الكيمياء عبارة عن العلم الذي يختص بالمقادير و الأوزان في كل ما يدخله المقدار و الوزن من الأجسام و المعاني محسوسا و معقولا و سلطانها في الاستحالات أعني تغير الأحوال على العين الواحدة فهو علم طبيعي روحاني إلهي و إنما قلنا إلهي لورود الاستواء و النزول و المعية و تعدد الأسماء الإلهية على المسمى الواحد باختلاف معانيها
فعلم الكيمياء العلم بالإكسير و هو على قسمين أعني فعله إما انشاء ذات ابتداء كالذهب المعدني و إما إزالة علة و مرض كالذهب الصناعي الملحق بالذهب المعدني كنشأة الآخرة و الدنيا في طلب الاعتدال فاعلم أن المعادن كلها ترجع إلى أصل واحد و ذلك الأصل يطلب بذاته أن يلحق بدرجة الكمال و هي الذهبية غير أنه لما كان أمرا طبيعيا عن أثر أسماء إلهية متنوعة الأحكام طرأت عليه في طريقه علل و أمراض من اختلاف الأزمنة و طبائع الأمكنة مثل حرارة الصيف و برد الشتاء و يبوسة الخريف و رطوبة الربيع و من البقعة كحرارة المعدن و برده و بالجملة فالعلل كثيرة فإذا غلبت عليه علة من هذه العلل في أزمان رحلته و نقلته من طور إلى طور و خروجه من حكم دور إلى حكم دور و استحكم فيه سلطان ذلك الموطن ظهرت فيه صورة نقلت جوهرته إلى حقيقتها فسمي كبريتا أو زيبقا و هما الأبوان لما يظهر من التحامهما و تناكحهما من معادن لعلل طارئة على الولد فهما إنما يلتحمان و يتناكحان ليخرج بينهما جوهر شريف كامل النشأة يسمى ذهبا فيشرف به الأبوان إذ كانت تلك الدرجة مطلوبة لكل واحد من الأبوين منحيث جوهريتهما إلا أن ذلك الأصل في الإلهيات نفس و في الطبيعة بخار إلا أن الأبوين أمر و طبيعة و إنما قلنا إن ذلك الأمر كان مطلوبا للأبوين من حيث جوهرهما لا من حيث صورتهما لأن الحكم في الجوهر الهيولائي إنما هو للصور فلما حالت العلة التي طرأت عليه في معدنه فصيرته كبريتا و زيبقا علمنا أيضا أن في قوتهما إذا لم يطرأ عليهما علة تخرجهما عن سلطان حكم اعتدال الطبائع و تعدل بهما عن طريقه إن الولد الخارج بينهما الذي يستحيل أعيانهما إليه أنهما يلحقان بدرجة الكمال و هو الذهب الذي كان مطلوبا لهما ابتداء فإذا التحما و تناكحا في المعدن بحكم طبيعة ذلك المعدن الخاص و حكم قبوله لأثر طبيعة الزمان فيه و هو على صراط مستقيم مثل الفطرة التي فطر الله الناس عليها و أبواه هما اللذان يهودان الولد أو ينصرانه أو يمجسانه كذلك إذا كثرت فيه كمية الأب الواحد لعرض معدني من عرض زماني غلب بذلك إحدى الطبائع على أخواتها فزاد و أربى و نقص الباقي عن مقاومة الغالب حكم على الجوهر فرده لما تعطيه حقيقة ذلك الطبع و عدل به عن طريق الاعتدال التي هي المحجة التي تخرج بك إلى المدينة الفاضلة الذهبية الكاملة التي من حصل فيها لم يقبل الاستحالة إلى الأنقص عنها فإذا غلب عليه ذلك الطبع قلب عينه فظهرت صورة الحديد أو النحاس أو القزدير أو الآنك أو الفضة بحسب ما يحكم عليه و من هنا تعرف قوله تعالى في الاعتبار مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ أي تامة الخلقة و ليس إلا الذهب و غير تامة الخلقة و هي بقية المعادن فتتولاه في ذلك الوقت روحانية كوكب من الكواكب السيارة السبعة و هو ملك من ملائكة تلك السماء يجري مع ذلك الكوكب المسخر في سباحته لأن الله هو الذي وجهه إلى غاية يقصدها عن أمر خالقه إبقاء لعين ذلك الجوهر فيتولى صورة الحديد ذلك الملك الذي جواده هذا الكوكب السابح من السماء السابعة من هنا و صورة القزدير و غيره و كذلك كل صورة معدنية يتولاها ملك يكون جواده هذا الكوكب السابح في سمائه و فلكه الخاص به الذي وجهه فيه ربه تعالى فإذا جاء العارف بالتدبير نظر في الأمر الأهون عليه فإن كان الأهون عليه إزالة العلة من الجسد حتى يرده إلى المجرى الطبيعي المعتدل الذي انحرف عنه فهو أولى فإن الكوكب السابح يراه صاحب الرصد وقتا في المنزلة عينها و وقتا عادلا عنها منحرفا فوقها أو تحتها فيعمد العارف بالتدبير إلى السبب الذي رده حديدا أو ما كان و يعلم أنه ما غلب الجماعة إلا بما فيه من الكمية فنقص من الزائد و زاد في الناقص و هذا هو الطب و العامل به العالم هو الطبيب فيزيل عنه بهذا الفعل صورة الحديد مثلا أو ما كان عليه من الصور فإذا رده إلى الطريق أخذ يحفظ عليه تقويم الصحة و إقامته فيها فإنه قد يعافي من مرضه و هو ناقة فيخاف عليه فهو يعامله بتلطيف الأغذية و يحفظه من الأهوية و يسلك به على الصراط القويم إلى أن يكسو ذلك الجوهر صورة الذهب فإذا حصلت له خرج عن حكم الطبيب و عن علته فإنه بعد ذلك الكمال لا ينزل إلى درجة النقصان و لا يقبله و لو رامها الطبيب لم يتمكن له ذلك فإن القاضي ما عنده نص في هذه المسألة حتى يحكم فيها بما يراه و سبب ذلك على الحقيقة أن القاضي عادل و لا يحكم إلا على من خرج عن طريق الحق و هذا الذهب عليه فلا يقضى عليه بشيء لأنه لم يتوجه للخصم عليه حق فهذا سببه فمن لزم طريق الحق ارتفع عن درجة الحكم عليه و صارحا كما على الأشياء فهذه طريقة إزالة العلل و ما رأيت عليها أحدا يعرف ذلك و لا نبه عليه و لا أشار و لا تجده إلا في هذا الباب أو في كلامنا و أما إذا أراد صاحب هذه الصنعة انشاء العين المسمى إكسيرا ليحمله على ما يشاء من الأجساد المعدنية فيقلبها لما تحكم به طبيعة ذلك الجسد القابل و الدواء واحد الذي هو الإكسير فمن الأجساد من يرده الإكسير إلى حكمه فيكون إكسيرا يعمل عمله و هو المسمى بالنائب فيقوم في باقي الأجساد المعدنية و يحكم بحكمه مثل أن يأخذ وزن درهم أو أي وزن شاء من عين الإكسير فيلقيه على ألف وزن من أي جسد شئت من الأجساد فإن كان قزديرا أو حديدا أعطاه صورة الفضة و إن كان نحاسا أو رصاصا أسود أو فضة أعطاه صورة الذهب و إن كان الجسد زيبقا أعطاه قوته و تركه نائبا عنه يحكم في الأجساد حكمه و لكن بوزن يخالف وزن باقي الأجساد و ذلك وزن درهم من الإكسير فيلقيه على رطل الحكمة خاصة من الزيبق فيرده إكسيرا كله فيلقي من ذلك النائب وزنا على وزن ألف وزن من بقية الأجساد مثل الإكسير فيجري في الحكم مجراه فهذه صورة الإنشاء و الأولى صنعة إزالة المرض و إنما جئنا بهذا لنعلمك بارتباط الحكمة في مسمى الكيمياءبين الطريقين و لما ذا سميت كيمياء السعادة لأن فيها سعادة لا بد و زيادة ما عند الناس من أهل الله خير منها و هو أنه يعطيك درجة الكمال الذي للرجال فإنه ما كل صاحب سعادة يعطي الكمال فكل صاحب كمال سعيد و ما كل سعيد كامل و الكمال عبارة عن اللحوق بالدرجة العلي و هو التشبه بالأصل و لا يتخيل أن قول النبي ص كمل من الرجال كثيرون أنه أراد الكمال الذي ذكره الناس و إنما هو ما ذكرناه و ذلك بحسب ما يعطي الاستعداد العلمي في الدنيا فلنتكلم إن شاء الله على كيمياء السعادة بعد هذا التمهيد و الله الموفق لا رب غيره.
(وصل في فصل)
