ذلك من الشياطين من الحضرة المحمدية»
أريد بتوافق الفرق اجتماع الطبائع التي وجد عنها الجسم اعلم أن المعلومات ثلاثة لا رابع لها و هي الوجود المطلق الذي لا يتقيد و هو وجود الله تعالى الواجب الوجود لنفسه و المعلوم الآخر العدم المطلق الذي هو عدم لنفسه و هو الذي لا يتقيد أصلا و هو المحال و هو في مقابلة الوجود المطلق فكانا على السواء حتى لو اتصفا لحكم الوزن عليهما و ما من نقيضين متقابلين إلا و بينهما فاصل به يتميز كل واحد من الآخر و هو المانع أن يتصف الواحد بصفة الآخر و هذا الفاصل الذي بين الوجود المطلق و العدم لو حكم الميزان عليه لكان على السواء في المقدار من غير زيادة و لا نقصان و هذا هو البرزخ الأعلى و هو برزخ البرازخ له وجه إلى الوجود و وجه إلى العدم فهو يقابل كل واحد من المعلومين بذاته و هو المعلوم الثالث و فيه جميع الممكنات و هي لا تتناهى كما أنه كل واحد من المعلومين لا يتناهى و لها في هذا البرزخ أعيان ثابتة من الوجه الذي ينظر إليها الوجود المطلق و من هذا الوجه ينطلق عليها اسم الشيء الذي إذا أراد الحق إيجاده قال له كُنْ فَيَكُونُ و ليس له أعيان موجودة من الوجه الذي ينظر إليه منه العدم المطلق و لهذا يقال له كن و كن حرف وجودي فإنه لو أنه كائنما قيل له كن و هذه الممكنات في هذا البرزخ بما هي عليه و ما تكون إذا كانت مما تتصف به من الأحوال و الأعراض و الصفات و الأكوان و هذا هو العالم الذي لا يتناهى و ما له طرف ينتهي إليه و هو العامر الذي عمر الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم ع عمارة الصور الظاهرة للرائي في الجسم الصقيل عمارة إفاضة و من هذا البرزخ هو وجود الممكنات و بها يتعلق رؤية الحق للأشياء قبل كونها و كل إنسان ذي خيال و تخيل إذا تخيل أمرا ما فإن نظره يمتد إلى هذا البرزخ و هو لا يدري أنه ناظر ذلك الشيء في هذه الحضرة و هذه الموجودات الممكنات التي أوجدها الحق تعالى هي للاعيان التي يتضمنها هذا البرزخ بمنزلة الظلالات للأجسام بل هي الظلالات الحقيقية و هي التي وصفها الحق سبحانه بالسجود له مع سجود أعيانها فما زالت تلك الأعيان ساجدة له قبل وجودها فلما وجدت ظلالاتها وجدت ساجدة لله تعالى لسجود أعيانها التي وجدت عنها من سماء و أرض و شمس و قمر و نجم و جبال و شجر و دواب و كل موجود ثم لهذه الظلالات التي ظهرت عن تلك الأعيان الثابتة من حيث ما تكونت أجساما ظلالات أوجدها الحق لها دلالات على معرفة نفسها من أين صدرت ثم إنها تمتد مع ميل النور أكثر من حد الجسم الذي تظهر عنه إلى ما لا يدركه طولا و مع هذا ينسب إليه و هو تنبيه إن العين التي في البرزخ التي وجدت عنها لا نهاية لها كما قررناه في تلك الحضرة البرزخية الفاصلة بين الوجود المطلق و العدم المطلق و أنت بين هذين الظلالين ذو مقدار فأنت موجود عن حضرة لا مقدار لها و يظهر عنك ظل لا مقدار له فامتداده يطلب تلك الحضرة البرزخية و تلك الحضرة البرزخية هي ظل الوجود المطلق من الاسم النور الذي ينطلق على وجوده فلهذا نسميها ظلا و وجود الأعيان ظل لذلك الظل و الظلالات المحسوسة ظلالات هذه الموجودات في الحس و لما كان الظل في حكم الزوال لا في حكم الثبات و كانت الممكنات و إن وجدت في حكم العدم سميت ظلالات ليفصل بينها و بين من له الثبات المطلق في الوجود و هو واجب الوجود و بين من له الثبات المطلق في العدم و هو المحال لتتميز المراتب فالأعيان الموجودات إذا ظهرت ففي هذا البرزخ هي فإنه ما ثم حضرة تخرج إليه ففيها تكتسب حالة الوجود و الوجود فيها متناه ما حصل منه و الإيجاد فيها لا ينتهي فما من صورة موجودة إلا و العين