من الحضرة المحمدية و الموسوية و العيسوية»
اعلم أن الغيب ظرف لعالم الشهادة و عالم الشهادة هنا كل موجود سوى الله تعالى مما وجد و لم يوجد أو وجد ثم رد إلى الغيب كالصور و الأعراض و هو مشهود لله تعالى و لهذا قلنا إنه عالم الشهادة و لا يزال الحق سبحانه يخرج العالم من الغيب شيئا بعد شيء إلى ما لا يتناهى عددا من أشخاص الأجناس و الأنواع و منها ما يرده إلى غيبة و منها ما لا يرده أبدا فالذي لا يرده أبدا إلى الغيب كل ذات قائمة بنفسها و ليس إلا الجواهر خاصة و كل ما عدا الجواهر من الأجسام و الأعراض الكونية و اللونية فإنها ترد إلى الغيب و يبرز أمثالها و الله يخرجها من الغيب إلى شهادتهاأنفسها فهو عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ و الأشياء في الغيب لا كمية لها إذ الكمية تقتضي الحصر فيقال كم كذا و كذا و هذا لا ينطلق عليها في الغيب فإنها غير متناهية فكم و كيف و الأين و الزمان و الوضع و الإضافة و العرض و أن يفعل و أن ينفعل كل ذلك نسب لا أعيان لها فيظهر حكمها بظهور الجوهر لنفسه إذا أبرزه الحق من غيبه فإذا ظهرت أعين الجواهر تبعتها هذه النسب فقيل كم عين ظهرت فقيل عشرة أو أكثر أو أقل فقيل كيف هي فقيل مؤلفة فعرض لها الجسمية فصحت الكيفية بالجسمية و حلول الكون و اللون فقيل أين فقيل في الحيز أو المكان فقيل متى فقيل حين كان كذا في صورة كذا فقيل ما لسانه فقيل أعجمي أو عربي فقيل ما دينه فقيل شريعة كذا فقيل هل ظهر منه ما يكون من ظهور آباء كما ظهر هو من غيره فقيل هو ابن فلان قيل ما فعل قيل أكل قيل ما انفعل عن أكله قيل شبع فهذه جملة النسب التي تعرض للجواهر إذا أخرجها الله من غيبه فليس في الوجود المحدث إلا أعيان الجوهر و النسب التي تتبعه فكان الغيب بما فيه كأنه يحوي على صورة مطابقة لعالمه إذ كان علمه بنفسه علمه بالعالم فبرز العالم على صورة العالم من كونه عالما به فصورته من الجوهر ذاته و من الكم عدد أسمائه و من الكيف قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و أمثال هذا فيما أخبر به عن نفسه كثير و الأين كان الله في عماء و هو الله في السماء و الزمان كان الله في الأزل و الوضع وَ كَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فجميع الشرائع وضعه و الإضافة خالق الخلق مالِكَ الْمُلْكِ و أن يفعل بيده الميزان يخفض القسط و يرفعه و أن ينفعل يدعى فيجيب و يسأل فيعطي و يستغفر فيغفر و هذه كلها صورة العالم و كل ما سوى الله قد ظهر على صورة موجدة فما أظهر إلا نفسه فالعالم مظهر الحق على الكمال فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم إذ ليس أكمل من الحق تعالى فلو كان في الإمكان أكمل من هذا العالم لكان ثم من هو أكمل من موجدة و ما ثم إلا الله فليس في الإمكان إلا مثل ما ظهر لا أكمل منه فتدبر ما قلته فهو لباب المعرفة بالله ثم إن الله اختصر من هذا العالم مختصرا مجموعا يحوي على معانيه كلها من أكمل الوجوه سماه آدم و قال إنه خلقه على صورته فالإنسان مجموع العالم و هو الإنسان الصغير و العالم الإنسان الكبير أو سم الإنسان العالم الصغير كيفما شئت إذا عرفت الأمر كما هو عليه في نفسه و عينه فانسب إليه و اصطلح كما تريد فلا فضل للإنسان على العالم بجملته و العالم أفضل من الإنسان لأنه يزيد عليه درجة و هي أن الإنسان وجد عن العالم الكبير فله عليه درجة السببية لأنه عنه تولد قال تعالى وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ لأن حواء صدرت من آدم فلم تزل الدرجة تصحبه عليها في الذكورة على الأنوثة و إن كانت الأم سببا في وجود الابن فابنها يزيد عليها بدرجة الذكورة لأنه أشبه أباه من جميع الوجوه فوجب على الإنسان تعظيم أبويه فأمه العالم بأسره و أبوه معروف غير منكور و النكاح التوجه فخرج الولد على صورة أبويه و لما كان الولد لا يدعى إلا لأبيه لا ينسب إلى أمه لأن الأب له الدرجة و له العلو فينسب إلى الأشرف و لما لم يتمكن لعيسى ع إن ينسب إلى من وهبه لها بشرا سويا أعطيت أمه الكمال و هو المقام الأشرف فنسب عيسى إليها فقيل عيسى ابن مريم فكان لها هذا الشرف بالكمال مقام الدرجة التي شرف بها الرجال على النساء فنسب الابن إلى أبيه لأجلها و كمال مريم شهد لها بذلك رسول الله ص و لآسية امرأة فرعون فأما كمال آسية فلشرف المقام الذي ادعاه فرعون فلم يكن ينبغي لذلك المقام أن يكون العرش الذي يستوي عليه إلا موصوفا بالكمال فحصل لآسية الكمال بشرف المقام الذي شقي به فرعون و لحق بالخسران المبين و فازت امرأته بالسعادة و لشرف المقام الذي حصل لها به الكمال قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً في الْجَنَّةِ فما أنطقها إلا قوة المقام بعندك و لم تطلب مجاورة موسى و لاحد من المخلوقين و لم يكن ينبغي لها ذلك فإن الحال يغلب عليها فإن الكامل لا يكون تحت الكامل فإن التحتية نزول درجة و لما كان كمال مريم بعيسى في نسبته إليها لم تقل ما قالت آسية آسية تقول نَجِّنِي من فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي من الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ حتى لا تنتهك حرمة النسبة و مريم تقول يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا و هي بريئة في نفس الأمر عند الله فما قالت ذلك من أجل الله كما قالت آسية عِنْدَكَ فقدمته و طلبت جواره و العصمة من أيدي عداته و لكنقالت ذلك مريم حياء من الناس لما علمته من طهارة بيتها و آبائها فخافت من إلحاق العار بهم من أجلها و لما ذكرنا أن العالم كان مستورا في غيب الله و كان ذلك الغيب بمنزلة الظل للشخص فلو سلخ من الظل جميعه أمر ما لخرج على صورة الظل و الظل على صورة ما هو ظل له فالخارج من الظل المسلوخ منه على صورة الشخص أ لا ترى النهار لما سلخ من الليل ظهر نورا فظهرت الأشياء التي كانت مستورة بالليل ظهرت بنور النهار فلم يشبه النهار الليل و أشبه النور في ظهور الأشياء به فالليل كان ظل النور و النهار خرج لما سلخ من الليل على صورة النور كذلك العالم في خروجه من الغيب خرج على صورة العالم بالغيب كما قررناه فقد تبين لك من العلم بالله من هذا المقام ما فيه كفاية إن عرفت قدره فَلا تَكُونَنَّ من الْجاهِلِينَ و أما مسألة روح صورة هذا العالم و أرواح صور العالم العلوي و السفلي فها أنا أبسطها لك في هذه المسألة من هذا المنزل في الدرجة الثامنة منه فإن هذا المنزل يحوي على سبعة عشر صنفا من العلم هذا أحدها فنقول إن روح العالم الكبير هو الغيب الذي خرج عنه فافهم و يكفيك أنه المظهر الأكبر الأعلى إن عقلت و عرفت قوله أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ و بعد أن بان لك روح العالم الكبير فبقي لك أن تعلم أرواح صور العالم هل هي موجودة عن صورة أو قبلها أو معها و منزلة الأرواح من صور العالم كمنزلة أرواح صور أعضاء الإنسان الصغير كالقدرة روح اليد و السمع روح الأذن و البصر روح العين فاعلم إن الناس اختلفوا في هذه المسألة