اعلم أيدك الله أن أصل أرواحنا روح محمد ص فهو أول الآباء روحا و آدم أول الآباء جسما و نوح أول رسول أرسل و من كان قبله إنما كانوا أنبياء كل واحد على شريعة من ربه فمن شاء دخل في شرعه معه و من شاء لم يدخل فمن دخل ثم رجع كان كافرا و من لم يدخل فليس بكافر و من أدخل نفسه في الفضول و كذب الأنبياء كان كافرا و من لم يفعل و بقي على البراءة لم يكن كافرا و أما قوله تعالى وَ إِنْ من أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ليس بنص في الرسالة و إنما هو نص في إن في كل أمة عالما بالله و بأمور الآخرة و ذلك هو النبي لا الرسول و لو كان الرسول لقال إليها و لم يقل فيها و نحن نقول إنه كان فيهم أنبياء عالمون بالله و من شاء وافقهم و دخل معهم في دينهم و تحت حكم شريعتهم كان و من لم يشأ لم يكلف ذلك و كان إدريس ع منهم و لم يجيء له نص في القرآن برسالته بل قيل فيه صِدِّيقاً نَبِيًّا فأول شخص استفتحت به الرسالة نوح ع و أول روح إنساني وجد روح محمد و أول جسم إنساني وجد جسم آدم و للوارثة حظ من الرسالة و لهذا قيل في معاذ و غيره رسول رسول الله و ما فاز بهذه الرتبة و يحشر يوم القيامة مع الرسل إلا المحدثون الذين يروون الأحاديث بالأسانيد المتصلة بالرسول ع في كل أمة فلهم حظ في الرسالة و هم نقلة الوحي و هم ورثة الأنبياء في التبليغ و الفقهاء إذا لم يكن لهم نصيب في رواية الحديث فليست لهم هذه الدرجة و لا يحشرون مع الرسل بل يحشرون في عامة الناس و لا ينطلق اسم العلماء إلا على أهل الحديث و هم الأئمة على الحقيقة و كذلك الزهاد و العباد و أهل الآخرة من لم يكن من أهل الحديث منهم كان حكمه حكم الفقهاء لا يتميزون في الوراثة و لا يحشرون مع الرسل بل يحشرون مع عموم الناس و يتميزون عنهم بأعمالهم الصالحة لا غير كما أن الفقهاء أهل الاجتهاد يتميزون بعلمهم عن العامة و من كان من الصالحين ممن كان له حديث مع النبي ص في كشفه و صحبه في عالم الكشف و الشهود و أخذ عنه حشر معه يوم القيامة و كان من الصحابة الذين صحبوه في أشرف موطن و على أسنى حالة و من لم يكن له هذا الكشف فليس منهم و لا يلحق بهذه الدرجة صاحب النوم و لا يسمى صاحبا و لو رآه في كل منام حتى يراه و هو مستيقظ كشفا يخاطبه و يأخذ عنه و يصحح له من الأحاديث ما وقع فيه الطعن من جهة طريقها فهؤلاء الآباء الثلاثة هم آباؤنا فيما ذكرناه و الأب الرابع هو إبراهيم ع هو أبونا في الإسلام و هو الذي سمانا مسلمين و أقام البيت على أربع أركان فقام الدليل على أربع مفردات متناسبة و كانت النتيجة تناسب المقدمات فانظر من كانت هذه مقدماته و هو محمد و آدم و نوح و إبراهيم ع ما أشرف ما تكون النتيجة و الولد عن هؤلاء الآباء روح طاهر و جسد طاهر و رسالة و شرع طاهر و اسم شريف طاهر و من كان أبو هؤلاء المذكورين فلا أسعد منه و هو أرفع الأولياء منصبا و مكانة و لما كانت النشأة ظهرت في الجنان أو لا و اتفق هبوطها إلى الأرض من أجل الخلافة لا عقوبة المعصية فإن العقوبة حصلت بظهور السوآت و الاجتباء و التوبة قد حصلا بتلقي الكلمات الإلهية فلم يبق النزول إلا للخلافة فكان هبوط تشريف و تكريم ليرجع إلى الآخرة بالجم الغفير من أولاده السعداء من الرسل و الأنبياء و الأولياء و المؤمنين و لكن الخلافة لما كانت ربوبية في الظاهر لأنه يظهر بحكم الملك فيتصرف في الملك بصفات سيده ظاهرا و إن كانت عبوديته له مشهودة في باطنه فلم تعم عبوديته جميعه عند رعيته الذين هم أتباعه و ظهر ملكه بهم و بأتباعهم و الأخذ عنه فكان في مجاورتهم بالظاهر أقرب و بذلك المقدار يستتر عنه من عبوديته فإن الحقائق تعطي ذلك و لذلك كثيرا ما ينزل في الوحي على الأنبياء قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ و هذه آية دواء لهذه العلة فبهذا المقدار كانت أحوال الأنبياء الرسل في الدنيا البكاء و النوح فإنه موضع تتقي فتنته و من كان ذلك حاله أعني التقوى و الاتقاء كيف يفرح أو يلتذ من يتقي فإن تقواه و حذره و خوفه أن لا يوفي مقام التكليف حقه و علمه بأنه مسئول عنه لا يتركه يفرح و لا يسر بعزة المقام قال ص أنا أتقاكم لله و أعلمكم بما اتقى حين قالت له الصحابة في اجتهاده قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر بعد قوله المنزل عليه لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و أمثال هذا و قال إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ و قال اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ و قال فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ و اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله و هذا هو حظ الوراثة من النبوة أن يتولى الله تعليم المتقي من عباده فيقرب سنده فيقول أخبرني ربي بشرع نبيه الذي تعبده به ممن أخذه أوحى به إليه فهو عال في العلم تابع في الحكم و هم الذين ليسوا بأنبياء و تغبطهم الأنبياء ع في هذه الحالة لأنهم اشتركوا معهم في الأخذ عن الله و كان أخذ هذه الطائفة عن الله بعد التقوى بما عملوا عليه مما جاءهم به هذا الرسول فهم و إن كانوا بهذه المثابة و أنتج لهم تقواهم الأخذ عن الله في موازين الرسل و تحت حوطتهم و في دائرتهم و وقع الاغتباط في كونهم لم يكونوا رسلا فبقوا مع الحق دائما على أصل عبودية لم تشبها ربوبية أصلا فمن هنا وقع الغبط لراحتهم و إن كانت الرسل أرفع مقاما منهم أ لا تراهم يوم القيامة لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ و لا يداخلهم خوف البتة و الرسل في ذلك اليوم في غاية من شدة الخوف على أممهم لا على أنفسهم و الأمم في الخوف على أنفسهم و هؤلاء في ذلك اليوم لا أثر للخوف عندهم فإنهم حشروا إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ثم لتعلم بعد أن عرفتك بعلو منصبك أيها الصديق في اتباع ما شرع لك إن الناس غلطوا في الصادقين من عباد الله المثابرين على طاعة الله و اشترط من لا يعرف الأمر على ما هو عليه و لا ذاق طريق القوم إن الداعي إلى الله إذا كان يدعو إلى الله بحالة صدق مع الله أثر في نفوس السامعين القبول فلا ترد دعوته و إذا دعا بلسانه و قلبه مشحون بحب الدنيا و أغراضها و كان دعاؤه صنعة لم يؤثر في القلوب و لا تعدى الآذان فيقولون إن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب و إذا خرج من اللسان لم يتعد الآذان و هذا غاية الغلط فو الله ما من رسول دعا قومه إلا بلسان صدق من قلب معصوم و لسان محفوظ كثير الشفقة على رعيته راغب في استجابتهم لما دعاهم إليه هذه أحوال الرسل في دعائهم إلى الله تعالى و صدقهم و مع هذا يقول ص إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً و قال تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ و قال إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ و قال ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ فلو أثر كلام أحد في أحد لصدقه في كلامه لأسلم كل من شافهه النبي ع بالخطاب بل كذب و رد الكلام في وجهه و قوتل فإن لم يكن لله عناية