الولاية البشرية قوله تعالى إِنْ تَنْصُرُوا الله و قوله أمرا كُونُوا أَنْصارَ الله فعلمنا أنه لو لم يكن ثم مقابل لوجود الحق و لوجوب وجوده يطلبنا ذلك المقابل بالنصر لنكون في قبضته و ملكه على وجود الحق ما قال الله لنا كُونُوا أَنْصارَ الله على هذا المقابل المنازع و هذه تعرف بالمقابلة المعقولة و لما كان الحق تعالى له صفة الوجود و صفة وجوب الوجود النفسي و كان المقابل يقال له العدم المطلق و له صفة يسمى بها المحال فلا يقبل الوجود أبدا لهذه الصفة فلا حظ له في الوجود كما لا حظ للوجوب الوجود النفسي في العدم و لما كان الأمر هكذا كنا نحن في مرتبة الوسط نقبل الوجود لذاتنا و نقبل العدم لذاتنا و نحن لما نقبل عليه فيحكم فينا بما يعطيه حقيقته و نكون ملكا له و يظهر سلطانه فينا فصار العدم المحال يطلبنا أن نكون ملكا له و صار الحق الواجب الوجود لنفسه يطلبنا لنكون ملكه و يظهر فينا سلطانه و نحن على حقيقة نقبل بها الوصفين و نحن إلى العدم أقرب نسبة منا إلى الوجود فإنا معدومون و لكن غير موصوفين بالمحال لكن نعتنا في ذلك العدم الإمكان و هو أنه ليس في قوتنا أن ندفع عن نفوسنا الوجود و لا العدم لكن لنا أعيان ثابتة متميزة عليها يقع الخطاب من الطرفين فيقول العدم لنا كونوا على ما أنتم عليه من العدم لأنه ليس لكم أن تكونوا في مرتبتي و يقول الحق لكل عين من أعيان الممكنات كن فيأمره بالوجود فيقول الممكن نحن في العدم قد عرفناه و ذقناه و قد جاءنا أمر الواجب الوجود بالوجود و ما نعرفه و ما لنا فيه قدم فتعالوا ننصره على هذا المحال العدمي لنعلم ما هذا الوجود ذوقا فكانوا عند قوله كن فلما حصلوا في قبضته لم يرجعوا بعد ذلك إلى العدم أصلا لحلاوة لذة الوجود و حمدوا رأيهم و رأوا بركة نصرهم الله على العدم المحال فالعالم من حيث جوهريته ناصر لله فهو منصور أبدا و جاءت الأعراض فقبلتالوجود فلما ذاقته و علمته دعاها العدم إلى نفسه و قال لها إلى مردك لأنك عرض و لا بقاء لك في الوجود إذ العارض حقيقته أنه لا بقاء له فارجع إلى عن أمري فلذلك دل دليل العقل أن العرض ينعدم لنفسه إذ الفاعل لا يفعل العدم لأنه حكم لا شيء موجود فانعدمت الأعراض في الزمان الثاني من زمان وجودها فحصلت في قبضة العدم المحال فلم ترجع بعد ذلك إلى الوجود بل يوجد الله أمثالها فتشبهها في الحد و الحقيقة و ما هي أعيان تلك التي وجدت و انعدمت للاتساع الإلهي فهذه ولاية ما سوى الله أي نصر ما سوى الله لله و هذا من أسرار الولاية البشرية و مدركها عسير فإن مبناه على العلم بمراتب المعلومات فإذا فهمت هذا فاعلم إن الولاية البشرية على قسمين خاصة و عامة فالعامة توليهم بعضهم بعضا بما في قوتهم من إعطاء المصالح المعلومة في الكون فهم مسخرون بعضهم لبعض الأعلى للأدنى و الأدنى للأعلى و هذا لا ينكره عاقل فإنه الواقع فإن أعلى المراتب الملك فالملك مسخر في مصالح الرعايا و السوقة و الرعايا و السوقة مسخرون للملك فتسخير الملك الرعايا ليس عن أمر الرعايا و لكن لما تقتضيه المصلحة لنفسه و تنتفع الرعايا بحكم التبع لا أنهم المقصودون بذلك الانتفاع الذي يعود عليهم من التسخير و تسخير الرعايا على