قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الموفي ستين و ثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة و الأنوار

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
نور القبول على التحقيق إيمانو نور فكرك آيات و برهان
فنور فكرك لا ينفك ذا شبهو فيه وقتا زيادات و نقصان
و نور إيمانك الأعلى له علمفي رأس مرقبة ما فيه بهتان
ولي عليه إذا ما العقل ناظرهعلى مسالكه حكم و سلطان
هو الضروري لا فكر و لا نظرو لا يقيده ربح و خسران

اعلم علمك الله ما يبقيك و جعلك ممن ينقيك إن النور يدرك و يدرك به و الظلمة تدرك و لا يدرك بها و قد يعظم النور بحيث أن يدرك و لا يدرك به و يلطف بحيث أن لا يدرك و يدرك به و لا يكون إدراك إلا بنور في المدرك لا بد من ذلك عقلا و حسا سئل ص هل رأيت ربك فقال نوراني أراه فنبه بهذا القول على غاية القرب فإنه أقرب إلى الإنسان من حبل وريده وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ يقول الله ذلك في المحتضر فالحق هو النور المحض و المحال هو الظلمة المحضة فالظلمة لا تنقلب نورا أبدا و النور لا ينقلب ظلمة أبدا و الخلق بين النور و الظلمة برزخ لا يتصف بالظلمة لذاته و لا بالنور لذاته و هو البرزخ و الوسط الذي له من طرفيه حكم و لهذا جعل للإنسان عينين و هداه النجدين لكونه بين طريقتين فبالعين الواحدة من الطريق الواحدة يقبل النور و ينظر إليه بقدر استعداده و بالعين الأخرى من الطريق الأخرى ينظر إلى الظلمة و يقبل عليها و هو في نفسه لا نور و لا ظلمة فلا هو موجود و لا هو معدوم و هو المانع القوي الذي يمنع النور المحض أن ينفر الظلمة و يمنع الظلمة المحضة أن تذهب بالنور المحض فيتلقى الطرفين بذاته فيكتسب بهذا التلقي من النور ما يوصف به من الوجود و يكتسب بهذا التلقي من الظلمة ما توصف به من العدم فهو محفوظ من الطرفين و وقاية للطرفين فلا يقدر قدر الخلق إلا الله فهذا أصل الأنوار و الظلمات الظاهرة في العالمو هو ما انصبغ به الممكن من الطرفين و لو لا ما هو بهذه المثابة من الحفظ لعين الطرفين ما وصف الحق نفسه بما أوجبه على نفسه بقوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و قال وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ جَزاءً وِفاقاً لما هو عليه الممكن من الوقاية و راعى المحال أيضا له ذلك فأفاض عليه من حقيقته فحفظ عليه عدمه و حفظ الحق عليه وجوده فاتصف الممكن بالوجود و العدم معا في الإثبات أي هو قابل لكل واحد منهما كما اتصف أيضا لهذا بأنه لا موجود و لا معدوم في النفي فجمع بينهما في وصفه بين النفي و الإثبات فلو كان موجودا لا يتصف بالعدم لكان حقا و لو كان معدوما لا يتصف بالوجود لكان محالا فهو الحافظ المحفوظ و الواقي الموقى فهذا الحد له لازم ثابت لا يخرج عنه و لهذا أيضا اتصف بالحيرة بين العدم و الوجود لعدم تخلصه إلى أحد الطرفين لأنه لذاته كان له هذا الحكم

فإن قلت حق كان قولك صادقا و إن قلت فيه باطل لست تكذب

فإذا علمت هذا فلنقل ما تجاوز فيه الناس من مسمى النور و الظلمة المعروفين في العرف ظاهرا كالأنوار المنسوبة إلى البروق و الكواكب و السرج و أمثال ذلك و الظلم المشهودة المعلومة المدركة ظاهرا للحس و أنوار الباطن المعنوية كنور العقل و نور الايمان و نور العلم و ظلمة الباطن كظلمة الجهل و الشرك و عدم العقل و الذي ليس بظلمة و لا نور كالشك و الظن و الحيرة و النظر فهذا أيضا ليس بظلمة و لا نور فهذه مجازاة حقائق الواجب و المحال و الممكن في عرف الممكنات فقد جمع الممكن بنفسه حقيقته و حقيقة طرفيه و أبين ما يكون ذلك في الممكن ما فيه من المعاني و المحسوسات و الخيالات و هذا المجموع لا يوجد حكمه إلا في الممكن لا في الطرفين أصلا فالعلم بالممكن هو بحر العلم الواسع العظيم الأمواج الذي تغرق فيه السفن و هو بحر لا ساحل له إلا طرفيه و لا يتخيل في طرفيه ما تتخيله العقول القاصرة عن إدراك هذا العلم كاليمين و الشمال لما بينهما ليس هذا الأمر كذلك بل إن كان و لا بد من التخيل فلتتخيل ما هو الأقرب بالنسبة لما ذكرناه أن الشأن في نفسه كالنقطة من المحيط و ما بينهما فالنقطة الحق و الفراغ الخارج عن المحيط العدم أو قل الظلمة و ما بين النقطة و الفراغ الخارج عن المحيط الممكن كما رسمناه مثالا في الهامش و إنما أعطينا النقطة لأنها أصل وجود محيط الدائرة و بالنقطة ظهرت كذلك ما ظهر الممكن إلا بالحق و المحيط من الدائرة إذا فرضت خطوطا من النقطة إلى المحيط لا تنتهي إلا إلى نقطة فالمحيط كله بهذه المثابة من النقطة و هو قوله وَ الله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ و قوله إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فكانت كل نقطة من المحيط انتهاء الخط و النقطة الخارج منها الخط إلى المحيط ابتداء الخط ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ فهو أول لكل ممكن كالنقطة أول لكل خط و ما خرج عن وجود الحق و ما ظهر من الحق فذلك العدم الذي لا يقبل الوجود و الخطوط الخارجة الممكنات فمن الله ابتداؤها و إلى الله انتهاؤها وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فإن الخط إنما ينتهي إلى نقطة فأولية الخط و آخريته هما من الخط ما هما من الخط كيف شئت قلت و هذا هو الذي ينبغي أن يقال فيه لا هي هو و لا هي غيره كالصفات عند الأشاعرة فمن عرف نفسه هكذا عرف ربه و لهذا أحالك الشارع في العلم بالله على العلم بك و هو قوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا و هي الدلالات في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ فما ترك شيئا من العالم فإن كل ما خرج من العالم عنك فهو عين الآفاق و هي نواحيك حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ لا غيره إذ لا غير و لهذا كان الخط مركبا من نقط لا تعقل إلا هكذا و السطح مركب من خطوط فهو مركب من نقط و الجسممركب من سطوح فهو مركب من خطوط و هي مركبة من نقط فغاية التركيب الجسم و الجسم ثمان نقط و ليس المعلوم من الحق إلا الذات و السبع الصفات فلا هي هو و لا هي غيره فما الجسم غير النقط و لا النقط غير الجسم و لا هي عينه و إنما قلنا ثمان نقط أقل الأجسام لأن اسم الخط يقوم من نقطتين فصاعدا و أصل السطح يقوم من خطين فصاعدا فقد قام السطح من أربع نقط و أصل الجسم يقوم من سطحين فصاعدا فقد قام الجسم من ثمان نقط فحدث للجسم اسم الطول من الخط و اسم العرض من السطح و اسم العمق من تركيب السطحين فقام الجسم على التثليث كما قامت نشأة الأدلة على التثليث كما إن أصل الوجود الذي هو الحق ما ظهر بالإيجاد إلا بثلاث حقائق هويته و توجهه و قوله فظهر العالم بصورة موجدة حسا و معنى فنور على نور و ظلمة فوق ظلمة لأنه في مقابلة كل نور ظلمة كما أنه في مقابلة كل وجود عدم فإن كان الوجود واجبا قابلة العدم الواجب و إن كان الوجود ممكنا قابلة العدم الممكن فالمقابل على صورة مقابله كالظل مع الشخص و اعلم ما نبهك الله عليه في قوله تعالى وَ من لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ من نُورٍ فالنور المجعول في الممكن ما هو إلا وجود الحق فكما وصف نفسه بأنه أوجب عليها ما أوجب من الرحمة و النصر في مثل قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و قال وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ كذلك وصف نفسه بالجعل في الممكن إذ لو لا النور ما وجد له عين و لا اتصف بالوجود فمن اتصف بالوجود فقد اتصف بالحق فما في الوجود إلا الله فالوجود و إن كان عينا واحدة فما كثره إلا أعيان الممكنات فهو الواحد الكثير فينقسم بحكم التبعية لأعيان الممكنات كما نحن في الوجود بحكم التبعية فلولاه ما وجدنا و لولانا ما تكثر بما نسب إلى نفسه من النسب الكثيرة و الأسماء المختلفة المعاني فالأمر الكل متوقف علينا و عليه فبه نحن و هو بنا و هذا كله من كونه إلها خاصة فإن الرب يطلب المربوب طلبا ذاتيا وجودا و تقديرا و الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ لأنه لا دليل عليه سوى نفسه لأنه وصف نفسه بالغنى فإن غير الوجود الحادث ما تعرفه معرفة الحدوث و لا يتصف الممكن بالوجود حتى يكون الحق عين وجوده فإذا علمه من كونه موجودا فما علمه إلا هو فهو غني عن العالمين و العالم ليس بغني عنه جملة واحدة لأنه ممكن و الممكن فقير إلى المرجح فالحجب الظلمانية و النورية التي احتجب بها الحق عن العالم إنما هي ما اتصف به الممكن في حقيقته من النور و الظلمة لكونه وسطا و هو لا ينظر إلا لنفسه فلا ينظر إلا في الحجاب فلو ارتفعت الحجب عن الممكن ارتفع الإمكان و ارتفع الواجب و المحال لارتفاعه فالحجب لا تزال مسدلة و لا يمكن إلا هكذا أنظر إلى قوله في ارتفاع الحجب ما ذكر من إحراق سبحات الوجه ما أدركه بصره من خلقه و قد وصف نفسه بأن الخلق يراه و لا تحترق فدل على إن الحجب لم ترفع مع الرؤية فالرؤية حجابية و لا بد و الضمير في بصره يعود على ما و ما هنا عين خلقه فكأنه يقول في تقدير الكلام ما أدركه بصر خلقه فإنه لا شك أنه تعالى يدركنا اليوم ببصره تعالى و سبحات وجهه موجودة و الحجب إن كانت عينه فلا ترتفع و إن كانت خلقا فإن السبحات تحرقها فإنها مدركة لبصره من غير حجاب و لو احترقت الحجب احترقنا فلم نكن و نحن كائنون بلا شك فالحجب مسدلة فلو فهم الناس معنى هذا الخبر لعلموا نفوسهم و لو علموا نفوسهم لعلموا الحق و لو علموا الحق لاكتفوا به فلم ينظروا إلا فيه لا في ملكوت السموات و الأرض فإنهم إذا انكشف لهم الأمر علموا أنه عين ملكوت السموات و الأرض كما علمه الترمذي الحكيم فأطلق عليه عند هذا الكشف الإلهي اسم ملك الملك