بالسامع بأن يجعل في قلبه صفة القبول حتى يلقي بها النور الإلهي من سراج النبوة كما وصفه تعالى وَ سِراجاً مُنِيراً أ لا ترى الفتيلة إذا كان رأسها يخرج منه دخان و هي غير مشتعلة فإذا سامتت بذلك الدخان السراج اشتعل ذلك الدخان بما فيه من الرطوبة و تعلق فيه النور من السراج و نزل على طريقه حتى يستقر في رأس الفتيلة التي انبعث منها ذلك الدخان إلى السراج فتشعل الفتيلة و تلحق برتبة السراج في النورية فإن كانت لها مادة دهن و هي العناية الإلهية بقيت مستنيرة ما دام الدهن يمدها و ذلك النور يذهب برطوبات ذلك الدهن الذي به بقاؤه و لم يبق معه للسراج حديث بعد أن ظهر فيه النور و بقي الإمداد من جانب الحق فلا يدري أحد ما يصل إليه فإن الأنبياء ما دعت لا نفسها الناس و إنما دعتهم إلى ربها فأي قلب اعتنى الله به و قام به حرقة الشوق إلى ذلك الدعاء مثل احتراق رأس الفتيلة ثم انبعث من هذا الشوق همة إلى ما دعاه إليه الرسول في كلامه مثل انبعاث الدخان من تلك النارية التي في رأس الفتيلة و هي قوة جاذبة فجذبت من نور النبوة و الوحي و الهداية ذلك الاشتعال الذي قام بالدخان فرجع به إلى قلب صاحبه فاهتدى و استنار كما اتقدت هذه الفتيلة ثم فارق النبي و مشى إلى أهله نورا فإن اعتنى الله به و أمده بتوفيقه ثبت له في قلبه نور الهداية بذاك الإمداد و لم يبق للرسول بعد ذلك معه شغل إلا بتعيين الأحكام إلا إن ذلك النور و هو نور الايمان ما كُنْتَ تَدْرِي ما الْكِتابُ وَ لا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي به من نَشاءُ من عِبادِنا قال ع عن ربه أَدْعُوا إِلَى الله و لم يقل ادعوا لي نفسي و إلى حرف موضوع للغاية فإذا أجاب المؤمن مشى إلى ربه على الطريقة التي شرع له هذا الرسول فلما وصل إلى الله تلقاه الحق تلقي إكرام و هبات و منح و عطايا فصار يدعو إلى الله على بصيرة كما دعا ذلكالرسول و هو قوله حين قال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي فأخبر أن من اتبعه يدعو إلى الله أيضا على بصيرة فإن كنت عارفا بمواقع الخطاب الإلهي و تنبيهاته و إشاراته فقد عرفك بحالك مع رسوله ص و بحالك معه و قد جعلك على صورة نبيه ص في نوره و إمداده و أبان لك أن صورتك معه في هذا الأمر صورته أيضا مع جبريل ع الذي اتقدت فتيلته من سراج جبريل و اشتعلت نورا و كل واحد من السرج ما انتقل نوره عنه بل هو على نوره في نفسه و انظر إلى من استندت الرسل بعد أخذها عن جبريل ع هل كان استنادها إلى جبريل أو إلى الله لا و الله بل قيل رسول الله و ما قيل رسول جبريل و كذلك من أخذ عن النبوة مثل هذا النور و دعا إلى الله على بصيرة فذلك الدعاء و النور الذي يدعو به هو نور الإمداد لا النور الذي اقتبسه من السراج فلينسب إلى الله في ذلك لا إلى الرسول فيقال عبد الله و هو الداعي إلى الله عن أمر الله بوساطة رسول الله بحكم الأصل لا بحكم ما فتح الله به عليه في قلبه من العلوم الإلهية التي هي فتح عين فهمه لما جاء به الرسول ص من القرآن و الأخبار لا أن هذا الولي يأتي بشرع جديد و إنما يأتي بفهم جديد في الكتاب العزيز لم يكن غيره يعرف أن ذلك المعنى في ذلك الحرف المتلو أو المنقول فللرسل صلوات الله ع العلم و لنا الفهم و هو علم أيضا فإن حققت يا أخي ما أوردناه في هذا الباب وقفت على أسرار إلهية و علمت مرتبة عباد الله الذين هم بهذه المثابة أين ينتهي بهم و مع من هم و عمن يأخذون و من يناجون و إلى من يستندون و أين تكون منزلتهم في الدار الآخرة و هل لهم شركة