قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الخامس و العشرون و ثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المح

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الجمع معتبر في كل آونةو الوتر في الجمع كالأعداد في الأحد
هذا الإله هو الأسماء أوترها تسع و تسعون لم تنقص و لم تزد
فالعين مجموع أسماء و ليس لهاوتر سوى ما ذكرناه من العدد
فليس ثم سوى فرد يعينهعين الكثير فلا تلوي على أحد
و الله وتر فلا شيء يكثرهمع العلوم التي أعطاك في الرصد
فلا مؤثر غير الله في بشرو الغير ما ثم فاقصد ساكن البلد
يعطيك خيرا بإحسان يجود بهعليك فهو الذي إن شاء لم يجد

اعلم فهمك الله أن كل ما سوى الله أرواح مطهرة منزهة موجدها و خالقها و هي تنقسم إلى مكان و إلى متمكن و المكانينقسم إلى قسمين مكان يسمى سماء و مكان يسمى أرضا و المتمكن فيهما ينقسم إلى قسمين إلى متمكن فيه و إلى متمكن عليه فالمتمكن فيه يكون بحيث مكانه و المتمكن عليه لا يكون بحيث مكانه و هذا حصر كل ما سوى الله و كل ذلك أرواح في الحقيقة أجسام و جواهر في الحق المخلوق به و هذه الأرواح على مراتب في التنزيه تسمى مكانة و ما من منزه لله تعالى إلا و تنزيهه على قدر مرتبته لأنه لا ينزه خالقه إلا من حيث هو إذ لا يعرف إلا نفسه فيثمر له ذلك التنزيه عند الله مكانة يتميز بها كل موجود عن غيره و هذا المنزل يحتوي على تنزيه الأرواح المتمكنة لا المكانية و سيرد منزل في هذه المنازل نذكر فيه تنزيه المكان و المتمكن معا فكان هذا المنزل يحتوي على نصف العالم من حيث ما هو منزه ثم إن الله تعالى عاد بالمكانة على هذا المنزه بأن كان الحق مجلاه فرأى نفسه و رتبته فسبح على قدر ما رأى فإذا هو نفسه لا غيره و ذلك أن الحق أسدل بينه و بين عباده حجاب العزة فوقف التنزيه دونه فعلم إن الحق لا يليق به تنزيه خلقه و أن حجاب العزة أحمى و قهرها أغلب ثم رأى من سواه من العارفين بالله المنزهين بنعوت السلوب على مراتب و قد أقر الجميع منهم بأنهم كانوا غالطين في محل تنزيههم و أن تنزيههم ما خرج عنهم و ذلك لحكمته التي سرت في خلقه فكان ذلك تنزيه الحكمة لا غيره و لو لا ستر حجاب العزة ما عرفوا ذلك و من هذا الحجاب ظهر الكفر في العالم و صارت المعرفة خبرا بما وراء هذا الحجاب فظهر الايمان في العالم بين الستر و المؤمن فالكافر الذي هو الساتر أقرب من أجل الكفر فإن الستر يرى المستور به و المستور عنه و هو صفة الكافر و المؤمن دون هذا الستر فمقامه الحجاب قال تعالى وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ و الايمان متعلقة الخبر و الخبر من أقسام الكلام ثم إنه سبحانه أخرج أهل الستر من الغيب إلى الشهادة ليحصل له مقام الجمع بين الحالتين فينزهه باللسانين و يثبت له الصفتين و لم يكن في ظنه ما فعله الحق به بل كان يتخيل أن الغيب لا يكون في موطن شهادة لعلمه أن الغيب منيع الحمى لا يعلم ما فيه فيوصل إليه و إنما مقامه أن يكون مشعورا به من غير تعيين ما هو ذلك المشعور به و غفل عن كون الله يفعل ما يريد و إنه ما في حقه غيب و أن الغيب لا يصح أن يكون إلا إضافيا فلما بدا له من الله ما لم يكن في حسابه علم إن الأمور بيد الله و أنه ما ثم من يستحق حكما لنفسه بل هو الله الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و لما علمت الأشياء أنه لا شيء لها من ذاتها و إنها بحسب ما تقتضيه ذات موجدها و أن الأحوال تتجدد عليها بحسب ما تطلبه حقائق من استندت إليه و هو الله تعالى خافت حيث لم تقف على علم