فالأمر دوري و لا يعلمو الشأن محكوم و لا يحكم
فليس إلا الله لا غيرهو ليس إلا كونه المحكم
فهو الذي يعلم وقتا كمايجهل في وقت و لا يعلم

«وصل و اعلم أيدك الله أن الأمر يعطي أنه لو لا النور ما أدرك شيء لا معلوم و لا محسوس و لا متحيل أصلا و تختلف على النور الأسماء الموضوعة للقوى فهي عند العامة أسماء للقوى و عند العارفين أسماء للنور المدرك به فإذا أدركت المسموعات سميت ذلك النور سمعا و إذا أدركت المبصرات سميت ذلك النور بصرا و إذا أدركت الملموسات سميت ذلك المدرك به لمسا و هكذا المتخيلات فهو القوة اللامسة ليس غيره و الشامة و الذائقة و المتخيلة و الحافظة و العاقلةو المفكرة و المصورة و كل ما يقع به إدراك فليس إلا النور و أما المدركات فلو لا أنها في نفسها على استعداد به تقبل إدراك المدرك لها ما أدركت فلها ظهور إلى المدرك و حينئذ يتعلق بها الإدراك و الظهور نور فلا بد ان يكون لكل مدرك نسبة إلى النور بها يستعد إلى أن يدرك فكل معلوم له نسبة إلى الحق و الحق هو النور فكل معلوم له نسبة إلى النور فبالنور أدركت المحال و لو لا ظهور المحال و قبوله بما هو عليه في نفسه لأدرك المدرك ما أدركته و لهذا ينسحب على كل قسم من أقسام العقل كما ينسحب عليها أيضا أعني على الأقسام الوجوب فنقول محال على الواجب الوجود بالذات أن يقبل العدم و محال على الممكن أن يقبل الوجود الذاتي و محال على المحال أن يقبل الإمكان و كذلك تقول في الوجوب واجب للممكن أن يكون نسبة العدم إليه و الوجود نسبة واحدة و واجب للمحال أن لا يوصف بالإمكان و لا نقل مثل هذا في الإمكان لا تقل ممكن للمحال أن يكون على كذا أو على كذا و ممكن للواجب أن يكون على كذا أو على كذا فيدخل الممكن تحت حكم الواجب أو المحال و لا يدخل الواجب و لا المحال تحت حكم الممكن و لهذا لا يجوز أن يقال في الواجب إنه يمكن أن يفعل به كذا و لا يفعل و إنما الذي يقال و يصح أن يقال في الممكن إنه يمكن أن يفعل به كذا أو لا يفعل و هذه مسألة أغفلها كثير من الناس فقد علمت أنه ما ثم معلوم من محال أو غيره إلا و له نسبة إلى النور و لو لا ذلك النور الذي له إليه نسبة ما صح أن يكون معلوما فلا معلوم إلا الله و على الحقيقة فلا يدري أحد ما يقول و لا كيف تنسب الأمور مع كونه يعقلها و العبارات تقصر عن الإحاطة بها على وجهها فإن الله عليم بكل شيء من حيث ما لذلك الشيء من النور الذي به يكون معلوما و العدم و المحال معلومان

فلا شيء غير الشيء إذ ليس غيره فمن كونه نورا يحيط به العلم

فإذا حققت ما أشرنا إليه وقفت على حقائق المعلومات كيف هي في أنفسها في اتصافها بوجود أو عدم أو لا وجود و لا عدم أو نفي أو إثبات

فهذا هو العلم الغريب فإن تكنمن أصحابه أنت الغريب و لا تدري
كما ثم من يدري بغربته و ذاأتم وجودا في مطالعة الأمر
فسبحان من أحيا الفؤاد بنورهو نوره بالفكر وقتا و بالذكر

و أما النور الذي لا يدرك و هو قوله ص نوراني أراه فإن ذلك لاندراج نور الإدراك فيه فلم يدركه لأنه ليس هو عنه بأجنبي فهو كالجزء عاد إلى كله إذ لا يصح اسم الكل عليه ما لم يحو على أجزائه فاندرج الجزء في الكل و ليس الكل غير أجزائه فالكل يدرك أجزاءه جزءا جزءا و الجزء لا يدرك الكل و لهذا يعلم الحق الجزئيات و لا تعلمه الجزئيات و إذا علم الجزء الكل فما يعلم منه إلا عين جزئيته فإنه علم كل في نفسه لنفسه و قد لا يعلم أنه جزء لكل و لهذا تتفاضل الناس في العلم فالعالم بالشيء من لم يبق له في ذلك المعلوم وجه إلا علمه منه و إلا فقد علم منه ما علم و أما النور الذي يدرك و يدرك به غيره فهو نور مكافئ لنور الإدراك فيصحبه و لا يندرج فيه فيدركه و يدرك به ما كشفه له و ما انكشف له ما انكشف إلا بالنورين نور الإدراك و نور المدرك و لو لا وجود نور الإدراك لما ظهرت الأشياء فلا يظهر شيء بنور المدرك من غير نور الإدراك و قد يظهر بعض الأشياء لنور الإدراك و لكن بنور المدرك و إن لم يدركه به كما قلنا في نسبة كل معلوم إلى النور الذي لولاه ما علم فالبصر يدرك به كما قلنا في نسبة كل معلوم إلى النور الذي لولاها ما علم فالبصر يدرك الظلمة نفسها و لا يدرك بها غيرها إذا كان الإدراك بالبصر خاصة «وصل» و أما الظلم المعنوية كظلمة الجهل فإنها مدركة للعالم ما لم تقم بالجاهل فإذا قامت به لم يدركها إذ لو أدركها كان عالما و ما عدا ظلمة الجهل من الظلم فإنها تدرك كلها ثم لتعلم أنه إن كان الجهل نفي العلم عن المحل بأمر ما فكل ما سوى الله جاهل أي ظلمة الجهل له لازمة لأنه ليس له علم بإحاطة المعلومات و لذلك أمر الله رسوله ص بطلب الزيادة من العلم فقال له وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و إن كانت ظلمة الجهل عبارة عن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به أي شيء كان فأهل الله قد أخرجهم من هذه الظلمة فإنهم لا يعتقدون أمرا يكون في نفسه على خلاف ما يعتقدونه و قال تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّهاو لم يذكر حقائق المسميات فعلم بعضا و لم يعلم بعضا فالمسميات هو قوله هؤلاء و هي المشار إليها في قوله تعالى أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ و أراد بالأسماء هنا الأسماء الإلهية التي استند إليها المشار إليهم بهؤلاء في إيجادهم و أحكامهم توبيخا للملائكة و تقريرا يقول هل سبحتموني بهذه الأسماء أو قدستموني بها حيث قالوا وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ فزكوا نفوسهم و جرحوا خليفة الله في أرضه و لم يكن ينبغي لهم ذلك و لكن لتعلم إن أحدا من العالم ما قدر الله حق قدره إذ لا أعلم من الملائكة بالله و ما ينبغي لجلاله من التعظيم و مع هذا قالوا أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها فهذه الأداة هنا لا ينبغي أن تكون إلا من الأعلى في حق الأدنى مثل قوله تعالى أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ من دُونِ الله بل أشد من هذا هو قولهم أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها

