اعلم أنه ليلة تقييدي هذا الباب رأيت رؤيا سررت بها و استيقظت و أنا أنشد بيتا كنت قد عملته قبل هذا في نفسي و هو من باب الفخر و هو
في كل عصر واحد يسمو به و أنا لباقي العصر ذاك الواحد
و ذلك أني ما أعرف اليوم في علمي من تحقق بمقام العبودية أكثر مني و إن كان ثم فهو مثلي فإني بلغت من العبودية غايتها فأنا العبد المحض الخالص لا أعرف للربوبية طعما رىء يوما عتبة الغلام و هو يخطر في مشيته شغل التائه المعجب بنفسه فقيل له يا عتبة ما هذا التيه الذي أنت فيه و لم يكن يعرف هذا منك قبل اليوم فقال و حقيق لمثلي أن يتيه و كيف لا أتيه و قد أصبح لي مولى و أصبحت له عبدا و اعلم أنه في كل زمان لا بد من واحد فيه في كل مرتبة متبرز حتى في أصحاب الصنائع و في كل علم لو تفقد ذلك الزمان وجد الأمر على ما قلناه و العبودية من جملة المراتب و الله سبحانه قد منحنيها هبة أنعم بها علي لم أنلها بعمل بل اختصاص إلهي أرجو من الله أن يمسكها علينا و لا يحول بيننا و بينها إلى أن نلقاه بها فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون و اعلم أن هذا المنزل منزل النواشئ الاختصاصية و هي عبارة عن بداية و أولية كل مقام و حال قال تعالى وَ نُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ فلو كانت إعادة أرواحنا إلى أجسادنا على هذا المزاج الخاص الذي كان لنا في النشأة الدنيا لم يصح قوله تعالى في ما لا تَعْلَمُونَ فإنه قد قال تعالى وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ و قال كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ يعني في النشأة الآخرة إنها تشبه النشأة الدنياوية في عدم المثال فإن الله أنشأنا على غير مثال سبقو كذلك ينشئنا على غير مثال سبق فإن قيل فما فائدة قوله تَعُودُونَ قلنا يخاطب الأرواح الإنسانية إنها تعود إلى تدبير الأجسام في الآخرة كما كانت في الدنيا على المزاج الذي خلق تلك النشأة عليه و يخرجها من قبرها فيها و من النار حين ينبتون كما تنبت الحبة تكون في حميل السيل مع القدرة منه على إعادة ذلك المزاج لكن ما شاء و لهذا علق المشيئة به فقال تعالى ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ يعني ذلك المزاج الذي كان عليه فلو كان هو بعينه لقال ثم ينشره فنرجع إلى ما نريد أن نبينه من بعض علوم هذا المنزل و هو العلم الذي يدور عليه فنقول إن العالم عالمان و الحضرة حضرتان و إن كان قد تولد بينهما حضرة ثالثة من مجموعهما فالحضرة الواحدة حضرة الغيب و لها عالم يقال له عالم الغيب و الحضرة الثانية هي حضرة الحس و الشهادة و يقال لعالمها عالم الشهادة و مدرك هذا العالم بالبصر و مدرك عالم الغيب بالبصيرة و المتولد من اجتماعهما حضرة و عالم فالحضرة حضرة الخيال و العالم عالم الخيال و هو ظهور المعاني في القوالب المحسوسة كالعلم في صورة اللبن و الثبات في الدين في صورة القيد و الإسلام في صورة العمد و الايمان في صورة العروة و جبريل في صورة دحية الكلبي و في صورة الأعرابي و تمثل لمريم في صورة بشر سوى كما ظهر السواد في جسم العفص و الزاج عند اجتماعهما و لم يكن لهما ذلك الوصف في حال افتراقهما و لذلك كانت حضرة الخيال أوسع الحضرات لأنها تجمع العالمين عالم الغيب و عالم الشهادة فإن حضرة الغيب لا تسع عالم الشهادة فإنه ما بقي فيها خلاء و كذلك حضرة الشهادة فقد علمت إن حضرة الخيال