اعلم أن دار الأشقياء و ملائكة العذاب و هم في تعظيم الله و تمجيده كما هم ملائكة النعيم في دار النعيم لا فرق كلهم عبد مطيع الواحد ينعم لله و الآخر ينتقم لله و كذلك القبضتان و هما العالمان عالم السعادة و عالم الشقاوة و ما منهم جارحة و لا فيهم جوهر فرد إلا و هو مسبح لله مقدس لجلاله غير عالم بما تصرفه فيه نفسه المدبرة له المكلفة التي كلفها الله تعالى عبادته و الوقوف بهذه الجوارح و بعالم ظاهره عند ما حد له فلو علمت الجوارح ما تعلمه النفس من تعيين ما هو معصية و ما هو طاعة ما وافقته على مخالفة أصلا فإنها ما تعاين شيئا من الموجودات إلا مسبحا لله مقدسا لجلاله غير أنها قد أعطيت من الحفظ القوة العظيمة فلا تصرفها النفس في أمر إلا و تحتفظ على ذلك الأمر و تعلمه و النفس تعلم أن ذلك طاعة و معصية فإذا وقع الإنكار يوم القيامة عند السؤال من هذه النفس يقول الله لها نبعث عليك شاهدا من نفسك فتقول في نفسها من يشهد علي فيسأل الله تعالى الجوارح عن تلك الأفعال التي صرفها فيها فيقول للعين قولي فيما صرفك فتقول له يا رب نظر بي إلى أمر كذا و كذا و تقول الأذن أصغى بي إلى كذا و كذا و تقول اليد بطش بي في كذا و كذا و الرجل كذلك و الجلود كذلك و الألسنة كذلك فيقول الله له هل تنكر شيئا من ذلك فيحار و يقول لا و الجوارح لا تعرف ما الطاعة و لا المعصية فيقول الله أ لم أقل لك على لسان رسولي و في كتبي لا تنظر إلى كذا و لا تسمع كذا و لا تسع إلى كذا و لا تبطش بكذا و يعين له جميع ما تعلق من التكليف بالحواس ثم يفعل كذلك في الباطن فيما حجر عليه من سوء الظن و غيره فإذا عذبت النفس في دار الشقاء بما يمس الجوارح من النار و أنواع العذاب فأما الجوارح فتستعذب جميع ما يطرأ عليها من أنواع العذاب و لذا سمي عذابا لأنها تستعذبه كما يستعذب ذلك خزنة النار حيث ينتقم لله و كذلك الجوارح حيث جعلها الله محلا للانتقام من تلك النفس التي كانت تحكم عليها و الآلام تختلف على النفس الناطقة بما تراه في ملكها و بما تنقله إليها الروح الحيواني فإن الحس ينقل للنفس الآلام في تلك الأفعال المؤلمة و الجوارح ما عندها إلا النعيم الدائم في جهنم مثل ما هي الخزنة عليه ممجدة مسبحة لله تعالى مستعذبة لما يقوم بها من الأفعال كما كانت في الدنيا فيتخيل الإنسان أن العضو يتألم لإحساسه في نفسه بالألم و ليس كذلك إنما هو المتألم بما تحمله الجارحة أ لا ترى المريض إذا نام لا شك أن النائم حي و الحس عنده موجود و الجرح الذي يتألم به في يقظته موجود و مع هذا لا يجد العضو ألما لأن الواجد للألم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة إلى البرزخ فما عنده خبر فارتفعت عنه الآلام الحسية و بقي في البرزخ على ما يكون عليه إما في رؤيا مفزعة فيتألم أو في رؤيا حسنة فيتنعم فينتقل معه الألم أو النعيم حيث انتقل فإذا استيقظ المريض و هو رجوع نفسه إلى عالم الشهادة قامت به الآلام و الأوجاع فقد تبين لك إن كنت عاقلا من يحمل الألم منك و من يحس به ممن لا يحمله و لا يحس بهو لو كانت الجوارح تتألم لا نكرت كما تنكر النفس و ما كانت تشهد عليه قال تعالى وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ و قال إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا فاسم كان هو النفس تسأل النفس عن سمعه و بصره و فؤاده كما قررناه يقال له ما فعلت برعيتك أ لا ترى الوالي الجائر إذا أخذه