من الحضرة العاصمية»
اعلم أيدك الله أن الإنسانية لما كانت حقيقة جامعة للرجل و المرأة لم يكن للرجال على النساء درجة من حيث الإنسانية كما إن الإنسان مع العالم الكبير يشتركان في العالمية فليس للعالم على الإنسان درجة من هذه الجهة و قد ثبت أن للرجال على النساء درجة و قد ثبت أن خلق السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ و أن أكثر الناس لا يعلم ذلك مع الاشتراك في الدلالة و العلامة على وجود المرجح و قد قال أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها و ذكر ما يختص بالسماء ثم ذكر الأرض و دحيها و ما يختص بها كل ذلك في معرض التفضيل على الإنسان فوجدنا الدرجة التي فضل بها السماء و الأرض على الإنسان هي بعينها التي فضل بها الرجل على المرأة و هو أن الإنسان منفعل عن السماء و الأرض و مولد بينهما منهما و المنفعل لا يقوي قوة الفاعل لما هو منفعل عنه كذلك وجدنا حواء منفعلة عن آدم مستخرجة متكونة من الضلع القصير فقصرت بذلك أن تلحق بدرجة من انفعلت عنه فلا تعلم من مرتبة الرجل إلا حد ما خلقت منه و هو الضلع فقصر إدراكها عن حقيقة الرجل كذلك الإنسان لا يعلم من العالم إلا قدر ما أخذ في وجوده من العالم لا غير فلا يلحق الإنسان أبدا بدرجة العالم بجملته و إن كان مختصرا منه كذلك المرأة لا تلحق بدرجة الرجل أبدا مع كونها نقاوة من هذا المختصر و أشبهت المرأة الطبيعة من كونها محلا للانفعال فيها و ليس الرجل كذلك فإن الرجل يلقي الماء في الحرم لا غير و الرحم محل التكوين و الخلق فيظهر أعيان ذلك النوع في الأنثى لقبولها التكوين و الانتقالات في الأطوار الخلقية خلقا من بعد خلق إلى أن يخرج بشرا سويا فبهذا القدر يمتاز الرجال عن النساء و لهذا كانت النساء ناقصات العقل عن الرجال لأنهن ما يعقلن إلا قدر ما أخذت المرأة من خلق الرجل في أصل النشأة و أما نقصان الدين فيها فإن الجزاء على قدر العمل و العمل لا يكون إلا عن علم و العلم على قدر قبول العالم و قبول العالم على قدر استعداده في أصل نشأته و استعدادها ينقص عن استعداد الرجل لأنها جزء منه فلا بد أن تتصف المرأة بنقصان الدين عن الرجل و هذا الباب يطلب الصفة التي يجتمع فيها النساء و الرجال و هي فيما ذكرناه كونهما في مقام الانفعال هذا من جهة الحقائق و أما من جهة ما يعرض لهما فمثل قوله إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ إلى قوله وَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِو قوله تعالى التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ و قوله تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ و قال رسول الله ص كمل من الرجال كثيرون و من النساء مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعون اجتمع الرجال و النساء في درجة الكمال و فضل الرجل بالأكملية لا بالكمالية فإن كملا بالنبوة فقد فضل الرجل بالرسالة و البعثة و لم يكن للمرأة درجة البعثة و الرسالة مع أن المقام الواحد المشترك يقع التفاضل في أصحابه بينهم فيه كما قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ و قال وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ و قد شرك الله بين الرجال و النساء في التكليف فكلف