قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الحادي و السبعون و مائة في معرفة مقام ترك الصحبة)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
من ترك الصحبة فهو الذي يراه من قيده الجاهل‏
و صحبة الحق على كنهه يحيلها العالم و العاقل‏
فهو مع العالم في أينه و ما له أين و لا حامل
فانظر إلى الحكمة في قوله إني مع الأكوان يا غافل‏

مشاهدة القلم الأعلى فيحصل له من هذا المشهد علم الولاية و من هنالك هو ابتداء مرتبة الخلافة و النيابة و من هناك دونت الدواوين و ظهر سلطان الاسم المدبر و المفصل و هو قوله يدبر الأمر يفصل الآيات و هذا هو علم القلم و يشاهد تحريك اليمنى إياه التحريك المعنوي اللطيف و من أين يستمد و أنه من ذاته له علم الإجمال و التفصيل و التفصيل يظهر بالتسطير و هو عين ذواته فلا افتقار له إلى معلم يستمد منه سوى خالقه عز و جل و كتابته نقش و لهذا تثبت فلا تقبل المحو و بهذا سمي اللوح بالمحفوظ يعني عن المحو فلو كانت كتابته مثل الكتابة بالمداد قبلت المحو كما يقبله لوح المحو في عالم الكون بالقلم المختص به الذي هو بين أصبعي الرحمن فيفرق من هذا المشهد بين الأقلام و الألواح و أنواع الكتبة و يعلم علم الأحكام و الإحكام و من هنا يعلم أنه لم يبق في الإمكان ما ينبغي أن يكون دليلا على الله إلا و قد ظهر من كونه دليلا و إن كثرت الأدلة فيجمعها كمالية الدلالة خاصة ثم ينظر عن يمين هذا المشهد فينظر إلى عالم الهيمان و هو العالم المخلوق من العماء ثم ينتقل إلى العماء و هو مستوي الاسم الرب كما كان العرش مستوي الرحمن‏ و العماء هو أول الأينيات و منه ظهرت الظروف المكانيات و المراتب فيمن لم يقبل المكان و قبل المكانة و منه ظهرت المحال القابلة للمعاني الجسمانية حسا و خيالا و هو موجود شريف الحق معناه و هو الحق المخلوق به كل موجود سوى الله و هو المعنى الذي ثبتت فيه و استقرت أعيان الممكنات و يقبل حقيقة الأين و ظرفية المكان و رتبة المكانة و اسم المحل و من عالم الأرض إلى هذا العماء ليس فيها من أسماء الله سوى أسماء الأفعال خاصة ليس لغيرها أثر في كون مما بينهما من العالم المعقول و المحسوس غير إن صاحب التابع الذي هو صاحب النظر لما تركه صاحبه بالسماء السابعة و رحل عنه امتدت منه رقيقة على غير معراج التابع ظهرت للتابع في الفلك المكوكب و فقدها في الجنة ثم ظهرت له في فلك البروج ثم فقدها أيضا في الكرسي و في العرش ثم ظهر له في مرتبة المقادير و في الجوهر المظلم ثم فقده في الطبيعة ثم ظهر له في النفس من جهة كونها نفسا لا من جهة كونها لوحا ثم ظهر له في العقل الإبداعي من كونه عقلا لا من كونه قلما ثم فارقه بعد ذلك فلم ير له عينا و من هذا العماء يبتدئ بالترقي و المعراج في أسماء التنزيه إلى أن يصل إلى الحضرة التي يشهد فيها إن التنزيه يحده و يشير إليه و يقيده و يستشرف على العالم بأسره المعنوي و الروحاني و الجسمي و الجسماني فلا يجد في مشهده ذلك ما ينبغي أن ينزه عنه من ظهر فيه و يرى ارتباطه به ارتباط المرتبة بصاحبها فلا يتمكن له التنزيه الذي كان يتخيله و لا يتمكن له التشبيه فإنه ليس ثم‏