اعلم أن الكمال المطلوب الذي خلق له الإنسان إنما هو الخلافة فأخذها آدم ع بحكم العناية الإلهية و هو مقام أخص من الرسالة في الرسل لأنه ما كل رسول خليفة فإن درجة الرسالة إنما هي التبليغ خاصة قال تعالى ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ و ليس له التحكم في المخالف إنما له تشريع الحكم عن الله أو بما أراه الله خاصة فإذا أعطاه الله التحكم فيمن أرسل إليهم فذلك هو الاستخلاف و الخلافة و الرسول الخليفة فما كل من أرسل حكم فإذا أعطى السيف و أمضى الفعل حينئذ يكون له الكمال فيظهر بسلطان الأسماء الإلهية فيعطي و يمنع و يعز و يذل و يحيي و يميت و يضر و ينفع و يظهر بأسماء التقابل مع النبوة لا بد من ذلك فإن ظهر بالتحكم من غير نبوة فهو ملك و ليس بخليفة فلا يكون خليفة إلا من استخلفه الحق على عباده لا من أقامه الناس و بايعوه و قدموه لأنفسهم و على أنفسهم فهذه هي درجة الكمال و للنفوس تعمل مشروع في تحصيل مقام الكمال و ليس لهم تعمل في تحصيل النبوة فالخلافة قد تكون مكتسبة و النبوة غير مكتسبة لكن لما رأى بعض الناس الطريق الموصل إليها طاهر الحكم و من شاء الله يسلك فيه تخيل أن النبوة مكتسبة و غلط فلا شك أن الطريق يكتسب فإذا وصل إلى الباب يكون بحسب ما يخرج له في توقيعه و هنالك هو الاختصاص الإلهي فمن الناس من يخرج له توقيع بالولاية و منهم من يخرج له توقيع بالنبوة و بالرسالة و بالرسالة و الخلافة و منهم من يخرج له توقيع بالخلافة وحدها فلما رأى من رأى أن هؤلاء ما خرج لهم هذا التوقيع إلا بعد سلوكهم بالأفعال و الأقوال و الأحوال إلى هذا الباب تخيل أن ذلك مكتسب للعبد فأخطأ و اعلم أن النفس من حيث ذاتها مهياة لقبول استعداد ما تخرج به التوقيعات الإلهية فمنهم من حصل له استعداد توقيع الولاية خاصة فلم يزد عليها و منهم من رزق استعداد ما ذكرناه من المقامات كلها أو بعضها و سبب ذلك أن النفوس خلقت من معدن واحد كما قال تعالى خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ و قال بعد استعداد خلق الجسد وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي فمن روح واحد صح السر المنفوخ في المنفوخ فيه و هو النفس و قوله في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ يريد الاستعدادات فيكون بحكم الاستعداد في قبول الأمر الإلهي فلما كان أصل هذه النفوس الجزئية الطهارة من حيث أبيها و لم يظهر لها عين إلا بوجود هذا الجسد الطبيعي فكانت الطبيعة الأب الثاني خرجت ممتزجة فلم يظهر فيها إشراق النور الخالص المجرد عن المواد و لا تلك الظلمة الغائية التي هي حكم الطبيعة فالطبيعة شبيهة بالمعدن و النفس الكلية شبيهة بالأفلاك التي لها لفعل و عن حركاتها يكون الانفعال في العناصر و الجسد الكون في المعدن بمنزلة الجسم الإنساني و الخاصية التي هي روج ذلك الجسد المعدني بمنزلة النفس الجزئية التي للجسم الإنساني و هو الروح المنفوخ و كما أن الأجساد المعدنية على مراتب لعلل طرأت عليهم في حال التكوين مع كونهم يطلبون درجة الكمال التي لها ظهرت أعيانهم كذلك الإنسان خلق للكمال فما صرفه عن ذلك الكمال إلا علل و أمراض طرأت عليهم إما في أصل ذواتهم و إما بأمور عرضية فاعلم ذلك فلنبتدئ بما ينبغي أن يليق بهذا الباب و هو أن نقول إن النفوس الجزئية لما ملكها الله تدبير هذا البدن و استخلفها عليه و بين لها أنها خليفة فيه لتتنبه على أن لها موجدا استخلفها فيتعين عليها طلب العلم بذلك الذي استخلفها هل هو من جنسها أو شبيه بها بضرب ما من ضروب المشابهة أو لا يشبهها فتوفرت دواعيها لمعرفة ذلك من نفسها فبينما هي كذلك على هذه الحالة في طلب الطريق الموصلة إلى ذلك و إذا بشخص قد تقدمها في الوجود من النفوس الجزئية فأنسوا به للشبه فقالوا له أنت تقدمتنا في هذه الدار فهل خطر لك ما خطر لنا قال و ما خطر لكم قالواطلب العلم بمن استخلفنا في تدبير هذا الهيكل فقال عندي بذلك علم صحيح جئت به ممن استخلفكم و جعلني رسولا إلى جنسي لأبين لهم طريق العلم الموصل إليه الذي فيه سعادتهم فقال الواحد إياه أطلب فعرفني بذلك الطريق حتى أسلك فيه و قال الآخر لا فرق بيني و بينك فأريد أن استنبط الطريق إلى معرفته من ذاتي و لا أقلدك في ذلك فإن كنت أنت حصل لك ما أنت عليه و ما جئت به بالنظر الذي خطر لي فلما ذا أكون ناقص الهمة و أقلدك و إن كان حصل لك باختصاص منه كما خصنا بالوجود بعد أن لم نكن فدعوى بلا برهان فلم يلتفت إلى قوله و أخذ يفكر و ينظر بعقله في ذلك فهذا بمنزلة من أخذ العلم بالأدلة العقلية من النظر الفكري و مثال الثاني مثال أتباع الرسول و مقلديه فيما أخبر به من العلم بصانعهم و مثال ذلك الشخص الذي اختلف في اتباعه هذان الشخصان مثال الرسول المعلم فشرع هذا العلم يبين الطريق الموصل إلى درجة الكمال و السعادة على ما اقتضاه نظر الشخص الواحد من الشخصين اللذين نظرا في شأن هذا المعلم و هو الذي لم يتبعه و لكن ما وقعت الموافقة معه إلا في بعض ما يقتضيه الأمر الطبيعي من مخالفة الطبع و لا كل مخالفة الطبع إلا بوزن خاص و مقدار معين و بهذا سمي كيمياء لدخول التقدير و الوزن فلما رأى ذلك هذا الشخص فرح بذلك حيث استقل به دون تقليده و رأى أن له شفوفا على صاحبه الذي قلده فاغتربه و أما المقلد فبقي على ما كان عليه من تقليد المعلم و زاد غير المقلد و هو ذلك الشخص بما رأى من الموافقة زهدا في تقليد هذا الشخص و انفرادا بنظره من أجل هذه الموافقة فسلك الرجلان أو الشخصان إن كانا امرأتين أو أحدهما امرأة في الطريق الواحد بحكم النظر و الآخر بحكم التقليد و أخذا في الرياضة و هو تهذيب الأخلاق و المجاهدة و هي المشاق البدنية من الجوع و العبادات العملية البدنية كالقيام الطويل في الصلاة و الدءوب عليها و الصيام و الحج و الجهاد و السياحة هذا بنظره و هذا بما شرع له أستاذه و معلمه المسمى شارعا فلما فرغا من حكم أسر الطبيعة العنصرية و ما بقي واحد منهما يأخذ من حكم الطبيعة العنصرية إلا الضروري الذي يحفظ به وجود هذا الجسم الذي بوجوده و اعتداله و بقائه يحصل لهذه النفس الجزئية مطلوبها من العلم بالله الذي استخلفها خاصة فإذا خرجا عن حكم الشهوات الطبيعية العنصرية و فتح لهما باب السماء الدنيا تلقى المقلد آدم ع ففرح به و أنزله إلى جانبه و تلقى صاحب النظر المستقل روحانية القمر فأنزله عنده ثم إن صاحب النظر الذي هو نزيل القمر في خدمة آدم ع و هو كالوزير له مأمورا من الحق بالتسخير له و رأى جميع ما عنده من العلوم لا يتعدى ما تحته من الأكر و لا علم له بما فوقه و أنه مقصور الأثر على ما دونه و رأى آدم أن عنده علم ما دونه و علم ما فوقه من الأمكنة و أنه يلقي إلى نزيله مما عنده مما ليس في وسع القمر أن يعرفه و علم أنه ما أنزله عليه إلا عناية ذلك المعلم الذي هو الرسول فاغتم صاحب النظر و ندم حيث لم يسلك على مدرجة ذلك الرسول و اعتقد الايمان به و أنه إذا رجع من سفرته تلك أن يتبع ذلك الرسول و يستأنف من أجله سفرا آخر ثم إن هذا التابع نزيل آدم علمه أبوه من الأسماء الإلهية على قدر ما رأى أنه يحمله مزاجه فإن للنشأة الجسمية العنصرية أثرا في النفوس الجزئية فما كلها على مرتبة واحدة في القبول فتقبل هذه ما لا تقبل غيرها و في أول سماء يقف من علم آدم على الوجه الإلهي الخاص الذي لكل موجود سوى الله الذي يحجبه عن الوقوف مع سببه و علته و صاحب النظر لا علم له بذلك الوجه أصلا و العلم بذلك الوجه هو العلم بالإكسير في الكيمياء الطبيعية فهذا هو إكسير العارفين و ما رأيت أحدا نبه عليه غيري و لو لا أني مأمور بالنصيحة لهذه الأمة بل لعباد الله ما ذكرته فعلم كل واحد منهما ما لهذا الفلك من الحكم الذي ولاة الله به في هذه الأركان الأربعة و المولدات و ما أوحى الله في هذه السماء من الأمر المختص بها في قوله وَ أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و ما علم صاحب النظر نزيل القمر من ذلك إلا ما يختص بالتأثيرات المدنية و الاستحلالات في أعيان الأجسام المركبة من الطبيعة العنصرية و حصل التابع ما فيها من العلم الإلهي الحاصل للنفوس الجزئية مما هو لهذا الفلك خاصة و ما نسبة وجود الحق من ذلك و ما له فيهم من الصور و من أين صحت الخلافة لهذه النشأة الإنسانية و لا سيما و آدم المنصوص عليه صاحب هذه السماء فعلم التابع صورة الاستخلاف في العلم الإلهي و علم صاحب النظر الاستخلاف العنصري في تدبير الأبد إن و علل الزيادة و الربو و النمو في الأجسام القابلة لذلك و النقص فكل ما حصل لصاحب النظر حصل للتابع و ما كل ما حصلللتابع حصل لصاحب النظر فما يزداد صاحب النظر إلا غما على غم و ما يصدق متى ينقضي سفره و يرجع إلى بدنه فإنهم في هذا السفر مثل النائم فيما يرى في نومه و هو يعرف أنه في النوم فلا يصدق متى يستيقظ ليستأنف العمل و يستريح من غمه و إنما يتقلق خوفا