قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثالث و العشرون و ثلاثمائة في معرفة منزل بشرى مبشر لمبشر به و

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
جاء المبشر بالرسالة يبتغيأجر المجيء من الكريم المرسل
فأتى به ختم الولاية مثل ماختم النبوة بالنبي المرسل
و لنا من الختمين حظ وافرورثا أتانا في الكتاب المنزل

يريد قوله يَرِثُنِي وَ يَرِثُ من آلِ يَعْقُوبَ اعلم أن المشيئة الإلهية لما كان لها أثر في الفعل لهذا نفى تعلقها بما لا يقبل الانفعال من حيث مرجحه لا من حيث نفسه بخلاف مشيئة العبد فإنها إذا وقعت و تعلقت بالمشاء قد يكون المشاء و قد لا يكون و لهذا شرع الله لنا إذا قلنا نفعل كذا إن نقول إن شاء الله حتى إذا وقع ذلك الفعل الذي علقناه على مشيئة الله كان عن مشيئة الله بحكم الأصل و لم يكن لمشيئتنا فيه أثر في كونه لكن لها فيه حكم و هو أنه ما شاء سبحانه تكوين ذلك الشيء إلا بوجود مشيئتنا إذ كان وجودها عن مشيئة الله فلا بد من وجود عين مشيئتنا و تعلقها بذلك الفعل و هو قوله وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله يعني أن تشاءوا و فائدة إخبار الله تعالى بأنه لو شاء لفعل كذا مع كون كذا يستحيل وقوعه عقلا لكون المشيئة الإلهية لم تتعلق به إعلام لنا أن ذلك الأمر الذي نفى تعلق المشيئة الإلهية بكونه ليس يستحيل وقوعه بالنظر إلى نفسه لإمكانه فإنه يجب له أن يكون في نفسه قابلا لأحد الأمرين فيفتقر إلى المرجح بخلاف المحال لنفسه فإنه يستحيل نفي تعلق المشيئة بكونه فإنه لا يكون لنفسه فإن بعض الناس ذهب إلى أن الله تعالى لو أراد إيجاد ما هو محال الوجود لنفسه لأوجده و إنما لم يوجده لكونه ما أراد وجود المحال الوجود فصاحب هذا القول يقول إن الحق أعطى المحال محاله و الواجب وجوبه و الممكن إمكانه فهذا القائل لا يدري ما يقول فإنه سبحانه واجب الوجود لنفسه فيلزمه إن يكون هو الذي أعطى لنفسه الوجوب و لو شاء لم يجب وجوده فكان وجود الحق مرجحا لنفسه فهو كما قال القائل أراد أن يعربه فأعجمه فإنه أراد أن ينسب إليه تعالى نفوذ الاقتدار و لم يعلم متعلق الاقتدار ما هو فعلقه بما لا يقتضيه و صبر الحق في قبيل الممكنات من حيث لا يشعر فكانت فائدة إخبار الله تعالى بقوله لو شاء فيما لا يقع إعلام إنه بالنظر إلى ذاته ممكن الوقوع ليفرق لنا سبحانه بين ما هو في الإمكان و بين ما ليس بممكن فنفى تعلق المشيئة و الإرادة به فإذا علقها بالمحال على جهة نفي تعلقها مثل قوله لَوْ أَرادَ الله أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً و لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ من لَدُنَّا و هذا محال لنفسه فكيف أدخله تحت نفي تعلق الإرادة التي لا يدخل تحتها إلا الممكن و هو الذي أشار إليه هذا الذي جهلناه و خطأناه في قوله فاعلم إن هذا من غاية الكرم الإلهي حيث إنه قد سبق في علمه إيجاد مثل هذا الشخص من فساد العقل الذي قد قضى به له في قسمه فلما قضى بهذا علم إن عقله لا بد أن يعتقد مثل هذا و هو غاية الجهل بالله فأخبر الله تعالى بنفي تعلق الإرادة بالمحال الوقوع لنفسه فيأخذ الكامل العقل من ذلك نفي تعلق الإرادة بما لا يصح أن تتعلق به و يأخذ منه هذا الضعيف العقل أنه سبحانه لو لا ما قال لو و إلا كان يفعل فيستريح إلى ذلكو لا ينكسر قلبه حيث أراد نفوذ الاقتدار الإلهي و قصد خيرا و ليعلم الكامل العقل ما فضله الله به عليه فيزيد شكرا حيث لم يجعل الله عقله مثل