الله فيها في المستقبل فتركت جميع ما كانت تعتمد عليه في نفسها لما عند خالقها فسبحته تسبيحا جديدا من خلق جديد و عبرت من النظر إليها إلى النظر إلى من بيده ملكوت كل شيء و لو لا هذا المقام الذي أقامها فيه وردها من قريب إليه لناداها من بعيد فكان المدى يطول عليها و يتعرض لها الآفات و الصوارف في الطريق فإن المسافر و ماله على قلة ثم إن الله لما حصل الأشياء في هذا المقام رفع لها علما من أعلام المعرفة أعطاها ذلك العلم إنها شق و إنها على النصف من الوجود و أن كمال الوجود بها و لولاها ما ظهر الكمال في الوجود و العلم فزهت و عظم شأنها عندها و ما عرفت أي قسم صح لها من الوجود ثم ظهر ذلك لها في عبادة الصلاة حيث قسمها الحق نصفين بينه و بين عبده فزادت تيها فلما سمعت آخر الخبر موافقا لحالها الذي لم تشعر به في قوله فنصفها لي و لم يقيد و قال في نصف العبد و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل و السؤال مذلة و فقر و حاجة و مسكنة إلا أن العبد لاح له من خلف هذا الحجاب ما لم يكن يظنه و هو أنه في منزل يكون الحق متأخرا عنه مثل قوله وَ الله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ و ذلك لأنه في حكم الفرار إذا استقبله ما لا يطيق حمله فأخبره الله أنه من ورائه و هو الذي يستقبله فإن فر منه فإليه يفر من حيث لا يشعر كما يكون في منزل آخر أو لا له من قوله ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها و قد وصف نفسه بأنه الهادي و الهادي هو الذي يكون إمام القوم ليريهم الطريق و هو قوله إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الْكِتابُ وَ لا الْإِيمانُ فصارت الأشياء مع الحق عقبة فتقدم تعالى الأشياء ليهديها إلى ما فيه سعادتها و تأخر عنها ليحفظها ممن يغتالها و هو العدم فإن العدم يطلبها كما يطلبها الوجود و هي محل قابل للحكمين ليس في قوتها الامتناع إلا بلطف اللطيف ثم إن الله تعالى لما أطلعها على هذا حصل لها من العلم بجلال الله أسماء تسبحه بها و تحمده و تثني عليه بها لم تكن تعلم ذلك قبل هذا المشهد كما قال ص في المقام المحمود يوم القيامة فأحمده بمحامد لا أعلمهاالآن يعطيه إياها ذلك المقام بالحصول فيه إلها ما يلهمه الله فيثني عليه بها و هكذا كل منزلة و مرتبة في العالم دنيا و آخرة إلى ما لا يتناهى له ثناء خاص في كل منزل منها فإذا سبحه ورثه ذلك الثناء علما آخر لم يكن عنده من علم الأذن الإلهي الذي خلق الله منه بيد عيسى الطير و منه نفخ عيسى فيه فكان طيرا و منه أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيا الموتى و هو علم شريف تحقق به أبو يزيد البسطامي و ذو النون المصري فأما أبو يزيد فقتل نملة بغير قصد فلما علم بها نفخ فيها فقامت حية بإذن الله و أما ذو النون فجاءته العجوز التي أخذ التمساح ولدها فذهب به في النيل فدعا بالتمساح فألقاه إليها من جوفه حيا كما ألقى الحوت يونس فإذا كشف له عن هذا العلم أثنى عليه سبحانه بما ينبغي له من المحامد التي يطلبها هذا المقام و من هنا يكون له الاستشراف على من خرج عن هذا المقام فيعلم حال الخارجين لأن هذا المنزل هو المنزل الجامع و لهذا سمي منزل القرآن فإذا نزل صاحب هذا المنزل من هذا المقام إلى الكون تعرض له العدو بأجناده و هو إبليس المعادي له بالطبع و لا سيما للبنين فإنه منافر من جميع الوجوه بخلاف معاداته لآدم فإنه جمع بينه و بين آدم اليبس فإن بين التراب و النار جامعا و لذلك الجامع صدقه لما أقسم له بالله أنه لنا صح و ما صدقه