لما رأوا جهة الشمال و لم يروا منه يمين القبضة البيضاء

فإن قوله أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ قد يكون تقريرا للحجة على من عبد عيسى ع و أمه و قالوا إنهما إلهان فإذا قال عيسى ع في الجواب سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ و المدعي يسمع ذلك و قد علم بقرينة الحال و الموطن ذلك المدعي إن عيسى ليس من أهل الكذب و أن إنكاره لما ادعوه صحيح علمنا عند ذلك أنه تعالى أراد توبيخهم و تقريرهم فالاستفهام لعيسى ع و التقرير و التوبيخ لمن عبده فإن الاستفهام لا يصح من الله جملة واحدة و يصح منه تعالى التقرير لإقامة الحجة و التوبيخ فإن الاستفهام على الحقيقة لا يكون إلا ممن لا يعلم ما استفهم عنه و أما ظلمة البعد في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و في مثل قوله تُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ و أمثاله فهذا من حكم الأسماء الإلهية إذ كان لكل وقت اسم إلهي له الحكم في عين ما من أعيان العالم فإن كان من الأسماء التي أحكامها تناقض حكم ما أمر به المكلف أو نهي عنه فإن الاسم الإلهي الذي يعطيهم موافقة ما أمر الله به هذا المخالف أو نهى عنه بعيد عنه فيناديه ليرجع إليه و يصغي إلى ندائه ليكون له الحكم فيه سواء كان الدعاء من قريب أو بعيد لكنه بالضرورة لعدم الموافقة فيما أمر الله به بعيد أ لا ترى الإشارة تكون مع القرب من المشير و المشار إليه إذا كان معهما ثالث لا يريد المخبر أو المخبر أو هما أن يعلم الثالث الحاضر ما يريد المخبر أن يلقيه إلى صاحبه فيشير إليه من حيث لا يعلم الثالث و الإشارة عند القوم نداء على رأس البعد و يقولون أيضا أبعدكم من الله أكثركم إشارة إليه و العلة في ذلك أنها تدل على الجهل بالله تعالى فلا فرق بينه في تلك الحالة و بين من لا يبلغه الصوت و تبلغه الإشارة فهذه كلها ظلمة قد حجبت الثالث عن علم ما بين الاثنين فهذه ظلمة الدعاء و الإشارة فاجعل بالك فإن الله قد نبه أقواما من عباده و أيه بهم على أمور بكلام لا يفهمه إلا المرادون به و هو الرمز قال تعالى أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً و أما ظلمة التسوية بين الأمرين فإنما سميت ظلمة لأن التسوية بين الأمرين محال لأن التسوية المحققة المثلية من جميع الوجوه لا من بعض الوجوه و لا من أكثرها محال بين الأمرين قال تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لأنهم قالوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ من الْواعِظِينَ فكان الله حكى لنبيه ص و عرفه بأن حالهم ما ذكروه عن نفوسهم فهذه ظلمة قد تكون ظلمة جهل و قد تكون ظلمة جحد لهوى قام بهم و هو من أشد الظلم و لكن هذه كلها سدف سحرية بالنظر و الإضافة إلى ظلمة الجهل الذي هو نفي العلم من المحل بالكلية و هو قوله فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فنفى العلم و الطرق الموصلة إليه العلم بذلك فهذه أشد ظلمة في العالم إلي فإن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به قد علم الشيء و ما علم حقيقته أي علم في الجملة أن اسمه كذا ثم اعتقد فيه ما ليس هو عليه فقد اعتقد أمرا ما فظلمته دون ظلمة نفي العلم من المحل كما قال تعالى في أمثالهم وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ و هذه شائعة في الشقي و السعيد ففي السعيد فيمن مات على غير توبة و هو يقول بإنفاذ الوعيد فيغفر له فكان الحكم للمشيئة فسبقت بسعادتهم فتبين لهم عند ذلك أنهم اعتقدوا في ذلك الأمر خلاف ما هو ذلك الأمر عليه فإن الذي هو عليه إنما هو الاختيار و الذي عقدوا عليه كان عدم الاختيار فمثل هذا يسمى ظلمة الشبهة

يا بنى الزوراء ما لي و لكمإنني آل لمن لا يهتضم
فإذا قلت ألا قولوا بلىو إذا ما قلت هل قولوا نعم
إنما الأمر الذي جئت بهأمر موجود له نعت القدم
واحد في عينه ليس لنافي الذي يظهر فيه من قدم
و الذي أحضره يحضرنيبين أمرين وجود و عدم
فلنا الأنوار منه إن بداو له منا غيابات الظلم
هي حجب الله أن ندركهو بها قامت دلالات التهم
ثم فيها من علامات الهدىلتجليه علوم و حكم
فطر العالم قد قسمهاما هو الحق عليه فحكم
فكما نحن به فهو بنااستحالات كنار في علم
كلما قلت بدت صورتهحول الصورة في كيف و كم
فتحولت أنا فانبهمتحالة الأمر علينا فانبهم
ليت شعري هل هو الأمر كماقد بدا أو غيره قل يا حكم
قال و الله أنا مثلكمحائر ما لي في العلم قدم

