قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و التسعون و ثلاثمائة في معرفة منازلة من وعظ الناس لم يعر

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الخلق ظل لذات الحق ليس لهكون يحققه علم و لا بصر
إن قام قام به أو سار سار بهفعينه ليس هو و كونه بشر
فأعجب له من وجود لا وجود لهو لو يزول لزال النفع و الضرر
هذا الذي قلته العقل يجهلهو ليس يدريه إلا الشمس و القمر
فالشمس أنثى و بدر التم إن نظرتعين التفكر فيه حاكم ذكر
فكان بينهما إلا بنا و ليس هماسواهما فاعتبر إن كنت تعتبر
عجبت من واحد في ذاته عددله الظهور و فيه الكون و الغير

اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن الله يقول سبحانه وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله و قال تعالى فيما أمر به نبيه ص في كتابه العزيز قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ و قال عز و جل أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ فمدار هذه المنازلة على هذه الثلاثة الآيات فالتذكر للعلماء الغافلين و الوعظ لا يكون للناس أجمعين و لهذا قال من وعظ الناس لم يعرفني فإنه إنما يعظهم بما يكون مني لا بي و كذلك من يخوفهم إنما يخوف بما يكون مني لا مني فالترغيب لا يجري مجرى الترهيب فإن الترغيب قد يكون في و الترهيب لا يكون إلا مما يكون مني لا مني و اليوم العقيم الذي لا ينتج زمانا مثله أي ليس بعده يوم يكون عنه لأن الأيام في الدنيا كل يوم هو ابن اليوم الذي قبله و هما توأمان ليلة و نهار فالليلة أنني و النهار ذكر فيتناكحان فيولد إن النهار و الليل اللذين يأتيان بعدهما و يذهبان الأبوان فإنهما لا يجتمعان أبدا و في غشيان الليل و النهار و إيلاج بعضهما في بعض يكون ولادة ما يتكون في كل واحد منهما من الأمور و الكوائن التي هي من شئون الحق فيكون الليل ذكرا و النهار أنثى لما يتولد في النهار من الحوادث و يكون النهار ذكرا و الليل أنثى لما يتولد في الليل من الحوادث و تكون الليلة أنثى و النهار ذكر الولادة التوأمين و هما اليوم الثاني و ليلته و الليل أصل و النهار منه كحواء من آدم ثم يقع النكاح و النتاج «فصل» في الواحدة التي يعظ بها الواعظ و هي أن يقوم من أجل الله إذا رأيت من فعل الله في كونه ما أمرك أن تقوم له فيه إما غيرة و إما تعظيما فقوله في القيام مثنى بالله و برسوله فإنه من أطاع الرسول فَقَدْ أَطاعَ الله فقمت لله بكتاب أو سنة لا تقوم عن هوى نفس و لا عيرة طبيعية و لا تعظيم كوني و فرادي إما بالله خاصة أو لرسوله خاصة كما قال ص لا أرى أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الحديث عني فيقول اتل به علي قرآنا إنه و الله لمثل القرآن أو أكثر فقوله أكثر في رفع المنزلة فإن القرآن بينه و بين الله فيه الروح الأمين و الحديث من الله إليه و معلوم أن القرب في الإسناد أعظم رتبة من البعد فيه و لو بشخص واحد ينقص من الطريق و ذلك لأنه ينقص حكمه فيه فإنه لا بد أن يكتسب الخبر صورة من المبلغ فلا يبقى على ما هو عليه في الأصل الذي ينقل عنه و لا يكون في الصدق في قول المخبر هذا كلام فلان مثل من ينقله عنه أو يسمعه منه و ذلك لتبدل اللغة و اللسان فيه فإن الترجمان لا ينقل عين ما تكلم به من ينقل عنه و إنما يتكلم في نقله بما فهمه منه و إذا كنت أنت الذي تنقل عنه كنت في طبقته و قد تفهم منه أمرا لم يفهمه منه المترجم لك عنه فبهذا كان الحديث أكثر من القرآن و غايته أن يكون إذا نزل عن هذه الطبقة مثله و ما عدلرسول الله ص إلى الأكثرية إلا و الأمر أكثر بلا شك و إنما قلنا في القرآن إنه بواسطة لقوله تعالى نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ و قوله قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ من رَبِّكَ و قوله وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ من قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً بما يكون من الله إليه برفع الواسطة و هو الحديث الذي لا يسمى قرآنا فلا ينبغي لواعظ أن يخرج في وعظه عن الكتاب أو السنة و لا يدخل في هذه الطوام فينقل عن اليهود و النصارى و المفسرين الذين ينقلون في كتب تفاسيرهم ما لا يليق بجناب الله و لا بمنزلة رسل الله ع كما روينا عن منصور بن عمار أنه رآه إنسان بعد موته و كان من الواعظين فقال له يا منصور ما لقيت فقال أوقفني الحق بين يديه و قال إلي يا منصور بم تقربت إلي فقلت له كنت أعظ الناس و أذكرهم فقال يا منصور بشعر زينب و سعاد تطلب القرب مني و تعظ عبادي و ذكر لي أشعارا كنت أنشد بها على المنبر مما قاله أهل المحبة في محبوباتهم فشدد علي ثم قال إن بعض أوليائي حصر مجلسك فقلت في ذلك المجلس اللهم اغفر لأقسانا قلبا و أجمدنا عينا فقال ذلك الولي الذي حضر عندك اللهم اغفر لمن هذه صفته فاطلعت فلم أر أجمد عينا و لا أقسى قلبا منك فاستجبت فيك دعاء وليي فغفرت لك فلا ينبغي أن ينشد واعظ في مجلسه إلا الشعر الذي قصد فيه قائله ذكر الله بلسان التغزل أو بغيره فإنه من الكلام الذي يقوله أهل الله فهو حلال قولا و سماعا فإنه مما ذكر اسم الله عليه و لا ينبغي أن ينشد في حق الله شعرا قصد به قائله في أول وضعه غير الله نسيبا كان أو مديحا فإنه بمنزلة من يتوضأ بالنجاسة قربة إلى الله فإن القول في المحدث حدث بلا شك و قد نبه الله في كتابه على هذه المنزلة بقوله وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ و قوله وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ و قال حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ الله به و الشعر في غير الله مما أهل لغير الله به فإنه للنية أثر في الأشياء و الله يقول وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و الإخلاص النية و هذا الشارع ما نوى في شعره إلا التغزل في محبوبه و المديح فيمن ليس له بأهل لما شهد به فيه و لقد كتب إلي شخص من إخواني بكتاب يعظمني فيه بحيث أن لقبني فيه بثلاثة و ستين لقبا فكتبت له سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ و ذكرت له مع هذا في جواب كتابه إن رسول الله ص قال لا أزكي على الله أحدا و لكن يقول أحسبه كذا و أظنه كذا و يقول الله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى فلو نوى جانب الحق هذا القائل ابتداء في أي صورة شاء ربما كان ذلك القول قربة إلى الله فإن الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى فإن الله مطلع على ما في نفس الإنسان و لله يوم تبلى فيه السرائر و كل ما كان قربة إلى الله شرعا فهو مما ذكر اسم الله عليه و أهل به لله و إن كان بلفظ التغزل و ذكر الأماكن و البساتين و الجوار و كان القصد بهذا كله ما يناسبها من الاعتبار في المعارف الإلهية و العلوم الربانية فلا بأس و إن أنكر ذلك المنكر فإن لنا أصلا نرجع إليه فيه و هو أن الله تعالى يتجلى يوم القيامة لعباده في صورة ينكر فيها حتى يتعوذوا منها فيقولون نعوذ بالله منك لست ربنا و هو يقول أنا ربكم و هو هو تعالى و هنا سر في تجليه فابحث عليه في معرفة العقائد و اختلافها كذلك هذه الألفاظ و إن كان صورة المسمى فيها في الظاهر غير الله و هو خلاف ما نواه القائل فإن الله ما يعامله إلا بما نواه في ذلك و تدل عليه أحوال القائل كما قيل ينظر إلى القول و قائله يريدون و حال قاتله ما هو فإن كان وليا فهو الولاء و إن خشن و إن كان عدوا فهو البذاء و إن حسن كما نذكر نحن في أشعارنا فإنها كلها معارف إلهية في صور مختلفة من تشبيب و مديح و أسماء نساء و صفاتهن و أنهار و أماكن و نجوم و قد شرحنا من ذلك نظما لنا بمكة سميناه ترجمان الأشواق و شرحناه في كتاب سميناه الذخائر و الأغلاق فإن بعض فقهاء حلب اعترض علينا في كوننا ذكرنا