أوسع بلا شك و أنت قد عاينت في حسك و على ما تعطيه نشأتك في نفسك المعاني و الروحانيين يتخيلون و يتمثلون في الأجساد المحسوسة في نظرك بحيث إذا وقع أثر في ذلك المتصور تأثر المعنى المتصور فيه في نفسه و لا شك إنك أحق بحضرة الخيال من المعاني و من الروحانيين فإن فيك القوة المتخيلة و هي من بعض قواك التي أوجدك الحق عليها فأنت أحق بملكها و التصرف فيها من المعنى إذ المعنى لا يتصف بأن له قوة خيال و لا الروحانيين من الملإ الأعلى بأن لهم في نشأتهم قوة خيال و مع هذا فلهم التميز في هذه الحضرة الخيالية بالتمثل و التخيل فأنت أولى بالتخيل و التمثل منهم حيث فيك هذه الحضرة حقيقة فالعامة لا تعرفها و لا تدخلها إلا إذا نامت و رجعت القوي الحساسة إليها و الخواص يرون ذلك في اليقظة لقوة التحقق بها فتصور الإنسان في عالم الغيب في حضرة الخيال أقرب و أولى و لا سيما و هو في نشأته له في عالم الغيب دخول بروحه الذي هو باطنه و له في عالم الشهادة دخول بجسمه الذي هو ظاهره و الروحاني ليس كذلك و ليس له دخول في عالم الشهادة إلا بالتمثل في عالم الخيال فيشهده الحس في الخيال صورة ممثلة نوما و يقظة فإن تميز الإنسان في عالم الغيب فله ذلك فإنه يتميز فيه حقيقة لا خيالا من حيث روحه الذي لا يدركه الحس و هو من عالم الغيب و إن أراد أن يتروحن بجسمه و يظهر به في عالم الغيب وجد المساعد و هو روحه المرتبط بتدبيره فهو أقرب إلى التمثل في عالم الغيب من الروحاني المتمثل في صورة عالم الشهادة و لكن هذا المقام يكتسب و ينال مثل قضيب البان رحمه الله فلقد كان له هذا المقام ففي قوة الإنسان ما ليس في قوة عالم الغيب فإن في قوة الإنسان من حيث روحه التمثل في غير صورته في عالم الشهادة فيظهر الإنسان في أي صورة شاء من صور بنى آدم أمثاله و في صور الحيوانات و النبات و الحجر و قد وقع ذلك منهم و لقد أخبرني شيخ من شيوخ طريق الله و هو عندي ثقة عدل و فاوضته في هذه المسألة فقال أنا أخبرك بما شاهدته من ذلك تصديقا لقولك و ذلك أني صحبت رجلا ممن له هذا المقام و لم يكن عندي من ذلك خبر فسألته الصحبة من بغداد إلى الموصل في ركب الحاج عند رجوعه فقال لي إذا عزمت فلا تبتدئني بشيء من مأكول و مشروب حتى أكون أنا الذي أطلبه منك فعاهدته على ذلك و كان قد أسن فركب في شقة محارة و أنا أمشي على قدمي قريبا منه لئلا تعرض له حاجة إلي فمرض بعلة الإسهال و ضعف فصعب ذلك علي و هو لا يتداوى بما يقطعه و يزيل عنه القيام قال فقلت له يا سيدي أروح لي هذا الرجل الذي على سبيل صاحب سنجار آخذ من المارستان دواء قابضا فنظر إلي كالمنكر و قال الشرط أملك فسكت عنه قال فزاد به الحال فما قدرت على السكوت فلما نزل الركب بالليل و أسرجت المشاعل و قصد صاحب سبيل سنجار و كان خادما أسود و قد وقفت الرجال بين يديه و أصحاب العلل يجيئون إليه يطلبون منه الأدوية بحسب عللهم و أمراضهم فقلت له يا مولاي أرح قلبي و فرج عني بأن تأمرنيآتيك بدواء من عند هذا الرجل قال فتبسم و قال لي رح إليه قال فجئت إليه و لم يكن يعرفني قبل ذلك و لا كنت أنا على حالة و بزة توجب تعظيمي فمشيت إليه و أنا خائف إن يردني أو ينتهرني لما كان فيه من الشغل فوقفت على رأسه بين الناس فلما وقعت عينه علي قام إلي و أقعدني و سلم علي بفرح و بسط و تبشبش و قال ما حاجتك فقلت له عن حال الشيخ و مرضه فاستدعى بالدواء من الوكيل على