الأبناء فإنه للأبناء ضد من جميع الوجوه و هو قوله في الأبناء أنه خلقهم من ماء و هو منافر للنار فكانت عداوة الأبناء أشد من عداوة الأب له و جعل الله هذا العدو محجوبا عن إدراك الأبصار و جعل له علامات في القلب من طريق الشرع يعرفه بها تقوم له مقام إدراك البصر فيتحفظ بتلك العلامات من إلقائه و أعان الله هذا الإنسان عليه بالملك الذي جعله مقابلا له غيبا لغيب فمهما لم يؤثر في ظاهر الإنسان و ظهر عليه الملك بمساعدة النفس كان أجران للنفس أجرها و أجر المعين و هو الملك لأن الملك لا يقبل الجزاء و لا يزيد مقامه و لا ينقص و إن أثر في ظاهر الإنسان فإن الملك يغتم لذلك و يستغفر لهذا الإنسان و هو أعني الملك ليس بمحل لجزاء الغم فيعود ذلك الجزاء على الإنسان فهو في الحالتين رابح في الطاعة و المعصية و الايمان يشد من الملك و لهذا يستغفر له الملك و اعلم أن القرآن لما كان جامعا تجاذبته جميع الحقائق الإلهية و الكونية على السواء فلم يكن فيه عوج و لا تحريف فمنزلته الاعتدال و الاعتدال منزل حفظ بقاء الوجود على الموجود ما هو منزل الإيجاد لأن الإيجاد لا يكون إلا عن انحراف و ميل و يسمى في حق الحق توجها إراديا و هو قوله إِذا أَرَدْناهُ و لما كان منزله الاعتدال كان له الديمومة و البقاء فله إبقاء التكوين و بقاء الكون فلو نزل عن منزله لنزل من الاعتدال إلى الانحراف و هو قوله وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ به الْجِبالُ و قوله لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ يعني عن منزله عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً يعني الجبل فلم يحفظ عليه صورته لأنه نزل عن منزله و لما كان هذا منزله و تجاذبته الحقائق على سواء كان من به أنزل عليه رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ لأن الرحمة وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فطلبها كل شيء طلبا ذاتيا لما دعا رسول الله ص في القنوت على من دعا عليه عوتب في ذلك فقيل له وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أي لترحمهم لأنك صاحب القرآن و القرآن ينطق بأني ما أرسلتك إلا رحمة و إنه ينطق بأن رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فهي بين منة و وجوب فمن عبادي من تسعهم بحكم الوجوب و منهم من تسعهم بحكم المنة و الأصل المنة و الفضل و الإنعام الإلهي إذ لم يكن الكون فيكون له استحقاق فما كان ظهوره إلا من عين المنة و كذلك الأمر الذي به استحق الرحمة كان من عين المنة فإذا نزل القرآن عن منزله فإنه كلامه و كلامه على نسبة واحدة لما يقبله الكلام من التقسيم فإنه ينزله و فيه حقيقة الاعتدال في النسب و هو جديد عند كل تال أبدا فلا يقبل نزوله إلا مناسبا له في الاعتدال فهو معرى عن الهوى و لهذا قيل في محمد ص وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى و نهى غيره من الرسل الخلفاء أن يتبع الهوى فلم ينزل في المرتبة منزلة من أخبر عنه أنه لا ينطق عن الهوى و ما كل نال يحس بنزوله لشغل روحه بطبيعته فينزل عليه من خلف حجاب الطبع فلا يؤثر فيه التذاذا و هو قوله ص في حق قوم من التالين إنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم فهذا قرآن منزل على الألسنة لا على الأفئدة و قال في الذوق نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ فذلك هو الذي يجد لنزوله عليه حلاوة لا يقدر قدرها تفوق كل لذة فإذا وجدها فذلك الذي نزل عليه القرآن الجديد الذي لا يبلى و الفارق بين النزولين