أن جميع ما نظمناه في هذا الترجمان إنما المراد به معارف إلهية و أمثالها فقال إنما فعل ذلك لكونه منسوبا إلى الدين فما أراد أن ينسب إليه مثل هذا الغزل و النسيب فجزاه الله خيرا لهذه المقالة فإنها حرمت دواعينا إلى هذا الشرح فانتفع به الناس فأبدينا له و لأمثاله صدق ما نويناه و ما ادعيناه فلما وقف على شرحه تاب إلى الله من ذلك و رجع و لو رأينا رجلا ينظر إلى وجه امرأة و هو خاطب لها و نحن لا نعرف أنه خاطب و كنا منصفين في الأمر لم نقدم على الإنكار عليه إذا جهلنا حاله حتى نسأله ما دعاه إلى ذلك فإن قال أو قيل لنا إنه خاطب لها أو هو طبيب و بها مرض يستدعي ذلك المرض نظر الطبيبإلى وجهها علمنا أنه ما نظر إلا إلى ما يجوز له النظر إليه فيه بل نظره عبادة لو ورد الأمر من الرسول ص في ذلك و لا ينكر عليه ابتداء مع هذا الاحتمال فليس الإنكار عليه من المنكر بأولى من الإنكار على المنكر في ذلك مع إمكان وجود هذه الاحتمالات إذ لا تصح المنكرات إلا بما لا يتطرق إليها احتمال و هذا يغلط فيه كثير من المتدينين لا من أصحاب الدين فإن أصحاب الدين المتين أول ما يحتاط على نفسه و لا سيما في الإنكار خاصة فإن للمغير شروطا في التغيير فإن الله ندبنا إلى حسن الظن بالناس لا إلى سوء الظن بهم فلا ينكر صاحب الدين مع الظن و قد سمع إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ فلعل هذا من ذلك البعض و إثمه أن ينطق به و إن وافق العلم في نفس الأمر فإن الله يؤاخذه بكونه ظن و ما علم فنطق فيه بأمر محتمل و لم يكن له ذلك و سوء الظن بنفس الإنسان أولى من سوء ظنه بالغير لأنه من نفسه على بصيرة و ليس هو من غيره على بصيرة فلا يقال فيه في حق نفسه إنه سيئ الظن بنفسه لأنه عالم بنفسه و إنما قلنا فيه إنه يسيء الظن بنفسه اتباعا لسوء ظنه بغيره فهو من تناسب الكلام و له وجه في الحقائق الشرعية فإنه بالنظر إلى نفسه ليس هو في فعله ما ينكره على نفسه على الحقيقة عالما بأنه في فعله ذلك على منكر يعلمه بل هو على ظن فسوء الظن بنفسه أولى و ذلك أن لله عبادا قد قال لهم الله افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم فما فعلوا إلا ما أباح الشرع لهم فعله و إن لم يعلموا أنهم ممن خوطبوا بذلك و هو في الحديث الصحيح فما فعل إلا ما هو مباح عند الله و هو لا علم له بذلك فهو عند الله بهذه المثابة فلهذا قلنا سوء الظن بنفسه إذ لم يكن فيها على بصيرة على الحقيقة مع هذا الاحتمال من جانب الحق و قد جعل الله لمن هذه صفته علامة يعرف بها نفسه أنه من أولئك القوم و لا يشك بالعلم الشرعي الصحيح أن حرمة نفس الإنسان عليه عند الله أعظم من حرمة غيره بما لا يتقارب و إنه من قتل نفسه أعظم في الجرم ممن قتل غيره و أن صدقته على نفسه أعظم في الأجر من صدقته على غيره فالعالم الصالح من استبرأ لدينه في كل أحواله في حق نفسه و في حق غيره و إلى الآن ما رأيت أحدا من أهل الانتماء إلى الدين و إلى العلم على هذا القدم فالحمد لله الذي وفقنا لاستعماله و حال بيننا و بين إهماله و لو لا ما في ذكر هذا من المنفعة لعباد الله و النصيحة لهم ما بسطنا القول فيه هذا البسط و إن كان الفصل يقتضيه فإنه فصل المواعظة و الله يقول لنبيه ص فيما أنزله عليه ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ مثل هذه التي ذكرناها فإنها وصية منها إلى عباد الله جمعت بين الحكمة لأنا أنزلناها منزلتها و بين الحكم و الحكيم من ينزل الأمر منزلته و لا يتعدى به مرتبته و أما الموعظة الحسنة فهي الموعظة التي تكون عند المذكر بها عن شهود فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فكيف بمن حقق أنه يراه فإن ذلك أعظم و أحسن و قد يكون قوله مَثْنى يريد به التعاون في القيام لله تعالى في ذلك الأمر و صورة التعاون فيه إن الشرع في نفس الأمر قد أنكر هذا الفعل ممن صدر عنه