النساء كما كلف الرجال و إن اختصت المرأة بحكم لا يكون للرجل فقد يختص الرجل بحكم لا يكون للمرأة و إن كان النساء شقائق الرجال ثم اعلم أن منزلة المرأة من الرجل في أصل الإيجاد منزلة الرحم من الرحمن فإنها شجنة منه فخرجت على صورته و قد ورد في بعض الروايات أن الله خلق آدم على صورة الرحمن و ثبت أن الرحم فينا شجنة من الرحمن فنزلنا من الرحمن منزلة حواء من آدم و هي محل التناسل و ظهور أعيان الأبناء كذلك نحن محل ظهور الأفعال فالفعل و إن كان لله فما يظهر إلا على أيدينا و لا ينسب بالحس إلا إلينا و لو لم نكن شجنة من الرحمن لما صح النسب الإلهي و هو كوننا عبيدا له و مولى القوم منهم فافتقارنا إليه افتقار الجزء إلى الكل و لو لا هذا القدر من النسبة لما كان للعزة الإلهية و الغني المطلق أن يعطف علينا و لا إن ينظر إلينا فبهذا النسب صرنا مجلاها فلا تشهد ذاتها إلا فينا لما خلقنا عليه من الصورة الإلهية فملكنا الأسماء الإلهية كلها فما من اسم إلهي إلا و لنا فيه نصيب و لا يقوم بنا أمر إلا و يسرى حكمه في الأصل قال النبي ص في هذا الاسم في أعضاء الإنسان إنه إذا أحس عضو منه بألم تداعي له سائر الجسم بالحمى فأثر وجود ذلك الألم في العضو الخاص الحمى في سائر الأعضاء فيتألم كله لتالم جزء من جسمه فما ظنك بالنفس الناطقة التي هي سلطانة هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ فإن حاملة الحمى النفس الحيوانية في هذا الموضع و هي للنفس الناطقة بمنزلة ملك اختل عليه بعض ملكه فهمه يكون أشد أ لا ترى الحق سبحانه قد وصف نفسه بالغضب و بالرحمة و بالقبول و بالإجابة و أمثال هذا و جعل ذلك كله مسببا عن أسباب تكون منا فإذا عصيناه مجاهرة أغضبناه و إذا قلنا قولا يرتضيه منا أرضيناه كما قال ص و لا نقول إلا ما يرضى ربنا و إذا تبنا آثرنا القبول عنده و لو لا سيئاتنا ما عاقب و لا عفا و هذا كله مما يصحح النسب و يثبت النسب و يقوي آثار السبب فنحن أولاد علات أم واحدة و آباء مختلفون فهو السبب الأول بالدليل لا بالمشاهدة و لما تقرر ما ذكرناه أيد هذا النسب بقوله فمن وصلها وصله الله و من قطعها قطعه الله فانظر ما أعجب هذا الحكم إن قطعها سبحانه من الرحمن و جعل السعادة لنا و الوصلة به في وصل ما قطعه فالصورة صورة منازعة و فيها القرب الإلهي ليكون لنا حكم الوصل و هو رد الغريب إلى أهله و ليس للحكمة الإلهية في هذا إلا نفي التشبيه فإنه قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فإذا قطعناها أشبهناه في القطع فإنه جعلها شجنة من الرحمن فمن قطعها فقد تشبه به و هو لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء بحكم الأصل فتوعد من قطعها بقطعه إياه من رحمته لا منه و أمرنا بأن نصلها و هو أن نردها إلى من قطعت منه فإنه قال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فأضاف العمل لك و جعل نفسه رقيبا عليه و شهيدا لا يغفل و لا ينسى ذلك لتقتدي أنت به فيما كلفك من الأعمال فلا تغفل و لا تنسى لأنك أولى بهذه الصفة لافتقارك و غناه عنك و لما كانت حواء شجنة من آدم جعل بينهما مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً ينبه أن بين الرحم و الرحمن مودة و رحمة و لذلك أمرك أن تصلها بمن قطعت منه فيكون