اعلم أيدنا الله و إياك بروح القدس أن الله تعالى في نفسه وجل أن يعرفه عبده و استحال ذلك فلم يبقى لنا معلوم نطلبه إلا النسب خاصة أو أعيان الممكنات و ما ينسب إليها فالمعرفة تتعلق بأعيان الذوات من الممكنات و العلوم تتعلق بما ينسب إليها فتعلم الذوات و الأعيان بالضرورة من غير فكر و لا نظر بل النفس تدركها بما ركز الله فيها و تعلم النسب إليها و هو علم الإخبار عنها مما توصف به أو يحكم به عليها بالدليل النظري أو بالأخبار الاعتصامي بغير هذا لا يوصل إلى العلم بذلك و الأحكام و الأخبار غير متناهية الكثرة فتفرق الناظر فيها و لا يجمعها و أراد الحق من عباده أن يجمعهم عليه لا على تتبع هذه الكثرة حتى تعلم بل أباح لبعض عباده منها ما يتعلق العلم بها الذي يجمعه عليه و هو قوله في النظر في ذلك حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ فمن افترق في نفسه في جمع علوم لا ينظر فيها من حيث دلالتها على الحق حجبته عن موضع الدلالة التي فيها على الحق كعلوم الحساب و الهندسة و علوم الرياضات و المنطق و العلم الطبيعي فما منها علم إلا و فيه دلالة و طريق إلى العلم بالله و لكن أكثر الناس لا ينظر فيه من حيث طلبه ذلك الوجه الدال على الله فوقع الذم عليه و الحجاب عن هذه الدلالة ثم إن بعض الناس إذا نبهه الله على طلب موضع الدلالة من كل معلوم على الله فإن الله تعالى يفرقه في المعلومات و إن كان مطلوبه دلالتها على الله فلا نشك أن جمعه لهذه المعلومات التي هي محل نظره حجاب عن الله أي عن الوجه الذي ينبغي أن يعلم منه ما في وسع القابل من الله و ليس له طريق إلى ذلك إلا بأن يترك جميع المعلومات و جميع العالم من خاطره و يجلس فارغ القلب مع الله بحضور و مراقبة و سكينة و ذكر إلهي بالاسم الله ذكر قلب و لا ينظر في دليل يوصله إلى علمه بالله فإذا لزم الباب و أد من القرع بالذكر و هذه هي الرحمة التي يؤتيه الله من عنده أعني توفيقه و الهامة لما ذكرناه فتولى الحق تعليمه شهودا كما تولى أهل الله كالخضر و غيره فيعلمه من لدنه علما قال تعالى آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً من الوجه الخاص الذي بينه و بين الله و هو لكل مخلوق إذ يستحيل أن يكون للأسباب أثر في المسببات فإن ذلك لسان الظاهر كما قال في عيسى فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي لا ينفخك و النفخ سبب التكوين في الظاهر و التكوين ليس في الحقيقة إلا عن الأذن الإلهي و هذا وجه لا يطلع عليه من العبيد نبي مرسل و لا ملك مقرب من أحد و غاية العناية الإل ية بالشخص من ملك أو رسول أو ولي أن يوقفه الله من ذلك على الوجه الخاص به لا على وجه غيره كما قال الخضر لموسى ع أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنتلأنه كان من الوجهالخاص الذي من الله لعبده لا يطلع على ذلك الوجه إلا صاحبه إذا اعتنى الله به و ما من مخلوق إلا و له ذلك الوجه و يعلمه الله منه أمورا كثيرة و لكن لا يعرف بعض العبيد أنه أتاه ذلك العلم من ذلك الوجه و هو كل علم ضروري يجده لا يتقدم له فيه فكر و لا تدبر و صاحب العناية يعلم أن الله أعطاه ذلك العلم من ذلك الوجهثم قال له الخضر أيضا و أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا فإن كان موسى قد علم وجهه الخاص عرف ما يأتيه العلم من ذلك الوجه و إن كان لم يعلم ذلك فقد نبهه الخضر عليه ليسأل الله فيه فإذا علم الأشياء كلها من ذلك الوجه فهو ملازم لتلك المشاهدة و الشئون الإلهية و الأشياء تتكون عن الله و هو ينظر إليها فلا تشغله مع كثرة ما يشاهد من الكائنات في العالم و هو مقام الصديق في قوله ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله و ذلك لما ذكرناه من شهوده صدور الأشياء عن الله بالتكوين فهو في شهود دائم و التكوينات تحدث فما من شيء حادث