عليه فينبغي للعالم المؤمن أن يقوم مع المشرع في ذلك فيعينه فيكون اثنان هو و الشرع وَ فُرادى أن يكون هذا المنكر لا يعلم أنه معين للشرع في إنكاره و وعظه فيقول قد انفردت بهذا الأمر و ما هو إلا معين للشرع و للملك الذي يقول بلمته للفاعل لا تفعل إذ يقول له الشيطان بلمته افعل فيكون مع الملك مثنى فإن الملك مكلف بأن ينهى العبد الذي قد ألزمه الله به أن ينهاه فيما كلفه الله به أن ينهاه عنه فيساعده الإنسان على ذلك فيكون ممن قام لله في ذلك مثنى و قد يكون معينا للشارع و هو الرسول ع فهو الذي أنكر أولا هذا الفعل على فاعله و تقدم في الوعظ في ذلك فيكون هذا الإنسان الواعظ مع وعظ الرسول المتقدم مثنى كما سأل بعض الناس رسول الله ص أن يجعله رفيقه في الجنة فقال له رسول الله ص أعني على نفسك بكثرة السجود فطلب منه العون فقد قاما في ذلك مثنى هو و رسول الله ص قال تعالى وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى و قال اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ فشرك نفسه مع عبده في الفعل و ما لا يفعله الله إلا بالأدلة فهو من هذا الباب و لا يعلم ذلك إلا العالم بأسرار الله و ما هي الحقائق عليه فلا تغفل عن هذا النفس و كن المعين لمن ذكرت لك تحمد عاقبتك و يحصل لك سهم في الإعانة مع المعين يقول العبد وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فيقول الحق هذه بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل فتبين قوله تعالى هذه بيني و بين عبدي فهي لله و له في حكم الإعانة إذا أراد الله وجود الصلاة فلا بد من استعداد المحل الذي به ظهور الصلاة فافهم «فصل» في قوله تعالى وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله و أما تذكيره بأيام الله فهي أيام الأنفاس على الحقيقة فإنها أقل ما ينطلق عليه اسم يوم فهو أن تذكره بقوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ فتلك أيام الله و أنت في غفلة عنها و تدخل في مضمون قوله تعالى إِنَّ في ذلِكَ إشارة إلى قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ مع غير ذلك لعبرة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أي لمن له فطنة بالتقلب في الأحوال أو تقلب الأحوال عليه فيعلم من ذلك شئون الحق و حقائق الأيام التي الحق فيها في شأن فالشأن واحد العين و القوابل مختلفة كثيرة يتنوع فيها هذا الشأن بتنوعها و اختلافها فهو من الله واحدة و في صور العالم كثيرة كالصورة الواحدة في المرايا الكثيرة و الظلالات الكثيرة من الشخص الواحد للسرج المتعددة هكذا الأمر أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ لما يتلى عليه من قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و أمثاله وَ هُوَ شَهِيدٌ من نفسه تقلب أحواله فيكون على بصيرة في ذلك من الله فهذه أيام الله التي ينبغي أن يذكر العبد بها إلى أمثال ذلك من أيام الله و هي أيام النعم و أيام الانتقام التي أخذ الله فيها المقرون الماضية و اعلم أن البلايا أكثر من النعم في الدنيا فإنه ما من نعمة ينعمها الله على عباده تكون خالصة من البلاء فإن الله يطالبه بالقيام بحقها من الشكر عليها و إضافتها إلى من يستحقها بالإيجاد و أن يصرفها في الموطن الذي أمره الحق أن يصرفها فيه فمن كان شهوده في النعم هذا الشهود متى يتفرغ للالتذاذ بها و كذلك في الرزايا هي في نفسها مصائب و بلايا و يتضمنها من التكليف ما يتضمنه النعم من طلب الصبر عليها و رجوعه إلى الحق في رفعها عنه و تلقيها بالرضى أو الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى بالله إلى غير الله و هذا غاية الجهل بالله لأنك تشكو بالقوي إلى الضعيف لما تجد في حال الشكوى من الراحة مع كونك تشتكي إلى غير مشتكى لأنك تعلم أنه ما بيده شيء و لا يقدر على رفع ما نزل بك إلا من أنزله و قد علمت