القربة نعت إلهي و هو مقام مجهول أنكرت آثاره الخاصة من الرسل عليهم السلام مع الافتقار إليه منهم و شهادة الحق لصاحبه بالعدالة و الاختصاص و هو مقام الخضر مع موسى و ما أذهله إلا سلطان الغيرة التي جعل الله في الرسل عليهم السلام على مقام شرع الله على أيديهم فلله أنكروا و تكرر منه ع الإنكار مع تنبيه العبد الصالح في كل مسألة و يأبى سلطان الغيرة إلا الاعتراض لأن شرعه ذوق له و الذي رآه من غيره أجنبي عنه و إن كان علما صحيحا و لكن الذوق أغلب و الحال أحكم و لذلك قيل لرسول الله ص قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و لم يقل له قل رب زدني حالا فلو زاد حالا لزاد إنكارا و كلما زاد علما زاد إيضاحا و كشفا و اتساعا و انشراحا و تنزها في الوجوه التي سفرت من براقعها و ظهرت من وراء ستورها و كللها فارتفع الضيق و الحرج و شوهد الكمال في النقص و لما حصلت في هذا المقام السني قلت مشيرا و منبها
هذا المقام دخلته في شهر محرم سنة سبع و تسعين و خمسمائة و أنا مسافر بمنزل ابحيسل ببلاد المغرب فتهت به فرحا و لم أجد فيه أحدا فاستوحشت من الوحدة و تذكرت دخول أبي يزيد بالذلة و الافتقار فلم يجد في ذلك المنزل من أحد و ذلك المنزل هو موطني فلم أستوحش فيه لأن الحنين إلى الأوطان ذاتي لكل موجود و أن الوحشة مع الغربة و لما دخلت هذا المقام و انفردت به و علمت أنه إن ظهر علي فيه أحد أنكرني فبقيت أتتبع زواياه و مخادعه و لا أدري ما اسمه مع تحققي به و ما خص الله به من أتاه إياه و رأيت أوامر الحق تترى علي و سفراؤه تنزل إلي تبتغي مؤانستي و تطلب مجالستي فرحلت و أنا على تلك الحال من الاستيحاش بالانفراد و الأنس إنما يقع بالجنس فلقيت رجلا من الرجال بمنزل يسمى آن حال فصليت العصر في جامعة فجاء الأمير أبو يحيى بن واجتن و كان صديقي و فرح بي و سألني أن أنزل عنده فأبيت و نزلت عند كاتبه و كانت بيني و بينه مؤانسة فشكوت إليه ما أنا فيه من انفرادي بمقام أنا مسرور به فبينا هو يؤانسني إذ لاح لي ظل شخص فنهضت من فراشي إليه عسى أجد عنده فرجا فعانقني فتأملته فإذا به أبو عبد الرحمن السلمي قد تجسدت لي روحه بعثه الله إلى رحمة بي فقلت له أراك في هذا المقام فقال فيه قبضت و عليه مت فإنا فيه لا أبرح فذكرت له وحشتي فيه و عدم الأنيس فقال الغريب مستوحش و بعد أن سبقت لك العناية الإلهية بالحصول في هذا المقام فاحمد الله و لمن يا أخي يحصل هذا أ لا ترضى أن يكون الخضر صاحبك في هذا المقام و قد أنكر عليه موسى حاله مع ما شهد الله عنده بعدالته و مع هذا أنكر عليه ما جرى منه و ما أراه سوى صورته فحاله رأى و على نفسه أنكر و أوقعه في ذلك سلطان الغيرة التي خص الله بها رسله و لو صبر لرأى فإنه كان قد أعد له ألف مسألة كلها جرت لموسى و كلها ينكرها على الخضر قال شيخنا أبو النجا المعروف بأبي مدين لما علم الخضر رتبة موسى و علو قدره بين الرسل امتثل ما نهاه عنه طاعة لله و لرسوله فإن الله يقول وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فقال له في الثانية إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي فقال سمعا و طاعة فلما كانت الثالثة و نسي موسى حالة قوله إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ من خَيْرٍ فَقِيرٌ و ما طلب الإجارة على سقايته مع الحاجة فارقه الخضر