على ما ذكرنا تفصيله و التحقيق في ذلك عندنا إن الأرواح المدبرة للصور كانت موجودة في حضرة الجمال غير مفصلة لأعيانها مفصلة عند الله في علمه فكانت في حضرة الإجمال كالحروف الموجودة بالقوة في المداد فلم تتميز لأنفسها و إن كانت متميزة عند الله مفصلة في حال إجمالها فإذا كتب القلم في اللوح ظهر صور الحروف مفصلة بعد ما كانت مجملة في المداد فقيل هذا ألف و باء و جيم و دال في البسائط و هي أرواح البسائط و قيل هذا قام و هذا زيد و هذا خرج و هذا عمرو و هي أرواح الأجسام المركبة و لما سوى الله صور العالم أي عالم شاء كان الروح الكل كالقلم و اليمين الكاتبة و الأرواح كالمداد في القلم و الصور كمنازل الحروف في اللوح فنفخ الروح في صور العالم فظهرت الأرواح متميزة بصورها فقيل هذا زيد و هذا عمرو و هذا فرس و هذا فيل و هذه حية و كل ذي روح و ما ثم إلا ذو روح لكنه مدرك و غير مدرك فمن الناس من قال إن الأرواح في أصل وجودها متولدة من مزاج الصورة و من الناس من منع من ذلك و لكل واحد وجه يستند إليه في ذلك و الطريقة الوسطى ما ذهبنا إليه و هو قوله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ و إذا سوى الله الصور الجسمية ففي أية صورة شاء من الصور الروحية ركبها إن شاء في صورة خنزير أو كلب أو إنسان أو فرس على ما قدره العزيز العليم فثم شخص الغالب عليه البلادة و البهيمية فروحه روح حمار و به يدعى إذا ظهر حكم ذلك الروح فيقال فلان حمار و كذلك كل صفة تُدْعى إِلى كِتابِهَا فيقال فلان كلب و فلان أسد و فلان إنسان و هو أكمل الصفات و أكمل الأرواح قال تعالى الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ و تمت النشأة الظاهرة للبصر في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ من صور الأرواح فتنسب إليها كما ذكرنا و هي معينة عند الله فامتازت الأرواح بصورها ثم إنه إذا فارقت هذه المواد فطائفة من أصحابنا تقول إن الأرواح تتجرد عن المواد تجردا كليا و تعود إلى أصلها كما تعود شعاعات الشمس المتولدة عن الجسم الصيقل إذا صدأ إلى الشمس و اختلفوا هنا على طريقين فطائفة قالت لا تمتاز بعد المفارقة لأنفسها كما لا يمتاز ماء الأوعية التي على شاطئ النهر إذا تكسرت فرجع ماؤها إلى النهر فالأجسام تلك الأوعية و الماء الذي ملئت به من ذلك النهر كالأرواح من الروح الكل و قالت طائفة بل تكتسب بمجاورتها الجسم هيئات رديئة و حسنة فتمتاز بتلك إلهيات إذا فارقت الأجسام كما إن ذلك الماء إذا كان في الأوعية أمور تغيره عن حالته إما في لونه أو رائحته أو طعمه فإذا فارق الأوعية صحبه في ذاته ما اكتسبه من الرائحة أو الطعم أو اللون و حفظ الله عليها تلك الهيئات المكتسبة و وافقوا في ذلك بعض الحكماء و طائفة قالت الأرواح المدبرة لا تزال مدبرة في عالم الدنيا فإذا انتقلت إلى البرزخ دبرت أجسادا برزخية و هي الصورة التي يرى الإنسان نفسه فيها في النوم و كذلك هو الموت و هو المعبر عنه بالصور ثم تبعث يوم القيامة في الأجسام الطبيعية كما كانت في الدنيا و إلى هنا انتهى خلاف أصحابنا في الأرواح بعد المفارقة و أما اختلاف غير أصحابنا في ذلك فكثير و ليس مقصودنا إيراد كلام من ليس منطريقنا و اعلم يا أخي تولاك الله برحمته إن الجنة التي يصل إليها من هو من أهلها في الآخرة هي مشهودة اليوم لك من حيث محلها لا من حيث صورتها فأنت فيها تتقلب على الحال التي أنت عليها و لا تعلم أنك فيها فإن الصورة تحجبك التي تجلت لك فيها