مما حصل له في سفره أن يقبض فيه فلا يصح له ترق بعد ذلك فهذا هو الذي يزعجه و التابع ليس كذلك فإنه يرى الترقي بصحبه حيث كان من ذلك الوجه الخاص الذي لا يعرفه إلا صاحب هذا الوجه فإذا أقاما في هذه السماء ما شاء الله و أخذا في الرحلة و ودع كل واحد منهما نزيله و ارتقيا في معراج الأرواح إلى السماء الثانية و في هذه السماء الأولى هو النائب السابع الإلهي الموكل بالنطفة الكائنة في الأرحام التي تظهر فيها هذه النشأة الإنسانية و هو يتوكل بها في الشهر السابع من سقوط النطفة و الطفل في هذا الشهر الجنين يزيد و ينمو في بطن أمه بزيادة القمر و يذبل و تقل حركته في بطن أمه في نقص القمر و ذلك هو العلامة فإن ولد في هذا الشهر لم يكن في القوة مثل الذي يولد في الشهر السادس فإذا فرعا السماء الثانية و فتحت لهما صعدا فنزل التابع عند عيسى ع و عنده يحيى ابن خالته و نزل صاحب النظر عند الكاتب فلما أنزله الكاتب عنده و أكرم مثواه اعتذر إليه و قال له لا تستبطئني فإني في خدمة عيسى و يحيى ع و قد نزل بهما صاحبك فلا بد لي من الوقوف عندهما حتى أرى ما يأمراني به في حق نزيلهما فإذا فرغت من شأنه رجعت إليك فيزيد صاحب النظر غما إلى غمه و ندامة حيث لم يسلك مسلك صاحبه و لا ذهب في مذهبه فأقام التابع عند ابني الخالة ما شاء الله فأوقفاه على صحة رسالة المعلم رسول الله ص بدلالة إعجاز القرآن فإنها حضرة الخطابة و الأوزان و حسن مواقع الكلام و امتزاج الأمور و ظهور المعنى الواحد في الصور الكثيرة و يحصل له الفرقان في مرتبة خرق العوائد و من هذه الحضرة يعلم علم السيمياء الموقوفة على العمل بالحروف و الأسماء لا على البخورات و الدماء و غيرها و يعرف شرف الكلمات و جوامع الكلم و حقيقة كن و اختصاصها بكلمة الأمر لا بكلمة الماضي و لا المستقبل و لا الحال و ظهور الحرفين من هذه الكلمة مع كونها مركبة من ثلاثة و لما ذا حذفت الكلمة الثالثة المتوسطة البرزخية التي بين حرف الكاف و حرف النون و هي حرف الواو الروحانية التي تعطي ما للملك في نشأة المكون من الأثر مع ذهاب عينها و يعلم سر التكوين من هذه السماء و كون عيسى يحيي الموتى و انشاء صورة الطير و نفخه في صورته و تكوين الطائر طائرا هل هو بإذن الله أو تصوير عيسى خلق الطير و نفخه فيه هو بإذن الله و بأي فعل من الأفعال اللفظية يتعلق قوله بِإِذْنِي و بِإِذْنِ الله هل العامل فيه يكون أو تنفخ فعند أهل الله العامل فيه يكون و عند مثبتي الأسباب و أصحاب الأحوال العامل فيه تنفخ فيحصل لمن دخل هذه السماء و اجتمع بعيسى و يحيى علم ذلك و لا بد و لا يحصل ذلك لصاحب النظر و أعني حصول ذوق و عيسى روح الله و يحيى له الحياة فكما أن الروح و الحياة لا يفترقان كذلك هذان النبيان عيسى و يحيى لا يفترقان لما يحملانه من هذا السر فإن لعيسى من علم الكيمياء الطريقين الإنشاء و هو خلقه الطير من الطين و النفخ فظهر عنه الصورة باليدين و الطيران بالنفخ الذي هو النفس فهذه طريقة الإنشاء في علم الكيمياء الذي قدمناه في أول الباب و الطريق الثانية إزالة العلل الطارئة و هو في عيسى إبراء الأكمه و الأبرص و هي العلل التي طرأت عليهما في الرحم الذي هو من وظيفة التكوين فمن هنا يحصل لهذا التابع علم المقدار و الميزان الطبيعي و الروحاني لجمع عيسى بين الأمرين و من هذه السماء يحصل لنفس هذا التابع الحياة العلمية التي يحيي بها القلوب كقوله أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ و هي حضرة جامعة فيها من كل شيء و فيها الملك الموكل بالنطفة في الشهر السادس و من هذه الحضرة يكون الإمداد للخطباء و الكتاب لا للشعراء و لما كان لمحمد ص جوامع الكلم خوطب من هذه الحضرة و قيل ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ لأنه أرسل مبينا مفصلا و الشعر من الشعور فمحله الإجمال لا التفصيل و هو خلاف البيان و من هنا تعلم تقليبات الأمور و من هنا توهب الأحوال لأصحابها و كلما ظهر في العالم العنصري من النيرنجيات الأسمائية فمن هذه السماء و أما القلقطيرات فمن غير هذه الحضرة و لكن إذا وجدت فارواحها من هذه السماء لا أعيان صورها الحاملة لأرواحها فإذا حصل علم هذه الكائنات و سرعة الأحياء فيها من شأنه أن لا يقبل ذلك إلا في الزمان الطويل فإن ذلك من علم عيسى لا من الأمر الموحى به في ذلك الفلكو لا في سباحة كوكبه و هو من الوجه الخاص الإلهي الخارج عن الطريق المعتادة في العلم الطبيعي الذي يقتضي الترتيب النسبي الموضوع بالترتيب الخاص و هذه مسألة يغمض دركها فإن العالم المحقق بقول بالسبب فإنه لا بد منه و لكن لا يقول بهذا الترتيب الخاص في الأسباب فعامة هذا العلم إما ينفون الكل و إما يثبتون الكل و لم أر منهم من بقول ببقاء السبب مع نفي ترتيبه الزماني فإنه علم عزيز يعلم من هذه السماء فما يكون عن سبب في مدة طويلة يكون عن ذلك السبب في لمح البصر أو هو أقرب و قد ظهر ذلك فيما نقل في تكوين عيسى ع و في تكوين خلق عيسى الطائر و في إحياء الميت من قبره قبل أن يأتي المخاض للأرض في إبراز هذه المولدات ليوم القيامة و هو يوم ولادتها فالق بالك و أشحذ فؤادك عسى أن يهديك ربك سواء السبيل و من هذه السماء قوله في ناشئة الليل إنها أَقْوَمُ قِيلًا فإذا حصل التابع هذه العلوم و انصرف الكاتب إلى نزيله و رد النظر إليه أعطاه من العلم المودع في مجراه ما يعطيه استعداده مما له من الحكم في الأجسام التي تحته في العالم العنصري لا من أرواحه فإذا كمل فذلك قراه يطلب الرحيل عنه فجاء إلى صاحبه التابع و خرجا يطلبان السماء الثالثة و صاحب النظر بين يدي التابع مثل الخادم بين يدي مخدومه و قد عرف قدره و رتبة معلمه و ما أعطاه من العناية اتباعه لذلك المعلم فلما قرعا السماء الثالثة فتحت فصعدا فيها فتلقى التابع يوسف ع و تلقى صاحب النظر كوكب الزهرة فأنزلته و ذكرت له ما ذكره من تقدم من كواكب التسخير فزاده ذلك غما إلى غمه فجاء كوكب الزهرة إلى يوسف ع و عنده نزيله و هو التابع و هو يلقي إليه ما خصه الله به من العلوم المتعلقة بصور التمثل و الخيال فإنه كان من الأئمة في علم التعبير فأحضر الله بين يديه الأرض التي خلقها الله من بقية طينة آدم ع و أحضر له سوق الجنة و أحضر له أجساد الأرواح النورية و النارية و المعاني العلوية و عرفه بموازينها و مقاديرها و نسبها و نسبها فأراه السنين في صور البقر و أراه خصبها في سمنها و أراه جدبها في عجافها و أراه العلم في صورة اللبن و أراه الثبات في الدين في صورة القيد و ما زال يعلمه تجسد المعاني و النسب في صورة الحس و المحسوس و عرفه معنى التأويل في ذلك كله فإنها سماء التصوير التام و النظام و من هذه السماء يكون الإمداد للشعراء و النظم و الإتقان و الصور الهندسية في الأجسام و تصويرها في النفس من السماء التي ارتقى عنها و من هذه السماء يعلم معنى الإتقان و الإحكام و الحسن الذي يتضمن بوجوده الحكمة و الحسن الغرضي الملائم لمزاج خاص و في هذه السماء هو النائب الخامس الذي يتلقى تدبير النطفة في الرحم في الشهر الخامس و من الأمر الموحى من الله في هذه السماء حصل ترتيب الأركان التي تحت مقعر فلك القمر فجعل ركن الهواء بين النار و الماء و جعل ركن الماء بين الهواء و التراب و لو لا هذا الترتيب ما صح وجود الاستحالة فيهن و لا كان منهن ما كان من المولدات و لا ظهر في المولدات ما ظهر من الاستحالات فأين النطفة من كونها استحالت لحما و دما و عظاما و عروقا و أعصابا و من هذه السماء رتب الله في هذه النشأة الجسمية الأخلاط الأربعة على النظم الأحسن و الإتقان الأبدع فجعل مما يلي نظر النفس المدبرة المرة الصفراء ثم يليها الدم ثم يلي الدم البلغم ثم يلي البلغم المرة السوداء و هو طبع الموت و لو لا هذا الترتيب العجيب في هذه الأخلاط لما حصلت المساعدة للطبيب