قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب التاسع عشر و ثلاثمائة في معرفة تنزل سراح النفس عن قيد وجه ما من

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

السبب الجالب للرزق من طريق التوكل سبب جالب للرزق و أن المتصف به ما خرج عن رق الأسباب و من جلس مع

الله من كونه رزاقا فهو معلول»

لله بين السماء و الأرض تنزيلمن أمره فيه تبديل و تحويل
ينحط من صور في طيها صوريمحو بها صورا لهن تمثيل
و صورة الحق فيه إن يكون علىما الحق فيه و إن لم فهو تضليل
الهو يصاحب مجلى الحق في صورو هو الصحيح الذي ما فيه تعليل
هذا مقام ابن عباس و حالتناو قد أتى فيه قرآن و تنزيل
فلا تغرنك حال لست تعرفهافإنها لك تسبيح و تهليل
و قل بها و التزامها إنها سندأقوى يؤيده شرع و معقول
تقضي به صحف مثلي مطهرةمنها زبور و توراة و إنجيل
فاشهد هديت علوما عز مدركهاعلى العقول فوجه الحق مقبول
يحار عقلك فيها إن يكيفهافإنه تحت قهر الحس مغلول
فالحس أفضل ما تعطاه من منحو صاحب الفكر منصور و مخذول