اعلم أيدك الله أن الإنسان لما أبرزه الله من ظلمة الغيب الذي كان فيه و هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب التي لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ فانفرد سبحانه بعلمها و نفى العلم عن كل ما سواه بها فأثبتك في هذه الآية و أعلمك أنك لست هو إذ لو كنت هو كما تزعم لعلمت مفاتح الغيب بذاتك و ما لا تعلمه إلا بموقف فلست عين الموقف و الممكنات كلها و أعني بكلها ميزها عن المحال و الواجب لا إن أعيانها يحصرها الكل ذلك محال هي في ظلمة الغيب فلا يعرف لها حالة وجود و لكل ممكن منها مفتاح ذلك المفتاح لا يعلمه إلا الله فلا موجد إلا الله هو خالق كل شيء أي موجدة فأول مفتاح فتح به مفتاح غيب الإنسان الكامل الذي هو ظل الله في كل ما سوى الله فأظهره من النفس الرحماني الخارج من قلب القرآن سورة يس و هو نداء مرخم أراد يا سيد فرخم كما قال يا أبا هر أراد يا أبا هريرة فأثبت له السيادة بهذا الاسم و جعله مرخما للتسليم الذي تطلبه الرحمة و القطع مما بقي منه في الغيب الذي لا يمكن خروجه فصورته في الغيب صورة الظل في الشخص الذي امتد عنه الظل أ لا ترى الشخص إذا امتد له ظل في الأرض أ ليس له ظل في ذات الشخص الذي يقابله ذلك الظل الممتد فذلك الظل القائم بذات الشخص المقابل للظل الممتد ذلك هو الأمر الذي بقي من الإنسان الذي هو ظل الله الممدود في الغيب لا يمكن خروجه أبدا و هو باطن الظل الممتد و الظل الممدود هو الظاهر فظاهر الإنسان ما امتد من الإنسان فظهر و باطنه ما لم يفارق الغيب فلا يعلم باطن الإنسان أبدا و نسبة ظاهره إلى باطنه متصلة به لا تفارقه طرفة عين و لا يصح مفارقته فهو في الظاهر غيب و في الغيب ظاهر له حكم ما ظهر عنه في الحركة و السكون فإن تحرك تحرك بحق و إن سكن سكن بحق و هو على صورة موجدة و ما سواه من الممكنات ليس له هذا الكمال فلا غيب أكمل من غيب الإنسان فلما أبرزه الله للوجود أبرزه على الاستقامة و أعطاه الرحمة ففتح بها مغالق الأمور علوا و سفلا فأمد الأمثال بذاته و أمد غير الأمثال بمثله فبمثله ظهرت الأجسام و بمثله الآخر ظهرت الأرواح فهي له كاليمين و الشمال لنقص الأجسام عن الأرواح كنقص الشمال عن اليمين و المطلق اليدين هو المثل و مثاله في الهامش و ما أوجد العالم على ما ذكرناه إلا عن حركة إلهية و هي حركة المفتاح عند الفتح و الممكنات و إن كانت لا تتناهى فهي من وجه محصورة في عشرة أشياء و هي المقولات العشرة و قد ذكرناها من قبل في هذا الكتاب فلنبين هنا مراتبها فيما يختص بهذا الباب مما لم نذكره قبل فاعلم إن لله تعالى في حضرة الغيب الذي له من الأسماء الإلهية الباطن فلا نعلم أبدا له تعالى حكما يظهر في الإنسان دون غيره من المخلوقات لما هو عليه من الجمعية و ما اختص به من عموم النفس الرحماني و ذلك الحكم في غيب الحق له الثبوت دائما ما دام يتصل الباطن بالظاهر للامدادالذي من الخالق للمخلوق إذ لو انقطع عنه لفنى و لذلك جعل أهل اللسان الوصل في الكلام هو الأصل و الوقف عارض يطرأ في الكلام لضيق النفس الذي تبرزه القوة الدافعة فلو تمادى هلك فإذا خافت على المتنفس الهلاك جذبت القوة الجاذبة الهواء من خارج إلى داخل فكان بين انتهاء الدافعة و ابتداء الجاذبة وقف المتكلم للراحة فلهذا قلنا فيه إنه عارض و هو في النفس الإلهي من حيث ما هو نفس الرحمن ما يبتلي الله به عبده من الضيق و الحرج ثم ينفس عنه بالسعة فيقابل الشيء بضده و لا بد بين النقيضين إذا تعاورا على المحل من بهت يقوم بالمحل ذلك البهت هو المسمى وقفا في عالم الكلام و هذا من جوامع الكلم الذي هو جمع كلمة فما بين الكلمة و الكلمة يكون بهتا لكون النفس في الكلمتين عينا واحدة قال تعالى وَ كانَ الله عَلِيماً حَكِيماً إذا وقفت فعليما هو الذي في الغيب الإلهي و حكيما هو حكمه في الإنسان بما أمده الله به فإن وصله بكلام بعده قبضه الله إليه قَبْضاً يَسِيراً فعاد إلى غيبه فلم يظهر في الإنسان حكمه و هذا من أسرار الحق التي غاية العبارة عنها ما ذكرناه فالإنسان الكامل الظاهر بالصورة الإلهية لم يعطه الله هذا الكمال إلا ليكون بدلا من الحق و لهذا سماه خليفة و ما بعده من أمثاله خلفاء له فالأول وحده هو خليفة الحق و ما ظهر عنه من أمثاله في عالم الأجسام فهم خلفاء هذا الخليفة و بدل منه في كل أمر يصح أن يكون له و لهذا صحت له المقولات العشرة التي لا تقبل الزيادة على هذا العدد فهذه هي النيابة الأولى و أما النيابة الثانية فهي إن ينوب الإنسان بذاته عن نصف الصورة من حيث روحانيتها لأن الله إذا تجلى في صورة البشر كما ورد فإنه يظهر بصورتها حسا و معنى فالنيابة هنا الخاصة هي النيابة عن روح تلك الصورة المتجلي فيها و لا يكون ذلك إلا في حضرة الأفعال الإلهية التي تظهر في العالم على يد الإنسان من حيث ما هو مريد لفعل ما يريد أن يفعله في الحال أو المستأنف إذ لا يكون الفعل ماضيا إلا بعد ظهوره في الحال فينوب الإنسان عن الله تعالى في أفعال الحال كلها الظاهرة على يده و ليس لغير الإنسان هذه النيابة فإن الملك و الحيوان و المعدن و النبات ليس لهؤلاء إرادة تتعلق بأمر من الأمور إنما هم مع ما فطروا عليه من السجود لله و الثناء عليه فشغلهم به لا عنه و الإنسان له الشغل به و عنه و الشغل عنه هو المعبر عنه بالغفلة و النسيان فالحق هنا دائرة من حيث جمع الصورة بين المعنى الروحاني و الظاهر للبصر فهذا الإنسان في هذه النيابة إنما هو نائب عما يتعلق من الأفعال بروحانية تلك الصورة و عالم الأرواح أخف من عالم الأجسام و لخفته يسرع بالتحول في الصور من غير فساد العين و عالم الأجسام ليس كذلك و اعلم أن النيابة الثالثة في تحقيق الأمر الذي قام بالممكن حتى أخرجه من العدم إلى الوجود فإن ذلك نيابة عن المعنى الذي أوجب للحق أن يوجد هذا الممكن المعين و لم يكن أوجده قبل ذلك سواء كان روحا مثلا أو جسما فاعلم إن الأفعال الصادرة عن المريد لها من الأمثال نيابة في الظاهر عن الله في صدور الممكنات عنه و لا يكون نائبا عنه تعالى حتى يكون من استخلفه و استنابه سمعه و بصره و يده و جميع قواه و متى لم يكن بهذه الصفة فما هو نائب و لا خليفة فإن الممكنات في حال عدمها بين يدي الحق ينظر إليها و يميز بعضها عن بعض بما هي عليه من الحقائق في شيئية ثبوتها ينظر إليها بعين أسمائه الحسنى كالعليم و الحفيظ الذي يحفظ عليها بنور وجوده شيئية ثبوتها لئلا يسلبها المحال تلك الشيئية و لهذا بسط الرحمة عليها التي فتح بها الوجود فإن ترتيب إيجاد الممكنات يقضي بتقدم بعضها على بعض و هذا ما لا يقدر على إنكاره فإنه الواقع فالدخول في شيئية الوجود إنما وقع مرتبا بخلاف ما هي عليه في شيئية الثبوت فإنها كلها غير مرتبة لأن ثبوتها منعوت بالأزل لها و الأزل لا ترتيب فيه و لا تقدم و لا تأخر و لما كان في الأسماء الإلهية عام و أعم و خاص و أخص صح في الأسماء الإلهية التقدم و التأخر و الترتيب فبهذا قبلت شيئيات الوجود الترتيب فما من وقت يمر عليك هنا لا يظهر فيه ممكن معين ثم يظهر في الوقت الثاني إلا و بقاؤه في شيئية ثبوته مرجح في الوقت الذي لم تقم به شيئية وجوده إذ لو لم يكن مرجحا لوجد في الوقت الذي قلنا إنه مر عليه فلم يوجد فيه فصار بقاء كل ممكن مرجحا في حال عدمه و إن كان العدم له أزلا كما إن قبوله لشيئية وجوده مرجح و هذا من أعجب دقائق المسائل إن فكرت فيه فتوقف حكم الإرادة على حكم العلم و لهذا قال إِذا أَرَدْناهُ فجاء بظرفالزمان المستقبل في تعليق الإرادة و الإرادة واحدة العين فانتقل حكمها من ترجيح بقاء الممكن في شيئية ثبوته إلى حكمها بترجيح ظهوره في شيئية وجوده فهذه حركة إلهية قدسية منزهة أعطتها حقيقة الإمكان التي هي حقيقة الممكن فلما خلق الله المخلوق الممكن المنعوت بالإرادة و القدرة على ظهور الأفعال منه بحكم النيابة عن الله في ظاهر الأمر لا في باطنه فهو سبحانه في الباطن مظهر الممكن في شيئية وجوده من خلف حجاب الظاهر المريد القادر الذي هو المخلوق الذي له هذه الصفة فهو يد الله المريد بإرادة الله فيفعل بالهمة كقوله كُنْ و يفعل بالمباشرة كخلقه آدم بيديه و جميع ما أضافه إلى خلق يده سبحانه فيقال في الحق مع هذه النسبة من غير مباشرة و هي في العبد مباشرة فإن وقعت من غير مريد لها فما هو مطلوبنا و لا تكلمنا فيه و إنما ذلك له سبحانه أظهره في هذا المحل الخاص كحركة المرتعش و كل ما صدر عن غير إرادة فما هو نائب صاحب هذه الصفة فالنائب يطلعه الله في قلبه على ما يريد الحق إيجاد عينه من الممكنات و هو على ضربين في اطلاعه فتارة يكون عن نظر و فكر فينوب بنظره و فكره عن الله المدبر المفصل من حيث إنه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ و تارة يخطر له بديهيا ما يلقيه الله في باطنه كما يعطي العلم الإلهي الإرادة الإلهية التعلق بإيجاد أمر ما من غير حكم الاسم المدبر