الوجهين الوجه الواحد يشاركون فيه الملك من أنهم لا يبعثهم على التسخير إلا طلب المنفعة العائدة عليهم من ذلك كما يفعله الملك سواء و التسخير الثاني ما هم عليه من قبول أمر الملك في العسر و اليسر و المنشط و المكره و بهذا ينفصلون عن تسخير الملوك فهم أذلاء أبدا لا يرتفع لهم رأس مع حاجة الملوك إليهم و هذا هو القسم العام و أما القسم الخاص فهو ما لهم من الولاية التي هي النصرة في قبول بعض أحكام الأسماء الإلهية على غيرها من الأسماء الأخر بمجرد أفعالهم و ما يظهر في أكوانهم لكونهم قابلين لآثار الأسماء فيهم فينزلون بهذه الولاية منازل الحقائق الإلهية فيكون الحكم لهم مثل ما هو الحكم للأسماء بما هم عليه من الاستعداد و هذه الولاية في أصحاب الأحوال أظهر في العامة من ظهورها في أصحاب المقامات و هي في أصحاب المقامات في الخصوص أظهر من ظهورها في أصحاب الأحوال و لكن مدركها عسير فإن صاحب المقام على العادة المستمرة و هو متغير في كل زمان مع كل نفس لأنه في كل نفس في شأن إلهي لا علم لكل أحد به مع قيامه به من حيث لا يشعر فلا يحمد عليه و هذا الخاص يحمد عليه و صاحب الحال خارق للعادة فتحيد إليه الأبصار و تقبل عليه النفوس و هو ثابت مدة طويلة على حالة واحدة لا يشعر لتغيرها عليه و يحجبه عن معرفة ذلك حبه لسلطنته التي أعطاها الحال فهو على النقيض من صاحب المقام و لو استشعر بنقصه في مرتبته لما رغب في الحال فإنه يدل على جهله و لصاحب هذا المقام أحوال مختلفة منها حال الأمانة و حال الدنو و حال القرب و حال الكشف و حال الجمع و حال اللطف و حال القوة و حال الحماسة و حال اللين و حال الطيب و حال النظافة و حال الأدب فإذا تجلى في السلطنة ارتاض و قيل فيه سلطان و إذا تجلى في الجلال تأدب فهو أديب و في تجلى الجمال نظيف و في تجلى العظمة طاهر زكى قدوس و إذا تجلى في الطيب عطر عرفه و في الهيبة جعله سيدا و في اللطف ذوبه و في الحسن عشقه فروحنه فللأولياء التفريع و الإقبال و لهم الستور و الحجاب إذا قربهم صانهم و سترهم و خبأهم فجهلوا و إذا عاقبهم و ليسوا بأنبياء أظهر عليهم خرق العوائد فعرفوا فحجبوا الخلق عن الله و هم مأمورون بدعوتهم إلى الله فالحق لأصحاب المقامات من الأولياء مطيع و لكلامهم سميع لهم جميع المقامات و الأحوال و هم ذكران الرجال لا يلحقهم عيب و لا يقوم بهم فيما هم فيه ريب لهم الآخرة مخلصة كما هي لله و لهم الدنيا ممتزجة كما هي لسيدهم فهم بصفات الحق ظاهرون و لذلك جهلوا
(الباب الثالث و الخمسون و مائة في معرفة مقام الولاية البشرية و أسرارها
من صورة الحق نلنا من ولايته جميعها فلنا في الحرب أقدام
لنا الخلافة في الدنيا محققة و ما لها في جنان الخلد أحكام
إنا على النصف من جناتنا أبدا و ما لنا في كثيب العين أقدام
و هو الكمال كمال الذات يجمعنا فيه ابتهاج بنا ما فيه آلام
و دار دنياك أمراض و عافية تعصى الأوامر فيها و هو علام
يقول افعل فلا تسمع مقالته و لا يرى منه عند النقض إبرام
لذاك قلنا فلم تسمع مقالتنا و فيه لله إتقان و إحكام
لو قال من قال كن بنعت خالقه بدت لعينك أرواح و أجسام
لذاك خص من الألفاظ لفظة كنلها الوجود و ما في الكون إعدام