أن الذي ينزل القرآن على قلبه ينزل بالفهم فيعرف ما يقرأ و إن كان بغير لسانه و يعرف معاني ما يقرأ و إن كانت تلك الألفاظ لا يعرف معانيها في غير القرآن لأنها ليست بلغتهو يعرفها في تلاوته إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند التلاوة و إذا كان مقام القرآن و منزله ما ذكرناه وجد كل موجود فيه ما يريد و لذلك كان يقول الشيخ أبو مدين لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد و كل كلام لا يكون له هذا العموم فليس بقرآن و لما كان نزوله على القلب و هو صفة إلهية لا تفارق موصوفها لم يتمكن أن ينزل به غير من هو كلامه فذكر الحق أنه وسعه قلب عبده المؤمن فنزول القرآن في قلب المؤمن هو نزول الحق فيه فيكلم الحق هذا العبد من سره في سره و هو قولهم حدثني قلبي عن ربي من غير واسطة فالتالي إنما سمي تاليا لتتابع الكلام بعضه بعضا و تتابعه يقضي عليه بحر في الغاية و هما من والى فينزل من كذا إلى كذا و لما كان القلب من العالم الأعلى و كان اللسان من العالم الأنزل و كان الحق منزله قلب العبد و هو المتكلم و هو في القلب واحد العين و الحروف من عالم اللسان ففصل اللسان الآيات و تلا بعضها بعضا فيسمى الإنسان تاليا من حيث لسانه فإنه المفصل لما أنزل مجملا و القرآن من الكتب و الصحف المنزلة بمنزلة الإنسان من العالم فإنه مجموع الكتب و الإنسان مجموع العالم فهما إخوان و أعني بذلك الإنسان الكامل و ليس ذلك إلا من أنزل عليه القرآن من جميع جهاته و نسبه و ما سواه من ورثته إنما أنزل عليه من بين كتفيه فاستقر في صدره عن ظهر غيب و هي الوراثة الكاملة حكي عن أبي يزيد أنه ما مات حتى استظهر القرآن و قال رسول الله ص في الذي أوتي القرآن إن النبوة أدرجت بين جنبيه و هذا الفرق بين الأنبياء و الأولياء الأتباع لكن من أدرجت النبوة بين جنبيه و جاءه القرآن عن ظهر غيب أعطى الرؤية من خلفه كما أعطيها من أمامه إذ كان القرآن لا ينزل إلا مواجهة فهو للنبي ص من وجهين وجه معتاد و وجه غير معتاد و هو للوارث من وجه غير معتاد فسمي ظهرا بحكم الأصل و هو وجه بحكم الفرع و لما ذقنا ذلك لم نر لأنفسنا تمييز جهة من غيرها و جاءنا بغتة فما عرفنا الأمر كيف هو إلا بعد ذلك فمن وقف مع القرآن من حيث هو قرآن كان ذا عين واحدة أحدية الجمع و من وقف معه من حيث ما هو مجموع كان في حقه فرقانا فشاهد الظهر و البطن و الحد و المطلع فقال لكل آية ظهر و بطن و حد و مطلع و ذلك الآخر لا يقول بهذا و الذوق مختلف و لما ذقنا هذا الأمر الآخر كان التنزل فرقانيا فقلنا هذا حلال و هذا حرام و هذا مباح و تنوعت المشارب و اختلفت المذاهب و تميزت المراتب و ظهرت الأسماء الإلهية و الآثار الكونية و كثرت الأسماء و الآلهة في العالم فعبدت الملائكة و الكواكب و الطبيعة و الأركان و الحيوانات و النبات و الأحجار و الأناسي و الجن حتى إن الواحد لما جاء بالوحدانية قالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ و في الحقيقة ليس العجب ممن وحد و إنما العجب ممن كثر بلا دليل و لا برهان و لهذا قال وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به و هذه رحمة من الله بمن لاحت له شبهة في إثبات الكثرة فاعتقد أنها برهان بأن الله يتجاوز عنه فإنه بذل وسعه في النظر و ما أعطته قوته غير ذلك فليس للمشركين عن نظر أرجى في عفو الله من هذه الآية و قد قلنا إنه ما في العالم أثر إلا و هو مستند إلى حقيقة إلهية فمن أين تعددت الآلهة و عبدت من الحقائق الإلهية فاعلم إن ذلك من الأسماء فإن