القطع له و الوصل لك فيكون لك حظ في هذا الأمر تشرف به على سائر العالم فالمودة المجعولة بين الزوجين هو الثبات على النكاح الموجب للتوالد و الرحمة المجعولة هو ما يجده كل واحد من الزوجين من الحنان إلى صاحبه فيحن إليه و يسكن فمن حيث المرأة حنين الجزء إلى كله و الفرع إلى أصله و الغريب إلى وطنه و حنين الرجل إلى زوجته حنين الكل إلى جزئه لأنه به يصح عليه اسم الكل و بزواله لا يثبت له هذا الاسم و حنين الأصل إلى الفرع لأنه يمده فلو لم يكن لم تظهر له ربانية الإمداد كما إن الكون لولاه لم يصح أن يكون ربا على نفسه و هو رب فلا بد من العالم و لم يزل ربا فلم تزل الأعيان الثابتة تنظر إليه بالافتقار أزلا ليخلع عليها اسم الوجود و لم يزل ينظر إليها لاستدعائها بعين الرحمة فلم يزل ربا سبحانه و تعالى في حال عدمنا و في حال وجودنا و الإمكان لنا كالوجوب له قال
فبالمودة و الرحمة طلب الكل جزأه و الجزء كله فالتحما فظهر عن ذلك الالتحام أعيان الأبناء فصح لهم اسم الأبوة فأعطى وجود الأبناء حكما للآباء لم يكونوا عليه و هو الأبوة و ليس الرب كذلك فإنه لم يزل ربا أزلا فإن الممكن في إمكانه لم يزل موصوفا بالإمكان سواء وجد الممكن أو اتصف بالعدم فإن النظر إليه لم يزل في حال عدمه و تقدم العدم للممكن على وجوده نعت أزلي فلم يزل مربوبا و إن لم يكن موجودا فهذا الفارق بين ما يجب لله و بين ما يجب للعبد من حيث الاسمية و المرتبة التي حدثت له بوجود الابن فالتحق النساء بالرجال في الأبوة و من لحوق النساء بالرجال بل تقوم المرأة في بعض المواطن مقام رجلين إذ لا يقطع الحاكم بالحكم إلا بشهادة رجلين فقامت المرأة في بعض المواطن مقامهما و هو قبول الحاكم قولها في حيض العدة و قبول الزوج قولها في إن هذا ولده مع الاحتمال المتطرق إلى ذلك و قبول قولها إنها حائض فقد تنزلت هاهنا منزلة شاهدين عدلين كما تنزل الرجل في شهادة الدين منزلة امرأتين فتداخلا في الحكم
لو لا كمال الصورة ما صحت الخلافة فمن طلبها وكل إليها و من جاءته من غير طلب أعين عليها فالطالب مدع في القيام بحقها و من طلب بها مستقيل منها لأنها أمانة ثَقُلَتْ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و كل مدع ممتحن كانت هذه الصفة فيمن كانت لا أحاشي أحدا و امتحانه على صورة ما يدعيه وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا شهادة إلهية مقطوع بها فهذه منزلة من جاءته الخلافة من غير طلب و العناية من غير تعمل وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا دعوى موضع الامتحان لو لا ما شفع فيه حالة المهد لعدم استحكام العقل فكان حكمه حكم يحيى و هو الأولى هذا إن كان منطقا غير متعقل ما ينطق به و إن تعقله فاستحكم عقله و تقوت آلاؤه في نفس الأمر و في مشهود العادة عند الحاضرين هو خرق عادة فإن كان مأمورا بما نطق به فهو مخبر بما آتاه الله و أمر أن يخبر به فليس بمدع و لا طالب فخرا كما قال رسول الله ص أنا سيد ولد آدم و لا فخر بالراء و هو التبجح بالباطل فهذا معرف عن أمر إلهي فمثل هذا لا يمتحن و لا يختبر فإنه ليس بمدع و هذه كلها أحوال يشترك فيها النساء و الرجال و يشتركان في جميع المراتب حتى في القطبية و لا يحجبك قول الرسول ص لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة فنحن نتكلم في تولية الله لا في تولية الناس و الحديث جاء فيمن ولاة الناس و لو لم يرد إلا قول النبي ص في هذه المسألة إن النساء شقائق الرجال لكان فيه غنية أي كل ما يصح أن يناله الرجل من المقامات و المراتب و الصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء كما كان لمن شاء الله من الرجال أ لا تنظر إلى حكمة الله تعالى فيما زاد للمرأة على الرجل في الاسم فقال في الرجل المرء و قال في الأنثى المرأة فزادها هاء في الوقف تاء في الوصل على اسم المرء للرجل فلها على الرجل درجة في هذا المقام ليس للمرء في مقابلة قوله وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فسد تلك الثلمة بهذه الزيادة في المرأة و كذلك ألف حبلى و همزة حمراء و إن ذكرت تعليل الحق في إقامة المرأتين في الشهادة مقام الرجل الواحد بالنسيان في قوله أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى و التذكر لا يكون إلا عن نسيان فقد أخبر الله تعالى عن آدم أنه نسي و قال ص فنسي آدم فنسيت ذريته فنسيان بنى آدم ذرية عن نسيان آدم كما نحن ذريته و هو وصف إلهي منه صدر في العالم قال تعالى نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ على إن الحق ما وصف إحدى المرأتين إلا بالحيرة فيما شهدت فيه ما وصفها بالنسيان و الحيرة نصف النسيان لا كله و نسب النسيان على الكمال للرجل فقال فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً فقد يمكن أن ينسى الرجل الشهادة رأسا و لا يتذكرها و لا يمكن أن تنسى إحدى المرأتين و هي المذكرة لا على التعيين فتذكر التي ضلت عما شهدت فيه فإن خبر الله صدق بلا شك و هو قد أخبر في هذه الآية أن إحداهما تذكر الأخرى فلا بد أن تكونالواحدة لا تضل عن الشهادة و لا تنسى فقد اتصفت المرأة الواحدة في الشهادة بأخبار الحق عنها بصفة إلهية و هو قول موسى الذي حكي عنه في القرآن لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى و لو لم يكن في شرف التأنيث إلا إطلاق الذات على الله و إطلاق الصفة و كلاهما لفظ التأنيث جبر القلب المرأة الذي يكسره من لا علم له من الرجال بالأمر و قد نهانا الشارع أن نتفكر في ذات الله و ما منعنا من الكلام في توحيد الله بل أمر بذلك فقال فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ و هو هنا ما يخطر لمن نظر في توحيد الله من طلب ماهيته و حقيقته و هو معرفة ذاته التي ما تعرف و حجر التفكر فيها لعظيم قدرها و عدم المناسبة بينها و بين ما يتوهم أن يكون دليلا عليها فلا يتصورها وهم و لا يقيدها عقل بل لها الجلال و التعظيم بل لا يجوز أن تطلب بما كما طلب فرعون فأخطأ في السؤال و لهذا عدل موسى ع عن جواب سؤاله لأن السؤال إذا كان خطأ لا يلزم الجواب عنه و كان مجلس عامة فلذلك تكلم موسى بما تكلم به و رأى فرعون أنه ما أجابه على حد ما سأل لأنه تخيل أن سؤاله ذلك متوجه و ما علم إن ذات الحق تعالى لا تدخل تحت مطلب ما و إنما تدخل تحت مطلب هل و هل سؤال عن وجود المسئول عنه هل هو متحقق أم لا فقال فرعون و قد علم ما وقع فيه من الجهل إشغالا للحاضرين لئلا يتفطنوا لذلك إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ و لو لا ما