فيما يرومه من إزالة ما يطرأ على هذا الجسد من العلل أو فيما يرومه من حفظ الصحة عليه و من هذه السماء ظهرت الأربعة الأصول التي يقوم عليها بيت الشعر كما قام الجسد على الأربعة الأخلاط و هما السببان و الوتدان السبب الخفيف و السبب الثقيل و الوتد المفروق و الوتد المجموع فالوتد المفروق يعطي التحليل و الوتد المجموع يعطي التركيب و السبب الخفيف يعطي الروح و السبب الثقيل يعطي الجسم و بالمجموع يكون الإنسان فانظر ما أتقن وجود هذا العالم كبيره و صغيره فإذا حصلا هذه العلوم هذان الشخصان و زاد التابع على الناظر بما أعطاه الوجه الخاص من العلم الإلهي كما اتفق في كل سماء لهما انتقلا يطلبان السماء الوسطى التي هي قلب السموات كلها فلما دخلاها تلقى التابع إدريس ع و تلقى صاحب النظر كوكب الشمس فجرى لصاحب النظر معه مثل ما تقدم فزاد غما إلى غمه فلما نزل التابع بحضرة إدريس ع علم تقليب الأمور الإلهية و وقف على معنى قوله ع القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن و بما ذا يقلبانه و رأى في هذه السماء غشيان الليل النهار و النهار الليل و كيف يكون كل واحد منهما لصاحبه ذكرا وقتا و أنثى وقتا و سر النكاحو الالتحام بينهما و ما يتولد فيهما من المولدات بالليل و النهار و الفرق بين أولاد الليل و أولاد النهار فكل واحد منهما أب لما يولد في نقيضه و أم لما يولد فيه و يعلم من هذه السماء علم الغيب و الشهادة و علم الستر و التجلي و علم الحياة و الموت و اللباس و السكن و المودة و الرحمة و ما يظهر من الوجه الخاص من الاسم الظاهر في المظاهر الباطنة و من الاسم الباطن في الظاهر من حكم استعداد المظاهر فتختلف على الظاهر الأسماء لاختلاف الأعيان ثم رحلا يطلبان السماء الخامسة فنزل التابع بهارون ع و نزل صاحب النظر بالأحمر فاعتذر الأحمر لصاحبه و نزيله في تخلفه عنه مدة اشتغاله بخدمة هارون ع من أجل نزيله فلما دخل الأحمر على هارون وجد عنده نزيله و هو يباسطه فتعجب الأحمر من مباسطته فسأل عن ذلك فقال إنها سماء الهيبة و الخوف و الشدة و البأس و هي نعوت توجب القبض و هذا ضيف ورد من أتباع الرسول تجب كرامته و قد ورد يبتغي علما و يلتمس حكما إلهيا يستعين به على أعداء خواطره خوفا من تعدى حدود سيده فيما رسم له فاكشف له عن محياها و أباسطه حتى يكون قبوله لما التمسه على بسط نفس بروح قدس ثم رد وجهه إليه و قال له هذه سماء خلافة البشر فضعف حكم إمامها و قد كان أصلها أقوى المباني فأمر باللين بالجبابرة الطغاة فقيل لنا فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً و ما يؤمر بلين المقال إلا من قوته أعظم من قوة من أرسل إليه و بطشه أشد لكنه لما علم الحق أنه قد طبع على كل قلب مظهر للجبروت و الكبرياء و أنه في نفسه أذل الأذلاء أمرا أن يعاملاه بالرحمة و اللين لمناسبة باطنه و استنزال ظاهره من جبروته و كبريائه لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى و لعل و عسى من الله واجبتان فيتذكر بما يقابله من اللين و المسكنة ما هو عليه في باطنه ليكون الظاهر و الباطن على السواء فما زالت تلك الخميرة معه تعمل في باطنه مع الترجي الإلهي الواجب وقوع المترجي و يتقوى حكمها إلى حين انقطاع يأسه من اتباعه و حال الغرق بينه و بين أطماعه لجأ إلى ما كان مستسرا في باطنه من الذلة و الافتقار ليتحقق عند المؤمنين وقوع الرجاء الإلهي فقال آمنت بالذي آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا من الْمُسْلِمِينَ فأظهر حالة باطنه و ما كان في قلبه من العلم الصحيح بالله و جاء بقوله الَّذِي آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ لرفع الإشكال عند الإشكال كما قالت السحرة لما آمنت آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ أي الذي يدعوان إليه فجاءت بذلك لرفع الارتياب و قوله وَ أَنَا من الْمُسْلِمِينَ خطاب منه للحق لعلمه أنه تعالى يسمعه و يراه فخاطبه الحق بلسان العتب و أسمعه آلْآنَ أظهرت ما قد كنت تعلمه وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ من الْمُفْسِدِينَ في اتباعك و ما قال له و أنت من المفسدين فهي كلمة بشرى له عرفنا بها لنرجو رحمته مع إسرافنا و إجرامنا ثم قال فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ فبشره قبل قبض روحه بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يعني لتكون النجاة لمن يأتي بعدك آية علامة إذا قال ما قلته تكون له النجاة مثل ما كانت لك و ما في الآية أن بأس الآخرة لا يرتفع و لا أن إيمانه لم يقبل و إنما في الآية إن بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذا آمن في حال رؤيته إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ فقوله فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ إذ العذاب لا يتعلق إلا بظاهرك و قد أريت الخلق نجاته من العذاب فكان ابتداء الغرق عذابا فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم تتخللها معصية فقبضت على أفضل عمل و هو التلفظ بالإيمان كل ذلك حتى لا يقنط أحد من رحمة الله و الأعمال بالخواتم فلم يزل الايمان بالله يجول في باطنه و قد حال الطابع الإلهي الذاتي في الخلق بين الكبرياء و اللطائف الإنسانية فلم يدخلها قط كبرياء و أما قوله فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا فكلام محقق في غاية الوضوح فإن النافع هو الله فما نفعهم إلا الله و قوله سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ يعني الايمان عند رؤية البأس الغير المعتاد و قد قال وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً فغاية هذا الايمان أن يكون كرها و قد أضافه الحق إليه سبحانه و الكراهة محلها القلب و الايمان محله القلب و الله لا يأخذ العبد بالأعمال الشاقة عليه من حيث ما يجده من المشقة فيها بل يضاعف له فيها الأجر و أما في هذا الموطن فالمشقة منه بعيدة بل جاء طوعا في إيمانه و ما عاش بعد ذلك كما قال في راكب البحر عند ارتجاجه ضَلَّ من تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فنجاهم فلو قبضهم عند نجاتهم لماتوا موحدين و قد حصلت لهم النجاة فقبض فرعون و لم يؤخر في أجله في حال إيمانه لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى ثم قوله تعالى في تتميم قصته هذه وَ إِنَّ كَثِيراً من النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ و قد أظهرت نجاتك آية أيعلامة على حصول النجاة فغفل أكثر الناس عن هذه الآية و قضوا على المؤمن بالشقاء و أما قوله فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ فما فيه نص أنه يدخلها معهم بل قال الله أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ و لم يقل أدخلوا فرعون و آله و رحمة الله أوسع من حيث أن لا يقبل إيمان المضطر و أي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق و الله يقول أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ فقرن للمضطر إذا دعاه الإجابة و كشف السوء عنه و هذا آمن لله خالصا و ما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفا من العوارض أو يحال بينه و بين هذا الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال فرجح جانب لقاء الله على البقاء بالتلفظ بالإيمان و جعل ذلك الغرق نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الأجاج و قبضه على أحسن صفة هذا ما يعطي ظاهر اللفظ و هذا معنى قوله إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى يعني في أخذه نكال الآخرة و الأولى و قدم ذكر الآخرة و أخر الأولى ليعلم أن ذلك العذاب أعني عذاب الغرق هو نكال الآخرة فلذلك قدمها في الذكر على الأولى و هذا هو الفضل العظيم فانظر يا ولي