الله لما وسع فيها فقال اعْبُدُوا الله و قال اتَّقُوا الله رَبَّكُمْ و قال اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ و قال ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا يعني الله أو الرحمن فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فزاد الأمر عندهم إبهاما أكثر مما كان فإنه لم يقل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فالعين واحدة و هذان اسمان لها هذا هو النص الذي يرفع الإشكال فما أبقى الله هذا الإشكال إلا رحمة بالمشركين أصحاب النظر الذي أشركوا عن شبهة و بقي الوعيد في حق المقلدين حيث أهلهم الله للنظر و ما نظروا و لا فكروا و لا اعتبروا فإنه ما هو علم تقليد فالمخطئ مع النظر أولى و أعلى من الإصابة و المصيب مع التقليد إلا في ذات الحق فإنه لا ينبغي أن يتصرف مخلوق فيها بحكم النظر الفكري و إنما هو مع الخبر الإلهي فيما يخبر به عن نفسه لا يقاس عليه و لا يزيد و لا ينقص و لا يتأول و لا يقصد بذلك القول وجها معينا بل يعقل المعنى و يجهل النسبة و يرد العلم بالنسبة إلى علم الله فيها فمن نظر الأمر بمثل هذا النظر فقد أقام العذر لصاحبه و كان رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ثم اعلم أن الله أنزل الكتاب فرقانا في ليلة القدر ليلة النصف من شعبان و أنزله قرآنا في شهر رمضان كل ذلك إلى السماء الدنيا و من هناك نزل في ثلاث و عشرين سنة فرقانا نجوما ذا آيات و سور لتعلم المنازل و تتبين المراتب فمن نزوله إلى الأرض في شهر شعبان يتلى فرقانا و من نزوله في شهر رمضان يتلى قرآنا فمنا منيتلوه به فذلك القرآن و منا من يتلوه بنفسه فذلك الفرقان و لا يصح أن يتلى بهما في عين واحدة و لا حال واحدة فإذا كنت عنده كنت عندك و إذا كنت عندك لم تكن عنده لأن كل شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ و هو ليس كذلك بل هو مع كل شيء و عند من يذكره بالذكر لا غير فإنه جليس الذاكرين «فصل» اعلم أن الله أنزل هذا القرآن حروفا منظومة من اثنين إلى خمسة أحرف متصلة و مفردة و جعله كلمات و آيات و سورا و نورا و هدى و ضياء و شفاء و رحمة و ذكرا و عربيا و مبينا و حقا و كتابا و محكما و متشابها و مفصلا و لكل اسم و نعت من هذه الأسماء معنى ليس للآخر و كله كلام الله و لما كان جامعا لهذه الحقائق و أمثالها استحق اسم القرآن فلنذكر مراتب بعض نعوته ليعلم أهل الله منزلته «وصل» فمن ذلك كونه حروفا و المفهوم من هذا الاسم أمران الأمر الواحد المسمى قولا و كلاما و لفظا و الأمر الآخر يسمى كتابة و رقما و خطا و القرآن يخط فله حروف الرقم و ينطق به فله حروف اللفظ فلما ذا يرجع كونه حروفا منطوقا بها هل لكلام الله الذي هو صفته أو هل للمترجم عنه فاعلم إن الله قد أخبرنا نبيه ص أنه سبحانه يتجلى في القيامة في صور مختلفة فيعرف و ينكر و من كانت حقيقته تقبل التجلي في الصور فلا يبعد أن يكون الكلام بالحروف المتلفظ بها المسماة كلام الله لبعض تلك الصور كما يليق بجلاله فكما نقول تجلى في صورة كما يليق بجلاله كذلك نقول تكلم بصوت و حرف كما يليق بجلاله و نحملها محمل الفرح و الضحك و العين و القدم و اليد و اليمين و غير ذلك مما ورد في الكتاب و السنة مما يجب الايمان به على المعنى المعقول من غير كيفية و لا تشبيه فإنه يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنفى إن يماثل مع عقل المعنى و جهل النسبة فإذا انتظمت الحروف سميت كلمة و إذا انتظمت الكلمات سميت آية و إذا انتظمت الآيات سميت سورة فلما