الملك و عذبه عند استغاثة رعيته به كيف تفرح الرعية بالانتقام من واليها كذلك الجوارح يكشف لك يوم القيامة عن فرحها و نعيمها بما تراه في النفس التي كانت تدبرها في ولايتها عليه لأن حرمة الله عظيمة عند الجوارح أ لا ترى العصاة من المؤمنين كيف يميتهم الله في النار إماتة كما ينام المريض هنا فلا يحس بالألم عناية من الله بمن ليس من أهل النار حتى إذا عادوا حمما أخرجوا من النار فلو كانت الجوارح تتألم لوصفها الله بالألم في ذلك الوقت و لم يرد بذلك كتاب و لا سنة فإن قلت فما فائدة حرقها حتى تعود حمما قلنا كل محل يعطي حقيقته فذلك المحل يعطي هذا الفعل في الصور أ لا ترى الإنسان إذا قعد في الشمس يسود وجهه و بدنه و الشقة إذا نشرت في الشمس و تتبعت بالماء كلما نشفت تبيض فهل أعطى ذلك إلا المحل المخصوص و المزاج المخصوص فلم يكن المقصود العذاب و لو كان لم يمتهم الله فيها إماتة فإن محل الحياة في النفوس يطلب النعيم أو الألم بحسب الأسباب المؤلمة و المنعمة فألقوا بل هي الموصوفة بما ذكرناه و إذا أحياهم الله تعالى و أخرجهم و نظروا إلى تغير ألوانهم و كونهم قد صاروا حمما ساءهم ذلك فينعم الله عليهم بالصورة التي يستحسنونها فينشئهم عليها ليعلموا نعمة الله عليهم حين نقلهم مما يسوؤهم إلى ما يسرهم فقد علمت يا أخي من يعذب منك و من يتنعم و ما أنت سواك فلا تجعل رعيتك تشهد عليك فتبوء بالخسران و قد ولاك الله الملك و أعطاك اسما من أسمائه فسماك ملكا مطاعا فلا تجر و لا تحف فإن ذلك ليس من صفة من ولاك و إن الله يعاملك بأمر قد عامل به نفسه فأوجب على نفسه كما أوجب عليك و دخل لك تحت العهد كما أدخلك تحت العهد فما أمرك بشيء إلا و قد جعل على نفسه مثل ذلك هذا لتكون له الحجة البالغة و وفى بكل ما أوجبه على نفسه و طلب منك الوفاء بما أوجبه عليك هذا كله إنما فعله حتى لا تقول أنا عبد قد أوجب على كذا و كذا و لم يتركني لنفسي بل أدخلني تحت العهد و الوجوب فيقول الله له هل أدخلتك فيما لم أدخل فيه نفسي أ لم أوجب على نفسي كما أوجبت عليك أ لم أدخل نفسي تحت عهدك كما أدخلتك تحت عهدي و قلت لك إن وفيت بعهدي وفيت بعهدك قال تعالى قُلْ يا محمد فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و هذا معنى قوله تعالى رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ و هل يحكم الله إلا بالحق و لكن جعل الحق نفسه في هذه الآية مأمورا لنبيه ع فإن لفظة احكم أمر و أمره سبحانه أن يقول له ذلك قال تعالى قل يا محمد رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ و أكثر من هذا النزول الإلهي إلى العباد ما يكون فيا أيها العبد أ ليس هذا من كرمه أ ليس هذا من لطفه أ لم يف سبحانه بكل ما أوجبه على نفسه أ لم يف بعهد كل من وفى له بعهده أ لم يصفح و عفا عن كثير مما لو شاء آخذ به عباده أين أنت أين نظرك من هذا الفضل العظيم من رب قاهر قادر لا يعارض و لا يغالب و اعلم أن سبب وصف القبضتين بالتسبيح كونهما مقبوضتين للحق تعالى فجعل القبضتين في يده فقال هؤلاء للنار و لا أبالي و هؤلاء للجنة و لا أبالي فهم ما عرفوا إلا الله فهم يسبحونه و يمجدونه لأنهم في قبضته و لا خروج لهم عن القبضة ثم إن الله بكرمه لم يقل فهؤلاء للعذاب و لا أبالي و هؤلاء للنعيم و لا أبالي و إنما أضافهم إلى الدارين ليعمروهما و كذا ورد في الخبر الصحيح أن الله لما خلق الجنة و النار قال لكل واحدة منها