بعد ما أبان له علم ما أنكره عليه ثم قال له وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي لأنه كان على شرعة من ربه و منهاج و في زمانها بخلاف حاله بعد بعث محمد ص فإنه الفرا كل الصيد في جوفه فقلت له يا أبا عبد الرحمن لا أعرف لهذا المقام اسما أميزه به فقال لي هذا يسمى مقام القربة فتحقق به فتحققت به فإذا به مقام عظيم لعلماء الرسوم من أهل الاجتهاد فيه قدم راسخة لكنهم لا يعرفون أنهم فيه و رأيت الإمداد الإلهي يسرى إليهم من هذا المقام و لهذا ينكر بعضهم على بعض و يخطئ بعضهم بعضا لأنهم ما حصل لهم ذوقا و لا يعلمون ممن يستمدون مشاهدة و كشفا فكل واحد منهم على حق كما أنه لكل نبي تقدم هذا الزمان المحمدي شرعة و منهاج و الايمان بذلك كله واجب على كل مؤمن و إن لم نلتزم من أحكامهم إلا ما لزمناه فالمجتهدون من علماء الشريعة ورثة الرسل في التشريع و أدلتهم تقوم لهم مقام الوحي للأنبياء و اختلاف الأحكام كاختلاف الأحكام إلا أنهم ليسوا مثل الرسل لعدم الكشف فإن الرسل يشد بعضهم من بعض و كذلك أهل الكشف من علماء الاجتهاد و أما غير أهل الكشف منهم فيخطئ بعضهم بعضا و لو قال الخضر لموسى من أول ما صحبه ما أفعل شيئا مما تراني أفعله عن أمري ما أنكره عليه و لا عارضة و لقد أنطقه الله بقوله سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ الله صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً و الصبر لا يكون إلا على ما يشق عليه فلو قدم الصبر على المشيئة كما يفعل المحمدي لصبر و لم يعترض فإن الله قدمه في الإعلام تعليما لمحمد ص فمن أراد أن يحصل علم الله في خلقه فليقف عند ترتيب حكمته في الأشياء فيقدم ما قدم الله و يؤخر ما أخر الله فإن من أسمائه المقدم و المؤخر فإذا أخرت ما قدمه أو قدمت ما أخره فهو نزاع خفي يورث حرمانا قال تعالى وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله فأخر الاستثناء و قدمه موسى فلم يصبر فلو أخره لصبر و هذه الآية مذكورة باللسان العبراني في التوراة فالله الله يا إخواننا من أهل هذه الملة المحمدية قفوا على مشاعر الله التي بينها لكم و لا تتعدوا ما رسم لكم أ لا تراه ص لما صعد على الصفا في حجة الوداع قرأ إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ من شَعائِرِ الله ثم قال أبدأ بما بدأ الله به و ما قال ذلك إلا تعليما لنا و لزومأدب مع الله و لو لا أنه جائز له أن يبدأ بالمروة في سعيه لما قال هذا و رجح ما بدأ الله به على ما في المسألة من التخيير من أجل الواو فإنه ما بدأ الله به إلا لسر يعلمه فمن لم يبدأ به حرم فائدته و قال ص خذوا عني مناسككم و تقديم الصفا في السعي من المناسك و لقد رويت في هذا المعنى حكاية عجيبة عن يهودي أخبرني بها موسى بن محمد القرطبي القباب المؤذن بالمسجد الحرام المكي بالمنارة التي عند باب الحزورة و باب أجياد رحمه الله سنة تسع و تسعين و خمسمائة قال كان رجل بالقيروان أراد الحج فتردد خاطره في سفره بين البر و البحر فوقتا يترجح له البر و وقتا يترجح له البحر فقال إذا كان صبيحة غد أول رجل ألقاه أشاوره فحيث يرجح لي أحكم به فأول من لقي يهوديا فتألم ثم عزم و قال و الله لأسألنه فقال يا يهودي أشاورك في سفري هذا هل أمشي في البر أو في البحر فقال له اليهودي يا سبحان الله و في مثل هذا يسأل