وصف نفسه بأن له نفسا كما يليق بجلاله و وصف نفسه بالصوت و القول و قال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله كان النفس المسمى صوتا و كان انقطاعه من الصوت حيث انقطع يسمى حرفا و كل ذلك معقول مما وقع الإخبار الإلهي به لنا مع نفي المماثلة و التشبيه كسائر الصفات و لما وصف نفسه بالصورة عرفنا معنى قوله إنه الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ فالباطن للظاهر غيب و الظاهر للباطن شهادة و وصف نفسه بأن له نفسا فهو خروجه من الغيب و ظهور الحروف شهادة و الحروف ظروف للمعاني التي هي أرواحها و التي وضعت للدلالة عليها بحكم التواطؤ و قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ و أبلغ من هذا الإفصاح من الله لعباده ما يكون فلا بد أن يفهم من هذه العبارات ما تدل عليه في ذلك اللسان بما وقع الإخبار به عن الكون فيعرف المعنى الذي يدل عليه ذلك الكلام و تعرف النسبة و ما وقع الإخبار به عن الله يعرف المعنى الذي يدل عليه ذلك الكلام و تجهل النسبة لما أعطى الدليل العقلي و الدليل الشرعي من نفي المماثلة فإذا تحققت ما قررناه تبينت أن كلام الله هو هذا المتلو المسموع المتلفظ به المسمى قرآنا و توراة و زبورا و إنجيلا فحروفه تعين مراتب كلمه من حيث مفرداتها ثم للكلمة من حيث جمعيتها معنى ليس لآحاد حروف الكلمة فللكلمة أثر في نفس السامع لهذا سميت كلمة في اللسان العربي مشتقة من الكلم و هو الجرح و هو أثر في جسم المكلوم كذلك للكلمة أثر في نفس السامع أعطاه ذلك الأثر استعداد السمع لقبول الكلام بوساطة الفهم لا بد من ذلك فإذا انتظمت كلمتان فصاعدا سمي المجموع آية أي علامة على أمر لم يعط ذلك الأمر كل كلمة على انفرادها مثل الحروف مع الكلمة إذ قد تقرر أن للمجموع حكما لا يكون لمفردات ذلك المجموع فإذا انتظمت الآيات بالغا ما أراد المتكلم أن يبلغ بها سمي المجموع سورة معناها منزلة ظهرت عن مجموع هذه الآيات لم تكن الآيات تعطي تلك المنزلة على انفراد كل آية منها و ليس القرآن سوى ما ذكرناه من سور و آيات و كلمات و حروف فهذا قد أعطيتك أمرا كليا في القرآن و المنازل تختلف فتختلف الآيات فتختلف الكلمات فيختلف نظم الحروف و القرآن كبير كثير لو ذهبنا نبين على التفصيل ما أومأنا إليه لم يف العمر به فوكلناك إلى نفسك لاستخراج ما فيه من الكنوز و هذا إذا جعلناه كلاما فإن أنزلناه كتابا فهو نظم حروف رقمية لانتظام كلمات لانتظام آيات لانتظام سور كل ذلك عن يمين كاتبة كما كان القول عن نفس رحماني فصار الأمر على مقدار واحد و إن اختلفت الأحوال لأن حال التلفظ ليس حال الكتابة و صفة اليد ليست صفة النفس فكونهكتابا كصورة الظاهر و الشهادة و كونه كلاما كصورة الباطن و الغيب فأنت بين كثيف و لطيف و الحروف على كل وجه كثيف بالنسبة إلى ما يحمله من الدلالة على المعنى الموضوع له و المعنى قد يكون لطيفا و قد يكون كثيفا لكن الدلالة لطيفة على كل وجه و هي التي يحملها الحرف و هي روحه و الروح ألطف من الصورة ثم إن الله قد جعل للقرآن سورة من سورة قلبا و جعل هذه السورة تعدل القرآن عشرة أوزان و جعل لآيات القرآن آية أعطاها السيادة على آي القرآن و جعل من سور هذا القرآن سورة تزن ثلثه و نصفه و ربعه و ذلك لما أعطته منزلة تلك السورة و الكل كلامه فمن حيث هو كلامه لا تفاضل و من حيث ما هو متكلم به وقع التفاضل لاختلاف النظم فاضرع إلى الله تعالى ليفهمك ما أومأنا إليه فإنه المنعم المحسان «وصل» كون القرآن نورا بما فيه من الآيات التي تطرد الشبه