أن الدار دار بلاء لا يخلص فيها النعيم عن البلاء وقتا واحدا و أقله طلب الشكر من المنعم بها عليها و أي تكليف أشق منه على النفس و لذلك قال تعالى وَ قَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ لجهلهم بالنعم إنها نعم يجب الشكر عليها يؤيد ما قلناه قوله تعالى إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ في حق راكب البحر إذا اشتد الريح عليه و برد فيما فيها من النعمة يطلب منه الشكر عليها و بما فيها من الشدة و الخوف يطلب منه الصبر فافهم و تدبر كلام الله تغنم و ما أنزله الله إلا تذكرة للبيب كما قال لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ و لا تكن ممن ليس له منه نصيب إلا البلاغ «فصل» في اليوم العقيم و العقيم ما يوجب أن لا يولد منه فلا تكون له ولادة على مثله و سمي عقيما لأنه لا يوم بعده أصلا و هو من يوم الأسبوع يوم السبت و هو يوم الأبد فنهاره نور لأهل الجنة دائم لا يزال أبدا و ليلة ظلمة على أهل النار لا يزال أبدا و لهذا يموتون أهل الكبائر فيها الذين يخرجون منها بعد العقوبة إلى الجنة إذ لا خلود في النار إلا لأهلها الذين هم أهلها يقول رسول الله ص أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها و لا يحيون و لكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتهم الله فيها إماتة الحديث و هو صحيح فينامون فيها نومة حتى لا يحسوا بالنار إذا مستهم عند ما تتسلط على آلات المعاصي بالأكل و هي الجوارح و الايمان يمنع من تخلصها إلى القلب فهذه عناية التوحيد الذي كان في قلوبهم فعلم التوحيد يميتهم في النار موتة النائم في حال نومه و الايمان على باب النار ينتظرهم حتى إذا بعثهم الله من تلك النومة و هم قد صاروا فحما أخرجهم سبحانه فغمسهم في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة تكون في حميل السيل ثم يدخلون الجنة فلا يبقى في النار من علم إن الله إله واحد في الدنيا جملة واحدة و لأهل الجنة في الجنة مقادير يعرفون بها انتهاء مدة طلوع الشمس إلى غروبها في الدنيا و إن لم يكن في الجنة شمس فالحركة التي كانت تسير بالشمس فيظهر من أجلها طلوعها و غروبها موجودة في الفلك الأطلس الذي على الجنة و هو سقفها و الحركة بعينها فيه موجودة و لأهل الجنة كشف و رؤية إلى المقادير التي فيه المعبر عنها بالبروج فإن ذلك الفلك هو السماء الذي أقسم الله به في قوله وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ فيعلمون بها حد ما كان عليهم في الدنيا مما يسمى بكرة و عشيا و كان لهم في هذا الزمان في الدنيا حالة تسمى الغداء و العشاء فيتذكرونها هنالك فيأتيهم الله عند ذلك برزق يرزقهم فيها كما قال لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا و هو رزق خاص في وقت خاص معلوم عندهم و ما عدا ذلك فأكلها دائم لا ينقطع و الدوام في الأكل إنما هو عين النعيم بما يكونبه الغذاء للجسم و لكن لا يشعر به كثير من الناس إلا العلماء بعلم الطبيعة و ذلك أعني صورة قوله أُكُلُها دائِمٌ إن الإنسان إذا أكل الطعام حتى يشبع فذلك ليس بغذاء و لا بأكل على الحقيقة و إنما هو كالجاني الجامع مع المال في خزانته و المعدة خزانة لما جمعه هذا الآكل من الأطعمة و الأشربة فإذا جعل فيها أعني في خزانة معدته و ما اختزنه فيها و رفع يده حينئذ تتولاها الطبيعة بالتدبير و ينتقل ذلك الطعام من حال إلى حال و يغذيه بها في كل نفس يخرج عنه دائما فهو لا يزال في غذاء دائم و لو لا ذلك لبطلت الحكمة في ترتيب نشأة كل متغذ و الله حكيم فإذا خلت الخزانة حرك الطبع الجابي إلى تحصيل ما يملؤها به فلا يزال الأمر هكذا دائما أبدا فهكذا صورة الغذاء في المتغذي فالتغذي في كل نفس دنيا و آخرة و كذلك أهل النار و قد وصفهم الله بالأكل و الشرب فيها على هذا الحد إلا أنها دار بلاء فيأكلون عن جوع و يشربون