المفصل فيظهر هذا الممكن على يد هذا المخلوق الذي هو مريد له و هو النائب بالوجهين التدبير و البديهة فقد حصل لهذا النائب اطلاع على حضرة أعيان الممكنات في شيئية ثبوتها في النائب في حضرة خياله و ذلك أن الله أخرج هذا الممكن من شيئية ثبوته إلى شيئية وجوده في حضرة خيال ليقع الفرق بين الله و بين النائب في ظهور هذه العين المطلوب وجودها في عالم الحس فتتصف هذه العين بأنها محسوسة إن كانت صورة و إن لم تكن صورة يدركها البصر و تكون معنى فيلبسها صورة العبارات عنها أو صورة ما يدل عليها من إيماء أو إشارة فتلك صورتها التي يمكن أن تظهر لعين الرائي فيها أو السامع أو ما كان فالنائب على الحقيقة إنما أخرج بالإرادة ما أخرج من وجود خيالي متوهم أو معقول إلى وجود حسي مقيد بصورة عينية أو لفظية أو ما كان و تعلق بهذا الوجود البصر من الرائي إن كان في صورة عين و إن كان في صورة لفظ و أشباهه فيدركه بسمع فيضاف مثل هذا الوجود و الإيجاد إلى النائب و لكن لا بد من شرط الإرادة و الاختيار في ذلك فإن تعرى عنهما فليس من بنائب و لو ظهر ذلك منه و عليه بل ذلك لله تعالى و أما وجود ما لا ينقال فليس للنائب فيه دخول البتة فإن ذلك من خصائص الحق فتفهم ما بيناه لك فإنه من لباب المعرفة و أما النيابة الرابعة فهي نيابته فيما نصبه الحق له مما لو لم يكن عنه لكان ذلك عن الله تعالى فاعلم أن الله تعالى لما أراد أن يعرف فلا بد أن ينصب دليلا على معرفته و لا بد أن يكون الدليل مساويا له تعالى في العلم به من حيث هو أمر موجود و أن يكون عالما بنفسه من حيث ما هو موصوف بصفة تسمى العلم و عالم بنفسه بما هو يرى نفسه و تسمى مكاشفة أو مشاهدة و هذا من كونه ذا بصر فإن الله وصف نفسه بأن له بصرا كما وصف نفسه بأن له علما قال تعالى أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ و في الخبر الإلهي ما قاله لموسى و هارون إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى و ورد في حديث الحجب و هو صحيح ما أدركه بصره من خلقه فلما نصب الدلالة عليه نصبها في الآفاق فدلت آيات الآفاق على وجوده خاصة فما نابت الآفاق في الدلالة عليه بما جعل فيها من الآيات منا به لو ظهر للعالم بذاته فخلق الإنسان الكامل على صورته و نصبه دليلا على نفسه لمن أراد أن يعرفه بطريق المشاهدة لا بطريق الفكر الذي هو طريق الرؤية في آيات الآفاق و هو قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ ثم لم يكتف بالتعريف حتى أحال على الإنسان الكامل حتى قال وَ في أَنْفُسِهِمْ و هنا قال حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ إشارة إلى ما خلق عليه الإنسان الكامل الذي نصبه دليلا أقرب على العلم من طريق الكشف و الشهود فقال أهل الشهود كفانا أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فذكر الكيف و الظل لا يخرج إلا على صورة من مده منه فخلقه رحمة فمد الظل رحمة واقية فلا مخلوق أعظم رحمة من الإنسان الكامل و لا أحد من المخلوقين أشد بطشا و انتقاما من الإنسان الحيواني فالإنسان الكامل و إن بطش و كان ذا بطش شديد فالإنسان الحيواني أشد بطشا منه و لذلك قال أبو يزيد بطشي أشد منه من حيث نفسه الحيوانية لأنه يبطش بما لم يخلق فلا رحمة له فيه و الحق يبطش بمن خلق فالرحمة مندرجة في بطشه حيث كان فإنالحدود التي نصبها في الدنيا و حيث كانت إنما هي للتطهير و كذلك الآلام و الأمراض و كل ما يؤدي إلى ذلك كل ذلك للتطهير و رفع الدرجات و تكفير السيئات فلما خلق الإنسان الكامل و خلفاءه من الأناسي على أكمل صورة و ما ثم كمال إلا صورته تعالى فأخبر إن آدم خلقه على صورته ليشهد فيعرف من طريق الشهود فأبطن في صورته الظاهرة أسماءه سبحانه التي خلع عليه حقائقها و وصفه بجميع ما وصف به نفسه و نفى عنه المثلية فلا يماثل و هو قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ من العالم أي ليس مثل مثله شيء من العالم و لم يكن مثلا إلا بالصورة فاعترضت الملائكة لنشأة آدم من الطبيعة لما تحمله الصورة من الأضداد و لا سيما و قد جعل وجود آدم من العناصر فهو إلهي طبيعي عنصري فلم تشاهد الأسماء الإلهية التي هي أحكام هذه الصورة و هي كون الحق سمعه و بصره و جميع قواه فلو شهدت ذلك ما اعترضت فأدبها الله بما ذكر ثم نظر العقل بآيات الآفاق و غاص بفكره في تلك الآيات الآفاقية بمشاهدة التنزيه دون التشبيه الذي أعطته المماثلة بالصورة فلما أسمعه الحق الخطاب أعني أسمع العقل المركب في الإنسان الحيواني لا في الإنسان الكامل فإن الإنسان الكامل بنفسه عرفه و الإنسان الحيواني عرفه بعقله بعد ما استعمل آلة فكره فلا الملك عرف الإنسان الكامل لأنه ما شاهده من جميع وجوهه و لا الإنسان الحيواني عرفه بعقله من جميع وجوهه فكلما قام له شهود في نفسه من حيث لم يشعر إنه شهود أثر الحق رده و نزه الحق عنه فإذا ورد عليه خبر إلهي يعطي ما أعطاه الخيال الفاسد عنده تأول ذلك الخبر على طريق يفضي به إلى التنزيه خاصة فحده من حيث لم يشعر و ما أطلقه فجهل الكل الإنسان الكامل فجهلوا الحق فما عرف الحق إلا الإنسان الكامل و لهذا وصفته الأنبياء بما شهدوه و أنزل عليهم بصفات المخلوقين لوجود الكمال الذي هو عليه الحق و ما وصل إلى هذه المعرفة بالله لا ملك و لا عقل إنسان حيواني فإن الله حجب الجميع عنه و ما ظهر إلا للإنسان الكامل الذي هو ظله الممدود و عرشه المحدود و بيته المقصود الموصوف بكمال الوجود فلا أكمل منه لأنه لا أكمل من الحق تعالى فعلمه الإنسان الكامل من حيث عقله و شهوده فجمع بين العلم البصري الكشفي و بين العلم العقلي الفكري فمن رأى أو من علم الإنسان الكامل الذي هو نائب الحق فقد علم من استنابه و استخلفه فإنه بصورته ظهر و أمرنا بالطاعة لأولي الأمر كما أمرنا بالطاعة لله و لرسوله و أن لا نخرج يدا من طاعة فنموت ميتة جاهلية و الجهل أشد ما على الإنسان فلو لم ينصب سبحانه و تعالى الإنسان الكامل لتتحقق المعرفة بالله من حيث ما هو إله في الوجود الحادث معرفة كمال و هي المعرفة التي طلبت منا لظهر بنفسه و ذاته إلى خلقه حتى يعرفه على المشاهدة و الكشف فلا ينكر و ما أنكره من أنكره في الآخرة أو حيث وقع الإنكار إلا لما تقدمهم النظر العقلي و قيدوا الحق فلما لم يروا ما قيدوه به من الصفات عند ذلك أنكروه أ لا تراهم إذا تجلى لهم بالعلامة التي قيدوه بها عند ذلك يقرون له بالربوبية فلو تجلى لهم ابتداء قبل هذا التقييد لما أنكره أحد من خلقه فإنه بتجليه ابتداء يكون دليلا على نفسه فلهذا قلنا في الإنسان الكامل إنه نائب عن الحق في الظهور للخلق لحصول المعرفة به على الكمال الذي تطلبه الصورة الإلهية و الله من حيث ذاته غني عن العالمين و الإنسان الكامل بوجوده و كمال صورته غني عن الدلالة عليه لأن وجوده عين دلالته على نفسه فالكشف أتم المعارف و إن لم يتكرر التجلي فإن المتجلي واحد معلوم فإن الإنسان يعلم نفسه أنه يتقلب في أحواله و خواطره و أفعاله و أسراره كلها في صور مختلفة و مع هذا التقليب و التحول يعلم عينه و نفسه و أن هويته هي هي ما زالت مع ما هو عليه من التقليب فهكذا هي صورة التجلي و إن كثرت و لم تتكرر فإن العلم بالمتجلي في هذه الصور واحد العين غير مجهول فلا تحجبه التكيفات عنه فهذه هي النيابة الرابعة قد وفيناها حقها و لا يعرف ما ذكرناه إلا من كان زنيما ذا مال فإنه بصورته دخل في الألوهة و ليس بإله فكان زنيما و المال يوجب الغني فله صفة الغني بما هو عليه من الصورة فاعلم ذلك و أما النيابة الخامسة فهي نيابة الإنسان عن رفيع الدرجات في العالم لا غير و صورة رفعه أن الإنسان الكامل من حيث إنه ليس أحد معه في درجته لأنه ما حاز الصورة الإلهية غيره فدرجته رفيعة عن النيل فلا يعرفه إلا الله و لا يعرف الله إلا الإنسان الكامل فهو مجلاه و لما ارتفعت درجته بالإحاطة و حصول الكل لم يتمكن للجزء أن يعرفه إذ لا معرفة للجزء بالكل لأن الشيء لا يعرف إلا نفسه و لا يعرف شيئا إلا من نفسه و ما للجزء صفة الكل فاستحال إن يعرف أحد الإنسان الكامل لأنه ليست لهدرجة الكل فالكل يعرف الكل مثله و يعرف ما يحوي كليته عليه من الأجزاء لأنها كالأعضاء و القوي لصورته و الشيء لا يجهل نفسه فظهر كل الإنسان في درجة لا يبلغ إليها فناب بما ذكرناه مما ظهر فيه مناب رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ فكان الإنسان ثنى موجدة فكانت أحديته قبلت الثاني على صورة أحديتها فإذا ضربت أحدية الإنسان الكامل في أحدية الحق لم يخرج لك إلا أحدية واحدة فلك إن تنظر عند ذلك أية أحدية خرجت و أية أحدية ذهبت هل أحدية النائب أو أحدية من استنابه فاعمل بحسب ما ظهر لك من ذلك تسعد فما من حكم للنائب مما له أثر في الكون أو تنزيه عن المثل إلا و ذلك الحكم لمن استنابه فلا تبال أية أحدية ظهرت و لا أية أحدية بطنت فما أمره إلا واحدة كما ذكر عن نفسه