ما أثرت مخاطبة اللين و كيف أثمرت هذه الثمرة فعليك أيها التابع باللين في الأمور فإن النفوس الآبية تنقاد بالاستمالة ثم أمره بالرفق بصاحبه صاحب النظر و كان سبب هذا الأمر من هارون لأنه حصل له هذا ذوقا من نفسه حين أخذ موسى برأسه يَجُرُّهُ إِلَيْهِ فاذاقه الذل بأخذ اللحية و الناصية فناداه بأشفق الأبوين فقال يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي و فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ لما ظهر عليه أخوه موسى بصفة القهر فلما كان لهارون ذلة الخلق ذوقا مع براءته مما أذل فيه تضاعفت المذلة عنده فناداه بالرحم فهذا سبب وصيته لهذا التابع و لو لم يلق موسى الألواح ما أخذ برأس أخيه فإن في نسختها الهدى و الرحمة تذكرة لموسى فكان يرحم أخاه بالرحمة و تتبين مسألته مع قومه بالهدى فلما سكت عنه الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ فما وقعت عينه مما كتب فيها الأعلى الهدى و الرحمة فقال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ثم أمره أن يجعل ما تقتضيه سماؤه من سفك الدماء في القرابين و الأضاحي ليلحق الحيوان بدرجة الأناسي إذ كان لها الكمال في الأمانة ثم خرج من عنده بخلعة نزيله و أخذ بيد صاحبه و قد أفاده ما كان في قوته من المعارف بما يقتضيه حكمه في الدور لا غير و انصرفا يطلبان السماء السادسة فتلقاه موسى ع و معه وزيره البرجيس فلم يعرف صاحب النظر موسى ع فأخذه البرجيس فأنزله و نزل التابع عند موسى فأفاده اثني عشر ألف علم من العلم الإلهي سوى ما أفاده من علوم الدور و الكور و أعلمه أن التجلي الإلهي إنما يقع في صور الاعتقادات و في الحاجات فتحفظ ثم ذكر له طلبه النار لأهله فما تجلى له إلا فيها إذ كانت عين حاجته فلا يرى إلا في الافتقار و كل طالب فهو فقير إلى مطلوبه ضرورة و أعلمه في هذه السماء خلع الصور من الجوهر و إلباسه صورا غيرها ليعلمه أن الأعيان أعيان الصور لا تنقلب فإنه يؤدي إلى انقلاب الحقائق و إنما الإدراكات تتعلق بالمدركات تلك المدركات لها صحيحة لا شك فيها فيتخيل من لا علم له بالحقائق أن الأعيان انقلبت و ما انقلبت و من هنا يعلم تجلى الحق في القيامة في صورة يتعوذ أهل الموقف منها و ينزهون الحق عنها و يستعيذون بالله منها و هو الحق ما هو غيره و ذلك في أبصارهم فإن الحق منزه عن قيام التغيير به و التبديل قال عليم الأسود لرجل وقف فضرب بيده عليم إلى أسطوانة في الحرم فرآها الرجل ذهبا ثم قال له يا هذا إن الأعيان لا تنقلب و لكن هكذا تراه لحقيقتك بربك يشير إلى تجلى الحق يوم القيامة و تحوله في عين الرائي و من هذه السماء يعلم العلم الغريب الذي لا يعلمه قليل من الناس فأحرى أن لا يعلمه الكثير و هو معنى قوله تعالى لموسى ع و ما علم أحد ما أراد الله إلا موسى و من اختصه الله وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى فقال هِيَ عَصايَ و السؤال عن الضروريات ما يكون من العالم بذلك إلا لمعنى غامض ثم قال في تحقيق كونها عصا أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى كل ذلك من كونها عصا أ رأيتم أنه أعلم الحق تعالى بما ليس معلوما عند الحق و هذا جواب علم ضروري عن سؤال عن معلوم مدرك بالضرورة فقال له أَلْقِها يعني عن يدك مع تحققك إنها عصا فَأَلْقاها موسى فَإِذا هِيَ يعني تلك العصا حَيَّةٌ تَسْعى فلما خلع الله على العصا أعني جوهرها صورة الحية استلزمها حكم الحية و هو السعي حتى يتبين لموسى ع بسعيها إنها حية و لو لا خوفه منها خوف الإنسان من الحيات لقلنا إن الله أوجد في العصا الحياة فصارت حية من الحياة فسعت لحياتها على بطنها إذ لميكن لها رجل تسعى به فصورتها لشكلها عصا صورة الحيات فلما خاف منها للصورة قال له الحق خُذْها وَ لا تَخَفْ و هذا هو خوف الفجاة إذ كان ثم قال له سَنُعِيدُها الضمير يعود على العصا سِيرَتَهَا الْأُولى فجواهر الأشياء متماثلة و تختلف بالصور و الأعراض و الجوهر واحد أي ترجع عصا مثل ما كانت في ذاتها و في رأى عينك كما كانت حية في ذاتها و في رأى عينك ليعلم موسى من يرى و ما يرى و بمن يرى و هذا تنبيه إلهي له و لنا و هو الذي قاله عليم سواء من أن الأعيان لا تنقلب فالعصا لا تكون حية و لا الحية عصا و لكن الجوهر القابل صورة العصا قبل صورة الحية فهي صور يخلعها الحق القادر الخالق عن الجوهر إذا شاء و يخلع عليه صورة أخرى فإن كنت فطنا فقد نبهتك على علم ما تراه من صور الموجودات و تقول هو ضروري من كونك لا تقدر على إنكاره و قد بان لك أن الاستحالات محال و لله أعين في بعض عباده يدركون بها العصا حية في حال كونها عصا و هو إدراك إلهي و فينا خيالي و هكذا في جميع الموجودات سواء انظر لو لا قوة الحس ما قلت هذا جماد لا يحس و لا ينطق و ما به من حياة و هذا نبات و هذا حيوان يحس و يدرك و هذا إنسان يعقل هذا كله أعطاه نظرك و يأتي شخص آخر يقف معك فيرى و يسمع تسليم الجمادات و النبات و الحيوان عليه و كلا الأمرين صحيح و بالقوة التي تستدل بها على إنكار ما قاله هذا بها بعينها يستدل هذا الآخر فكل واحد من الشخصين دليله عين دليل الآخر و الحكم مختلف فو الله ما زالت حية عصا موسى و ما زالت عصا كل ذلك في نفس الأمر لم تخط رؤية كل واحد ما هو الأمر عليه في نفسه و قد رأينا ذلك و تحققناه رؤية عين ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ من عين واحدة و هو في التجلي الأول لا غيره و هو في التجلي الآخر لا غيره فقل إله و قل عالم و قل أنا و قل أنت و قل هو و الكل في حضرة الضمائر ما برح و ما زال فزيد يقول في حقك هو و عمرو يقول عنك أنت و أنت تقول عنك أنا فإنا عين أنت و عين هو و ما هو أنا عين أنت و لا عين هو فاختلفت النسب و هنا بحور طامية لا قعر لها و لا ساحل و عزة ربي لو عرفتم ما فهت به في هذه الشذور لطربتم طرب الأبد و لخفتم الخوف الذي لا يكون معه أمن لأحد تدكدك الجبل عين ثباته و إفاقة موسى عين صعقته
انظر إلى وجهه في كل حادثة من الكيان و لا تعلم به أحدا
أيها التابع المحمدي لا تغفل عما نبهتك عليه و لا تبرح في كل صورة ناظرا إليه فإن المجلى أجلي ثم أخذ بيده البرجيس و جاء به إلى صاحب النظر فعرفه ببعض ما يليق به مما علمه التابع من علم موسى بما يختص من تأثيرات الحركات الفلكية في النشآت العنصرية لا غير فارتحلا من عنده المحمدي على رفرف العناية و صاحب النظر على براق الفكر ففتح لهما السماء السابعة و هي الأولى من هناك على الحقيقة فتلقاه إبراهيم الخليل ع و تلقى صاحب النظر كوكب كيوان فأنزله في بيت مظلم قفر موحش و قال له هذا بيت أخيك يعني نفسه فكن به حتى آتيك فإني في خدمة هذا التابع المحمدي من أجل من نزل عليه و هو خليل الله فجاء إليه فوجده مسندا ظهره إلى البيت المعمور و التابع جالس بين يديه جلوس الابن بين يدي أبيه و هو يقول له نعم الولد البار فسأله التابع عن الثلاثة الأنوار فقال هي حجتي على قومي آتانيها الله عناية منه بي لم أقلها أشرا كالكن جعلتها حبالة صائد أصيد بها ما شرد من عقول قومي ثم قال له أيها التابع ميزا المراتب و اعرف المذاهب و كن على بينة من ربك في أمرك و لا تهمل حديثك فإنك غير مهمل و لا متروك سدى اجعل قلبك مثل هذا البيت المعمور بحضورك مع الحق في كل حال و اعلم أنه ما وسع الحق شيء مما رأيت سوى قلب المؤمن و هو أنت فعند ما سمع صاحب النظر هذا الخطاب قال يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ و علم ما فاته من الايمان بذلك الرسول و اتباع سنته و يقول يا ليتني لم أتخذ عقلي دليلا و لا سلكت معه إلى الفكر سبيلا و كل واحد من هذين الشخصين يدرك ما تعطيه الروحانيات العلى و ما يسبح به الملأ الأعلى بما عندهما من الطهارة و تخليص النفس من أسر الطبيعة و ارتقم في ذات نفس كل واحد منهما كل ما