في المرتبة في الدار الآخرة كما كان لهم شركة هنا في النورية و الإمداد الإلهي أم لا فأما في الدنيا فليسوا بأنبياء فإنهم عن الأنبياء أخذوا طريقهم و ما بقي الأمر إلا في الإمداد هل أثره إبقاء النور الأول أو تتجدد لهم الأنوار مع الأناة من الحق كما يتجدد نور السراج باشتعال الهواء من رطوبات الدهن فليس هو ذلك النور الأول و لا هو غيره و لا ذهب ذلك النور و لا بقي عينه و الناظر يرى اتصال الأنوار صورة واحدة في النورية إلا أنه يعرف أنه لو لا أمداد الدهن لطفئ هذا حظ كل مشاهد من ذلك من حيث النظر و الصورة و من حيث المعنى يزيد على النظر معرفة ما يقع به الإمداد و ما أثره في ذلك المشهود فيزيد علما آخر لم يكن عنده فمن فقد مثل هذا ينبغي أن يطول نوحه و بكاؤه على نفسه جعلنا الله من أهله و ممن دعا إلى الله على بصيرة أو انفرد مع الله على بصيرة أنه الملي بذلك و القادر عليه و هذا القدر كاف في هذا الباب و قد حصلت الفائدة فلنذكر ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم فاعلم أنه يتضمن علم الحقائق الأسمائية و علم الرسالة من حيث المكانة التي أرسل منها لا من حيث إنها رسالة و علم التخويف هل يخاف الله أو يخاف ما يكون منه و ما مشهود من يخاف الله و الخوف إنما هو مما يتعلق بك و يحل فيك و الحق تعالى منزه الذات عن الحلول في الذوات فما معنى و أعوذ بك منك و علم طاعة العباد فيما ذا يطاعون و هل لهم في تلك الطاعة نصيب بطريق الاستحقاق أو ليس لهم فإن الله يقول من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله هذا مقام و مقام آخر وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ و مقام آخر أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فهذه مقامات كلها تقتضيها الطاعة و يختلف المطاع و تحقيق ذلك عجيب و تفصيل ما يقع فيه الطاعة كذلك و هل نسبة الطاعة لأولي الأمر كنسبتها إلى الرسول كنسبتها إلى الله أم لا بل تكون مختلفة و علم نتائج المخالفات و الموافقات و علم الفرق بين الأجلين و لما ذا كان الأول أجلا و لما ذا كان الآخر أجلا هل لعين واحدة أم لأمرين مختلفين و علم أحوال الناس المدعوين إلى الله ما الذي يحول بينهم و بين الإجابة مع العلم بصدق الداعي و ما الذي يدعوهم إلى الإجابة و المجلس واحد و الداعي واحد و الدعوة واحدة و علم الثواب المعجل الحسي و المعنوي و علم الاعتبار و علم العالم العلوي و العالم السفلي و علم السر الذي قام في المعبودين من دون الله و ما المناسبة التي جمعت بينهم و بين من عبدهم و لما ذا شقوا شقاوة الأبد و لم تنلهم المغفرة و لا خرجوا من النار و علم الغيرة الإلهية و الغيرة من كل غيور و لما ذا ترجع وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثالث عشر و ثلاثمائة في معرفة منزل البكاء و النوح من الحضرة ال
أقول لآدم أصل الجسومكما أصل الرسالة شرع نوح
و إن محمدا أصل شريفعزيز في الوجود لكل روح
أنا ولد لآباء كرامفنوري في الإضاءة مثل يوح
إذا حضروا و إخواني وقوفلخدمتهم حننت إلى المسيح
فإني كنت تبت على يديهو ساعدني على قتل المسيح
و ذلك في المنام و كان موسىنجيي فيه بالقول الفصيح
و أعطاني الغزالة في يمينيو أفهم بالإشارة و الصريح
و أغناني فروحني علواو أفقرني فأصحبني ضريحي
فإن حضروا و ضمهم مقامإليهم حين أبصرهم جنوحي
فبر الوالدين على فرضفيا نفسي على التفريط نوحي
أنا ابن محمد و أنا ابن نوحكما أني ابن آدم في الصحيح
فيا من يفهم الألغاز هذالسان رموزنا بالعلم يوحي