ما الأمر إلا هكذاما الأمر إلا ما ذكر
فالقول قول فاصلله احتكام في البشر
و الشأن شأن واحدفي عينه لمن نظر
أنت الرفيع المجتبىعند مليك مقتدر
إن كنت من صورتهعلى شهود فاعتبر
ما قلته فإنهيدخل في حكم الفكر
إن كنت ذا عقل سليمآمنا من الغير
تجده حقا واضحافي سور بلا صور
فالعين قد تشهدهفي صور و في سور
و الحق ما بينهمافي عرشه على سرر
يقابل المثل كمايقابل الصور الصور
فقل لمن يعرفهبأنه على خطر
و قل لمن يجهلهبأنه على غرر

و أما النيابة السادسة فإن الله وصف نفسه بأن له كلمات فكثر فلا بد من الفصل بين آحاد هذه الكثرة ثم الكلمة الواحدة أيضا منه كثرها في قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فأتى بثلاثة أحرف اثنان ظاهران و هما الكاف و النون و واحد باطن خفي لأمر عارض و هو سكونه و سكون النون فزال عينه من الظاهر لالتقاء الساكنين فناب الإنسان الكامل في هذه المرتبة مناب الحق في الفصل بين الكلمة المتقدمة و التي تليها فنطق سبحانه في هذه النشأة الإنسانية و كل من ظهر بصورتها بالحروف في مخارج النفس من هذه الصورة و وجود الحرف في كل مخرج تكوينه إذا لم يكن مكونا هناك و إلا فمن يكونه فلا بد للمكون أن يكون بين كل كلمتين أو حرفين لإيجاد الكلمة الثانية أو الحرف الثاني و تعلق الأول به لا بد من ذلك في الكلمات الإلهية التي هي أعيان الموجودات كما قال في عيسى ع إنه كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ و قال فيها وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها و ما هو إلا عيسى و جعله كلمات لها لأنه كثير من حيث نشأته الظاهرة و الباطنة فكل جزء منه ظاهرا كان أو باطنا فهو كلمة فلهذا قال فيه وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها لأن عيسى روح الله من حيث جملته و من حيث أحدية كثرته هو قوله وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ فلما نطق الإنسان بالحروف و هي أجزاء كل كلمة مقصودة للمتكلم الذي هو الإنسان المريد إيجاد تلك الكلمات ليفهم عنه بها ما في نفسه كما فهم عن الله بما ظهر من الموجودات ما في نفس الحق من إرادة وجود أعيان ما ظهر فلا بد في الكلام من تقديم و تأخير و ترتيب كما ذلك في الموجودات و هي أعيان الكلمات الإلهية تقديم و تأخير و ترتيب يظهر ذلك الدهر و الدهر هو الله بالنص الصريح و هو قوله ع لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر و فيه ظهر الترتيب و التقديم و التأخير في وجود العالم و سواء كان الكلام متلفظا به أو قائما بالنفس فإن كان في النفس فلا بد من وجود الحروف فيه في وجود الخيال و إن لم يكن ذلك و إلا فليس بكلام و هو قول العربي