بمن فما ثم إلا الله لا شي‏ء غير و ما ثم إلا وحدة الوحدات‏

ثم فارق أسماء الأفعال و تسلمته أسماء التنزيه فرأى صاحبه صاحب النظر يوافقه إلى أن وصل إلى الحضرة التي لا تقبل التنزيه و لا التشبيه فيتنزه عن الحد بنفي التنزيه و عن المقدار بنفي التشبيه فيفقد رفيقه صاحب النظر هنالك ثم ينقلب يطلب ما منه خرج فسلك به الحق تعالى طريقا غير طريقه الأولى و هو طريق لا يتمكن أن ينقال و لا يعرفه إلا من شاهده ذوقا و رجع صاحبه على معراجه ذلك إذ لم يكن تابعا إلى أن وصل إلى جسده فاجتمع مع رفيقه فبادر من حينه صاحب النظر إلى الرسول إن كان حاضرا أو لوارثه فيبايعه بيعة الايمان و الرضوان عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ و آية من نفسه و تلاه شاهِدٌ مِنْهُ و هو التابع فآمن بالله من حيث ما شرع له الايمان به لا من حيث دليله فوجد عنده و في قلبه نورا لم يكن يجده قبل ذلك فرأى في اللمحة الواحدة و هو في مكانه بذلك النور جميع ما رآه مع التابع في معراجه الأول و لم يقف بل ترقي مرقى التابع حتى بلغ العماء و الغاية القصوى و رأى الشي‏ء في الأشياء و رأى وجوب وجود ما أحال وجوده فكرة و عقلا و هو في مكانه ذلك لم يبرح و أعطى إكسير التكوين و رأى حشر الأجساد من طور إلى طور باختلاف حكم و لاختلاف دور فتغيرت الأشكال و تقلبت الأحوال و رأى ما قلناه في مثل ذلك‏

إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْحقيقة تصورت‏
فمن لها بها لهاإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ‏
تطلب بانكدارهاجبال صخر سيرت‏
تنظر في تسييرهاجحيم نار سعرت‏
سعرها موقدهالجنة قد أزلفت‏
يدخلها طائفةمن قبرها قد بعثرت‏
قلت لها ما تبتغيقالت وحوش حشرت
و إن ترى نفسي ماقد قدمت و أخرت‏

و لما أسلم صاحب النظر و آمن و رأى من مقامه جميع ما رآه التابع في معراجه مشاهدة عين سأل أن يرى مقام المجرمين و هم المستحقون تلك الدار التي دخلوها بحكم الاستحقاق و علموا إن العلم أشرف حلة و أن الجهل أقبح حلية و أن جهنم ليست بدار لشي‏ء من الخير كما إن الجنة ليست بدار لشي‏ء من الشر و رأى الايمان قد قام بقلب من لا علم له بما ينبغي لجلال الله و رأى العلم بجلال الله و ما ينبغي له قد قام بمن ليس عنده شي‏ء من الايمان و هذا العالم بعدم الايمان قد استحق دار الشقاء «و إن الجاهل» المؤمن قد استحق بالإيمان دار السعادة و الدرجات في مقابلة الدركات فسلب هذا العالم المستحق دار الشقاء علمه حتى كأنه ما علمه أو لم يعلم شيئا فيتعذب بجهله أشد منه من عذابه بحسه و هو أشده عليه فخلع علمه على هذا الجاهل المؤمن الذي دخل الجنة بإيمانه فنال المؤمن بذلك العلم الذي خلع عن هذا الذي استحق الإقامة بدار الشقاء درجة ما يطلبه ذلك العلم فيتنعم به نفسا و جسما و في الكثيب عند الرؤية و يعطي ذلك الكافر جهل هذا المؤمن الجاهل فينال بذلك الجهل درك ذلك من النار و تلك أشد حسرة تمر عليه فإنه يتذكر ما كان عليه من العلم و لا يعلم ذلك الآن و يعلم أنه سلبه و يكشف الله عن بصره حتى يرى مرتبة العلم الذي كان عليه في الجنان و يرى حلة علمه على غيره ممن لم يتعب في تحصيله و يطلب شيئا منه في نفسه فلا يقدر عليه و ينظر هذا المؤمن و يطلع على سواء الجحيم فيرى شر جهله على ذلك العالم الذي ليس بمؤمن فيزيد نعيما و فرحا فما أعظمها من حسرة و اتفق لي في هذه المسألة عجبا و ذلك أن بعض علماء الفلاسفة سمع مني هذه المقالة فربما أحالها في نفسه أو استخف عقلي في ذلك فاطلعه الله بكشف لم يشك فيه في نفسه بحيث أن تحقق الأمر على ما قلناه فدخل علي باكيا على نفسه و تفريطه و كانت لي معه صحبة فذكر لي الأمر و أناب و استدرك الفائت و آمن و قال لي ما رأيت أشد منها حسرة و تحقق قوله تعالى إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الْجاهِلِينَ و قوله فَلا تَكُونَنَّ من الْجاهِلِينَ فهذا قد جمع بين خطاب لطف و لين و عنف و شدة لأن الواحد شيخ فخاطبه باللطف و الآخر شاب فخاطبه بالشدة نفعنا الله بالعلم و جعلنا من أهله و لا يجعلنا ممن يسعى بخيره في حق غيره و يشقى آمين بعزته انتهى الجزء الثامن و مائة

(بسم الله الرحمن الرحيم)