علم الحق فرعون ما أثبت في هذا الكلام أنه أرسله مرسل و أنه ما جاء من نفسه لأنه دعا إلى غيره و كذا نسبه فرعون إلى ما كان عليه موسى فوصفه بأنه مجنون أي مستور عنكم فلا تعرفونه فعرفه موسى بجوابه إياه و ما عرفه الحاضرون كما عرفه علماء السحرة و ما عرفه الجاهلون بالسحر و بقيت تلك الخميرة عند فرعون يختمر بها عجين طينته و ما ظهر حكمها و لا اختمر عجينه إلا في الوقت الذي قال فيه آمنت بالذي آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ و ما سمى الله ليرفع اللبس و الشك إذ قدم علم الحاضرون أن بنى إسرائيل ما آمنت إلا بالإله الذي جاء موسى و هارون من عنده إليهم فلو قال آمنت بالله و هو قد قرر إنه ما علم لقومه من إله غيره لقالوا لنفسه شهد لا للذي أرسل موسى إلينا كما شهد الله لنفسه فرفع هذا اللبس بما قاله و أما تحقيق هذه المسألة فما يعرف ذلك إلا من يعرف مرتبة الطبيعة من الأمر الإلهي فإن المرأة من الرجل بمنزلة الطبيعة من الأمر الإلهي لأن المرأة محل وجود أعيان الأبناء كما إن الطبيعة للأمر الإلهي محل ظهور أعيان الأجسام فيها تكونت و عنها ظهرت فأمر بلا طبيعة لا يكون و طبيعة بلا أمر لا تكون فالكون متوقف على الأمرين و لا تقل إن الله قادر على إيجاد شيء من غير إن ينفعل أمر آخر فإن الله يرد عليك في ذلك بقوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فتلك الشيئية العامة لكل شيء خاص و هو الذي وقع فيها الاشتراك هي التي أثبتناها و إن الأمر الإلهي عليها يتوجه لظهور شيء خاص في تلك الشيئية المطلقة فإذا ظهرت الأجسام أو الأجساد ظهرت الصور و الأشكال و الأعراض و جميع القوي الروحانية و الحسية و ربما قيل هو المعبر عنه بلسان الشرع العلماء الذي هو للحق قبل خلق الخلق ما تحته هواء و ما فوقه هواء فذكره و سماه باسم موجود يقبل الصور و الأشكال و قد ذكرنا مرتبة الطبيعة و هي هذه الشيئية المطلقة في كتاب النكاح الأول الذي ظهر عنه العالم أسفله و أعلاه و كل ما سوى الله من كثيف و لطيف و معقول و محسوس متصف بالوجود فلا نعرف منها إلا قدر ما يظهر لنا كما لا نعرف من الأسماء الإلهية إلا قدر ما وصل إلينا فمن عرف مرتبة الطبيعة عرف مرتبة المرأة و من عرف الأمر الإلهي فقد عرف مرتبة الرجل و أن الموجودات مما سوى الله متوقف وجودها على هاتين الحقيقتين غير إن هذه الحقيقة تخفى و تدق بحيث يجهلها أبناؤها من العقول فلا تثبتها في العالم البسيط و تثبتها في العالم المركب و ذلك لجهلها بمرتبتها كما جهلت هنا مرتبة المرأة مع تنبيه الشارع على منزلتها بقوله ص إن النساء شقائق الرجال فالأمر بينهما يكون علوا و سفلا أ لا ترى التجليات و الروحانيات المتجسدة هل تظهر في غير صور طبيعية و إن كانت تلك الأجساد سريعة الاستحالة فلم تخرج عنها و هذا منزل واسع يتسع المجال فيه فلنذكر أمهات ما يتضمنه من المسائل دون التفريع فمنها من أي مقام ينادي المؤمن و هل يختلف النداء باختلاف المنادي أم لا و في هذا المنزل أيضا علم سبب العداوة بين الله و بين خلقه و هل من شرط العداوة أن توجد من الطرفين أو من الطرف الواحد و هل يعادي أحد من أجل أحد أو لا تكون العداوة إلا من أجل نفسهلا من أجل غيره و علم إلقاء المحبة في القلوب و ثباتها فيه و هل