و بعض الظن قد يكون إثما قائدا نحو الردي