قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب التاسع و الخمسون و مائة في مقام الرسالة البشرية)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن الرسول لسان الحق للبشر بالأمر و النهي و الإعلام و العبر
هم أذكياء و لكن لا يصرفهم ذاك الذكاء لما فيه من الغرر
أ لا تراهم لتابير النخيل و ما قد كان فيه على ما جاء من ضرر
هم سالمون من الأفكار إن شرعوا حكما بحل و تحريم على البشر
إن الرسالة في الدنيا قد انقطعت في وقتنا للذي قد جاء في الخبر
و قد مضى حكمها دنيا و آخرة و ما لها في وجود العين من أثر
لو لا التكاليف لم يختص صاحبها عن غيره لوجود الوحي و النظر
النحل يوحى إليه دائما أبدا إلى القيامة في السكنى و في الثمر

الرسالة نعت كوني متوسط بين مرسل و مرسل إليه و المرسل به قد يعبر عنه بالرسالة و قد تكون الرسالة حال الرسول و هي بالجملة ليست بمقام و إنما هي نسبة حال و تنقطع بانقطاع التبليغ بالفعل و يزول حكمها بانقضاء التبليغ قال تعالى ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ و أوجب عليه ذلك فقال يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ فالرسالة هنا هي التي أرسل بها و بلغها و هكذا وردت في القرآن حيثما وردت و لا يقبلها الرسول إلا بوساطة روح قدسي أمين ينزل بالرسالة على قلبه و أحيانا يتمثل له الملك رجلا و كل وحي لا يكون بهذه الصفة لا يسمى رسالة بشرية و إنما يسمى وحيا أو إلهاما أو نفثا أو إلقاء أو وجودا و لا تكون الرسالة إلا كما ذكرنا و لا يكون هذا الوصف إلا للرسول البشري و ما عدا هذا من ضروب الوحي فإنه يكون لغير النبي و الرسول‏ و الفرق بين النبي و الرسول أن النبي إذا ألقى إليه الروح ما ذكرناه اقتصر بذلك الحكم على نفسه خاصة و يحرم عليه أن يتبع غيره فهذا هو النبي فإذا قيل له بلغ ما أنزل إليك إما لطائفة مخصوصة كسائر الأنبياء و إما عامة للناس و لم يكن ذلك إلا لمحمد ص لم يكن لغيره قبله فسمى بهذا الوجه رسولا و الذي جاء به رسالة و ما اختص به من الحكم في نفسه و حرم على غيره من ذلك الحكم هو نبي مع كونه رسولا و إن لم يخص في نفسه بحكم لا يكون لمن بعث إليهم فهو رسول لا نبي و أعني نبوة الشرائع التي ليست للأولياء فكل رسول لم يخص بشي‏ء من الحكم في حق نفسه فهو رسول لا نبي و إن خص مع التبليغ فهو رسول و نبي فما كل رسول نبي على ما قلناه و لا كل نبى رسول بلا خلاف‏ ثم إن الورثة و هم الأتباع الذين أمروا بالتبليغ كمعاذ و علي و دحية رسل رسول الله ص و لا يزال كل متأخر مأمورا بالتبليغ ممن أمر بالتبليغ متصل الطريق مأمورا عن مأمور إلى رسول الله ص يسمى رسولا و لكن ما هي الرسالة التي انقطعت و الرسالة التي انقطعت هي تنزل الحكم الإلهي على قلب البشر بوساطة الروح كما قررناه فذلك الباب هو الذي سد و الرسالة و النبوة التي انقطعت و أما الإلقاء بغير التشريع فليس بمحجور و لا التعريفات الإلهية بصحة الحكم المقرر أو فساده فلم تنقطع و كذلك تنزل القرآن على قلوب الأولياء ما انقطع مع كونه محفوظا لهم و لكن لهم ذوق الإنزال و هذا لبعضهم (و لهذا) ذكر عن أبي يزيد أنه ما مات حتى استظهر القرآن أي أخذه عن إنزال و هو الذي نبه النبي ص فيمن حفظ القرآن يعني على هذا الوجه أن النبوة