عن عطش و أهل الجنة يأكلون و يشربون عن شهوة لالتذاذ لا عن جوع فإنهم ما يتناولون الشيء المسمى غذاء إلا عن علم بأن الزمان الذي كان الاختزان فيه قد فرغ ما كان مختزنا فيه فيسارع إلى الطبيعة بما تدبره فلا يزال في لذة و نعيم لا يحوج الطبيعة إلى طلب و حاجة للكشف الذي هم عليه كما إن أهل النار في الحجاب فلا يعلمون هذا القدر فيجوعون و يظمئون لأن المقصود منهم أن يتألموا فتبين لك أنه لا لذة إلا العلم و لا ألم إلا الجهل و الشمس مكورة قد نزع نورها في أعينهم طالعة على أهل النار و غاربة كما تطلع على أهل الدنيا في حال كسوفها و كذلك القمر يسبحان و جميع الدراري على صورة سباحتهم الآن في أفلاكهم لكنها مطموسة في أعينهم فعلى ما هو الأمر في نفسه هم الذين طمس الله أعينهم إذ شاء عن إدراك الأنوار التي في المنبرات فالحجاب على أعينهم كما نعلم أن الشمس هنا في حال كسوفها ما زال نورها منها و إنما القمر حجبها عنا و لو لم يكن كذلك ما عرف أهل التعاليم متى يكون الكسوف و كم يذهب منها في الكسوف عن أعيننا و يقع ذلك على ما ذكروه فلو كان من الأمور التي لا تجري على مقادير موضوعة و موازين محكمة قد أعلمها الله من و فقه لطلب مثل هذا العلم ما علمه و هذا لا يقدح في قولنا إن الشمس قد كسفت أو قد زال نورها عن إدراك أعيننا فإن هذا القدر و هذه الصورة ما ثم من يمنعنا أن نصطلح على أن نطلق عليها اسم كسوف و خسوف و تكوير و طمس فيشهد أهل النار أجرام السيارة طالعة عليهم و غاربة و لا يشهدون لها نورا لما في الدخان من التطفيف فكما كانوا في الدنيا عمياء عن إدراك أنوار ما جاءت به الشرائع من الحق كذلك هم في النار عمي عن إدراك أنوار هذه السيارة و غيرها من الكواكب وَ من كانَ في هذِهِ أَعْمى فَهُوَ في الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا و إنما كان أضل سبيلا فإنه في الدنيا يجد من يرشده إلى الطريق و لكن لا يسمع و في النار ما يجد من يرشده إلى الطريق فإنه ما ثم طريق لكن يجد من يندمه على ما فاته ليزيده حسرة إلى حسرته و عذابا إلى عذابه فليل أهل النار لا صباح له و نهار أهل الجنة لا مساء له أي لا ليل فيه فمن وعظ الناس في عقده طلبا منه بذلك أن ينفع الناس في عقده فما عرف الله بخلاف المذكر فإنه يذكر و يعظ بما عنده و يعلم أن من السامعين من يكون له ذلك الوعظ شفاء و دواء و من الناس من يزيده مرضا إلى مرضه كما قال تعالى وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ و هي واحدة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بورود العافية عليهم وَ أَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ و السورة واحدة و المزاج مختلف فلا يعرف حقيقة هذه الآية إلا الأطباء الذين يعلمون أن العقار الفلاني فيه شفاء لمزاج خاص من مرض خاص و هو داء و علة لمزاج خاص و زيادة مرض في مرض خاص فالطبيب أحق الناس علما بهذه الآية و كذلك طبيب القلوب فيما يؤمنها و يخيفها فالحكيم هو الذي يأتي إلى العليل من ما منه و يظهر له بصورة من يعتقد فيه ليستدرجه إلى صورة الحق بالحق الذي يليق به و لكن وقع الأمر الإلهي في العالم بخلاف هذا لأن مشيئة الله تعلقت بأن الله لا يجمعهم على الهدى و أما الطريق في ذلك فمعلوم عند الله و عند أهله لا يشكون فيه فإن الذي يعتقد في مخلوق ما من حجر أو نبات أو حيوان أو كوكب إنه إلهه و هو يعبده و يخاطبه ذلك الإله المشهود له على الكشف بما هو الحق عليه يرجع إلى قوله لاعتقاده فيه كما يرجع إلى قوله في الآخرة و يتبرأ منه كما تبرأ إلهه منه و الله قادر على أن ينطقه في الدنيا بذلك في حق من يعبده لكن العلم السابق و المشيئة الإلهية منعا من ذلك ليكون الخلاف في العالم فجرى الأمر على ذلك في الدنيا و بعضالآخرة و يرجع الأمر إلى حكم أخذ الميثاق بالرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