في العالم فليس يخبر إلا بما شاهده من نفسه في مرآة ذاته فحكاية الحكيم الذي أراد أن يرى هذا المقام للملك فاشتغل صاحب التصوير الحسن بنقش الصور على أبدع نظام و أحسن إتقان و اشتغل الحكيم بجلاء الحائط الذي يقابل موضع الصور و بينهما ستر معلق مسدل فلما فرغ كل واحدمن شغله و أحكم صنعته فيما ذهب إليه جاء الملك فوقف على ما صوره صاحب الصور فرأى صورا بديعة يبهر العقول حسن نظمها و بديع نقشها و نظر إلى تلك الأصبغة في حسن تلك الصنعة فرأى أمرا هاله منظره و نظر إلى ما صنع الآخر من صقالة ذلك الوجه فلم ير شيئا فقال له أيها الملك صنعتي ألطف من صنعته و حكمتي أغمض من حكمته ارفع الستر بيني و بينه حتى ترى في الحالة الواحدة صنعتي و صنعته فرفع الستر فانتقش في ذلك الجسم الصقيل جميع ما صوره هذا الآخر بألطف صورة مما هو ذلك في نفسه فتعجب الملك ثم إن الملك رأى صورة نفسه و صورة الصاقل في ذلك الجسم فحار و تعجب و قال كيف يكون هكذا فقال أيها الملك ضربته لك مثلا لنفسك مع صور العالم إذا أنت صقلت مرآة نفسك بالرياضات و المجاهدات حتى تزكو و أزلت عنها صدأ الطبيعة و قابلت بمرآة ذاتك صور العالم انتقش فيها جميع ما في العالم كله و إلى هذا الحد ينتهي صاحب النظر و أتباع الرسل و هذه الحضرة الجامعة لهما و يزيد التابع على صاحب النظر بأمور لم تنتقش في العالم جملة واحدة من حيث ذلك الوجه الخاص الذي لله في كل ممكن محدث مما لا ينحصر و لا ينضبط و لا يتصور يمتاز به هذا التابع عن صاحب النظر و من هذه السماء يكون الاستدراج الذي لا يعلم و المكر الخفي الذي لا يشعر به و الكيد المتين و الحجاب و الثبات في الأمور و التأني فيها و من هنا يعرف معنى قوله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ لأن لهما في الناس درجة الأبوة فلا يلحقهما أبدا قال تعالى أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ و من هذه السماء يعلم أن كل ما سوى الإنس و الجان سعيد لا دخول له في الشقاء الأخروي و إن الإنس و الجان منهم شقي و سعيد فالشقي يجري إلى أجل في الأشقياء لأن الرحمة سبقت الغضب و السعيد إلى غير أجل و من هنا يعرف تفضيل خلق الإنسان و توجه اليدين على خلق آدم دون غيره من المخلوقات و يعلم أنه ما ثم جنس من المخلوقات إلا و له طريقة واحدة في الخلق لم تتنوع عليه صنوف الخلق تنوعها على الإنسان فإنه تنوع عليه الخلق فخلق آدم يخالف خلق حواء و خلق حواء يخالف خلق عيسى و خلق عيسى يخالف خلق سائر بنى آدم و كلهم إنسان و من هنا زين للإنسان سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً و عند تجلى هذا التزيين يشكر الله تعالى التابع على تخلصه من مثل هذا و أما صاحب النظر فلا يجد فرجا إلا في هذا التجلي يعطيه الحسن في السوء و هو من المكر الإلهي و من هنا تثبت أعيان الصور في الجوهر التي تحت هذا الفلك إلى الأرض خاصة و من هنا تعرف ملة إبراهيم أنها ملة سمحاء ما فيها من حرج فإذا علم هذه المعاني و وقف على أبوة الإسلام أراد صاحب النظر القرب منه فقال إبراهيم للتابع من هذا الأجنبي معك فقال هو أخي قال أخوك من الرضاعة أو أخوك من النسب قال أخي من الماء قال صدقت لهذا لا أعرفه لا تصاحب إلا من هو أخوك من الرضاعة كما أني أبوك من الرضاعة فإن الحضرة السعادية لا تقبل إلا إخوان الرضاعة و آباءها و أمهاتها فإنها النافعة عند الله أ لا ترى العلم يظهر في صورة اللبن في حضرة الخيال هذا لأجل الرضاع و انقطع ظهر صاحب النظر لما انقطع عنه نسب أبوه إبراهيم ع ثم أمره أن يدخل البيت المعمور فدخله دون صاحبه و صاحبه منكوس الرأس ثم خرج من الباب الذي دخل و لم يخرج من باب الملائكة و هو الباب الثاني لخاصية فيه و هو أنه من خرج منه لا يرجع إليه ثم ارتحل من عنده يطلب العروج و مسك صاحبه صاحب النظر هناك و قيل له قف حتى يرجع صاحبك فإنه لا قدم لك هنا هذا آخر الدخان فقال أسلم و أدخل تحت حكم ما دخل فيه صاحبي قيل له ليس هذا موضع قبول الإسلام إذا رجعت إلى موطنك الذي منه جئت أنت و صاحبك فهناك إذا أسلمت و آمنت و اتبعت سبيل من أناب إلى الله إنابة الرسل المبلغين عن الله قبلت كما قبل صاحبك فبقي هنالك و مشى التابع فبلغ به سدرة المنتهى فرأى صور أعمال السعداء من النبيين و أتباع الرسل و رأى عمله في جملة أعمالهم فشكر الله على ما و فقه إليه من اتباع الرسول المعلم و عاين هنالك أربعة أنهار منها نهر كبير عظيم و جداول صغار تنبعث من ذلك النهر الكبير و ذلك النهر الكبير تتفجر منه الأنهار الكبار الثلاثة فسأل التابع عن تلك الأنهار و الجداول فقيل له هذا مثل مضروب أقيم لك هذا النهر الأعظم هو القرآن و هذه الثلاثة الأنهار الكتب الثلاثة التوراة و الزبور و الإنجيل و هذه الجداول الصحف المنزلة على الأنبياء فمن شرب من أي نهر كان أو أي جدول فهو لمن شرب منه وارث و كل حق فإنه كلام الله و العلماء ورثة الأنبياء بما شربوا من هذهالأنهار و الجداول فاشرع في نهر القرآن تفز بكل سبيل للسعادة فإنه نهر محمد ص الذي صحت له النبوة و آدم بين الماء و الطين و أوتي جوامع الكلم و بعث عامة و نسخت به فروع الأحكام و لم ينسخ له حكم بغيره و نظر إلى حسن النور الذي غشى تلك السدرة فرأى قد غشاها منه ذاك الذي غشى فلا يستطيع أحد أن ينعتها للغشاء النوري الذي لا تنفذه الأبصار بل لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ثم قيل له هذه شجرة الطهور فيها مرضاة الحق و من هنا شرع السدر في غسل الميت للقاء الله الماء و السدر لينا له طهور هذه السدرة و إليها تنتهي أعمال بنى آدم السعادية و فيها مخازنها إلى يوم الدين و هنا أول أقدام السعداء و السماء السابعة التي وقف عندها صاحبك منتهى الدخان و لا بد لها و لمن هو تحتها من الاستحالة إلى صور كانت عليها أو على أمثالها قبل أن تكون سماء ثم قيل لهذا التابع ارق فرقي في فلك المنازل فتلقاه من هنالك من الملائكة و الأرواح الكوكبية ما يزبد على ألف و عشرات من الحضرات تسكنها هذه الأرواح فعاين منازل السائرين إلى الله تعالى بالأعمال المشروعة و قد ذكر من ذلك الهروي في جزء له سماه منازل السائرين يحتوي على مائة مقام كل مقام يحتوي على عشرة مقامات و هي المنازل و أما نحن فذكرنا من هذه المنازل في كتاب لنا سميناه مناهج الارتقاء يحتوي على ثلاثمائة مقام كل مقام يحتوي على عشرة منازل ففيه ثلاثة آلاف منزل فلم يزل يقطعها منزلة منزلة بسبع حقائق هو عليها كما يقطع فيها السبع الدراري و لكن في زمان أقرب حتى وقف على حقائقها بأجمعها و قد كان أوصاه إدريس بذلك فلما عاين كل منزل منها رآها و جميع ما فيها من الكواكب تقطع في فلك آخر فوقها فطلب الارتقاء فيه ليرى ما أودع الله في هذه الأمور من الآيات و العجائب الدالة على قدرته و علمه فعند ما حصل على سطحه حصل في الجنة الدهماء فرأى ما فيها مما وصف الله في كتابه من صفة الجنات و عاين درجاتها و غرفها و ما أعد الله لأهلها فيها و رأى جنته المخصوصة به و اطلع على جنات الميراث و جنات الاختصاص و جنات الأعمال و ذاق من كل نعيم منها بحسب ما يعطيه ذوق موطن القوة الجنانية فلما بلغ من ذلك أمنيته رقى به إلى المستوي الأزهى و الستر الأبهى فرأى صور آدم و بنيه السعداء من خلف تلك الستور فعلم معناها و ما أودع الله من الحكمة فيها و ما عليها من الخلع التي كساها بنى آدم فسلمت عليه تلك الصور فرأى صورته فيهن فعانقها و عانقته و اندفعت معه إلى المكانة الزلفى فدخل فلك البروج الذي قال الله فيه فأقسم به وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ فعلم إن التكوينات التي تكون في الجنان من حركة هذا الفلك و له الحركة اليومية في العالم الزماني كما أن حركة الليل و النهار في الفلك الذي فيه جرم الشمس و التكوينات التي تكون في جهنم من حركة فلك