هذا الناقص العقل فيعلم إن الله قد فضله عليه بدرجة لم ينلها من قصر عقله هذا القصور و قد قال جماعة بأن الله يقدر على المحال و الذي ينبغي أن يقال إِنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كما قال الله و القدرة تطلب محلها الذي تتعلق به كما إن نسبة الإرادة تطلب محلها الذي تتعلق به كما إن العلم يطلب محله الذي يتعلق به نفيا كان أو إثباتا وجودا أو عدما و كذلك نسبة السمع و البصر و جميع ما نسب الحق لنفسه فالعالم الوافر العقل يعلم متعلق كل نسبة فيضيفها إليها و من عرف الأمور بمثل هذه المعرفة عرف حكم مقت الله بمن يقول ما لا يعمل من غير إن يقرن به المشيئة الإلهية فإذا علق المشيئة الإلهية بقوله إن يعمل فلا يكون ذلك العمل لم يمقته الله فإنه غاب عن انفراد الحق في الأعمال كلها التي تظهر على أيدي المخلوقين بالتكوين و أنه لا أثر للمخلوق فيها من حيث تكوينها و إن كان للمخلوق فيها حكم لا أثر فالناس لا يفرقون بين الأثر و الحكم فإن الله إذا أراد إيجاد حركة أو معنى من الأمور التي لا يصح وجودها إلا في مواد لأنها لا تقوم بأنفسها فلا بد من وجود محل يظهر فيه تكوين هذا الذي لا يقوم بنفسه فللمحل حكم في الإيجاد لهذا الممكن و ما له أثر فيه فهذا الفرق بين الأثر و الحكم إذا تحققته فلما ذا يقول العبد نعمل أو نفعل هكذا و لا أثر له في الفعل جملة واحدة فإن الله يمقته على ذلك و لما علم الحق أن هذا لا بد أن يقع من عباده و إنهم يقولون ذلك شرع لهم الاستثناء الإلهي ليرتفع المقت الإلهي عنهم و لهذا لا يحنث من استثنى إذا حلف على فعل مستقبل فإنه أضافه إلى الله لا إلى نفسه و هذا لا ينافي إضافة الأفعال إلى المخلوقين فإنهم محل ظهور الأفعال الإلهية و بهذا القدر تفاوتت درجات العقلاء أ لا ترى الحق تعالى كيف قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و لم يقل يا أولي الألباب و لا يا أولي العلم لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ فإن العالم العاقل لا يقول ما لا يفعل إلا بالاستثناء لأنه يعلم أن الفعل لله لا له فميز الله بين طبقات العالم ليعلموا أن الله تعالى قد رفع بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ فالعقلاء العلماء هم المقصودون للحق من العالم بعموم كل خطاب لعلمهم بمواقع الخطاب فيعلمون أي صنف أراد من العالم بذلك الخطاب و لهذا نوع الأصناف بتنوع الآيات للمتفكرين و للعالمين و للعقلاء و لأولي الألباب كما قال تعالى في القرآن العزيز إنه بَلاغٌ لِلنَّاسِ يريد طائفة مخصوصة لا يعقلون منه سوى إنه بلاغ وَ لِيُنْذَرُوا به في حق طائفة أخرى عينها بهذا الخطاب وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ في حق طائفة أخرى عينها بهذا الخطاب وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ في حق طائفة أخرى أيضا و القرآن واحد في نفسه تكون الآية منه تذكرة لذي اللب و توحيد الطالب العلم بتوحيده و إنذارا للمترقب الحذر و بلاغا للسامع ليحصل له أجر السماع كالعجمي الذي لا يفهم اللسان فيسمع فيعظم كلام الله من حيث نسبته إلى الله و لا يعرف معنى ذلك اللفظ حتى يشرح له بلسانه و يترجم له عنه فمن جملة الخطابات الإلهية البشارات و هي على قسمين بشارة بما يسوء مثل قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ و بشارة بما يسوء مثل قوله تعالى فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ فكل خير يؤثر وروده في بشرة الإنسان الظاهرة