إن الكلام لفي الفؤاد و إنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

أراد على ما في الفؤاد فإن لم يكن المترجم يضع في ترجمته الترجمة على ما في الفؤاد بحكم المطابقة و إلا فليس بدليل و قد وجدت الكثرة في الترجمة و التقدم و التأخر فلا بد أن يكون الترتيب في الكلام الذي في الفؤاد على هذه الصورة و ليس إلا الخيال خاصة و قال تعالى فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فأضاف الكلام إلى الله تعالى و جعله مسموعا للعربي المخاطب بحاسة سمعه فما أدركه إلا متقطعا متقدما متأخرا و من لم ينسب ذلك الكلام المسمى قرآنا إلى الله فقد جحدما أنزله الله و جهل الحقائق فلا بد للنائب إذا تكلم أن يضاف إليه الكلام على ما قلناه و أن يكون هذا النائب يفصل بذاته بين كل حرفين و كلمتين لتوجد الثانية و تتعلق بها الأولى حتى ينتظم به ما يريد إظهاره للمصلحة التي يعلمها فدل بكلامه على ما في نفسه و ما كل من سمع بسمعه عقل جميع ما أراده المتكلم أو بعضه إلا من نور الله بصيرته و لهذا قد يكون حظ السامع من كلام المتكلم ترتيب حروفه من غير أن يعقل ما أراده المتكلم بما تكلم به و يظهر ذلك في السامع إذا كان المتكلم يكلمه بغير لحنه و لغته فإنه لا يفهم منه سوى ما يتعلق به سمعه من ترتيب حروفه فهو التعلق العام من كل سامع و لكن لا يعلم ما أريدت له هذه الكلمات كذلك العالم كله لا يعرف من الموجودات التي هي كلمات الله إلا وجود أعيانها خاصة و لا يعلم ما أريدت له هذه الموجودات إلا أهل الفهم عن الله و الفهم أمر زائد على كونه مسموعا فكما ينوب العبد الكامل الناطق عن الله في إيجاد ما يتكلم به بالفصل بين كلماته إذ لو لا وجوده هناك لم يصح وجود عين الكلمة و الحرف كذلك ينوب أيضا في الفهم في ذلك مناب الحق في قوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ فوصف نفسه بأنه يبلو ليعلم في المستأنف و هذه كلها نيابة أحدية لا نيابة غير الأحدية من حيث إن لها القيومية على أعيان الموجودات بما هي الموجودات عليه من الكسب إذ هو القائم عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ و كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ أي قيدها كسبها فلو لا الحق ما تميزت الموجودات بعضها عن بعض و لكان الأمر عينا واحدا كما هو من وجه آخر مثال ذلك إن الإنسان من حيث حده الشامل لآحاده واحد العين فإن الآحاد كلها عين واحدة من حيث إنسانيتها مع علمنا بأن زيدا ما هو عين عمرو و لا عين غيره من أشخاص الأناسي فعين تمييز الحق لها وجودها و عين تمييز بعضها عن بعض فلأنفسها و لذلك لم تزد كلمة الحضرة في كل كائن عنها على كلمة كن شيئا آخر بل انسحب على كل كائن عين كن لا غير فلو وقفنا مع كن لم نر إلا عينا واحدة و إنما وقفنا مع أثر هذه الكلمة و هي المكونات فكثرت و تعددت و تميزت بأشخاصها فلما اجتمعت في عين حدها علمنا إن هذه الحقيقة وجدت كلمة الحق فيها و هي كلمة كُنْ و كن أمر وجودي لا يعلم منه إلا الإيجاد و الوجود و لهذا لا يقال للموجود كن عدما و لا يقال له كن معدوما لاستحالة ذلك فالعدم نفسي لبعض الموجودات و لبعضها تابع لعدم شرطه المصحح لوجوده و بهذه الحقيقة كان الله خلاقا دائما و حافظا دائما و لو كان على ما يذكره مخالفو أهل الحق القائلون ببقاء الأعراض لم يصح أن يكون الحق خلاقا دائما و لا حافظا على بعض الموجودات وجودها و إذا لم يزل خالقا دائما فلا يزال مع كل مخلوق هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و كنتم أمر وجودي بلا شك فلا شيء أدق من نيابة الفصل بين الكلمات لمن يعرف ما ذكرناه و أما النيابة السابعة فهي النيابة في الأفعال الظاهرة و الباطنة في وجود الإنسان و هو ما يحدثه في نفسه من الأفعال و الكوائن لا ما يحدثه في غيره و آيته من كتاب الله قوله تعالى حَتَّى نَعْلَمَ و العلم صفة له قديمة و هذا العلم الخاص الظاهر عن الابتلاء هو ما يريده بالنيابة فيه هنا فقال تعالى عن نفسه إنه يجيب الداعي إذا دعاه و أن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فوصف نفسه بأنه قاهر لكل شيء في هذه الآية فإذا ادعينا نحن الصبر على ما يكلفنا به و حمل المشقة في ذلك طاعة لله فدعوناه ثم نظرنا أثر ذلك في قلوبنا فوجدنا أنه إذا عم الدعاء ذاتنا كلها بحيث إنه لا يبقى فينا جزء له التفاتة إلى الغير حصلت الإجابة بلا شك على الفور من غير تأخير فعلمنا بهذا الاختبار صدق توجهنا لأنا قد علمنا صدقه فيما أخبر به عن نفسه و لو لا مراعاة الأدب الإلهي لكان قولنا بلوناه بما دعوناه به حتى نعلم قوله أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فإنها كلمة دعوى حتى تكون النيابة صحيحة في قوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ ثم طردنا ذلك في حق كل مدع دعوى من صادق و كاذب فنبنا عنه سبحانه في الاختبار و الابتلاء فإن كان صاحب دعوى صادقة كالرسل و من صدق في دعواه فإنه يقيم الدلالة على صدقه بما بلوناه به من طلب الدلالة كانت الدلالة ما كانت كما بلونا به الكاذب لما ادعى ما ليس له فلم يقم بوجود ما بلوناه به فقال له النائب فَإِنَّ الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ من الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها من الْمَغْرِبِ و هو أمر إمكاني فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ و قامت الحجة عليه فالابتلاء أصله الدعوى فمن لا دعوى له لا ابتلاء يتوجه عليه و لهذا ما كلفنا الله حتى قال لنا أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فقلنا بلى فأقررنا بربوبيته علينا و إقرارنا بربوبيته علينا عين إقرارنا بعبوديتنا له و العبودية بذاتها تطلب طاعة السيد فلما ادعينا ذلك حينئذ كلفنا ليبتليصدقنا فيما ادعيناه فإن قلت فما علمنا بهذا الإشهاد الميثاقي الذي ورد به الخبر فإن ذلك حظ الايمان لا حظ العقل و ليس هو بأمر ضروري فكيف يدخل في هذا الابتلاء العاقل الذي ليس بمؤمن قلنا إن العاقل أوجب على نفسه بعقله تعظيم خالقه و الموجب الله لأنه الذي وهبه ذلك العقل فقام العقل له مقام الرسول لنا فنظر العاقل بعقله في وجوده لما ذا يستند هل هو في نفسه لم يزل كذلك أو هو الذي أوجد نفسه فاستحال عنده الأمران و قد تقدم الكلام في هذا الكتاب في هذا المعنى فلما استحال ذلك عنده استند إلى موجد ما هو عينه فنظر فيما ينبغي لذلك الذي استند إليه فنزهه عن كل نعت يفضي اتصافه به إلى حدوثه و سبب ذلك قوة النفس حتى لا يتعبدها مثلها أعني ممكنا محدثا مثلها فإنه قد علم حدوثه فرأى أنه ينبغي بالدليل أن يكون واحدا لا كثيرين و رأى أنه منفي المثلية و أنه على مرتبة توجب له التعظيم و الحمد و الثناء فأوجب عليه العقل الذي هو بمنزلة الرسول عندنا تعظيم جنابه بما يستحقه مما أعطته الأدلة العقلية فأخذ في تحميده و تعظيمه و تكبيره و تنزيهه و علم ما تستحقه السيادة فعاملها به فناب عن الحق فيما أوجده في نفسه بنظره من المعرفة به و العبادة لموجده لأنه علم بنظره ذلته و افتقاره في ظهور عينه إلى مظهر بعيد عن الصفات الموجبة حدوثه فدخل في هذه النيابة كل عاقل موحد بدليله و إن لم يكن مؤمنا و هو قول النبي ص في الحديث الصحيح من مات و هو يعلم و لم يقل يقول و لا يؤمن و إنما ذكر العلم خاصة فقال و هو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة فكل موحد لله ففي الجنة يدخله الله خاصة لا غيره و يشفع المؤمنون و الأنبياء في أهل الكبائر من أهل الايمان لأن الأنبياء بعثت بالخير و هو متعلق الايمان و الموحدون الذين لم يؤمنوا لكونهم ما بعث إليهم رسول أو كانوا في فترة فهم الذين يحشر كل واحد منهم أمة وحده فإن بعث في أمة هو فيهم رسول فلم يؤمن به مع علمه بأحدية خالقه دخل النار فما يخرج منها إلا بإخراج خالقه لأن الخلود في النار لا يكون بالنص لأهل التوحيد بأي وجه حصل لهم و لم يوجد فلا يبقى في النار إلا مشرك أو معطل لا عن شبهة و لا عن نظر مستوف في النظر قوته فلم يبق في النار إلا المقلدة الذين كان في قوتهم و استعدادهم أن ينظروا فما نظروا و هذه مسألة عظيمة الفائدة صحيحة الأصل و آيتها من القرآن وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به يعني في زعمه أنه برهان و إن لم يكن برهانا في نفس الأمر فهو قد وفى وسعه فإن الله ما كلف نَفْساً إِلَّا ما آتاها و هو أمر يتفاضل فيه الناس فقال فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ هل وفى ما آتاه الله من النظر في ذلك أم لا ثم قال إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ و ليس الكافر إلا من علم ثم ستر و إن لم يعلم فما هو كافر ثم أمر نبيه أن يقول رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ هذه الفرق التي وفت النظر استطاعتها التي آتيتها فلم تصل إلا إلى التعطيل أو الشرك وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فإنهم ما تعدوا ما آتاهم الله فشفع هنا فيهم رسول الله ص من حيث لا يشعرون فإذا نالتهم السعادة بالخروج من النار و قد غفر لهم الله بسؤال الرسول فيهم إذ قال رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ حين أمره الله بذلك و ما أمره بهذا الدعاء إلا ليجيبه فأجابه في ذلك فعرفوا قدر رسول الله ص عند ذلك إذا دخلوا الجنة فينتمون إليه فيها لأنه السيد الأكبر و هذا الدعاء يعم كل من هو بهذه المثابة من وقت آدم إلى نفخة الصعق لأنه ما خصص في دعوته إلا من هذه صفته و من ينبغي أن يرحم و يغفر له و ينبغي لكل نائب منا أن يحضر في نفسه هذه الفرق و كل من له عذر من الأمم في تخلفه عن الحق الذي هو في نفس الأمر أن يقول رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فإن الله تعالى يضرب له بسهم في هذه الشفاعة فلا تغفل يا ولي عن حظك منها و لا تكن ممن غلب اليبس عليه فحجر رحمة الله إن تصيب إلا المؤمن و لم يفرق بين من يأخذها و تتناوله بطريق الوجوب ممن تتناوله من عين المنة فهذه شفاعة من الرسول و النواب لهؤلاء في الدنيا يقوم بها الحق في الآخرة لهم من حيث لا يعلمون حتى يدخلوا الجنة فإذا دخلوها رأينا فيهم العلامة التي تعطينا فيهم قبول الشفاعة الدنيوية فينبغي لكل تال إذا تلا القرآن أن يتدبره و يأخذ كل أمر أمر الله به نبيه ص أن يبلغه أو يقوله أو يعلمه فليقله في تلاوته و لا يكون حاكيا بل يكون صاحب نية و قصد و ابتهال في ذلك و أنه مأمور به من الحق إن أراد أن يكون من هذا الحزب النبوي فإن الله أخفى النبوة في خلقه و أظهرها في بعض خلقه فالنبوة الظاهرة هي التي انقطع ظهورها و أما الباطنة فلا تزال في الدنيا و الآخرة لأن الوحي الإلهي و الإنزال الرباني لا ينقطع إذ كان به حفظ العالم فجميع العالم لهم نصيب منهذا الإنزال و الوحي فمنه ما ذكره مثل قوله وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ و قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ و قال الهدهد لسليمان ع أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ به و قد قال النبي ص في المجتهدين ما قال و ما فرض لهم الإصابة في كل ما اجتهدوا فيه و إنما فرض لهم الأجر في ذلك أصابوا أم أخطئوا و فضل بين المصيب و المخطئ في الأجر و هذه نيابة عجيبة رفيعة المقدار لا يعلمها كل أحد و أما النيابة الثامنة التي شفعت وترية الحق من حيث إنه تعالى مجلى لها و هي مجلى له فهو ينظر نفسه فيها نظر كمال و هي تنظر نفسها فيه نظر كمال و ذلك راجع إلى ما هو عليه الحق تعالى من الأسماء الإلهية فلا تظهر هذه الصورة إلا في مرآة الإنسان الكامل الذي هو ظله الرحماني فنصب له عرشا استوى عليه على التقابل من عرشه المنسوب إليه بحكم الاستواء عليه و مثاله ما وصف الحق به أهل الجنة مُتَّكِئِينَ ... عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ أي يقابل بعضهم بعضا و الاتكاء الاعتماد بصفة الجبروت فاتكاء الحق عليه فيما ظهر من الحق و بطن من الإنسان الكامل فإنه يعلو على متكئه و الإنسان الكامل يتكي أيضا على ربه فيما يظهر به الإنسان من النيابة حين يبطن الحق فيها فتنسب المشاهدة و ما يشهد إلى الشاهد لا إلى أمر آخر كما ينسب في حضرة الأفعال الفعل بالعوائد إلى المخلوق و الحق مبطون فيه و ينسب الفعل بخرق العادة إلى الله لا إلى المخلوق لأنه خارج عن قدرة المخلوق فيظهر الحق و إن كان لا يظهر إلا في الخلق و إنما ثنى الخلق وجود الحق لأن كل حقيقة تعقل للحق لا تعقل مجردة عن الخلق فهي تطلب الخلق بذاتها فلا بد من معقولية حق و خلق لأن تلك الحقيقة الإلهية من المحال أن يكون لها تعلق أثري في ذات الحق و من المحال أن تبقي معطلة الحكم لأن الحكم لها ذاتي فلا بد من معقولية الخلق سواء اتصف بالوجود أو بالعدم فإن ثبوت عينه في العدم به يكون التهيؤ لقبول الآثار و ثبوته في العدم كالبزرة لشجرة الوجود فهو في العدم بزرة و في الوجود شجرة