الثابتة عينها و الوجود كالثوب عليها فإذا أراد الحق أن يوحي إلى ولي من أوليائه بأمر ما تجلى الحق في صورة ذلك الأمر لهذه العين التي هي حقيقة ذلك الولي الخاص فيفهم من ذلك التجلي بمجرد المشاهدة ما يريد الحق أن يعلمه به فيجد الولي في نفسه علم ما لم يكن يعلم كما وجد النبي ع العلم في الضربة و في شربه اللبن و من الأولياء من يشعر بذلك و منهم من لا يشعر به فمن لا يشعر يقول وجدت في خاطري أمر كذا و كذا و يكون ما يقول على حد ما يقول فيعرف من يعرف هذا المقام من أي مقام نطق هذا الولي و هو أتم ممن لا يعرف و تلك حضرة العصمة من الشياطين فهو وحي خالص لا يشوبه ما يفسده و إن اشتبه عليك أمر هذا البرزخ و أنت من أهل الله فانظر في قوله تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ أي لو لا ذلك البرزخ لم يتميز أحدهما عن الآخر و لأشكل الأمر و أدى إلى قلب الحقائق فما من متقابلين إلا و بينهما برزخ لا يبغيان أي لا يوصف أحدهما بوصف الآخر الذي به يقع التميز و هو محل دخول الجنة التي لا تنال إلا برحمة الله و لهذا لا يصح أن يكون له عمل و هو حال الدخول إليها فلا تتصف بأنك قد دخلت و لا بأنك خارج و هو خط متوهم يفصل بين خارج الجنة و داخلها فهو كالحال الفاصل بين الوجود و العدم فهو لا موجود و لا معدوم فإن نسبته إلى الوجود وجدت فيه منه رائحة لكونه ثابتا و إن نسبته إلى العدم صدقت لأنه لا وجود له و العجب من الأشاعرة كيف تنكر على من يقول إن المعدوم شيء في حال عدمه و له عين ثابتة ثم يطرأ على تلك العين الوجود و هي تثبت الأحوال اللهم منكر الأحوال لا يتمكن له هذا ثم إن هذا البرزخ الذي هو الممكن بين الوجود و العدم سبب نسبة الثبوت إليه مع نسبة العدم هو مقابلته للأمرين بذاته و ذلك أن العدم المطلق قام للوجود المطلق كالمرآة فرأى الوجود فيه صورته فكانت تلك الصورة عين الممكن فلهذا كان للممكن عين ثابتة و شيئية في حال عدمه و لهذا خرج على صورة الوجود المطلق و لهذا أيضا اتصف بعدم التناهي فقيل فيه إنه لا يتناهى و كان أيضا الوجود المطلق كالمرآة للعدم المطلق فرأىالعدم المطلق في مرآة الحق نفسه فكانت صورته التي رأى في هذه المرآة هو عين العدم الذي اتصف به هذا الممكن و هو موصوف بأنه لا يتناهى كما إن العدم المطلق لا يتناهى فاتصف الممكن بأنه معدوم فهو كالصورة الظاهرة بين الرائي و المرآة لا هي عين الرائي و لا غيره فالممكن ما هو من حيث ثبوته عين الحق و لا غيره و لا هو من حيث عدمه عين المحال و لا غيره فكأنه أمر إضافي و لهذا نزعت طائفة إلى نفي الممكن و قالت ما ثم إلا واجب أو محال و لم يتعقل لها الإمكان فالممكنات على ما قررناه أعيان ثابتة من تجلى الحق معدومة من تجلى العدم و من هذه الحضرة علم الحق نفسه فعلم العالم و علمه له بنفسه أزلا فإن التجلي أزلا و تعلق علمه بالعالم أزلا على ما يكون العالم عليه أبدا مما ليس حاله الوجود لا يزيد الحق به علما و لا يستفيد و لا رؤية تعالى الله عن الزيادة في نفسه و الاستفادة فإن قلت فإن أحوال الممكنات مختلفة و إذا كان الممكن في حالة له مقابل لم يكن في الأخرى و بظهور إحداهما تنعدم الأخرى فمن أين كان العلم له بهذه المرتبة قلنا له إن كنت مؤمنا فالجواب هين و هو أنه علم ذلك من نفسه أيضا و اكتسى الممكن هذا الوصف من خالقه و قد ثبت لك النسخ الإلهي في كلام الحق بما شرع و قد ثبت عندك تجلى الحق في الدار الآخرة في صور مختلفة فأين الصورة التي تحول إليها من الصورة التي تحول عنها فهذا أصل تقلب الممكنات من حال إلى حال يتنوع لتنوع الصور الإلهية فإن قلت فهذا التنوع ما متعلقة هل