فهو خبر بشري و ذلك لا يكون إلا في رجلين إما في شخص يكون في قوة نفسه أن لا تتغير بشرته بما يتحقق كونه و إما شخص غير مصدق بذلك الخبر من ذلك المخبر فلا يخلو هذا القوي النفس هل أثر ذلك الخبر في باطنه أو لم يؤثر فإن أثر خبر هذا المخبر في نفسه فهو أحد رجلين إما عالم محقق بوقوعه و إما مجوز و إن لم يؤثر في نفسه فهو غير عالم و لا مصدق معا فيكون ذلك الخبر في حق الأول بشرى متعلقها الصورة المتخيلة في نفسه التي تأثرت لهذا الخبر فلو لم تقم بخياله تلك الصورة المضاهية للصورة الحسية لما كانت بشرى في حقه و لا كانت تؤثر في باطنه سرورا و لا حزنا و إن لم يظهر ذلك في ظاهره فلو تجردت الأرواح عن المواد لما صحت البشائر في حقها و لا حكم عليها سرور و لا حزن و لكان الأمر لها علما مجردا من غير أثر فإن الالتذاذ الروحاني إنما سببه إحساس الحس المشترك مما يتأثر له المزاج من الملاءمة و عدم الملاءمة و بالقياسات و أما الأرواح بمجردها فلا لذة و لا ألم و قد يحصل ذلك لبعض العارفين في هذا الطريق قال أبو يزيد ضحكت زمانا و بكيت زمانا و أنا اليوم لا أضحك و لا أبكي و هو عين ما قلناه فإنه وقف مع مجرد روحه من غير نظر إلى طبيعته فما شاهد إلا علما محضا كما يرتفع عن النظر في توحيد الحقمن حيث توحيد الألوهية إلى توحيد ذاته من حيث هو لنفسه لا من حيث المرتبة التي بها يتعلق الممكن فيشاهده في ذلك التوحيد واحدا لا واحدا معرى عن النسب و الإضافات مجهولا للممكنات غير منسوب لنفسه بأنه عالم بنفسه لنفسه فهو في ذلك التوحيد عينه لا من حيث هو عينه و لا من حيث لا هو عينه و هذا أسنى المراتب في تجريد الكون عن التعلق به و هو كمال الأحدية لا كمال الوحدانية فإن كمال الوحدانية في سريان أحديته في العقائد فإن الوحداني هو الذي يطلب الموحدين و الأحدية لا تطلب ذلك كالجسماني هو الذي يطلب الأجسام ليظهر بها حكمه فاعلم فإذا رأيت عارفا تأتي عليه أسباب الالتذاذ و أسباب التألم و لا يلتذ و لا يتألم لا بالمحسوس و لا بالمعقول في اقتناء العلوم الملذة فتعلم إن وقته التجرد التام عن طبيعته و هذا أقوى التشبه الذي يسعى إليه العلماء بالله و واجده قليل و القليل الذي يجده قليل الاستصحاب لهذا الوجدان و إنما الله يكرم به من شاء من عباده في خطرات ما ليعلمه بالتوحيد الذاتي الذي ذكرناه فإن طائفة من العقلاء نسبوا الالتذاذ و الابتهاج إلى ذلك الجناب بالكمال الذي هو عليه تعالى الأحد في ذاته عن هذا الوصف لكن الوحدانية الإلهية هي التي ينظر إليها القائلون بهذا القول و لا يشعرون قال تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ فمن نظر الحق من حيث ذاته عرف ما قلناه و من نظره من حيث ألوهيته عرف ما قلناه ألا تنظر إلى مبادي الوحي الإلهي النبوي إنما هي المبشرات و هي التي بقيت في الأمة بعد انقطاع النبوة فتخيل من لا علم له بالأمر بما هو عليه إن ذلك نقص في حق هذه الأمة ليس الأمر كما ظنه من لا علم له بتقسيم الوحي فإن وحي المبشرات هو الوحي الأعم الذي يكون من الحق إلى العبد بلا واسطة و يكون أيضا بواسطة و النبوة من شأنها الواسطة و لا بد فلا بد من الملك فيها و المبشرات ليست كذلك فالعبد العارف لا يبالي ما فاته من النبوة مع بقاء المبشرات عليه إلا أن الناس يتفاضلون فيها فمنهم من لا يبرح في بشراه عن الواسطة و منهم من يرتفع عنها كالخضر و الأفراد فلهم المبشرات بارتفاع الوسائط و ما لهم النبوة و لهذا ننكر عليهم الأحكام فما كان من حكم في الكون