اعلم وفقك الله أيها الولي الحميم تولاك الله برحمته و فتح عين فهمك إنه من كانت حقيقته أن يكون مقيدا لا يصح أن يكون مطلقا بوجه من الوجوه ما دامت عينه فإن التقييد صفة نفسية له و من كانت حقيقته أن يكون مطلقا فلا يقبل التقييد جملة واحدة فإنه صفته النفسية أن يكون مطلقا لكن ليس في قوة المقيد أن يقبل الإطلاق لأن صفته العجز و أن يستصحبه الحفظ الإلهي لبقاء عينه فالافتقار يلزمه و للمطلق أن يقيد نفسه إن شاء و أن لا يقيدها إن شاء فإن ذلك من صفة كونه مطلقا إطلاق مشيئة و من هنا أوجب الحق على نفسه و دخل تحت العهد لعبده فقال في الوجوب كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب فهو الموجب على نفسه ما أوجب غيره عليه ذلك فيكون مقيدا بغيره فقيد نفسه لعبيده رحمة بهم و لطفا خفيا و قال في العهد وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فكلفهم و كلف نفسه لما قام الدليل عندهم بصدقه في قيله ذكر لهم ذلك تأنيسا لهم سبحانه و تعالى و لكن هذا كله أعني دخوله في التقييد لعباده من كونه إلها لا من كونه ذاتا فإن الذات غنية عن العالمين و الملك ما هو غني عن الملك إذ لو لا الملك ما صح اسم الملك فالمرتبة أعطت التقييد لا ذات الحق جل و تعالى فالمخلوق كما يطلب الخالق من كونه مخلوقا كذلك الخالق يطلب المخلوق من كونه خالقا أ لا ترى العالم لما كان له العدم من نفسه لم يطلب الخالق و لا المعدم فإن العدم له من ذاته و إنما طلب الخالق من كونه مخلوقا فمن هنا قيد نفسه تعالى بما أوجب على نفسه من الوفاء بالعهد و لما كان المخلوق بهذه المثابة لذلك تعشق بالأسباب و لم يتمكن له إلا الميل إليها طبعا فإنه موجود عن سبب و هو الله تعالى و لهذا أيضا وضع الحق الأسباب في العالم لأنه سبحانه علم أنه لا يصح اسم الخالق وجودا و تقديرا إلا بالمخلوق وجود أو تقدير أو كذلك كل اسم إلهي يطلب الكون مثل الغفور و المالك و الشكور و الرحيم و غير ذلك من الأسماء فمن هنا وضع الأسباب و ظهر العالم مربوطا بعضه ببعضه فلم تنبت سنبلة إلا عن زارع و أرض و مطر و أمر بالاستسقاء إذا عدم المطر تثبيتا منه في قلوب عباده لوجود الأسباب و لهذا لم يكلف عباده قط الخروج عن السببفإنه لا تقتضيه حقيقته و إنما عين له سببا دون سبب فقال له أنا سببك فعلي فاعتمد و توكل كما ورد وَ عَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فالرجل من أثبت الأسباب فإنه لو نفاها ما عرف الله و لا عرف نفسه و قال ص من عرف نفسه عرف ربه و لم يقل عرف ذات ربه فإن ذات الرب لها الغني على الإطلاق و أنى للمقيد بمعرفة المطلق و الرب يطلب المربوب بلا شك ففيه رائحة التقييد فبهذا عرف المخلوق ربه و لذلك أمره أن يعلم أنه لا إله إلا هو من كونه إلها لأن الإله يطلب المألوه و ذات الحق غنية عن الإضافة فلا تتقيد فإثبات الأسباب أدل دليل على معرفة المثبت لها بربه و من رفعها رفع