متعلقة الإرادة قلنا لا فإنه ليس للإرادة اختيار و لا نطق بها كتاب و لا سنة و لا دل عليها عقل و إنما ذلك للمشيئة فإن شاء كان و إن شاء لم يكن قال ع ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن فعلق النفي و الإثبات بالمشيئة و ما ورد ما لم يرد لم يكن بل ورد لو أردنا أن يكون كذا لكان كذا فخرج من المفهوم الاختيار فالإرادة تعلق المشيئة بالمراد و هو قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ هذا تعلق المشيئة و قد ذهب بعض الناس من أهل الطريق أن المشيئة هي عرش الذات و هو أبو طالب أي ملكها أي بالمشيئة ظهر كون الذات ملكا لتعلق الاختيار بها فالاختيار للذات من كونها إلها فإن شاء فعل و إن شاء لم يفعل و هو التردد الإلهي في الخبر الصحيح ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نسمة المؤمن يكره الموت و العلم للذات من كونه ذاتا و لهذا تظهر رائحة الجبر مع العلم و يظهر الاختيار مع المشيئة فما حكم و سبق به العلم لا يتبدل عقلا و لا شرعا ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و لرائحة الجبر فيه أعقبه وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ لئلا يتوهم متوهم ذلك إذ كان الحكم للعلم فيه فلم أخذ بما هو عليه مجبور غير مختار و من علم ما ذكرناه من تجلى الحق في مرآة العدم لظهور صور أعيان الممكنات على صورة الوجوب هان عليه هذا كله و عرف أصله و استراح راحة الأبد و علم إن الممكن ما خرج عن حضرة إمكانه لا في حال وجوده و لا في حال عدمه و التجلي له مستصحب و الأحوال عليه تتحول و تطرأ فهو بين حال عدمي و حال وجودي و العين هي تلك العين و هذا من العلم المكنون الذي قيل فيه إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العالمون بالله فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله و لهذا كان الجن و الأرواح لو بعث إليهم أحسن ردا على النبي ص حين كان يقرأ عليهم القرآن من الإنس و كذا قال لأصحابه و ذلك لأنهم إلى هذه الحضرة أقرب نسبة و إلى عالم الغيب فإن لهم التحول في الصور ظاهرا و باطنا فكان استماعهم لكلام الله أوثق و أحسن للمشاركة في سرعة التنوع و التقلب من حال إلى حال و هو من صفات الكلام فهم بالصفة إليه أقرب مناسبة و أعلم بكلام الله منا أ لا تراهم لما منعوا السمع و حيل بينهم و بين السماء بالرجوم قالوا ما هذا إلا لأمر حدث فأمر زوبعة أصحابه و غيره أن يجولوا مشارق الأرض و مغاربها لينظروا ما هذا الأمر الذي حدث و أحدث منعهم من الوصول إلى السماء فلما وصل أصحاب زوبعة إلى تهامة مروا بنخلة فوجدوا رسول الله ص يصلي صلاة الفجر و هو يقرأ فلما سمعوا القرآن أصغوا إليه و قالوا هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء فلو لا معرفتهم برتبة القرآن و عظم قدره ما تفطنوا لذلك ف وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ف قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ من بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ الله وَ آمِنُوا به يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ وَ يُجِرْكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ و قالوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا به وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً وَ أَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً و كذلك
