قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخامس و الخمسون و مائة في معرفة مقام النبوة و أسرارها)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
بين الولاية و الرسالة برزخ فيه النبوة حكمها لا يجهل‏
لكنها قسمان إن حققتها قسم بتشريع و ذاك الأول‏
عند الجميع و ثم قسم آخر ما فيه تشريع و ذاك الأنزل‏
في هذه الدنيا و أما عند ما تبدو لنا الأخرى التي هي منزل‏
فيزول تشريع الوجود و حكمه و هناك يظهر أن هذا الأفضل‏
و هو الأعم فإنه الأصل الذي لله فهو نبأ الولي الأكمل‏

النبوة نعت إلهي يثبتها في الجناب العالي الاسم السميع و يثبت حكمها صفة الأمر الذي في الدعاء المأمور به و إجابة الحق عباده فيما يسألونه فيه فإنها أيضا من الله في حق العبد سؤال إلهي بصفة افعل و لا تفعل و نقول نحن سَمِعْنا وَ أَطَعْنا و يقول هو سبحانه سمعت و أجبت فإنه قال أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و صيغة الأمر من العبد في الطلب اغْفِرْ لَنا ارْحَمْنا اعْفُ عَنَّا فَانْصُرْنا و اهْدِنَا ارْزُقْنا و شبه ذلك و صيغة النهي من العبد في الدعاء لا تُزِغْ قُلُوبَنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ‏ و ليست النبوة بمعقول زائد على هذا الذي ذكرنا إلا أنه لم يطلق على نفسه من ذلك اسما كما أطلق في الولاية فسمى نفسه وليا و ما سمي نفسه نبيا مع كونه أخبرنا و سمع دعاءنا فهو من الوجهين بهذه المثابة و لهذا قال ص إن الرسالة و النبوة قد انقطعت‏ و ما انقطعت إلا من وجه خاص انقطع منها مسمى النبي و الرسول و لذلك‏ قال فلا رسول بعدي و لا نبي‏ ثم أبقى منها المبشرات و أبقى منها حكم المجتهدين و أزال عنهم الاسم أبقى الحكم و أمر من لا علم له بالحكم الإلهي أن يسأل أهل الذكر فيفتونه بما أداه إليه اجتهادهم و إن اختلفوا كما اختلفت الشرائع لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً و كذلك لكل مجتهد جعل له شرعة من دليله و منهاجا و هو عين دليله في إثبات الحكم و يحرم عليه العدول عنه و قررالشرع الإلهي ذلك كله فحرم الشافعي عين ما أحله الحنفي و أجاز أبو حنيفة عين ما منعه أحمد بن حنبل فأجاز هذا ما لم يجز هذا فاتفقوا في أشياء و اختلفوا في أشياء و كل في هذه الأمة شرع مقرر لنا من عند الله مع علمنا إن مرتبتهم دون مرتبة الرسل الموحى إليهم من عند الله‏ فالنبوة و الرسالة من حيث عينها و حكمها ما نسخت و إنما انقطع الوحي الخاص بالرسول و النبي من نزول الملك على أذنه و قلبه و تحجير لفظ اسم النبي و الرسول فلا يقال في المجتهد إنه نبي و لا رسول كما حجر الاجتهاد على الأنبياء فيما شرعه و المجتهد و إن كان يرشد الناس بما أداه إليه دليله و اجتهاده فلا يطلق عليه هذا الاسم فهو لفظ خاص بالأنبياء و الرسل ما هو لله و لا للأولياء بل هو اسم خاص للعبودية التي هي عين القرب من السيد و عدم مزاحمة السيد في رتبته بخلاف الولاية فإن العبد مزاحم له في اسم الولي تعالى و لهذا شق على المستخلصين من العبيد انقطاع اسم النبي و اسم الرسول لما كان من خصائصها و لم يكن له في الأسماء الإلهية عين‏ و إذا كانت النبوة نعتا إلهيا في أحكامها و منها أوجب الحق على نفسه ما أوجب لأن الوجوب للشرع ما هو لغير الشرع فقال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ هذا من حكم الشرع فاعلم ذلك و تثبت في معرفة ما ذكرناه فإنه سهل المرتقى صعب النزول عنه هكذا رأيته في الواقعة ليلة أردت أن أقيد هذا الباب فما تكلمنا في هذا الباب بما تكلمنا به إلا بما شاهدناه في الواقعة و رأينا فيها باب اسم الرسول و النبي مغلقا على يميني و المعراج بإدراجه منه إلى الطريق الشارع الذي يمشي الناس عليه و أنا عند الباب واقف و ليس فوق ذلك المقام الذي أوقفني الحق فيه مقام لأحد إلا ما في داخل ذلك المغلق الموثق الغلق و مع غلقه ما ينحجب عني ما وراءه إلا أنه لا قدم لأحد فيه إلا الكشف و لقد طلع إلى شخص فلما وصل بسهولة و رآه توعر عليه النزول و حار و لم يقدر على الثبات فيه فتركني و سلك الطريق الذي عليه جئت أنا إلى ذلك الموضع و راح و تركني راجعا و استيقظت على هذه الحالة فقيدت ما أودعته في هذا الباب‏ و رأيت في هذه الليلة رسول الله ص و هو يكره إدخال