ما لا يصح رفعه و إنما ينبغي له أن يقف مع السبب الأول و هو الذي خلق هذه الأسباب و نصبها و من لا علم له بما أشرنا إليه لا يعلم كيف يسلك الطريق إلى معرفة ربه بالأدب الإلهي فإن رافع الأسباب سيئ الأدب مع الله و من عزل من ولاة الله فقد أساء الأدب و كذب في عزل ذلك الوالي فانظر ما أجهل من كفر بالأسباب و قال بتركها و من ترك ما قرره الحق فهو منازع لا عبد و جاهل لا عالم و إني أعظك يا ولي أن تكون من الجاهلين الغافلين و أراك في الحين تكذب نفسك في ترك الأسباب فإني أراك في وقت حديثك معي في ترك الأسباب و رميها و عدم الالتفات إليها و القول بترك استعمالها يأخذك العطش فتترك كلامي و تجري إلى الماء فتشرب منه لتدفع بذلك ألم العطش و كذلك إذا جعت تناولت الخبز فأكلت و غايتك إن لا تتناوله بيدك حتى يجعل في فمك فإذا حصل في فمك مضغته و ابتلعته فما أسرع ما أكذبت نفسك بين يدي و كذلك إذا أردت أن تنظر افتقرت إلى فتح عينك فهل فتحتها إلا بسبب و إذا أردت زيارة صديق لك سعيت إليه و السعي سبب في وصولك إليه فكيف تنفي الأسباب بالأسباب أ ترضى لنفسك بهذه الجهالة فالأديب الإلهي العالم من أثبت ما أثبته الله في الموضع الذي أثبته الله و على الوجه الذي أثبته الله و من نفى ما نفاه الله في الموضع الذي نفاه الله و على الوجه الذي نفاه الله ثم تكذب نفسك إن كنت صالحا في عبادتك ربك أ ليست عبادتك سببا في سعادتك و أنت تقول بترك الأسباب فلم لا تقطع العمل فما رأيت أحدا من رسول و لا نبي و لا ولي و لا مؤمن و لا كافر و لا شقي و لا سعيد خرج قط عن رق الأسباب مطلقا أدناها التنفس فيا تارك السبب لا تتنفس فإن التنفس سبب حياتك فأمسك نفسك حتى تموت فتكون قاتل نفسك فتحرم عليك الجنة و إذا فعلت هذا فأنت تحت حكم السبب فإن ترك التنفس سبب لموتك و موتك على هذه الصورة سبب في شقائك فما برحت من السبب فما أظنك عاقلا إن كنت تزعم أن ترفع ما نصبه الله و أقامه علما مشهودا و دع عنك ما تسمع من كلام أهل الله تعالى فإنهم لم يريدوا بذلك ما توهمته بل جهلت ما أرادوه بقطع الأسباب كما جهلت ما أراده الحق بوضع الأسباب و قد ألقيت بك على مدرجة الحق و أبنت لك الطريقة التي وضعها الله لعباده و أمرهم بالمشي عليها فاسلك وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ... وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ و بعد هذا فاعلم إن العبد تارة يقيمه الحق في معصيته و تارة يقيمه في طاعته فأنا أبين لك من أين وقع للعبد هذا القبول للأمرين و نبين لك رتبة الإنسان من العالم و إن الإنسان له أمثال من جنسه و العالم بجملته ليس له مثل و ما يتعلق بهذه المسألة من الحقائق و الأسرار بعد أن نجمع معاني ما أريد تفصيلها في نظم يكون لك كالأم الجامعة المختصرة الضابطة لرءوس المسائل حتى إذا أردت أن تبسطها لغيرك نبهك هذا النظم على عيونها فقلنا في ذلك نكني عن العبد