يحدث عن الله إلا و الله مشهود له قبل ذلك الحادث و ما نبه أحد فيما وصل إلينا على هذا الوجه و ما يتكون منه في قلب المعتكف على شهوده إلا أبو بكر الصديق و لكن نحن ما أخذناه من تنبيه أبي بكر الصديق عليه لكوننا ما فهمنا عنه ما أراد و لا فكرنا فيه و إنما اعتنى الله بنا فيه ففاجأنا العلم به ابتداء و لم نكن نعرفه فأنكرنا ذلك و قلنا هذا من أين ففتح الله بيننا و بينه ذلك الباب فعلمنا ما لنا من الحق على الخصوص و عرفنا إن هذا هو الوجه الخاص الذي من الله عز و جل لكل كائن عنه فلزمته و استرحت و علامة من يدعيه لزوم الأدب الشرعي و إن وقعت منه معصية بالتقدير الإلهي الذي لا بد من نفوذه فإن كان يراها معصية و مخالفة للأمر المشروع فيعلم أنه من أهل هذا الوجه و إن كان يعتقد خلاف هذا فنعلم إن الله ما أطلعه قط على هذا الوجه الخاص و لا فتح له فيه و أنه شخص لا يعبأ الله به فإنه ما من أحد أعظم أدبا مع الشرع و لا اعتقادا حقيقيا فيه إنه الحق كما يعلمه العامي سواء إلا أهل هذا الوجه فإنهم يعلمون الأمور على ما هي عليه فيعلمون إن حظهم من هذا الأمر المشروع و التكليف و حظ الآتي به و هو الرسول و حظ العامة المخاطبين أيضا به على السواء لا فضل لأحدهم على الآخر فيه لأنه لذاته ورد لا لأمر آخر فالذي يحرم بالعموم في الخطاب المشروع على واحد يعم جميع المكلفين من غير اختصاص حتى لو قال بتحليل ذلك في حق شخص يتوجه عليه به لسان الذم في الظاهر كان كافرا عند الجميع و كان كاذبا في دعواه إنه من أهل هذا الوجه فإن أخص علوم هذا الوجه ما جاءت به الشرائع و لذلك قال رسول الله ص لما خطب الناس في حق علي بن أبي طالب إذ قيل له إنه يخطب ابنة أبي جهل على ابنته فاطمة!!! فقال ص إن اطمة بضعة مني يسوءني ما يسوءها و يسرني ما يسرها و أنه ليس لي تحريم ما أحل الله و لا تحليل ما حرم الله فمع معرفته بالوجه الخاص الإلهي لم يعطه إلا إبقاء ما هو محرم على تحريمه و ما هو محلل على تحليله فما حرم على علي نكاح ابنة أبي جهل إذ كان حلالا له ذلك و لكنه قال إن أراد ذلك يطلق ابنتي فو الله ما تجتمع بنت عدو الله و بنت رسول الله ص تحت رجل واحد و أثنى على زوج ابنته الأخرى خيرا فرجع علي بن أبي طالب عن ذلك فلو كان ذلك الوجه يعطي ما يزعم هذا المجادل أنه أعطاه لكان رسول الله ص أولى بذلك و ما فعل و له الكشف الأتم و الحكم الأعم و الحظ الأوفر إذ هو السيد الأكبر و لا بد لكل شخص من خصوص وصف ينفرد به يعطيه الله ذلك من ذلك الوجه و به يسعد الله في المال من يقال فيه إنه لا يسعد و لا تناله رحمة الله التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فإنها صدرت من وجوه الاختصاص فعمت العالم و الجاهل و الطائع و العاصي جعلنا الله ممن نالته في أحواله كلها فيلقي الله و لم يجر عليه لسان ذنب بعد معرفته بهذا الوجه و أحكام المجتهدين و جميع الشرائع من هذا الوجه الخاص صدورها و التعبير للرؤيا بالقوة من غير نظر في كتاب و لا استدلال من هذا الوجه الخاص يكون فمن أراد تحصيله فليلزم ما قررناه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السادس و التسعون و ثلاثمائة في معرفة منازلة من جمع المعارف و ال
ألا إلى الله تصير الأمورما أنت يا دنياي إلا غرور
أهل التقى لم يأمنوا كيدهامع التلقي فكيف أهل الفجور
لها صفات الحق في مكرهاو ما لنا في مكره من شعور
لو أنها تنصف في حالهاكانت لهم نعم البشير النذير
من صدقها في حالها أنهاأرت رحى الموت علينا تدور
و كان لي فيها و ما عندهاموعظة مذكرة للخبير
بها ينال العبد في كونهاكمال نعت الحق يوم النشور
و هو على النصف إذا ما مضىعنها و من يجحد هذا يجوز
ميزانها قام بها و الذييعلمه هو العليم القدير
كأحمد السبتي في الفعل إذملكه الله زمام الأمور
ما يظهر العبد بأسمائهإلا بها فهو المبين الغفور