قد أدرجت بين جنبيه و لم يقل في صدره و هذا معنى استظهار القرآن أي أخذه عن ظهر فله مثل هذا التنزل مستمر فيمن شاء الله من عباده لكن على هذا النعت و الصفة و هو قوله تعالى يُلْقِي الرُّوحَ من أَمْرِهِ عَلى‏ من يَشاءُ من عِبادِهِ‏ فالرسل مبشرون و منذرون و الورثة منذرون خاصة لا مبشرون لكنهم مبشرون اسم مفعول فإذا بشر الولي أحدا بسعادة فما هو من هذا الباب بل البشارة في ذلك بتعيين السعيد و بشارة الأنبياء متعلقة بالعمل المشروع و هو أنه من عمل كذا كان له كذا في الجنة أو نجاه الله من النار بعمل كذا هذا لا يكون إلا للرسل ليس للولي فيه دخول و له أن يعطي تعيين السعيد لا من حيث العمل فيقول في الكافر و هو في حال كفره إنه سعيد و في المؤمن في حال إيمانه إنه شقي فيختم لكل واحد بالسبب الموجب لسعادته أو شقاوته تصديقا لقول الولي هذا القدر بقي للأولياء من نبوة الإخبار لا من نبوة التشريع‏ و لها من الحروف ياء العلة و له الدعوى و الآيات و صاحبها مسئول و له الكشف في أوقات و هو قوله لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به و هي و إن نزلت من الكرسي فإذا رجعت فلا تتعدى سدرة المنتهى و الرسالة تنزل معاني و تعود إلى السدرة صورا ينشئها العبد إنشاء و هذا له من الاسم الخلاق الذي أعطى و معراجها براقي و رفرفى و لكن من السموات و رئيس أرواحها النازلين بها جبريل و هو أستاذ الرسل و هو الموكل بهذا المقام و ما يتصور لهذا المقام نسخ و إنما الأشخاص تختلف و كل شخص يجري فيه إلى أجل مسمى و لهذا جاء وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً و قال رُسُلَنا تَتْراو لا يقع فيها تفاضل و إنما التفاضل بين المرسلين لا من كونهم مرسلين بل من مقام آخر و لا يشترط على الرسول فيها إقامة الدليل للمرسل إليه بل لها الجبر و لهذا مع وجود الدليل ما نجد وقوع الايمان في محل المرسل إليه من كل أحد بل من بعضهم فلو كان لنفس الدليل لعم و نراه يوجد ممن لم ير دليلا فدل أن الايمان نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده لا لعين الدليل فلهذا لم نشترط فيه الدليل فالإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه لا يقدر على دفعه و كل من آمن عن دليل فلا يوثق بإيمانه فإنه معرض للشبه القادحة فيه لأنه نظري لا ضروري و قد نبهتك في هذا على سر غامض لا يعرفه كل أحدو لا تشترط أيضا في حقه العصمة إلا فيما يبلغه عن الله خاصة و يلزمه تبيين ما جاء به حتى يفهم عنه لإقامة الحجة على المبلغ إليه فإن عصم من غير هذا فمن مقام آخر و هو أن يخاطب العباد المرسل إليهم بالتأسي به فيكون التأسي به أصلا فإن انفرد بأمر لزمه أن يبينه لا بد من ذلك كما قال في نكاح الهبة خالِصَةً لَكَ من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ و من شرط صاحب هذا المقام طهارة القلب من الفكر فله الراحة فإنه لا يشرع إلا ما يوحى به إليه‏ و أما مشورته لأصحابه ففي غير ما شرع له و ليس للرسول من حيث رسالته المشاورة فإذا انضاف إلى رسالته أن تكون جامعة فلمقام الخلافة المشورة و لما كان رسول الله ص من الخلفاء قيل له وَ شاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ فينبغي لك أن تعرف الفرق بين الخلافة و الرسالة