أكمل ما يمكن و اعتذر و قال لي تعنيت و هلا بعثت إلي في ذلك و قمت أخرج من الخيمة فقام لقيامى و مشت المشاعل بين يدي فودعته بعد ما مشى معي خطوات و أمر المشاعلي أن يمشي بالضوء أمامي فقلت له ما الحاجة و خفت من الشيخ أن يعز ذلك عليه فرجع المشاعلي و جئت فوجدت الشيخ على حاله كما تركته فقال لي ما فعلت فقلت له ببركتك أكرمني و هو لا يعرفني و لا أعرفه و وصفت له تفصيل ما كان منه فتبسم الشيخ و قال لي يا حامد أنا أكرمتك ما كان الخادم الذي أكرمك لا شك أني رأيتك كثير الجزع علي لعلتى فأردت إن أريح سرك فأمرتك إن تمشي إليه و خفت عليك منه لئلا يفعل معك ما يفعله مع الناس من الإهانة و الطرد فترجع منكسرا فتجردت عن هيكلي و تصورت لك في صورته فأكرمتك و عظمت قدرك و فعلت معك ما رأيت إلى أن انفصلت و هذا دواؤك لا أستعمله فبقيت مبهوتا فقال لي لا تعجل ارجع إليه و انظر إلى ما يفعل بك قال فجئت إليه و سلمت عليه فلم يقبل علي و طردت فذهبت متعجبا فرجعت إلى الشيخ فقصصت إليه ما جرى لي فقال ما قلت لك فقلت له عجبا كيف رجعت خادما أسود فقال الأمر كما رأيت و مثل هذه الحكاية عن الرجال كثير و هذا يشبه علم السيمياء و ليس بعلم السيمياء و الفرق بيننا في هذا المقام و بين علم السيمياء إنك إذا أكلت بالسيمياء أكلت و لا تجد شبعا و الذي يقبض عندك مما تقبضه من هذا العلم أنما ذلك في نظرك ثم تطلبه فلا تجده و إذا أراك صاحب هذا العلم السيماوي تدخل الحمام ثم ترجع إلى نفسك لا ترى لذلك حقيقة بل كل ما تراه بطريق السيمياء إنما هو مثل ما يرى النائم فإذا انتبه لم يجد شيئا مما رآه فإن صاحب علم السيمياء له سلطان و تحكم على خيالك بخواص الأسماء أو الحروف أو القلقطيرات فإن السيمياء لها ضروب أكثفها القلقطيرات و ألطفها التلفظ بالكلام الذي يخطف به بصر الناظر عن الحس و يصرفه إلى خياله فيرى مثل ما يرى النائم و هو في يقظته و هذا المقام الذي ذكرناه ليس كذلك فإنك إن أكلت به شبعت و إن مسكت فيه شيئا من ذهب أو ثياب أو ما كان بقي معك على حاله لا يتغير و قد وجدنا هذا المقام من نفوسنا و أخذناه ذوقا في أول سلوكنا مع روحانية عيسى ع و لهذا قال ع و قد نهى عن الوصال فقيل له إنك تواصل فقال ص لست كهيئتكم إني أبيت معي مطعم يطعمني و ساق يسقيني و في رواية يطعمني ربي و يسقيني فلم يكن في تلك الجماعة التي خاطبها في ذلك الوقت من له هذا المقام و لم يقل لست كهيئة الناس فكان إذا أكل شبع و واصل على قوة معتادة و لما كان الأكل في حضرة الخيال لا في حضرة الحس صح أن يكون مواصلا و قد رأينا أن جبريل ظهر في صورة الحس رجلا معروفا كظهوره في صورة دحية و في وقت رجلا غير معروف و لم يبلغنا أنه ظهر في عالم الغيب في الملائكة في صورة غيره من الملائكة فجبريل لا يظهر في الملائكة و في عالم الغيب في صورة ميكائيل أو إسرافيل و لهذا قال تعالى عنه وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و قد رأينا من له قوة التمثل من البشر يظهر في البشر في صورة بشر آخر غير صورته فيظهر زيد في صورة عمرو و ليس للملك ذلك في عالم الغيب و كما ظهر جبريل في صورة البشر يظهر الإنسان في عالم الغيب عند الملائكة في صورة ملك من الملائكة أي صورة ملك شاء و أعجب من هذا أن بعض الرجال من المحبين من أهل هذه الطريقة دخل على شيخ فتكلم له الشيخ في المحبة و قد رآه بعض الحاضرين قد دخل عليه فما