الجنازة في المسجد و يكره أيضا أن يستر الميت من الذكران بثوب زائد على كفنه و أمر أن يسلب عنه و يترك على نعشه في كفنه و أن لا يستر في تابوت أصلا و أمرني إذا كان البردان أسخن الماء للغسل من الجنابة و لا أصبح على جنابة و رأيته يشكر على الجماع و يستحسن ذلك من فاعله هذا كله رأيته في هذه الليلة و رأيت أحمد بن حنبل في هذه الليلة و ذكرت له أن رسول الله ص أمرني أن أسخن الماء للغسل من الجنابة فقال لي هكذا ذكر البخاري أنه رأى النبي ص في النوم فأمره بذلك و رأى الفربري البخاري في النوم فأمره بذلك و رآني الفربري في النوم و علمت أنه رآني في النوم و رأيته أنا في نومه فذكر لي أن البخاري ذكر له هذا فعلمته أنا من قول الفربري و ثبت عندي و ها أنا في النوم قد قلته لك فاعمل به و استيقظت فأمرت أهلي أن يسخنوا لي ماء و اغتسلت مع الفجر و هذه كلها من المبشرات‏ و أما النبوة التي هي غير مهموزة فهي الرفعة و لم يطلق على الله منها اسم و لها في الإله اسم رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ من أَمْرِهِ عَلى‏ من يَشاءُ من عِبادِهِ و لها أيضا الاسم العلي و الأعلى و هي النبوة المهموزة و هي مولدة عن النبوة التي هي الرفعة فالقصر الأصل و المد زيادة أ لا ترى العرب في ضرورة الشعر تجوز قصر الممدود لأنه رجوع إلى الأصل و لا تجوز مد المقصور لأنه خروج عن الأصل و الروح بينه تعالى و بين من شاء من عباده بالبشارة و النذارة و للأولياء في هذه النبوة مشرب عظيم كما ذكرنا و لا سيما و النبي ص قد قال فيمن حفظ القرآن إن النبوة قد أدرجت بين جنبيه‏ فإنها له غيب و هي للنبي شهادة فهذا هو الفرقان بين النبي و الولي في النبوة فيقال فيه نبي و يقال في الولي وارث و الوراثة نعت إلهي فإنه قال عن نفسه إنه خَيْرُ الْوارِثِينَ فالولي لا يأخذ النبوة من النبي إلا بعد أن يرثها الحق منهم ثم يلقيها إلى الولي ليكون ذلك أتم في حقه حتى ينتسب في ذلك إلى الله لا إلى غيره و بعض الأولياء يأخذونها وراثة عن النبي و هم الصحابة الذين شاهدوه أو من رآه في النوم ثم علماء الرسوم يأخذونها خلفا عن سلف إلى يوم القيامة فيبعد النسب و أما الأولياء فيأخذونها عن الله تعالى من كونه ورثها و جاد بها على هؤلاء فهم أتباع الرسل بمثل هذا السند العالي المحفوظ الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ قال أبو يزيد أخذتم علمكم ميتا عن ميت و أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت قال الله تعالى لنبيه ص في مثل هذا المقام لما ذكر الأنبياءعليهم السلام في سورة الأنعام أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و كانوا قد ماتوا و ورثهم الله و هو خَيْرُ الْوارِثِينَ ثم جاد على النبي ص بذلك الهدى الذي هداهم به فجعله ص مقتديا بهداهم و الموصل الله و نعم السند و نِعْمَ الْمَوْلى‏ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ و هذا عين ما قلناه في علم الأولياء اليوم بهدى النبي ص و هدى الأنبياء أخذوه عن الله ألقاه في صدورهم من لدنه رحمة بهم و عناية سبقت لهم عند ربهم كما قال في عبده خضر آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً و هذه النبوة سارية في الحيوان مثل قوله تعالى وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ و كلهم بهذه المثابة فمن علمه الله منطق الحيوانات و تسبيح النبات و الجماد و علم صلاة كل واحد من المخلوقات و تسبيحه علم إن النبوة سارية في كل موجود يعلم ذلك أهل الكشف و الوجود لكنه لا ينطلق من ذلك اسم نبي و لا رسول على واحد منهم إلا على الملائكة خاصة الرسل منهم و هم المسمون ملائكة و كل روح لا يعطي رسالة فهو روح لا يقال فيه ملك إلا مجازا كالأرواح المخلوقة من أنفاس المؤمنين الذاكرين الله يخلق الله من أنفاسهم أرواحا يستغفرون لصاحب ذلك الذكر إلى يوم القيامة و كذلك من أعمالهم كلها المحمودة التي فيها أنفاسهم و لقد رأيته ص في مبشرة و هو يقول و يشير إلى الكعبة يا ساكني هذا البيت لا تمنعوا أحدا طاف به و صلى في أي وقت شاء من ليل أو نهار فإن الله يخلق له من صلاته ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة و هؤلاء كلهم أرواح مطهرة فمن أرسل منهم في أمر سمي ملكا