المضلة مثل قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا و قوله لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ و قوله فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ و قوله فَأْتِ بِها من الْمَغْرِبِ و قوله إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا و قوله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً و قوله فَأْتُوا بِسُورَةٍ من مِثْلِهِ و كل ما جاء في معرض الدلالة فهو من كونه نورا لأن النور هو المنفر الظلم و به سمي نورا إذ كان النور النفور «وصل» و أما كونه ضياء فلما فيه من الآيات الكاشفة للأمور و الحقائق مثل قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و قوله من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله و قوله أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ و قوله لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ و قوله وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله و قوله كُلٌّ من عِنْدِ الله و قوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها و ما أشبه ذلك مما يدل على مجرى الحقائق و مثل قوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ «وصل» و أما كونه شفاء فكفاتحة الكتاب و آيات الأدعية كلها «وصل» و أما كونه رحمة فلما فيه مما أوجبه على نفسه من الوعد لعباده بالخير و البشرى مثل قوله لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله و قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و كل آية رجاء «وصل» و أما كونه هدى فكل آية محكمة و كل نص ورد في القرآن مما لا يدخله الاحتمال و لا يفهم منه إلا الظاهر بأول وهلة مثل قوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و قوله وَ لَكُمْ في الْقِصاصِ حَياةٌ و قوله من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ من جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها و قوله فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله و أمثال هذه الآيات مما لا تحصى كثرة «وصل» و أما كونه ذكرا فلما فيه من آيات الاعتبارات و قصص الأمم في إهلاكهم بكفرهم كقصة قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و أصحاب الأيكة و أصحاب الرس «وصل» و أما كونه عربيا فلما فيه من حسن النظم و بيان المحكم من المتشابه و تكرار القصص بتغيير ألفاظ من زيادة و نقصان مع توفية المعنى المطلوب في التعريف و الإعلام مع إيجاز اللفظ مثل قوله يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ و قوله ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا و قوله يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و قوله وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ من الْمُرْسَلِينَ كل ذلك في آية واحدة تحتوي على بشارتين و أمرين بعلم نافع و تبيين ببشرى من الله «وصل» و أما كونه مبينا فبما أبان فيه من صفات أهل السعادة و أهل الشقاء و نعوت أهل الفلاح من غيرهم كقوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى آخر الآيات و قوله إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ و آيات الأحكام و كل آية أبان بها عن أمر ليعرف فلهذا سماه بهذه الأسماء كلها و جعله قرآنا أي ظاهرا جامعا لهذه المعاني كلها التي لا توجد إلا فيه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ كمل السفر الحادي و العشرون بكمال هذا الباب