قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الرابع و الخمسون و مائة في معرفة مقام الولاية الملكية)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن الولاية توقيف على الخبر من المهيمن في الأملاك و البشر
و في ملائكة التسخير أظهرها رب العباد من أهل النفع و الضرر
أما ملائكة التهيام ليس لهم فيها نصيب على ما جاء في الخبر
مهيمون سكارى من محبته لا يعلمون بعين لا و لا أثر
الله أكرمهم الله قربهم الله خصهم بالمشهد الخطر
إني فديتهم من كل حادثة لا يعلمون بها بالسمع و البصر

اعلم أن الملائكة ثلاثة أصناف صنف مهيم لما أوجدهم تجلى لهم في اسمه الجميل فهيمهم و أفناهم عنهم فلا يعرفون نفوسهم و لا من هاموا فيه و لا ما هيمهم فهم في الحيرة سكارى و هم الذين أوجدهم الله من أينية العماء الذي ما فوقه هو أو ما تحته هو أو هم و جميع الملائكة أرواح خلقهم الله في هياكل أنوار كسائر الملائكة إلا أن هؤلاء الملائكة ليس لهم من الولاية إلا ولاية الممكنات التي ذكرناها في شرح إِنْ تَنْصُرُوا الله‏ و الصنف الثاني الملائكة المسخرة و رأسهم القلم الأعلى و هو العقل الأول سلطان عالم التدوين و التسطير و كان وجودهم مع العالم المهيم غير أنه حجبهم الله عن هذا التجلي الذي هيم أصحابهم لما أراد الله أن يهبه هذا الصنف المسخر من رتبة الإمامة في العالم و له ولاية تخصه و تخص ملائكة التسخير و الصنف الثالث ملائكة التدبير و هي الأرواح المدبرة للأجسام كلها الطبيعية النورية و الهبائية و الفلكية و العنصرية و جميع أجسام العالم و لهؤلاء ولاية أيضا فأما ملائكة التسخير فولايتهم أعني نصرتهم للمؤمنين إذا أذنبوا و توجهت عليهم أسماء الانتقام الإلهية و توجهت في مقامات تلك الأسماء أسماء الغفران و العفو و التجاوز عن السيئات فتقول الملائكة ما قال الله تعالى وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بقولهم رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً ما يزيدون على ذلك في حق المؤمن العاصي غير التائب اتكالا منهم على علم الله فيما قصدوه في ذلك الكلام أدبا مع الله سبحانه حيث إنه استحق جناب الله على أهل الله أن يغار من أجله و يدعي على من عصاه و لم يقم بأمره و ما ينبغي لجلاله فإن الملائكة أهل أدب مع الله فقالوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً بقولك وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و هؤلاء العصاة من الداخلين في عموم لفظة كل و علما من قوله أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً فهذا مثل قول العبد الصالح الذي أخبرنا الله بقوله إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فتأدب مع الله في هذا القول لما عصى قومه الله تعالى و لم يتوبوا فعلم الله منه أنه تأدب مع الله و أنه عرض بالمغفرة لما علم أن رحمته سبقت غضبه غير أن نفس الملائكة أقوى في الأدب لأنهم أعلم بالله من هذا العبد و ما ينبغي لجلال الله فلم يقولوا و إن تغفر لهم و إنما قالوا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فهذا يسمى تعريض تنبيه على أن الحق بهذه المثابة كما أخبر عن نفسه فقولهم رحمة فقدموا ذكر الرحمة لأنه تعالى قدمها لما ذكر عبده خضرا فقال آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا قبل أن يذكر ما أعطاه ثم ذكر بعد ذلك الذي أعطاه من أجل رحمته به فقال وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً فلهذا قدمت الملائكة الرحمة و سكتت عن ذكر العصاة في دعائها فبين كلمة عيسى في حق قومه و بين دعاء الملائكة في حق العبيد العصاة من الأدب بون كثير لمن نظر و استبصر و لهذا قام النبي محمد ص بهذه الآية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ليلة كاملة ما زال يرددها حتى طلع الفجر إذ كانت كلمة غيره فكان يكررها حكاية و قصده معلوم في ذلك كما قيل في المثل إياك أعني فاسمعي يا جارة و لم يقم ليلة كاملة بآية قول الملائكة لأن مناسبته لعيسى أقرب و مناسبة عيسى للملائكة أقرب لأن جبريل توجه على أمه مريم في إيجاد عيسى بشرا سويا فسلك محمد ص طريقا بين طريقين في طلب المغفرة لقومه‏ فهذا استنصارهم الله في حق المؤمنين العصاة و أما نصرتهم بالدعاء لمن تاب منهم فهو قولهم ربنا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ فصرحوا بذكرهم لما كان هؤلاء قد قاموا في مقام القرب الإلهي بالتوبة و قرعوا بابها في رجعتهم إلى الله و الملائكة حجبة الحق فطلبوا من الله المغفرة لهم لما اتصفوا بالتوبة و هذا من الأدب ثم إنهم لما عرفت الملائكة أن بين الجنة و النار منزلة متوسطة و هي الأعراف فمن كان في هذه المنزلة ما هو في النار و لا في الجنة و علمت من لطف الله بعباده أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه فقالت الملائكة بعد قولهم وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ أي لا تنزلهم في الأعراف بل أدخلهم الجنة وَ من صَلَحَ الواو هنا بمعنى مع يقولون مع من صلح من آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كما قال العبد الصالح وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ و لم يقل واحد منهم إنك أنت الغفور الرحيم أدبا مع الجناب الإلهي من الطائفتين فاجتمعوا بذكر هذين الاسمين في حضرة الأدب مع الله‏ ثم زادت الملائكة في نصرتها للملائكة الموكلين بقلوب بنى آدم و هم أصحاب اللمات ينصرونهم الدعاء على أعدائهم من الشياطين أصحاب اللمات الموكلين المسلطين‏على قلوب العباد المنازعين لما تلقى الملائكة على قلوب بنى آدم في لماتها فقالوا وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ نصرة للملائكة على الشياطين ثم تلطفوا في السؤال بقولهم وَ من تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ‏ ثم من نصرتهم لمن في الأرض من غير تعيين مؤمن من غيره قول الله تعالى عنهم وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ في الْأَرْضِ مطلقا من غير تعيين أدبا مع الله و الأرض جامعة فدخل المؤمن و غيره في هذا الاستغفار ثم إن الله بشر أهل الأرض بقبول استغفار الملائكة بقوله أَلا إِنَّ الله هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ و لم يقل الفعال لما يريد و لهذا أيضا قلنا إن مال عباد الله إلى الرحمة و إن سكنوا النار فلهم فيها رحمة لا يعلمها غيرهم و ربما تعطيهم تلك الرحمة أن لو شموا رائحة من روائح الجنة تضرروا بها كما تضر رياح الورد و الطيب بأمزجة المحرورين فهذا كله من ولاية الملائكة فعم نصرهم بحمد الله فنعم الإخوان لنا و أما نصرهم المؤمنين على الأعداء في القتال فإنهم ينزلون مددا بالدعاء و في يوم بدر نزلوا مقاتلين خاصة و كانوا خمسة آلاف و فيه استرواح إذ ليس بنص بقوله وَ ما جَعَلَهُ الله إِلَّا بُشْرى‏ لَكُمْ فكانوا من الملائكة أو هم الملائكة الذين قالوا في حق آدم أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ فأنزلهم في يوم بدر فسفكوا الدماء حيث عابوا آدم بسفك الدماء فلم يتخلفوا عن أمر الله و قوله وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ به أي من عادة البشرية أن تسكن إلى الكثرة إذ كان أهل بدر قليلين و المشركون كثيرين فلما رأوا الملائكة و هم خمسة آلاف و المسلمون ثلاثمائة و المشركون ألف رجل اطمأنت قلوب المؤمنين بكثرة العدد مع وجود القتال منهم فما اطمأنوا به برؤيتهم و حصل لهم من الأمان في قلوبهم حتى غشيهم النعاس إذ كان الخائف لا ينام‏ و ما ذكر في الكثرة أكثر من خمسة آلاف لأن الخمسة من الأعداد تحفظ نفسها و غيرها و ليس لغيرها من الأعداد هذه المرتبة فحفظ الله دينه و عباده المؤمنين بِخَمْسَةِ آلافٍ من الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ أي أصحاب علامات يعرفون بها أنهم من الملائكة أو الملائكة الذين قالوا في حقنا نسفك الدماء فنصرونا على الأعداء بما عابوه علينا إذ أمرهم الله بذلك‏و لولاية الملائكة وجوه و مواقف متعددة و لكن ذكرنا حصر المراتب التي نبه الله عليها فنصروا أسماء الله و هو أعلى المقامات و نصروا ملائكة اللمات و نصروا المؤمنين و نصروا التائبين و نصروا من في الأرض و ما ثم من يطلب نصرهم أكثر من هذا فانحصرت مراتب النصر ثم إن الله أثنى عليهم بأنهم يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ استفتاحا إيثارا لجناب الله ثم بعد ذلك يَسْتَغْفِرُونَ و هو الذي يليق بهم تقديم جناب الله و لهذا ما قام رسول الله ص في مقام للناس يخطبهم الأقدم حمد الله و الثناء عليه ثم بعد ذلك يتكلم بما شاء و لذلك‏ قال كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أو قال