زال ذلك المحب يذوب في نفسه حسا من كلام ذلك الشيخ في المحبة لقوة تحقق ذلك المحب إلى أن رجع بين يدي ذلك الشيخ كفا من ماء فدخل عليه رجال فسألوه عن ذلك المحب أين هو فإنا ما رأيناه خرج فقال هذا الماء هو ذلك المحب الذي بين يدي فنظروا إلى ماء قليل على الحصير بين يدي الشيخ فانظر كيف رجع إلى أصله الذي خلق منه فيا ليت شعري أين تلك الأجزاء فاعلم إن الإنسان في هذا الطريق يعطي من القوة ما يظهر به في هذه النشأة كما يظهر في النشأة الآخرة التي يظهر فيها على أي صورة شاء فإن هذا في أصل هذه الصورة الدنياوية و لكن لا يصل كل واحد إلى معرفة هذاالأصل و هو قوله تعالى الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ و هي هذه النشأة الظاهرة ثم قال في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ أي هذه النشأة المسواة المعدلة قابلة لجميع الصور فيجليه الله تعالى في أي صورة شاء فأعلمنا أن هذه النشأة تعطي القبول لأي صورة كانت و كذلك قوله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ بعد الفراغ من تسوية صورة الإنسان الظاهر فعين له صورة من الصور التي في قوته و تركيبه أن يقبلها فإذا علم الإنسان بالكشف الإلهي أنه على أصل و حقيقة تقبل الصور فيتعمل في تحصيل أمر يتوصل به إلى معرفة الأمر فإذا فتح له فيه ظهر في عالم الشهادة في أي صورة من صور عالم الشهادة شاء و ظهر في عالم الغيب و الملكوت في أي صورة من صوره شاء غير أن الفرق بيننا و بين عالم الغيب إن الإنسان إذا تروحن و ظهر للروحانيين في عالم الغيب يعرفون أنه جسم تروحن و الناس في عالم الشهادة إذا أبصروا روحا تجسد لا يعلمون أنه روح تجسد ابتداء حتى يعرفوا بذلك كما قال ع حين دخل عليه الروح الأمين في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر قال الراوي لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى رسول الله ص فأسند ركبتيه إلى ركبتيه و وضع كفيه على فخذيه و ذكر حديث سؤاله إياه عن الإسلام و الايمان و الإحسان و الساعة و ما لها من الشروط فلما فرغ من سؤاله قام ينصرف فلما غاب قال النبي ص لأصحابه أ تدرون من الرجل و في رواية ردوا على الرجل فالتمس فلم يجدوه فقال ص هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم غير أن بعض الناس يعرفون الروحاني إذا تجسد من خارج من غيره من الناس أو من جنس تلك الصورة التي يظهر فيها و ما كل أحد يعرف ذلك و يفرقون أيضا بين الصورة الروحانية المعنوية المتجسدة و بين الصورة الممثلة من داخل بعلامات يعرفونها و قد علمتها و تحققتها فإني أعرف الروح إذا تجسد من خارج أو من داخل من الصورة الجسمية الحقيقية و العامة لا تعرف ذلك و الملائكة كلهم يعرفون الإنسان إذا تروحن و ظهر فيهم بصورة أحدهم أو بصورة غريبة لم يروا مثلها فيزيدون على عامة البشر بهذا و ينقصهم أن يظهروا في عالمهم على صور بعضهم كما نظهر في عالمنا إذا كان لنا هذا المقام في صورة جنسنا فسبحان العليم الحكيم مقدر الأشياء و القادر عليها لا إله إلا هو العليم القدير و اعلم أن أصل هذا الأمر الذي ذكرته في هذه المسألة إنما هو من العلم الإلهي في التجلي الإلهي فمن هناك ظهر هذا الأمر في عالم الغيب و الشهادة إذ كان العالم بجملته و الإنسان بنسخته و الملك بقوته على صورة مقام التجلي في الصور المختلفة و لا يعرف حقيقة تلك الصور التي يقع