إذا عصى الله قد وفى حقيقتهو إن أطاع فقد وفى طريقته
لو لا القبول لما كان الوجود لهو الخلق يطلب بالمعنى خليقته
إن المحال دليل إن نظرت فلاتعدل به حجة فاعلم حقيقته
لا يقبل الكون و الإمكان يقبلهفكل أمر فقد وفى سليقته
لذاك فزنا من الأعلى بصورتهعناية منه أعطاها خليقته
لو كان للكون مثل عق تكرمةله ليطعمه جودا عقيقته
لكنه مفرد و الحق ليس لهعين التغذي فما أعطاه صورته

اعلم وفقك الله أيها الولي الحميم أن العالم لما كان ممكنا و لم يكن محالا قبل حاله الوجود و المحال لا يقبل الوجود فخالفتحقيقة الممكن بقبولها للوجود حقيقة المحال الذي لا يقبله و لما أوجد الله العالم إنسانا كبيرا و جعل آدم و بنيه مختصر هذا العالم و لهذا أعطاه الأسماء كلها أي كل الأسماء المتوجهة على إيجاد العالم و هي الأسماء الإلهية التي يطلبها العالم بذاته إذ كان وجوده عنها فقال ص إن الله خلق آدم على صورته إذ كانت الأسماء له و عنها وجد العالم فالعالم بجملته إنسان كبير و لما كرمه الله بالصورة طلب العالم و الأمثال الشكر من الإنسان على ذلك فكانت العقيقة التي جعل الله على كل إنسان شكرا لما خصه به من الوجود على هذه الحالة و جعلها في سابعه إذ كان على حالة لا تقبل التغذي منها لئلا يكون قد سعى لنفسه فأكلها الأمثال و كل إنسان مرهون بعقيقته و ينبغي له إذا عق عن نفسه في كبره إن لا يأكل منها شيئا و يطعمها الناس و لذلك لم يعق العالم بجملته عن نفسه و إن كان على الصورة لأنه ما ثم من يأكل عقيقته فإنه ما ثم إلا الله و العالم و المعق عنه لا يأكل منها و الحق يتنزه عن الغذاء و الأكل و ليست هذه المنزلة إلا لله فكانت عقيقة العالم تعود عبثا فجعل سبحانه بدلا من هذا الشكر الذي هو العقيقة التسبيح بحمده شكرا على ما أولاه من وجوده على صورته فقال وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً فبعنايته الأزلية بنا أعطانا الوجود على الصورة و لم يعطنا السورة التي هي منزلته فإن منزلته الربوبية و منزلتنا المربوبية و لذلك قلنا إن العالم لا يعق عن نفسه ينسك فإنه لا يأكله و الحق لا يكون له ذلك و لا ينبغي له فكانت عقيقته التسبيح بحمده لأن التسبيح ينبغي له و لما كانت طبيعة الممكن قبلت الوجود فظهر في عينه بعد أن لم يكن سماه خلقا مشتقا من الخليقة و هي طبيعة الأمر و حقيقته أي مطبوعا على الصورة و هي خليقته و لما أوجده الله على صورته و أوجده لعبادته فكان ما أوجده عليه خلاف ما أوجده له فقال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ و هو ما أشرنا إليه في العقيقة أنه سبحانه لا ينبغي له أن يطعم فاشترك الجن مع الإنس فيما وجد له لا فيما وجد عليه و لما كانت صورة الحق تعطي أن لا تكون مأمورة و لا منهية لعزتها سرت هذه العزة في الإنسان طبعا فعصى ظاهرا و باطنا من حيث صورته لأنه على صورة من لا يقبل الأمر و النهي و الجبر أ لا ترى إبليس لما لم يكن على الصورة لم يعص باطنا فيقول لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فإذا كفر يقول إبليس إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ و ما استكبر إلا ظاهرا على آدم فقال أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً و قال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي من نارٍ و النار أقرب في الإضاءة النورية إلى النور و النور اسم من أسماء الله و الطين ظلمة محضة فقال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ أي أقرب إليك من هذا الذي خَلَقْتَهُ من طِينٍ و جهل إبليس ما فطر الله آدم عليه في إن تولى خلقه بيديه كما لا للصورة الإلهية التي خلق عليها و لم يكن عند إبليس و لا الملائكة من ذلك ذوق فاعترض الكل الملائكة بما قالت و إبليس بما قال فمعصية الإنسان بما خلق عليه و طاعته بما خلق له قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي يتذللوا لعزتي و يعرفوا منزلتي من منزلتهم فطريقة الإنسان العبادة فإنه عبد و العبد مقيد بسيده كما إن السيد مقيد بوجه بعبده فإنه المسود و الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فلم يلحق الممكن بدرجة المحال فزها عليه بقبوله الوجود الذي هو صفة إلهية و لم يلحق بدرجة الوجود المطلق لأن وجوده مستفاد مقيد فإذا نظر إلى المحال و درجته و ما حصل له من ربه من الوجود و نظر في نفسه قبوله و امتيازه من المحال أدركه الكبرياء فعصى و قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى و ادعى الألوهة و ما ادعاها أحد من الجن و إذا نظر إلى افتقاره إلى واجب الوجود و استفادته الوجود منه و منته به عليه وجب الشكر عليه فذل و أطاع ربه فطاعته من وجه ما خلق له و معصيته من وجه ما خلق عليه و شهوده المحال الذي ليس له هذه المرتبة فلو لم يكن المحال رتبة ثالثة ما وجد الممكن على من يزهو فإن الشيء لا يزهو على نفسه و المفتقر لا يزهو على المفتقر إليه فلم يكن يتصور أن تقع معصية من الممكن فانظر ما أعجب ما تعطيه الحقائق من الآثار و الحمد لله على إن علمنا ما لم نكن نعلم و فهمنا ما لم نكن نفهم و كان فضل الله علينا عظيما و هذا القدر كاف في هذا الباب و يحتوي هذا المنزل على علم الدعاء و علم النبوة و علم خطاب الكل في عين الواحد و علم الزمان و علم التقوى و علم التعدي و علم البرهان و تركيبه و علم مكارم الأخلاق و علم منزلة نفس الإنسان عند الله من غيره و علم العجز و علم الايمان و علم الأنفاس و علم التوكل و علم الغيب و علم الميزان و علم التقديس و علم حضرة الشكوك و علم من تقدس بعد الخبث و علم التكوينو علم التعليم و علم الحياة الآخرة و علم الإجارة من غيره و علم الرحمة و علم الشدة و علم الربح و الخسران و علم مدارك العقول و علم نهاية المطلب و علم الأمر الإلهي و علم العالم و علم الاقتدار الإلهي و علم الإحاطة و هل ينتهي علم الله في العالم أم لا و ما رأيت قائلا به إلا شخصا واحدا بمكة كان يرى هذا الرأي و هو مذهب معروف لكني ما كنت رأيت قائلا به فإنه ما من مذهب إلا و قد رأيت قائلا به فالله يسلك بنا سواء السبيل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