الكواكب و هو سقف جهنم أعني مقعره و سطحه أرض الجنة و الذي يسقط من الكواكب و ينتثر ضوءها فتبقى مظلمة و فعلها المودع فيها باق و هذا كله سبب التبديل الذي يقع في جهنم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها كل ذلك بإذن الله مرتب الأشياء مراتبها كما إن الشمس إذا حلت بالحمل جاء زمن الربيع فظهرت زينة الأرض و أورقت الأشجار و ازينت وَ أَنْبَتَتْ من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ و إذا حلت بالجدي أظهرت النقيض و القوابل تقبل بحسب ما هي عليه من المزاج فمهما اختلف مزاجها كان قبولها لما يحدث الله عند هذه الحركات الفلكية بحسب ما هي عليه و كذلك في الجنان في كل حين من خلق جديد و نعيم جديد حتى لا يقع ملل فإن كل شيء طبيعي إذا توالى عليه أمر ما من غير تبدل لا بد أن يصحب الإنسان فيه ملل فإن الملل نعت ذاتي له فإن لم يغذه الله بالتجديد في كل وقت ليدوم له النعيم بذلك و إلا كان يدركهم الملل فأهل الجنان يدركون في كل نظرة ينظرونها إلى ملكهم أمرا و صورة لم يكونوا رأوها قبل ذلك فينعمون بحدوثها و كذلك في كل أكلة و شربة يجدون طعما جديدا لذيذا لم يكونوا يجدونه في الأكلة الأولى فينعمون بذلك و تعظم شهوتهم و السبب في سرعة هذا التبدل و بقائه أن الأصل على ذلك فيعطي في الكون بحسب ما تعطيه حقيقة مرتبته ليكون خلاقا على الدوام و يكون الكون فقيرا على الدوام فالوجود كله متحرك على الدوام دنيا و آخرة لأن التكوين لا يكون عن سكون فمن الله توجهات دائمة و كلمات لا تنفد و هو قوله وَ ما عِنْدَ الله باقٍ فعند الله التوجه و هو قوله تعالى إِذا أَرَدْناهُ و كلمة الحضرة و هي قوله لكل شيء يريده كُنْ بالمعنى الذي يليق بجلاله و كن حرف وجودي فلا يكون عنه إلا الوجود ما يكون عنه عدم لأن العدملا يكون لأن الكون وجود و هذه التوجهات و الكلمات في خزائن الجود لكل شيء يقبل الوجود قال تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ و هو ما ذكرناه و قوله وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ من اسمه الحكيم فالحكمة سلطانة هذا الإنزال الإلهي و هو إخراج هذه الأشياء من هذه الخزائن إلى وجود أعيانها و هو قولنا في أول خطبة هذا الكتاب الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم و عدمه و عدم العدم وجود فهو نسبة كون الأشياء في هذه الخزائن محفوظة موجودة لله ثابتة لأعيانها غير موجودة لأنفسها فبالنظر إلى أعيانها هي موجودة عن عدم و بالنظر إلى كونها عند الله في هذه الخزائن هي موجودة عن عدم العدم و هو وجود فإن شئت رجحت جانب كونها في الخزائن فنقول أوجد الأشياء من وجودها في الخزائن إلى وجودها في أعيانها للنعيم بها أو غير ذلك و إن شئت قلت أوجد الأشياء عن عدم بعد أن تقف على معنى ما ذكرت لك فقل ما شئت فهو الموجد لها على كل حال في الموطن الذي ظهرت فيه لأعيانها و أما قوله ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ فهو صحيح في العلم لأن الخطاب هنا لعين الجوهر و الذي عنده أعني عند الجوهر من كل موجود إنما هو ما يوجده الله في محله من الصفات و الأعراض و الأكوان و هي في الزمان الثاني أو في الحال الثاني كيف شئت قل من زمان وجودها أو حال وجودها تنعدم من عندنا و هو قوله ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ و هو يجدد للجوهر الأمثال أو الأضداد دائما من هذه الخزائن و هذا معنى قول المتكلمين إن العرض لا يبقى زمانين و هو قول صحيح خبر لا شبهة فيه لأنه الأمر المحقق الذي عليه نعت الممكنات و بتجدد ذلك على الجوهر يبقى عينه دائما ما شاء الله و قد شاء إنه لا يفنى فلا بد من بقائه فيعلم التابع من هذه الحضرة التكوينات الجنانية و جميع ما ذكرناه و أما صاحب النظر رفيق التابع فما عنده خبر بشيء من هذا كله لأنه تنبيه نبوي لا نظر فكري و صاحب النظر مقيد تحت سلطان فكره و ليس للفكر مجال إلا في ميدانه الخاص به و هو معلوم بين الميادين فإنه لكل قوة في الإنسان ميدان يجول فيه لا يتعداه و مهما تعدت ميدانها وقعت في الغلط و الخطاء و وصفت بالتحريف عن طريقها المستقيم و قد يشهد الكشف البصري بما تعثر فيه الحجج العقلية و سبب ذلك خروجها عن طورها فالعقول الموصوفة بالضلال إنما أضلتها أفكارها و إنما ضلت أفكارها لتصرفها في غير موطنها و إنما تصرف ما تصرف منها في غير موطنه و جال في غير ميدانه ليظهر فضل بعض الناس على بعضهم و إنما ظهر الفضل في العالم ليعلم أن الحق له عناية ببعض عباده و له خذلان في بعض عباده و ليعلم أن الممكن لم يخرج عن إمكانه و أن المرجح له نظر خصوصي لمن شاء من هذه القوي بما يشاء وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ثم يخرج بالتابع مع حامله إلى الكرسي فيرى فيه انقسام الكلمة التي وصفت قبل وصولها إلى هذا المقام بالوحدة و يرى القدمين اللتين تدلتا إليه فينكب من ساعته إلى تقبيلهما القدم الواحدة تعطي ثبوت أهل الجنات في جناتهم و هي قدم الصدق و القدم الأخرى تعطي ثبوت أهل جهنم في جهنم على أي حالة أراد و هي قدم الجبروت و لهذا قال في أهل الجنان عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فما وصفه بالانقطاع و قال في أهل جهنم الَّذِينَ شَقُوا ليحكم هذا القدم الجبروتي إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ما قال إن الحال التي هم فيها لا تنقطع كما قال في السعداء و الذي منع من ذلك قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و قوله إن رحمتي سبقت غضبي في هذه النشأة فإن الوجود رحمة في حق كل موجود و إن تعذب بعضهم ببعض فتخليدهم في حال النعيم غير منقطع و تخليدهم في حال الانتقام موقوف على إرادة فقد يعود الانتقام منهم عذابا عليهم لا غير و يزول الانتقام و لهذا فسره في مواضع بالألم المؤلم و قال عذاب أليم و العذاب الأليم و في مواضع لم يقيد العذاب بالأليم و أطلقه فقال فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ يعني و إن زال الألم و قال في عذاب جهنم و لم ينعته بأنه أليم و قال لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ من كونه عذابا وَ هُمْ فِيهِ أي في العذاب مُبْلِسُونَ أي مبعدون من السعادة العرضية في هذا الموطن لأن الإبلاس لفظة مختصة بأهل جهنم في بعدهم فلهذا جاء بذكر الإبلاس ليوقع هذا الاصطلاح اللغوي في موضعه عند أهله ليعلموه فإنه لموطن جهنم لغة ليست لأهل الجنان و الإبلاس منها فيعرف التابع من هذا المقام ما لكل دار ثم إنه يفارق هذا الموضع و يزج به في النور الأعظم فيغلبه الوجد و هذا النور هو حضرة الأحوال الظاهر حكمها في الأشخاص الإنسانية و أكثر ما يظهر عليهم في سماع الألحان فإنها إذا نزلت عليهم تمر على الأفلاك و لحركات الأفلاكنغمات طيبة مستلذة تستلذ بها الأسماع كنغمات الدولاب فتكسو الأحوال و تنزل بها على النفوس الحيوانية في مجالس السماع فإن كانت النفس في أي شيء كانت من تعلق بجارية أو غلام أو يكون من أهل الله فيكون تعلقه حب جمال الإلهي متخيل اكتسبوه من ألفاظ نبوية مثل قوله في الصحيح إن الله جميل يحب الجمال و قوله في التجريد اعبد الله كأنك تراه فيأخذه الوجد على ما تخيله و منهم من يغمره الحال لا من حضرة التخيل بل يجد أمرا لا يكيف و لا يدخل تحت الحصر و المقدار و منهم من تهب عليه من هذه الأحوال التي تعطي الوجد روايح على نفوس غير عاشقة إلا بنسبة جزئية لا كلية فتعطيه من الحكم لذلك معنى يسمى التواجد ثم يخرج من ذلك النور إلى موضع الرحمة العامة التي وسعت كل شيء و هو المعبر عنه بالعرش فيجد هنالك من الحقائق الملكية إسرافيل و جبريل و ميكائيل و رضوان و مالك و من الحقائق الملكية البشرية آدم و إبراهيم و محمد إسلام الله عليهم فيجد عند آدم و إسرافيل علم الصور الظاهرة في العالم