قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثاني و الستون و مائة في معرفة الفقر و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الفقر أمر يعم الكون أجمعه عينا و حكما و لكن ليس ينطلق‏
إلا على ممكن أسماء خالقه تبغيه فهي لهذا الأمر تستبق‏
إن القوي بالاستعداد قوته مثل الضعيف ففي الأحكام تتفق‏
إن الحقائق تجري في ميادنها و كل حق له في نفسه طلق‏
إن الفقير الذي استولت خصاصته عليه في كل شي‏ء ثوبه خلق‏
في كل حال من الأحوال تبصره كأنه طبق من فوقه طبق‏
و ليس يمنعه عن عين موجدة على طريقته الآفات و العلق‏

(و من ذلك)

الفقر حكم و لكن ليس يدركه إلا الذي جل عن أهل و عن ولد
الفقر حكم يعم الكون أجمعه و لا أحاشي من الأعيان من أحد
لأنها كلها بالذات تطلبه و الفقر يطلبها بالذات في البلد
فكلها عدد لأنها عدد و الكل شفع سوى المدعو بالأحد
و ما سواه من الأعيان فهو كما قلناه كالواهب المحسان و الصمد
سبحانه جل أن يحظى به أحد فلا يولد في عقل و في جسد

قال الله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يعني بأسمائه كما نحن فقراء إلى أسمائه و لذلك أتى بالاسم الجامع للأسماء الإلهية حقيقة سره لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ فلو اتصفوا اتصفوا بحقيقة سَنَكْتُبُ ما قالُوا سببه وَ أَقْرِضُوا الله نزاهته قَرْضاً حَسَناً بيانه و دليله الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه جزاؤه وَ ما يَفْعَلُوا من خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ و باب الفقر ليس فيه ازدحام لاتساعه و عموم حكمه و الفقر صفة مهجورة و ما يخلو عنها أحد و هي في كل فقير بحسب ما تعطيه حقيقته و هي ألذ ما ينالها العارف فإنها تدخله على الحق و يقبله الحق لأنه دعاه بها و لدعاء طلب و تقرب منها أختها و هي الذلة قال أبو يزيد قال لي الحق تقرب إلي بما ليس لي الذلة و الافتقار فذله و حجبه فهاتان صفتان في اللسان نعتان للممكنات ليس لواجب الوجود منهما نعت في اللسان تعالى الله حجاب مسدل و باب مقفل مفتاحه معلق عليه يراه البصير و لا يحس به الأعمى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ و في هذه الآية أعني آية قوله أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله تسمى الحق لنا باسم كل ما يفتقر إليه غيرة منه أن يفتقر إلى غيره فالفقير هو الذي يفتقر إلى كل شي‏ء و لا يفتقر إليه شي‏ء و هذا هو العبد المحض عند المحققين فتكون حاله في شيئية وجوده كحاله في شيئية عدمه دواء نافع لداء عضال قوله وَ قَدْ خَلَقْتُكَ من قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً قضية في عين قضية عامة أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً تنبيه على شرف الرتبة هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً مع وجود عينه لأن الحين الدهري أتى عليه فالفقر احتياج ذاتي من غير تعيين حاجة لجهله بالأصلح له و من أسماء الله المانع و هو قد أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ حتى الغرض لما خلقه فينا أعطاه خلقه فلإنزال أصحاب أغراض فما يمنع إلا للمصلحة كما يملي لقوم لِيَزْدادُوا إِثْماً فقد أعطاهم الإثم كما أعطى الإثم خلقه فالحق لا يتقيد إنعامه و القوابل تقبل بحسب استعداداتها فمنعه عطاء لعلمه بالمصالح لذلك حكي عن بعضهم أنه سئل عن الفقير ما هو فقال من ليست له إلى الله حاجة يعني على التعيين و نبه أن الاحتياج له ذاتي و الله قد أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فقد أعطاك ما فيه المصلحة لك لو علمت فما بقي لصاحب هذا المقام ما يسأل الله فيه و ما شرع السؤال إلا لمن ليس له هذا الشهود و رآه يسأل الأغيار فغار فشرع له أن يسأله و لما سبق في علمه أنه يخلق قوما و يخلق فيهم السؤال إلى الأغيار و يحجبهم عن العلم به أنه المسئول في كل عين مسئولة يفتقر إليها من جماد و نبات و حيوان و ملك و غير ذلك من المخلوقات