فأهل الكشف الذين أدركوا ما غاب عنه الناس يرون ذلك المحل إن كان جنة روضة خضراء و إن كان جهنما يرونها بحسب ما يكون فيه من نعوت زمهريرها و حرورها و ما أعد الله فيها و أكثر أهل الكشف في ابتداء الطريق يرون هذا و قد نبه الشرع على ذلك بقوله بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة فأهل الكشف يرونها روضة كما قال و يرون نهر النيل و الفرات و سيحان و جيحان نهر عسل و ماء و خمر و لبن كما هو في الجنة فإن النبي ص أخبر أن هذه الأنهار من الجنة و من لم يكشف الله عن بصره و بقي في عمى حجابه لا يدرك ذلك مثل الأعمى يكون في بستان فما هو غائب عنه بذاته و لا يراه فلم يلزم من كونه لا يراه أنه لا يكون فيه بل هو فيه و كذلك تلك الأماكن التي ذكر رسول الله ص أنها من النار كبطن محسر بمنى و غيره و لهذا شرع الإسراع في الخروج عنه لأمته فإنه ص يرى ما لا يرون و يشهد ما لا يشهدون و من الناس من يستصحبه هذا الكشف و منهم من لا يستصحبه على ما قد أراده الله من ذلك لحكمة أخفاها في خلقه أ لا ترى أهل الورع إذا حماهم الله عن أكل الحرام من بعض علاماته عندهم إن يتغير في نظره ذلك المطعوم إلى صورة محرمة عليه فيراه دما أو خنزيرا مثلا فيمتنع من أكله فإذا بحث عن كسب ذلك الطعام وجده مكتسبا على غير الطريقة المشروعة في اكتسابه فلأهل الله تعالى أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها و آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها و قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها و ألسنة يتكلمون بها غير ما هي هذه الأعين و الآذان و القلوب و الألسنة عليه من الصورة فبتلك الأعين يشهدون و بتلك الآذان يسمعون و بتلك القلوب يعقلون و بتلك الألسنة يتكلمون فكلامهم مصيب فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ عن الحق و الأخذ به صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ عن الله فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ إلى الله و و الله إن عيونهم لفي وجوههم و إن سمعهم لفي آذانهم و إن ألسنتهم لفي أفواههم و لكن العناية ما سبقت لهم و لا الحسنى فالحمد لله شكرا حيث حيانا بتلك القلوب و الألسن و الآذان و الأعين و لقد ورد في حديث نبوي عند أهل الكشف صحيح و إن لم يثبت طريقه عند أهل النقل لضعف الراوي و لو صدق فيه قال قال رسول الله ص لو لا تزييد في حديثكم و تمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى و لسمعتم ما أسمع قال الله تعالى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ و أكثر من هذا البيان الصريح ما يكون لكن أين من يفرغ محله لآثار ربه أين من ينقل ما يسمع من غير زيادة فيه هذا قليل جدا و الله ولي التوفيق و اعلم أن هذا المنزل يتضمن علم التحليل و علم ما يحصل لأهل النار في النار من العلوم إذا دخلوها و علم ما يعطيه عالم الطبيعة من الأسرار الإلهية التي لا تعلم من غيره و علم السابقة و اللاحقة و هي العاقبة و علم تركيب البراهين الوجودية و علم الإيجاد الروحاني و الصوري و علم السبب المؤدي إلى الشقاء و علم ما يبقى به نظام العالم و حفظ صورته عليه و علم التجلي في الحجاب و علم الأحكام الإلهية على غير طريق الشارع و علم توحيد الأفعال و علم إلحاق الأعالي بالأسافل و الأسافل بالأعالي و هو أو قريب منه علم التحام الأباعد بالأداني و الأداني بالأباعد وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