لما قرأ عليهم سورة الرحمن ليلة الجن ما مر بآية يقول فيها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلا قالوا و لا بشيء من آلائكربنا نكذب و لما تلاها رسول الله ص بعد ذلك على أصحابه من الإنس لم يقولوا شيئا مما قالته الجن فقال لهم رسول الله ص إني تلوتها على إخوانكم من الجن فكانوا أحسن استماعا لها منكم ما قيل لهم فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلا و قالوا و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب و لقد روينا حديثا غريبا عن واحد من هذه الجماعة من الجن حدثني به الضرير إبراهيم بن سليمان بمنزلي بحلب و هو من دير الرمان من أعمال الخابور عن رجل حطاب ثقة كان قد قتل حية فاختطفته الجن فأحضرته بين يدي شيخ كبير منهم هو زعيم القوم فقالوا له هذا قتل ابن عمنا قال الحطاب ما أدري ما تقولون و إنما أنا رجل حطاب تعرضت لي حية فقتلتها فقالت الجماعة هو كان ابن عمنا فقال الشيخ رضي الله عنه خلوا سبيل الرجل و ردوه إلى مكانه فلا سبيل لكم عليه فإني سمعت رسول الله ص و هو يقول لنا من تصور في غير صورته فقتل فلا عقل فيه و لا قود و ابن عمكم تصور في صورة حية و هي من أعداء الإنس قال الحطاب فقلت له يا هذا أراك تقول سمعت رسول الله ص هل أدركته قال نعم أنا واحد من جن نصيبين الذين قدموا على رسول الله ص فسمعنا منه و ما بقي من تلك الجماعة غيري فأنا أحكم في أصحابي بما سمعته من رسول الله ص و لم يذكر لنا اسم ذلك الرجل من الجن و لا سألت عن اسمه و قد حدث بهذا الحديث الشيخ الذي حدثنا به صاحبي شمس الدين محمد بن برتقش المعظمي و برهان الدين إسماعيل بن محمد الأيدني بحلب أيضا فإني كنت أحدثهما بهذا الحديث فلما جئنا مدينة حلب بعثتهما إليه ليحدثهما كما حدثني فحدثهما كما حدثني فكل عالم برزخي هو أعلم بحضرة الإمكان من غيره من المخلوقين لقرب المناسبة و يكفي هذا القدر من هذا المنزل فلنذكر ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم و ذلك أنه يحوي على علم الأمر الإلهي هل له صفة أم لا و هل من شرطه أو من حقيقته الإرادة أم لا و علم الوحي و ضروبه و علم السماع و علم العالم البرزخى و علم الجبروت و علم الهدى و علم العظمة الإلهية لما ذا ترجع و أين تظهر و من هو الموصوف بها و لمن هي نسبة و لمن هي صفة و علم التنزيه و على من يعود و علم الحضرة التي أطلق الله منها ألسنة عباده على نفسه بما لا يليق به في الدليل العقلي و هل لذلك وجه إلهي يستند إليه في ذلك أم لا و هو قولهم إِنَّ الله فَقِيرٌ و إن عيسى ابن الله و كذلك عزير و يَدُ الله مَغْلُولَةٌ كما حكى الله عنهم و أمثال هذا و علم الظن و حكمه و المحمود منه و المذموم و ما متعلقة و علم الايمان و علم ما ينبغي أن يستند إليه ممن لا يستند و ما صفته و ما يجوز من ذلك مما لا يجوز و علم مراتب الكواكب و علم منازل الروحانيين من السماء و علم أحوال الخلق و علم الصديقين و علم المسابقة بين الله و بين عبده و علم المكر و الفتن و علم القيام بأوامر الله و علم مراتب الغيب و ما انفرد به الحق من علم الغيب دون خلقه و ما يمكن أن يعلم من الغيب و هل العلم به يزيل عنه اسم الغيب في حق العالم أم لا و قوله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ لما ذا يرجع إطلاق الغيب هل لكونه غيبا عنا أو غيبا في نفسه من حيث لم يصفه بتعلق الرؤية فيكون شهادة و علم العصمة و علم تعلق العلم بما لا يتناهى هل يتعلق به على جهة الإحاطة أم لا و علم قول النبي ص في الأسماء الحسنى من أحصاها دخل الجنة و ما معنى الإحصاء و لما ذا يرجع و هل يدخل تحته ما لا يتناهى كما يدخل تحت الإحاطة أو لا يدخل و ما الفرق بين الإحاطة و الإحصاء فإن الواحد يحاط به و لا يحصى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