أخبرنا أن الناس فقراء إلى الله أي هو المسئول على الحقيقة فإنه بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فالفقر إلى الله هو الأصل فالعلماء بالله هم الذين يحفظون أحوالهم‏ (وصل) الغني بالله فقير إليه فالنسبة بلفظ الفقر إلى الله أولى من النسبة بالغنى لأن الغني نعت ذاتي يرفع المناسبة بين ذات الحق و الخلق‏و كل طلب فيوذن بمناسبة فإن الحاصل لا يبتغى فلا يكون الطلب إلا في شي‏ء ليس عند الطالب في حال الطلب و لهذا لا يتعلق إلا بالعدم الذي هو عين المعدوم و قد يكون ذلك المطلوب في عين موجودة و لا عين موجودة ما في الكون إلا طالب فما في الكون إلا فقير لما طلب و يتميز الفقر عن سائر الصفات بأمر لا يكون لغيره و هو أنه صفة للمعدوم و الموجود و كل صفة وجودية من شرطها أن تقوم بالموجود أ لا ترى الممكن في حال عدمه يفتقر إلى المرجح فإذا وجد افتقر أيضا إلى استمرار الوجود له و حفظه عليه فلا يزال فقيرا ذا فقر في حال وجوده و في حال عدمه فهو أعم المقامات حكما فالذي يكتسب من هذه الصفة إضافة خاصة و هي الفقر إلى الله لا إلى غيره و به يثنى عليه و هو الذي يسعده و يقربه إلى الله و يشركه في هذه الإضافة كل وصف جبل عليه الإنسان مثل البخل و الحرص و الشرة و الحسد و غير ذلك تشرف و تعلو بالإضافة و المصرف و تتضع و تسفل بالإضافة و المصرف لا فقر أعظم من فقر الملوك لأنه مفتقر إلى مشاغلي و إلى كل ما يصح له به الملك و هو فقير إلى ملكه الذي يبقى عليه اسم الملك قيل للسلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب رحمه الله سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة لما ذكر أبو القمح المنجم أن ريحا عظيمة في هذه السنة تكون لا تمر على شي‏ء إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ فأشار عليه بعض جلسائه أن يتخذ في الأرض سربا يكون فيه ليلة هبوب تلك الريح فقال و يهلك الناس قيل له نعم فقال إذا هلك الناس فعلى من أكون ملكا أو سلطانا لا خير في الحياة بعد ذهاب الملك دعني أموت ملكا و الله لا فعلت فانظر ما أحسن هذا فكل موجود إضافي متحقق بالفقر و إن لم يشعر بذلك و إن وجده فلا يعلم أن ذلك هو المسمى فقرا و إذا كان حكمه هذا فالفقر إلى الله تعالى الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ثابت و موجود و لذلك الإشارة بقوله تعالى سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي سنوجبه أي سيعلمون أن الفقر نعت واجب لا يشكون فيه وجوبا ذاتيا من أجل قولهم وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ لأنهم انحجبوا عما هو الأمر عليه من فقرهم و لذلك كانوا كافرين فستروا ما هم به عالمون ذوقا من أنفسهم لا يقدرون على إنكاره و إن باهتوا فالحال يكذبهم فقالوا نَحْنُ أَغْنِياءُ و ليسوا بأغنياء و قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ و ليس بفقير من حيث ذاته فإنه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و قد تقدم في مواضع من هذا الكتاب معنى قوله فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و إنه ليس مثل قوله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ و لا مثل قوله وَ الله الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ فإذا علمت إن الفقر بهذه المثابة فالزم استحضاره في كل نفس و على كل حال و علق فقرك بالله مطلقا من غير تعيين فهو أولى بك و إن لم تقدر على تحصيل عدم التعيين فلا أقل إن تعلقه بالله تعالى مع التعيين‏ أوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى لا تجعل غيري موضع حاجتك و سلني حتى الملح تلقيه في عجينك هذا تعليم الله نبيه موسى ع و لقد رأيته سبحانه و تعالى في النوم فقال لي وكلني في أمورك فوكلته فما رأيت إلا عصمة محضة لله الحمد على ذلك جعلنا الله تعالى من الفقراء إليه به فإن الفقر إليه تعالى به هو عين الغني لأنه الغني و أنت به فقير فأنت الغني به عن العالمين فاعلم ذلك‏