قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثالث و الستون و مائة في معرفة مقام الغني و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن الغني صفة سلبية و لذا تمتاز عن نسب الأسماء رتبتها
يخصه حكمها و العين في عدم منها و ليس لها كون فينعتها
إن الدلالة في التحقيق مجهلة ممن يقول بها و العقل يثبتها
لذاك قال غني في تنزله عن عالم الكون جاءت فيه آيتها
في العنكبوت فدبره تجده على ما قلت من نفي ما تعطي دلالتها
و ليس يعرف إلا من علامته دنيا و آخرة و الشرع مثبتها

اعلم أيدك الله أن الغني صفة ذاتية للحق تعالى فإن الله لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أي المثنى عليه بهذه الصفة و أما الغني للعبد فهو غنى النفس بالله عن العالمين‏ قال رسول الله ص ليس الغني عن كثرة العرض لكن الغني غنى النفس خرجه الترمذي‏ و العرض المال و هذه كلمة نبوية صحيحة فإن غنى الإنسان عن العالم لا يصح و يصح غناه عن‏المال فإن الله سبحانه قد جعل مصالح العبد في استعمال أعيان بعض الأشياء و هي من العالم فلا غنى له عن استعمالها فلا غنى له عن العالم فلذلك خصصه بالمال فلا يوصف بالغنى عن العالم إلا الله تعالى من حيث ذاته جل و تعالى و الغني في الإنسان من العالم فليس الإنسان بغني عن الغني فهو فقير إليه‏ و اعلم أن الغني و إن كان بالله و العزة و إن كانت بالله فإنهما صفتان لا يصح للعبد أن يدخل بهما على الله تعالى و إن كان بالله فيهما فلا بد أن يتركهما فيدخل فقيرا ذليلا و معنى الدخول التوجه إلى الله فلا يتوجه إلى الله بغناه به و لا بعزته به و إنما يتوجه إلى الله بذله و افتقاره فإن حضرة الحق لها الغيرة ذاتية فلا تقبل عزيزا و لا غنيا و هذا ذوق لا يقدر أحد على إنكاره من نفسه قال تعالى مؤدبا لنبيه ص في ظاهر الأمر و هو يؤدبنا به لنتعلم أَمَّا من اسْتَغْنى‏ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى فكان مشهود محمد ص الصفة الإلهية و هو الغني فتصدى لها لما تعطيه حقيقتها من الشرف و النبي في ذلك الوقت في حال الفقر في الدعوة إلى الله و أن تعم دعوته و علم إن الرؤساء و الأغنياء تبع الخلق لهم أكثر من تبع من ليس له هذا النعت فإذا أسلم من هذه صفته أسلم لإسلامه خلق كثير و النبي ص له على مثل هذا حرص عظيم و قد شهد الله تعالى عندنا له بذلك فقال عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي عنادكم يعز عليه للحق المبين حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ في إن تسلموا و تنقادوا إلى ما فيه سعادتكم و هو الايمان بالله و ما جاء من عند الله و مع هذا الحضور النبوي أوقع العتب عليه تعليما لنا و إيقاظا له فإن الإنسان محل الغفلات و هو فقير بالذات و قد استحق الجاه و المال أن يستغني بهما من قاما به و لذلك قال أَمَّا من اسْتَغْنى‏ و ما قال أما من هو غني فإنه على التحقيق ليس بغني بل هو فقير لما استغنى به‏ فقال ص إن الله أدبني فأحسن أدبي‏ فمن مكارم الأخلاق الإقبال على الفقراء و الإعراض عن الأغنياء بالعرض من جاه أو مال فإذا رى‏ء ممن هذه صفته الفقر و الذلة بنزوله عن هاتين المرتبتين وجب على أهل الله الإقبال عليهم فإنهم إن أقبلوا عليهم و هم مستحضرون لما هم عليه من الجاه و المال تخيلوا أن إقبال أهل الله عليهم لجاههم و لمالهم فيزيدون رغبة في بقاء ما هم عليه فلذلك منع الله أهله أن يقبلوا عليهم إلا بصفة الزهد فيهم فإذا اجتمع في مجلس أهل الله من هو فقير ذليل منكسر و غني بماله ذو جاه في الدنيا أظهر القبول و الإقبال على الفقير أكثر من إظهاره على الغني ذي الجاه لأنه المقصود بالأدب الذي أدب الله تعالى به نبيه ص غير إن صاحب هذه الصفة يحتاج إلى ميزان الحق في ذلك فإن غفل عنه كان الخطاء أسرع إليه من كل شي‏ء و صورة الوزن فيه أن لا يرى في نفسه شغفا عليه و لا يخاطبه أعني لا يخاطب هذا الغني و لا ذا الجاه بصفة قهر تذله فإنه لا يذل تحتها بل ينفر و يزيد عظمة و أنت مأمور بالدعوة إلى الله فادعوه كما أمر الله نبيه ص أن يدعو الناس تعليما له و لنا فإنا مخاطبون بالدعاء إلى الله كما قال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و قال له ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ فإن جادلوك ف جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و قال لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا من حَوْلِكَ هذه هي الصفة اللازمة التي ينبغي أن يكون الداعي عليها و لا يجعل في نفسه عند دعائه لمن هذه نعوته من عباد الله طمعا فيما في أيديهم من عرض الدنيا و لا فيما هو عليه من الجاه فإن العزة لله وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ فلا تخلعن ثوبا ألبسكه الله و ليس له تصرف إلا في هذا الموطن فهذا معنى الحكمة و ما عتب الله نبيه ص في الأول إلا لعزة قامت بنفس أولئك النفر مثل الأقرع بن حابس و غيره فقالوا لو أفرد لنا محمد مجلسا جلسنا إليه فإنا نأنف أن نجالس هؤلاء الأعبد يعنون بذلك بلالا و خبابا و غيرهما فرغب النبي ص لحرصه على إيمانهم و لعلمه أنه يرجع لرجوعهم إلى الله بشر كثير فأجابهم إلى ما سألوا و تصدى إليهم لما حضروا و أعرض عن الفقراء فانكسرت قلوبهم لذلك فأنزل الله ما أنزل جبرا لقلوب الفقراء فانكسر الباقي من نفوس أولئك الأغنياء الأعزاء و قيل له فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ و لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ و نزل الله عليه عَبَسَ وَ تَوَلَّى الآيات و أنزل عليه وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآيات و فيها وَ قُلِ الْحَقُّ من رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ من شاءَ فَلْيَكْفُرْ ثم ذكر ما للظالمين عند الله في الآخرة فطريقة الإرشاد و الدعاء إلى الله ميزانها الغني بالله عما في أيديهم و ما يكون بسببهم فإن لم تكن في نفسك بهذه المثابة فلا تدع و اشتغل بدعاء نفسك إلى الاتصاف بهذه الصفات المحمودة عند الله و لا تتعد الحد الذي أنت عليه و لا تخط في غير ما تملكه‏فتكون غاصبا و الصلاة في الدار المغصوبة لا تجوز بخلاف و الدعاء إلى الله صلاة و الإخلاص فيها الحرية عن استرقاق من يدعوهم إليه فهذا هو محل الغني بالله و هنا يستعمل فإن عدلت به إلى غير هذا فقد أخسرت الميزان و الله يقول وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ و أَلَّا تَطْغَوْا في الْمِيزانِ فتخرجوه عن حده و هو قوله لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ و الغلو و الطغيان هما الرفعة فوق الحد الذي يستحقه المتغالي فيه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