من المبشرات فهو من البشرى بالواسطة و هو تعريف خاصة بما جاء به الرسول و ما لم يكن لها حكم الكون إلا العلم المجرد في تكملة ذاته فمن البشرى بترك الواسطة فالرسل فضلت من سواها بتحصيل ضروب مراتب الوحي من المبشرات و غيرها من نزول الأملاك على قلوبهم و على حواسهم و لهم المبشرات فهم الأفراد الأقطاب و نحن الأفراد لا الأقطاب و أعني بالأقطاب الشخص الذي تدور عليه رحى السياسات الناموسية المبثوثة في مصالح العالم المؤيدة بالمعجزات و الآيات فالله يجعلنا ممن بشره به فنام إلى الأبد و لم ينتبه سأل سهل بن عبد الله رجلا من أهل عبادان عن سجود القلب و كان قد رأى سهل بن عبد الله قلبه قد سجد فعرض ذلك على جماعة من الشيوخ من أهل زمانه فلم يعرفوا ما يقول لأنهم لم يذوقوا ذلك فرحل في طلب من يعرف ذلك فلما وصل إلى عبادان دخل على شيخ فقال له يا أستاذ أ يسجد القلب فقال الشيخ إلى الأبد يعني أنه لا يرفع رأسه من سجدته فعرف سهل بن عبد الله في سؤاله إن الله أطلعه على سجود قلبه فلازم تلك الصفة فلم يرفع رأسه من سجدته لا في الدنيا و لا يرفعه في الآخرة فما دعا الله بعد ذلك في رفع شيء نزل و لا في إنزال شيء رفع و هذا هو المقام المجهول الذي جهله العارفون و ما ثبت فيه إلا المفردون و لو لا إن الأنبياء شرع لهم أن يشرعوا للخاص و العام حيث جعلهم الله أسوة لكانت حالتهم ما ذكرناه و لكن صلوات الله عليهم لازموا الحضور في سجود القلب عند التشريع و هذا غاية القوة حيث أعطوا حكم الحال المستصحب الذي لا يرتفع أبدا فغير النبي إذا علمه تكلف فيه و قد أعلمناك في غير ما موضع أن الأوائل في الأشياء هي المعتبرة في النسبة إلى الله و إنها الصدق الذي لا يدخله مين و القوة التي لا يشوبها ضعف في الخاطر الأول و النظرة الأولى و السماع الأول و الكلمة الأولى و الحركة الأولى كل أول لا يكون إلا مخلصا لله لا يقع فيه اشتراك ثم بعد الأول يدخل ما يدخل فيصدق و لا يصدق فانظر أول ما بديء به رسول الله ص من الوحي المبشرات فحازت المبشرات الأولية فكان لا يرى رؤيا إلا خرجت مثل فلق الصبح لأن فلق الصبح انفلق عن الليل كما انفلق صاحب هذه المبشرة عن النوم فانظر ما أحسن هذا التشبيه الذي شبهته به أمنا عائشة رضي الله عنها فأبقى الله على رجال هذه الأمة أول الوحيالذي لا يخطئ أبدا فإن فهمت قدر ما ذكرته لك و نبهتك عليه علمت عناية الله بهذه الأمة فيما أبقى عليها من النبوة و هو زبدة محضتها و يكفي هذا القدر من هذا المنزل و يتضمن هذا المنزل من العلوم علم التنزيه و علم التوحيد الإلهي و علم تنزيه العالم العلوي و السفلي و علم المشيئة و الكلام و علم الأعمال و تفاصيلها و علم المحبة الإلهية من وجه خاص لا من جميع الوجوه و أعني بالوجه الخاص حبه للتوابين و حبه للمتطهرين و حبه للمؤمنين فلا تتساوى وجوه المحبة لعدم تساوى هذه الطبقات و إن لم يكن كذلك فآية فائدة للتفصيل فيها و علم السبل الإلهية و علم مجاهدة النفوس و رياضاتها و علم الثبات عند الواردات و علم التأييد بالمناسب الجنسي و علم العتاب و علم الجزاء في الدنيا و علم العناية و علم الخذلان و علم معرفة مراتب الخلق و العلم الحق من العلم الخيالي و علم التمام و علم الأنوار و ما يذم من الشرك و ما يحمد و علم الايمان و علم المغفرة و علم المحبة المتعلقة بالأكوان و شرف المحمود منها و علم البشائر و علم الوصايا الإلهية و علم تأييد أهل الله إذا صدقوا مع الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