لها على ملؤها أي أملؤها سكانا إذ كان عمارة الدار بساكنها كما قال القائل و عمارة الأوطان بالسكان لأنها محل و لا تكون محلا إلا بالحلول فيها و لهذا يقول الله لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ فتقول هَلْ من مَزِيدٍفإذا وضع الجبار فيها قدمه قالت قطني قطني و في رواية قط قط أي قد امتلأت فقد ملأها بقدمه على ما شاء سبحانه من علم ذلك فيخلق الله فيها خلقا يعمرونها قال تعالى أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ أي سابقة بأمر قد أعلمهم به قبل أن يعطيهم ذلك ثم أعطاهم فصدق فيما وعدهم به و قد وعد النار بأن يملأها فكونه إذ يملأها بقدمه أي بسابقة قوله إنه سيملأها فصدق لها في ذلك بأن خلق فيها خلقا يعمرونها و أضاف القدم إلى الجبار لأن هذا الاسم للعظمة و النار موجودة من العظمة و الجنة موجودة من الكرم فلهذا اختص اسم الجبار بالقدم للنار و أضافه إليه فيستروح من هذا عموم الرحمة في الدارين و شمولها حيث ذكرهما و لم يتعرض لذكر الآلام و قال بامتلائهما و ما تعرض لشيء منذلك و هذا كله من سلطان قوله لعباده إن رحمته سبقت غضبه فالسابقة حاكمة أبدا و يقال لفلان في هذا الأمر سابقة قدم فتلك بشرى إن شاء الله و إن السكنى لأهل النار في النار لا يخرجون منها كما قال تعالى خالِدِينَ فِيها يعني في النار و خالِدِينَ فِيها يعني في الجنة و لم يقل فيه فيريد العذاب فلو قال عند ذكر العذاب خالدين فيه أشكل الأمر و لما أعاد الضمير على الدار لم يلزم العذاب فإن قال قائل فكذلك لا يلزم النعيم كما لم يلزم العذاب قلنا و كذلك كنا نقول و لكن لما قال الله تعالى في نعيم الجنة إنه عطاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي عطاء غير مقطوع و قال لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ لهذا قلنا بالخلود في النعيم و الدار و لم يرد مثل هذا قط في عذاب النار فلهذا لم نقل به فإن قلت فقد قال خالِدِينَ فِيهِ وَ ساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا قلنا إنما ذلك في موطن من مواطن الآخرة و الضمير يعود على الوزر لا على العذاب فإذا أقيموا في حمل الأثقال التي هي الأوزار يحملونها كما قال لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ و هو زمان مخصوص فيقول خالِدِينَ فِيهِ أي في حمل الوزر من الموضع الذي يحملونه من خروجهم من قبورهم إلى أن يصلوا به إلى النار فيدخلونها فهم خالدون فيه في تلك المدة لا يفتر عنهم و لا يأخذه من على ظهورهم غيرهم قال تعالى من أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ فأعاد الضمير على الوزر و جعله ليوم القيامة هذا الحمل و يوم القيامة مدته من خروج الناس من قبورهم إلى أن ينزلوا منازلهم من الجنة و النار و ينقضي ذلك اليوم فينقضي بانقضائه جميع ما كان فيه و مما كان فيه الخلود في حمل الأوزار فلما انقضى اليوم لم يبق للخلود ظرف يكون فيه و انتقل الحكم إلى النار و الجنان و العذاب و النعيم المختص بهما و ما ورد في العذاب شيء يدل على الخلود فيه كما ورد في الخلود في النار و لكن العذاب لا بد منه في النار و قد غيب عنا الأجل في ذلك و ما نحن منه من جهة النصوص على يقين إلا إن الظواهر تعطي الأجل في ذلك و لكن كميته مجهولة لم يرد بها نص و أهل الكشف كلهم مع الظواهر على السواء فهم قاطعون من حيث كشفهم فيسلم لهم إذ لا نص يعارضهم و نبقى نحن مع قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و أي شيء أراد فهو ذلك و لا يلزم أهل الايمان أكثر من ذلك إلا أن يأتي نص بالتعيين متواتر يفيد العلم فحينئذ يقطع المؤمن و إلا فلا فسبحان المسبح بكل لسان و المدلول عليه بكل برهان و هذا المنزل يتضمن علوما جمة منها علم التنزيه الذي يليق بكل عالم فإن التنزيه يختلف باختلاف العوالم و إن كل عالم ينزه الحق على قدر علمه بنفسه فينزهه من كل ما هو عليه إذ كان كل ما هو عليه محدث فينزه الحق عن قيام الحوادث به أعني الحوادث المختصة به و لهذا يختلف تنزيه الحق باختلاف المنزهين فيقول العرض مثلا سبحان من لا يفتقر في وجوده إلى محل يكون ظهوره به و يقول الجوهر سبحان من لا يفتقر في وجوده إلى موجد يوجده و يقول الجسم سبحان من لا يفتقر في وجوده إلى أداة تمسكه فهذا حصر التنزيه من حيث الأمهات لأنه ما ثم إلا جوهر أو جسم أو عرض لا غير ثم كل صنف يختص بأمور لا تكون لغيره فسبح الله من تلك الصفات و من ذلك المقام و الإنسان الكامل يسبح الله بجميع تسبيحات العالم لأنه نسخة منه إذ كشف له عن ذلك و يتضمن هذا المنزل من العلوم علم تمييز الأشياء و يتضمن علم الحق المخلوق به الذي يشير إليه عبد السلام أبو الحكم ابن برجان في كلامه كثيرا و كذلك الإمام سهل بن عبد الله التستري و لكن يسميه سهل بالعدل و يسميه أبو الحكم الحق المخلوق به أخذه من قوله وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ و له فيه كلام كبير شاف و يتضمن علم الصورة و هل هي عرض أو جوهر فإن الناس اختلفوا في ذلك و فيه علم الرجعة و فيه علم العلم أي بما ذا يعلم العلم و فيه علم الغيب و الشهادة و فيه علم الورود و الصدور و فيه علم الاعتبار و ما حده و فيه علم الأذواق و هي أول مبادي التجلي و فيه علم العلل و مراتبها و من يجوز أن يوصف بها ممن لا يجوز و فيه علم تجلى الزعامة و هل مدلولها العلم أم لا و قوله ع الزعيم غارم و زعيم القوم ما رتبته و لم سمي زعيما و فيه علم الايمان و فيه علم النور دون غيره و لكن النور المنزل لا غير و فيه علم الخبرة و المخابرة و فيه علم المتاجر المربحة و أزمنتها و الخسران و فيه علم الوعد و الوعيد و فيه علم الأذن الإلهي و فيما ذا يكون و هل هو عام أو خاص و الفرق بين الأمر و الأذن و هل يعصى في الأذن كما يعصى في الأمر أم لا و فيه وصف العلم بالإحاطة و فيه علم التوحيد لما ذا يرجع و فيه علم التوكل و فيه علم مراتب الخلق في الولاية و العداوة و فيه علم الإنذار و التحذير و من يحذر منه و ما يحذر منه و فيه علم الفرق بين الاستطاعة و الحق و فيه علم شرفصفة الكرم و فيه علم سبب الطلب الإلهي من العباد و فيه علم نتائج الشكر و فيه علم الفرق بين الحلم و العفو و فيه علم ترتيب الأشياء و فيه علم الحجاب الإلهي الأحمى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الموفي عشرين و ثلاثمائة في معرفة منزل تسبيح القبضتين و تمييزهما
من عامل الحق بالإخلاص قد ربحاو إن يكن فيه شرك فهو قد سمحا
العلم علمان موهوب و مكتسبو خير علم ينال العبد ما منحا
كذاك معلوم علم الكسب ليس لهفي الوزن حظ لأن العبد ما كدحا
يغتم قلبك إن خفت موازنهكما يسر إذا ميزانه رجحا
فاقدح زنادك لا تكسل فليس لمنيسعى إلى الحق قدر غير ما قدحا
الفكر في ذات من لا شيء يشبههجهل فلا تلتفت للعقل أن جنحا
و ادخل على باب تفريغ المحل ترىعلم العيان إذا ما بابه فتحا