إلقاؤها انتقال وجودي أو خلق يخلق في المحل و هل من شرط الحب المناسبة أم لا و علم التغريب عن الأوطان لموجب النقيض و علم مشقات السبل الإلهية و علم طلب الرضاء في المنشط و المكره و علم السر و العلن و علم الحيرة عن طريق خاص و علم محبة الستر على التجلي و علم ثبات السبب الموجب لقطع ما أمر بوصله فيكون قطعه قربة و وصله بعد أو علم المواطن و كيف ترد الأمور بحكمها و تأثيرها في الأمور الكونية و الأحكام الإلهية و هو علم واسع و علم رؤية الأعمال مع كونها أعراضا كونية و الأعراض الكونية ترى أحكامها لا أعيانها بخلاف الأعراض اللونية فإنه يرى أعيانها و أحكامها و علم الاقتداء بالمتقدمين و اتباع الفاضل المفضول و علم التبري من الجمع لا من أحدية الجمع و علم ستر أحدية الجمع و الكثرة و علم الحب المشروط و البغض المشروط و هل يصح في نفس الأمر ذلك أو لا يصح و هل يصح فيه استثناء أو لا يصح و هل يقدح في العلم الإلهي رجوع العبد في توكله و أحواله إلى اسم خاص دون سائر الأسماء الإلهية أم لا و علم الصيرورة من علم الرد و الرجوع و الفرق بينهما و بين كل واحد منهما و بين الآخر و علم الاختيار فيما يحمد و يذم و علم تضمن العزة الحكمة و علم الرجاء المشترك و علم ما ينتجه التولي عن الحق المطلق و المقيد و هل يتأثر من يتولى عنه عند التولي أو لا يتأثر و علم المقاربة من الشيء هل يتصف بها الحق أم لا و علم كون الرحمة قد تكون بالستر و بغير الستر و علم سبب إكرام الكريم و مجازاة اللئيم هل يكون بلؤم فيشتركان و إن كان الواحد جزاء أو لا يجازيه إلا بالإحسان و هل يكون لؤم الجزاء لؤما في نفس الأمر أو هو صفة اللئيم تعود عليه لما ظهرت له في غيره فكرهها منه فعلم بذلك أنها صفته و أنها في المجازي أمر عرضي أظهرها للتعليم و هو علم شريف نافع يعرف منه عقوبة الله عباده على أعمالهم مع غناه في نفسه عن ذلك و عدم تضرره به و هل يمكن للخلق أن يكونوا في الجزاء باللؤم على هذا الحد عند مجازاة اللئيم أو لا يكونون و علم ما يعامل به أصحاب الدعاوي و علم الحكم بالعلم و إن الظن قد يسمى علما شرعا و لما ذا يسمى الظن علما و هو ضده و هل العلم هنا عبارة عن العلامة التي يحصل بها الظن في نفس الظان الحاكم به فيكون علمه بتلك العلامة علما بأن هذا ظن غالب يجب الحكم به لرائحة العلم بالعلامة إذ العلم ليس سوى عين العلامة و به سمي علما فبالعلم يعلم العلم كما يعلم به سائر المعلومات فهي كلها علامات و لذلك قال ذلك مبلغهم من العلم و لم يكن علما فكأنه قال ذلك الذي أعطتهم العلامة في ذلك الأمر و علم الحلال و الحرام العقلي و الشرعي و علم المعاوضة في الأبضاع و هو علم عجيب لأنه لا متعلق للمشتري في ذلك إلا الاستمتاع خاصة فكأنه مشتري الاستمتاع و علم العدل في الحكم الإلهي و النيابة فيه و علم الفرق بين العلم و الحكمة و علم اتخاذ الله وقاية مما ذا و هل ذلك من مرتبة العلم أو مرتبة الايمان و علم أحكام التابع و المتبوع هل يجتمعان في أمر أو لا يجتمعان في أمر و علم مبايعة الإمام الذي هو السلطان هل حكمها حكم البيع فيتعين ما بيع و ما اشترى و هل يدخل فيها بيع النفوس و هو المبايعة على الموت أم لا و علم التشبيه فهذا ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