مثلك أ لم تر أن الله يقول لكم في كتابكم هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ في الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ فقدم البر على البحر فلو لا إن لله فيه سرا و هو أولى بكم ما قدمه و ما أخر البحر إلا إذا لم يجد المسافر سبيلا إلى البر قال فتعجبت من كلامه و سافرت في البر يقول الرجل فو الله ما رأيت سفرا مثله و لقد أعطاني الله فيه من الخير فوق ما كنت أشتهي و قد أنكر أبو حامد الغزالي هذا المقام و قال ليس بين الصديقية و النبوة مقام و من تخطي رقاب الصديقين وقع في النبوة و النبوة باب مغلق فكان يقول لا تتخطوا رقاب الصديقين و لا شك أن الأنبياء أصحاب الشرائع هم أرفع عباد الله من البشر و مع هذا لا يبعد أن يخص الله المفضول بعلم ليس عند الفاضل و لا يدل تميزه عنه أنه بذلك العلم أفضل منه بل قال له يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت و أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا و ما قال له أنا أفضل منك بل علم حق موسى و ما ينبغي له و امتثل أمره فيما نهاه عنه من صحبته احتراما منه لمقام موسى و علو منزلته و سكوت موسى عنه حين فارقه و لم يرجع عن نهيه لأنه علم إن الخضر ممن لم يسمع نهي موسى ع و لا سيما و قد قال له وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي فعلم موسى أنه ما فارقه إلا عن أمر ربه فما اعترض عليه في فراقه إياه و حصل لموسى مقصوده و مقصود الحق في تأديبه فعلم إن لله عبادا عندهم من العلم ما ليس عنده و لم يكن إلا علم كون من الأكوان من علوم الكشف و هو من أحوال المريدين أصحاب السلوك فكيف لو كان من العلوم المتعلقة بالجناب الإلهي إما من العلم المحكم أو المتشابه و من هذا المقام حصل لأبي بكر الصديق السر الذي وقر في نفسه و ظهرت قوة ذلك السر مع وقته و قول عائشة لرسول الله ص في مرضه حين أمر أن يصلي بالناس أنه رجل أسيف و رسول الله ص يعرف منه بالسر الذي حصل عنده ما لا تعرفه الجماعة فما بقي أحد يوم مات رسول الله ص إلا ذهل في ذلك اليوم و خولط في عقله و تكلم بما ليس الأمر عليه إلا أبو بكر الصديق فما طرأ عليه من ذلك أمر بل رقى المنبر و خطب الناس و ذكر موت النبي ص فقال من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ و ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية فسكن جأش الناس حتى قال عمر و الله ما كأني سمعت بهذه الآية إلا في ذلك اليوم و هذا قوله ص إذا وجب يعني الموت فلا تبكين باكية و أما قبل وقوع الموت فالبكاء محمود و كذا فعل أبو بكر لما قام رسول الله ص فقال ما تقولون في رجل خير فاختار لقاء الله فبكى أبو بكر وحده دون الجماعة و علم أن رسول الله ص قد نعى لأصحابه نفسه فأنكر الصحابة على أبي بكر بكاءه و هو كان أعلم فلما مات ص بكى الناس و ضجوا إلا أبا بكر امتثالا لقوله ص إذا وجب فلا تبكين باكية هذا كله من السر الذي أعطاه هذا المقام فالذي ينبغي أن يقال ليس بين محمد و أبي بكر رجل لا أنه ليس بين الصديقية و النبوة مقام فإن الصديق تابع بطريق الايمان فما أنكره متبوعة أنكر و ما قرره متبوعة قرر هذا حظ الصديق من كونه صديقا و من كون مقام آخر لا يحكم عليه حال الصديقية فاعلم ذلك انتهى السفر الرابع عشر بانتهاء الجزء السادس و مائة من الفتوحات المكية