المسماة أجساما و أجسادا و هياكل سواء كانت نورية أو غير نورية و يجد عند جبريل و محمد ع علم الأرواح المنفوخة في هذه الصور التي عند آدم و إسرافيل فيقف على معاني ذلك كله و يرى نسبة هذه الأرواح إلى هذه الصور و تدبيرها إياها و من أين وقع فيها التفاضل مع انبعاثها من أصل واحد و كذلك الصور علم من هذه الحضرة ذلك كله و يعلم من هذه الحضرة علم الأكاسير التي تقلب صور الأجساد بما فيه من الروح و ينظر إلى ميكائيل و إبراهيم ع فيجد عندهما علم الأرزاق و ما يكون به التغذي للصور و الأرواح و بما ذا يكون بقاؤها و يقف على كون الإكسير غذاء مخصوصا لذلك الجسد الذي يرده ذهبا أو فضة بعد ما كان حديدا أو نحاسا و هو صحة ذلك الجسم و إزالة مرضه الذي كان قد دخل عليه في معدنه فصيره حديدا أو غير ذلك و كل هذا من هذه الحضرة يعلمه ثم ينظر إلى رضوان و مالك فيجد عندهما علم السعادة و الشقاء و الجنة و درجاتها و جهنم و دركاتها و هو علم المراتب في الوعد و الوعيد و يعلم حقيقة ما تعطي كل واحدة منهما و إذا علم هذا كله علم العرش و حملته و ما تحت إحاطته و هو منتهى الأجسام و ليس وراءه جسم مركب ذو شكل و مقدار فإذا علم هذا كله عرج به معراجا آخر معنويا في غير صورة متخيلة إلى مرتبة المقادير فيعلم منها كميات الأشياء الجسمية و أوزانها في الأجسام المقدرة من المحيط إلى التراب و ما فيهن و ما بينهن من أصناف العالم الذين هم عمار هذه الأمكنة ثم ينتقل إلى علم الجوهر المظلم الكل الذي لا جزء له و لا صورة فيه و هو غيب كل ما وراءه من العالم و منه ظهرت هذه الأنوار و الضياءات في عالم الأجسام و هي الأنوار المركبة سلخت من هذا الجوهر فبقي مظلما كما سلخ النهار من الليل فبانت الظلمة و هذا هو أصل الظلمة في العالم و أصل العالم في الأحكام الناموسية ثم ينتقل من هذا المقام إلى حضرة الطبيعة البسيطة فيعلم حكمها في الأجسام مطلقا من اختلاف تركيباتها و أحوالها و من أين وقع الغلط لبعض الطبيعيين فيما غلطوا فيه من العلم بأحكامها و ذلك لجهلهم بالعلم بذاتها فصاحب هذا الكشف يعلم ذلك كله ثم ينتقل من النظر في ذلك إلى شهود اللوح المحفوظ و هو الموجود الانبعاثي عن القلم و قد رقم الله فيه ما شاءه من الكوائن في العالم فيعلم هذا التالي لما في هذا اللوح علم القوتين و هما علم العلم و علم العمل و يعلم الانفعالات الانبعاثية و من كون هذا الروح لوحا يعلم ما سطره فيه من سماه لوحا بالقلم الإلهي مما أملاه الحق عليه و كتابته فيه نقش صور المعلومات التي يجر بها الله في العالم في الدنيا إلى يوم القيامة خاصة و هي علوم محصورة مسطرة صورا كصور الحروف المرقومة في الألواح و الكتب المسماة كلمات و عدد أمهاتها ما يكون من ضرب درجات الفلك في مثلها سواء من غير زيادة و لا نقصان و من هنا جعل الله في الفلك الذي تقطع فيه الكواكب بسباحتها ثلاثمائة درجة و ستين درجة و فيها انحصرت السنة في الدار الدنيا بسباحة الشمس و القمر قال تعالى الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ و تتكرر بالسنين من أول وجودها و ما هو تكرار على الحقيقة إلى أن ينتهي إلى قدر ما خرج من ضرب الثلاثمائة و الستين في مثلها من السنين يكون عمر عالم الدنيا ثم يملي أمرا آخر و علوما تختص بالقيامة و بالموازين أيضا إلى أجل مسمى بتميز في الدارين و هو انتهاء مدة الانتقام على أهل دار الشقاء خاصة ثم يستأنف فيه كتابة العذاب في هذه الدار مع الخلود الدائم في الدارين لأهلها غير أنه لا بد مهما كانت الكتابة أن تجري إلى أجل مسمى لاستحالة دخول ما لا يتناهى في الوجود ثم ينتقل هذا التابع من هذا المقام إلىو أوحى إلى من أوحى إليهم أَلَّا تَتَّخِذُوا من دُونِي وَكِيلًا يقول لهم فالصحبة تطلب أعيان الأغيار ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى من ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا و المعية صحبة عامة و الخلة صحبة خاصة و سيرد بابها إن شاء الله غير إن في الصحبة أمرا يتعذر من وجه في الجناب الإلهي و هو المناسبة و المشاكلة إما من كل وجه و إما من أكثر الوجوه و لا مناسبة كما يرد في باب مقام ترك الصحبة فلا صحبة و قد وردت الصحبة فلا بد لها من وجه يستدعيها فإنه إخبار إلهي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ فلا تثبت الصحبة إلا إذا لم تأخذ في حدها الكفاءة فإذا أزلت الكفاءة في الصحبة ثبتت الصحبة في الجناب الإلهي فهو تعالى يصحبنا في كل حال نكون عليه و نحن لا نصحبه إلا في الوقوف عند حدوده فما نصحب على الحقيقة إلا أحكامه لا هو فهو معنا ما نحن معه لأنه يعرفنا و نحن لا نعرفه لذا أتى يصحبنا و لم يجيء نصحبه فإنه يحفظنا له لا لنا من هذه الحقيقة نطلبه لنا لا له فإن طالبنا طالبناه فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فشرع تعالى لنا ما شرع فقال من عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ و هو قولنا نطلبه لنا لا له و قال فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ تحقيقا لطلبنا إياه لنا لا له و حقيقة طلبه إيانا له لا لنا قوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فأوجدنا له لا لنا فطلبناه لنا لا له بما خلقنا له ف الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ فأمر الصحبة عظيم و شأنها كبير و ما يرعاها إلا الأكابر و أحسن ما بلغني في رعى حقها و القيام به ما حكي عن الحجاج رحمه الله أنه أمر بضرب عنق شخص فقال لي أمر نحب أن أذكره للأمير قبل أن يقتلني فقال له الحجاج قل قال أيها الأمير لا أحب أن أقوله لك إلا حتى تتركني مكتوفا بحالي أمشي معك في إيوانك هذا من أوله إلى آخره و ما على الأمير في ذلك من بأس و لا يحول ذلك بينه و بين ما يريده مني و يقضي لي بهذا حاجة فقال لحاجبه أصعد به إلي و قام الحجاج يسايره في الإيوان و يصغي إليه ليرى ما ذا يقول له فلما بلغ معه إلى آخر الإيوان و عاد إلى مكانه قال أيها الأمير إن الكريم يراعي حق صحبة ساعة و قد صحبني الأمير و صحبته في هذه المشية و الأمير أولى من رعى حق الصحبة فقال الحجاج خلوا سبيله فو الله لقد صدق و لقد نبه عاقلا فلو قتلته لكنت ألأم الناس ثم أمر أن يجزل له في الأعطية و خيره في صحبته و الإقامة عنده فما أدري بعد ذلك هل أقام عنده أم لا فهذا من حسن ما يسمع في حق الصحبة من الوفاء به و الرعاية هذا من الحجاج فلا بد لعبيد الله أن يخلصوا مع الله نفسا واحدا يصح به إطلاق الصحبة مع الله فلا بد أن يرعى الله حق ذلك النفس و أما صحبة أهل الله بعضهم مع بعض أو صحبتهم للخلق أو صحبة الخلق إياهم فهم يطالبون أنفسهم بحق ما يجب للصاحب على الصاحب فإن كان عين الحق له حقا عنده لزمه الوفاء به امتثالا لأمر سيده و وقوفا عند حده و إن كان لم يأته في ذلك أمر و أبيح له و جعل له الاختيار في ذلك فليرجح مع صاحبه مكارم الخلق بترك غرضه و عمله لغرض صاحبه ما لم يسخط الله في واجب معين فصحبة الله أولى و كذلك في صحبة غير الأشكال و غير الجنس مثل صحبته لما يملكه من الدواب و الأشجار و ما يصحبه من ذلك و إن لم يملكه فإن رأى شجرة ذابلة لاحتياجها إلى الماء و إن لم يكن مالكها حاضرا و قدر على سقيها في صحبة تلك الساعة حيث استظل بها أو استند إليها طلبا لراحة من تعب أو وقف عندها ساعة لشغل طرأ له فهذه كلها صحبة و هو قادر على الماء فتعين عليه رعى حق الصحبة أن يسقيها لذلك لا لأجل صاحبها و لا طمعا فيما نثمر سواء أثمرت أو لم نثمر أو كانت مملوكة أو مباحة و كذلك الحيوانات المؤذية و غير المؤذية فإنه في كل ذي كبد رطبة أجر و قد وردت في ذلك أخبار نبوية من سقى البغي الكلب فشكر الله فعلها فغفر لها و كوالي بخارى و كان ظالما فوهبه الله لكلب أحسن في صحبته ثلاثة أيام فنودي كنت كلبا فوهبناك لكلب