التحول فيها على الحقيقة إلا من له مقام التحول في أي صورة شاء و إن لم يظهر بها و ليس ذلك المقام إلا للعبد المحض الخالص فإنه لا يعطيه مقام العبودية أن يتشبه بشيء من صفات سيده جملة واحدة حتى أنه يبلغ من قوته في التحقق بالعبودية أنه يفنى و ينسى و يستهلك عن معرفة القوة التي هو عليها من التحول في الصور بحيث أن لا يعرف ذلك من نفسه تسليما لمقام سيده إذ وصف نفسه بذلك و لو لا هذا الأصل الإلهي و أن الحق له هذا و هو في نفسه عليه ما صح أن تكون هذه الحقيقة في العالم إذ يستحيل أن يكون في العالم أمر لا يستند إلى حقيقة إلهية في صورته التي يكون عليها ذلك الأمر و لو كان لكان في الوجود من هو خارج عن علم الله فإنه ما علم الأشياء إلا من علمه بنفسه و نفسه علمه و نحن في علمه كالصور في الهباء لو كنت تعلم يا فتى من أنت علمت من هو إذ لا يعلم الله إلا من يعلم نفسه قال ص من عرف نفسه عرف ربه فالحق علمك من نفسه و أعلمك أنك لا تعرفه إلا من نفسك فمن تفطن لهذا المعنى علم ما تقول و ما نومئ إليه فأما حديث التجلي يوم القيامة فأنا أورده إن شاء الله كما ورد في الصحيح و ذلك أنه خرج مسلم عن أبي سعيد الخدري أن ناسا في زمن رسول الله ص قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ص نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة ليس معها سحاب و هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال كذلك لا تضارون في رؤية الله تبارك و تعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام و الأنصاب إلا و يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر و فاجر و غير أهل الكتاب قال فتدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزيرا و نقول إنه ابن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ اللهمن صاحبة و لا ولد فما ذا تبغون قالوا يا رب إنا عطشنا فاسقنا فيشار إليهم أ لا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح و نقول إنه ابن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة و لا ولد و يقال لهم ما ذا تبغون قالوا عطشنا يا رب فاسقنا قال فيشار إليهم أ لا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر و فاجر فيأتيهم رب العالمين تبارك و تعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فيقول ما ذا تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم و لم نصاحبهم قال فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم و بين ربكم آية تعرفونها فيقولون نعم قال فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود و لا يبقى من كان يسجد اتقاء و رياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رءوسهم و قد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون نعم أنت ربنا قال ثم يضرب الجسر على جهنم و تحل الشفاعة الحديث إلى آخره و قد طال الكلام فلنذكر ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم فمن ذلك علم الاسم القيوم و اختلف فيه أصحابنا هل يتخلق به أم لا فكان الشيخ أبو عبد الله بن جنيد القبر فيقي من كبار مشايخ هذه الطريقة بالأندلس و كان معتزليا سمعته يمنع التخلق به و فاوضته في ذلك مرارا في محله بحضور أصحابه بقبر فيق من أعمال ونده إلى أن رجع إلى قولنا من التخلق بالقيوم كسائر الأسماء الإلهية و