بذكر الله فهو أجذم‏ أي مقطوع عن الله و إذا كان مقطوعا عن الله فإن شاء الله قبله و إن شاء لم يقبله و إذا بدي‏ء فيه بذكر الله فكان موصولا به غير مقطوع أي ليس بأجذم فذكر الله مقبول فالموصول به مقبول بلا شك ثم إنه من علم الملائكة أنهم ما يسبحون في هذه الأحوال إلا بحمد ربهم و الرب المصلح و لا يرد الإصلاح إلا على فساد و ما ذكر الله عنهم أنهم يسبحون بحمد غيره من الأسماء الإلهية إذ قال الله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فعلموا إن المتوجه على العالم إنما هو الاسم الرب إذ كان الغالب على عالم الأرض سلطان الهوى و هو الذي يورث الفساد الذي قالت الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها فعلموا ما يقع لعلمهم بالحقائق و كذا وقع الأمر كما قالوه‏ و إنما وقع الغلط عندهم في استعجالهم بهذا القول من قبل أن يعلموا حكمة الله في هذا الفعل ما هي و حملهم على ذلك الغيرة التي فطروا عليها في جناب الله لأن المولد من الأضداد المتنافرة لا بد فيه من المنازعة و لا سيما المولد من الأركان فإنه مولد من مولد من مولد من مولد ركن عن فلك عن برج عن طبيعة عن نفس و الأصل الأسماء الإلهية المتقابلة و من هنالك سرى التقابل في العالم فنحن في آخر الدرجات فالخلاف فيما علا عن رتبة المولد من الأركان أقل و إن كان لا يخلو أ لا ترى إلى الملإ الأعلى كيف يختصمون و ما كان لرسول الله ص علم بِالْمَلَإِ الْأَعْلى‏ إِذْ يَخْتَصِمُونَ حتى أعلمه الله بذلك و سبب ذلك أن أصل نشأتهم أيضا تعطي ذلك و من هذه الحقيقة التي خلقوا عليها قالوا أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ و هو نزاع خفي للربوبية من خلف حجاب الغيرة و التعظيم‏ و أصل النزاع و التنافر ما ذكرناه من الأسماء الإلهية المحيي و المميت و المعز و المذل و الضار و النافع و لا ينبغي أن يكون الإله إلا من هذه أسماؤه مضاف إليها مشيئته‏و إرادته المقيدتان بلو و هو حرف امتناع فيه سر خفي لأهل العلم بالله فإذا علمت هذا أقمت عذر العالم عند الله و لهذا كانت الملائكة تبدأ في نصرتها و دعائها بتسبيح ربها و الثناء عليه بمثل هذه الأسماء تعريضا أن أصل ما هم فيه من حقائق قوله وَ من يُضْلِلِ الله و من يَهْدِ الله أي الكل بيدك و حينئذ يستغفرون إقامة لعذرهم عند الله و إلى الله يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فكل علم في العالم مستنبط من العلم الإلهي فهو العلم العام و لا يعرفه إلا نبي أو ولي مقرب مجتبى من ملك و بشر و أما النظر العقلي فإنه لا يصل إلى هذا العلم أبدا من حيث فكره و نظره في الأدلة التي يستقل بها فهذا قد أريتك بعض ما هي عليه الولاية الملكية إلى ما فوق ذلك من تسخيرهم في إنزال الوحي و مصالح العالم من هبوب رياح و نش‏ء سحاب و إنزال مطر إذ كانوا الصَّافَّاتِ و فَالزَّاجِراتِ و فَالتَّالِياتِ و الْمُرْسَلاتِ و النَّاشِراتِ و فَالْفارِقاتِ و فَالْمُلْقِياتِ و النَّازِعاتِ و النَّاشِطاتِ و السَّابِحاتِ و فَالسَّابِقاتِ و فَالْمُدَبِّراتِ و فَالْمُقَسِّماتِ و هؤلاء كلهم من ملائكة التسخير و ولاية كل صنف من مرتبته التي هو فيها و أما ملائكة التدبير و هم الأرواح المدبرة أجسام العالم المركب و هذه المدبرة هي النفوس الناطقة فإن الولاية فيها نصرتها لله فيما جعل في أخذها به سعادتها و سعادة جسدها الذي أمرت بتدبيره فيأتي الطبع فيريد نيل غرضه فينظر العقل ما حكم الشرع الإلهي في ذلك الغرض فإن رآه محمودا عند الله أمضاه و إن رآه مذموما نبه النفس عليه و طلب منها النصرة على قمع هذا الغرض المذموم فساعدته فنصرت العقل بقبول الخير و ذلك لتكون كلمة الله المشروعة هي العليا على كلمة الله في الذين كفروا التي هي السفلي‏ كما كانت الصدقة تقع في يد السائل و هي السفلي و السائل قوله وَ أَقْرِضُوا الله و الصدقة تقع بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل‏ المتلفظ بحروف السؤال و اليد العليا هي المنفقة خير من اليد السفلي و هي السائلة و المال لله سبحانه هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ و نحن مستخلفون فيه بل نحن الخزائن و الخزنة لهذا المال فتحقق ما أومأنا إليه في هذا الباب فإنه نافع جدا و مزيل جهلا عظيما و مورث أدبا إلهيا فيه سعادة أبدية لمن وقف عنده و فهمه و عمل به‏