فيه علم نشء عالم الغيب و فيه علم مقادير عالم الغيب و فيه علم وصف كلام الله بالتتابع و فيه علم تنزل الأرواح و ما يجده من تنزل عليه من الثقل و ضيق النفس و لقد كنت انقطعت في القبور مدة منفردا بنفسي فبلغني إن شيخنا يوسف بن يخلف الكرمي قال إن فلانا و سماني ترك مجالسة الأحياء و راح يجالس الأموات فبعثت إليه لو جئتني لرأيت من أجالس فصلى الضحى و أقبل إلي وحده فطلب علي فوجدني بين القبور قاعدا مطرقا و أنا أتكلم على من حضرني من الأرواح فجلس إلى جانبي بأدب قليلا قليلا فنظرت إليه فرأيته قد تغير لونه و ضاق نفسه فكان لا يقدر يرفع رأسه من الثقل الذي نزل عليه و أنا أنظر إليه و أتبسم فلا يقدر أن يتبسم لما هو فيه من الكرب فلما فرغت من الكلام و صدر الوارد خفف عن الشيخ و استراح و رد وجهه إلي فقبل بين عيني فقلت له يا أستاذ من يجالس الموتى أنا أو أنت قال لا و الله بل أنا أجالس الموتى و الله لو تمادى على الحال فطست و انصرف و تركني فكان يقول من أراد أن يعتزل عن الناس فليعتزل مثل فلان و فيه علم استقامة عالم الغيب و عصمته من المخالفة و إنه عالم الوفاق و فيه علم ما تواطأت عليه القوي الإنسانية و علم ما اختلفت فيه فعين تجمعها و عين تفرقها و فيه علم الأسماء التي تعطي الذكر في كل ذاكر و ما حضرتها و ما أثرها و فيه علم الانفراد بالحق و ما الذي يدعوه إلى ذلك و هل يصح في الملإ الانفراد أو لا يصح إلا بكلية الإنسان ظاهرا و باطنا و فيه علم أسماء الجهات من حضرة الربوبية و فيه علم توحيد كل حضرة و فيه علم ملك الملك و هو علم تصريف الخلق الحق و هو مقام عزيز و فيه علم السياسة في ترك أبناء الجنس و فيه علم الوعيد و فيه علم الرسالة و من أين بعثت الرسل و لمن بعثت من صفات الإنسان و ما مقام الرسول من المرسل إليه و فيه علم الموطن الذي يلحق الأصاغر بالأكابر بالخاصية و هو علم انطواء الزمان كانطواء ألف سنة من الزمان في يوم من أيام الرب و انطواء خمسين ألف سنة من الزمان عندنا في يوم من أيام ذي المعارج و هو كاللمحة في عالمه و كانطواء ثلاثمائة يوم و ستين يوما من أيام الزمان المعلوم في يوم من أيام الشمس و لكل كوكب من السيارة و الثوابت أيام تقدر لها من الأيام الزمانية بقدر اتساعها و هو من علوم هذا المنزل و فيه علم إثبات المشيئة للعبد من أي حضرة هي و أي اسم إلهي ينظر إليها و فيه علم تقلب الإنسان في عالم الغيب بين دخول و خروج و فيه علم المقادير و الأوزان و ما يعطي بالكيل و الميزان فإنه قد ورد أن العقل يعطي بالمكيال و الأعمال بالميزان و فيه علم الرفق بالكون و التخلق به و ما اسمه في الأسماء الإلهية و فيه علم عجز العالم عن إدراك ما لا يمكن إدراكه ليتميز بذلك العبد فيعرف قدره و فيه علم السفر و المسافر و الطريق و فيه علم ما يسافر من أجله و هل حصوله من عين المنة أم لا و هل يكونالعالم المكتسب من عين المنة و إن كان فبما ذا يقع الفرقان بين العلمين و كلاهما من عين المنة و فيه علم إنشاء صور الأعمال و فيه علم المقارضة الإلهية و لما ذا يرجع و ما فهمت من ذلك طائفة حتى قالت إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ حين قال لهم الله وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً فقالت إن رب محمد يطلب منا القرض و فيه علم الستر و رحمة الاختصاص وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