ثبوت العين في الإمكان بزرو لو لا البزر لم يك ثم نبت
ظهوري عن ثبوتي دون أمرإلهي محال حين كنت

و إذ و الأمر على ما ذكرناه فما في العلم إلا الشفع و هو تثنية الجمع لأن الحقائق الإلهية كثيرة و المحققات على قدرها أيضا فثنت المحققات الحقائق في العلم و إن لم تتصف بالوجود العيني

فلو لا ثبوت العين ما كان مشهوداو لا قال كن كونا و لا كان مقصودا
فما زال حكم العين لله عابداو ما زال كون الحق للعين معبودا
فلما كساه الحق حلة كونهو قد كان قبل الكون في الكون مفقودا
تكونت الأحكام فيه بكونهفما زال سجادا فقيدا و موجودا

و لما ظهر حكم تثنية الأمر المعلوم في نفسه لم يصح إلا بالمثلية لا غيرها لأنه لو لم يكن مثلا ما عمه بذاته و لا قابلة و ليس إلا الإنسان الكامل أو مجموع العالم بالإنسان فالإنسان لا بد منه فلنقتصر عليه و حكم الثبوت بين الله و الإنسان الكامل خلاف حكم الوجود فبحكم الوجود يكون الإنسان هو الذي ثنى وجود الحق و ليس لحكم الثبوت هذا المقام فإن الحق و الخلق معا في الثبوت و ليس معا في الوجود فلما كان الأمر في الثبوت على السواء أعطيناه صورة الاعتدال و عدم الميل إلى أحد الجانبين و هذه هي المنزلة الرفيعة المنار العامة الآثار فإذا ظهر الحق في الصور لم تقم المثلية الاعتدالية فكان المثل بحسب الصورة المتجلي فيها فإن كانت صورة روحية ينسب إليها ما هي عليه الأرواح من الحكم و إن كانت صورة جسمية ينسب إليها ما هي عليه صور الأجسام الظاهرة من الحكم و هو اتصافه بالأوصاف الطبيعية من تغير الأحوال في الغضب و الرضي و الفرح و النزول و الهرولة فإذا أثبت لك الحق عن نفسه أمرا ما فانظر فيما أثبته لأي صورة هو فاحكم عليه بحكم ما هو به لتلك الصورة و ما ثم إلا مثل أو غير مثل فهذا حكم هذه النيابة الثامنة قد استوفيناه و أما النيابة التاسعة فهي الظهور في البرزخ المعقول الذي بين المثلين و هو الفصل الذي يكون بين الحق و الإنسان الكامل فإن هذا الفصل أوجب تميز الحق من الخلق فينظر بمن هو أليق و موضعه في ضرب المثال الظل الذي في الشخص للمتد عنه الظل الممدود فالظل القائم به بين الشخص و الظل الممدود المنفصل عنه ذلك هو البرزخ و هو بالشخص القائم ألصق فهو بهأحق فبالحق كان ميز الخلق عنه لا بالخلق يميز الحق عنه لأن الخلق متلبس بنعوت الحق و ليس الحق متلبسا بالخلق و لذلك كان ظهور الخلق بالحق و لم يكن ظهور الحق بالخلق لكون الحق لم يزل ظاهرا لنفسه فلم يتصف بالافتقار في ظهوره إلى شيء كما اتصف الخلق بالافتقار في ظهوره لعينه في عينه إلى الحق و نريد بالخلق هنا الإنسان الذي له المثلية لا غيره فإن هذا الفصل وقع بين المثلين فللفصل حكم المثلين بلا شك لأنه يقابل كل مثل بذاته و لولاه لما تميز المثل عن مثله و مثليتك له قوله وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ و قوله وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ... لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا بإعطاء كمال الإنسانية و هو الصورة لبعضهم و هم الذين رفعهم الله و المرفوع عليهم هم الأناسي الحيوانيون و مثليته لك أن جعل نفسه لك وكيلا فيما هو حق لك فيتصرف فيه عنك بحكم الوكالة المطلقة المفوضة الدورية فإن وكالة الحق لا بد أن تكون دورية اعتناء من الله بعبده لأنه خلقه صاحب غفلات و نسيان و الغفلة و النسيان أحوال تطرأ على هذه النشأة الإنسانية و الأحوال لها الحكم مطلقا في كل من اتصف بالوجود لا أحاشي موجودا من موجود فإذا غفل الإنسان في حركة ما من حركاته فتصرف فيها بنفسه فذلك التصرف النفسي عزل الحق عن الوكالة فإذا كانت الوكالة دورية كان كل ما انعزل الحق عن هذه الوكالة بالتصرف النفسي ولي الأمر فلم يتصرف إلا الله فإن الله أمرك أن تتخذه وكيلا في سورة المزمل فهذه فائدة الوكالة الدورية و هي عن أمره تعالى عبده و جعلها في التوحيد فقال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا إشارة إلى التصرف في الجهات و ما ذكر منها إلا المشرق و هو الظاهر و المغرب و هو الباطن و بالعين الواحدة التي هي الشمس إذا طلعت أحدثت اسم المشرق و إذا غربت أحدثت اسم المغرب و للإنسان ظاهر و باطن لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا في ظاهرك و باطنك فإنه رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ فانظر ما أعجب القرآن و هذه النيابات كلها التي ذكرناها و نذكرها نيابات توحيد لا غير ذلك فإن ظهرت أنت لم يكن الظاهر إلا هو و إن لم تظهر فهو هو إذ الواحد لا ينقسم في نفسه إلا بالحكم و النسب و هو تعالى ذو أسماء كثيرة فهو ذو نسب و أحكام فأحديته بنا أحدية الكثرة و العين واحدة و لهذا ينسب الظهور لنا في وقت و ينسب إليه في وقت و يضاف إليه في حكم و يضاف إلينا في حكم فقد تبين لك أن عين ما قام فيه الإنسان عين ما قام فيه الحق بين ظاهر و باطن فإذا ظهر من ظهر بطن الآخر و كانت النيابة للظاهر عن الذي بطن و كانت النيابة للذي بطن فيما بطن فيه عن الذي ظهر فلا يزال حكم الخلافة و الوكالة و هي خلافة و نيابة دائما أبدا دنيا و آخرة فإن الحق كُلَّ يَوْمٍ من أيام الأنفاس هُوَ في شَأْنٍ ما وكلته فيه فإنه لك يتصرف و لك يصرف فيما استخلفك فيه فأنت تتصرف عن أمر وكيلك فأنت خليفة خليفتك كما أنه ملك الملك بالوكالة فهذا عين ما هو الوجود عليه و ما بيننا و بين الناس فرق في ذلك في نفس الأمر إلا أني أعرف و هم لا يعرفون ذلك لأجل الأغطية التي على عين بصيرتهم و الأكنة و الأقفال التي على قلوبهم و فيها و أما النيابة العاشرة فهي نيابة توحيد الموتى فإنه بالموت تنكشف الأغطية و يتبين الحق لكل أحد و لكن ذلك الكشف في ذلك الوقت في العموم لا يعطي سعادة إلا لمن كان من العامة عالما بذلك فإذا كشف الغطاء فرأى ما علم عينا فهو سعيد و أما أصحاب الشهود هنا فهو لهم عين و عند كشف الغطاء تكون تلك العين لهم حقا فينتقل أهل الكشف من العين إلى الحق و ينتقل العالم من العلم إلى العين و ما سوى هذين الشخصين فينتقلون من العمي إلى الأبصار فيشهدون الأمر بكشف غطاء العمي عنهم لا عن علم تقدم فلا بد من مزيد لكل طائفة عند الموت و رفع الغطاء و لهذا قال من قال من الصحابة لو كشف الغطاء فأثبت لك أن ثم غطاء ثم قال ما ازددت يقينا يعني فيما علم إذا عاينه فلا يزيد يقينا في العلم لكن يعطيه كشف الغطاء أمرا لم يكن عنده فيصح قوله ما ازددت يقينا في علمه إن كان ذا علم و في عينه إن كان ذا عين لا أنه لا يزيد بكشف الغطاء أمرا لم يكن له إذ لو كان كذلك لكان كشف الغطاء في حق من هذه صفته عبثا معرى عن الفائدة

و لكن للعيان لطيف معنى لذا سأل المعاينة الكليم

فما كان الغطاء إلا و وراءه أمر وجودي لا عدمي فهذه النيابة عن الحق للعبد في البرزخ فيقوم حاكما بصورة حق و نيابة في عالم الخيال فيكون له عليه سلطان في هذه الدار الدنيا فيجسد ما شاء من المعاني للناظر و قد نال من هذه السلطنةحظ قريبا هل السحر الذين قال الله فيهم يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي إلى موسى من سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى و ليست بساعية في نفس الأمر و هي ساعية في نظر موسى و نظر الحاضرين إلا السحرة فإنهم يرونها حبالا و الغريب لو ورد لرآها كما يراها الساحر بخلاف من له النيابة على عالم الخيال و في حضرته كموسى فإنه لا يرى ما يجسده من المعاني جسدا كما جسدوه و يراه هو معنى إنما ذلك للساحر لعدم قوته و ما بين الساحر و بين صاحب هذه النيابة كموسى إلا كون الحق جعله نائبا عنه و اتخذه موسى وكيلا فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ عن أمر حق و هو أمر موكله فقال له أَلْقِ عَصاكَ فرآها حية فخاف و أخبر عن السحرة أنهم فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ لا عن أمر إلهي بل عن حكم أسماء كانت عندهم لها في عيون الناظرين خاصية النظر إلى ما يريد الساحر إظهاره فله بتلك الأسماء قلب النظر لا قلب المنظور فيه و بالأمر الإلهي قلب المنظور فيه فيتبعه النظر فالنظر ما انقلب في حق النائب و الفعل في النظر و في المنظور فيه لم يكن إلا بعد الإلقاء فلما خرج عن ملك من ألقاه تولى الله قلب المنظور في حق النائب و قلب النظر في حق من ليس بنائب و له علم هذه الأسماء التي هي سيميا أي علامات على ما ظهر في أعين الناظرين فالعموم عند كشف الغطاء بالموت و انتقالهم إلى البرزخ يكونون هنالك مثل ما هم في الدنيا في أجسامهم سواء إلا أنهم انتقلوا من حضرة إلى حضرة أو من حكم إلى حكم و العارفون نواب الحق لهم هذا الحكم في الحياة الدنيا و إنما كانت النيابة هنا نيابة توحيد لأنه لا يظهر الحكم إلا بعد الإلقاء و هو أن يخرج الأمر من ملك الملقي فيتولاه الله بحكم الوكالة في حق النائب و بحكم الحقيقة في حق الساحر للغيرة الإلهية فلا يكون حكم في الأشياء إلا لله و بقي لصاحب هذه النيابة في هذه الحضرة التصرف دائما كما ذكرناه المسمى في العامة كرامات و آيات و خرق عوائد و هي عند المحققين ليست بخرق عوائد بل هي إيجاد كوائن لأنه ما ثم في نفس الأمر عوائد لأنه ما ثم تكرار فما ثم ما يعود و هو قوله في أصحاب العوائد بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ يقول إنهم لا يعرفون أنهم في كل لحظة في خلق جديد فما يرونه في اللحظة الأولى ما هو عين ما يرونه في اللحظة الثانية و هم في لبس من ذلك فلا إعادة فلا خرق هكذا يدركه المحققون من أهل الله و ليس الأمر إلا كما ذكرناه فإنه بهذا يكون الافتقار للخلق دائما أبدا و يكون الحق خالقا حافظا على هذا الوجود وجوده دائما بما يوجده فيه من خلق جديد لبقائه

فانظر فديتك فيما قد أتيت بهفالعلم يدرك ما لا يدرك البصر
فرجال العلم أولى بالعبرو رجال العين أولى بالنظر
فالذي يوصف بالعقل لهقوة تخرجه عن البصر
و الذي يوصف بالكشف لهصورة تسمو على كل الصور
فتراه دائما في حالهظاهرا من غير إلى غير

فيتصرف النائب في هذه الأغيار الخيالية كما يريد و يشاء و لكن عن أمر وكيله لجهل الموكل بالصالح التي يعرفها الوكيل في التصريف فإن غلط و تصرف عن غفلة بغير أمر الوكيل فإن الله يحفظ عليه وقته لكون الوكالة كما قلنا دورية و لكن مع هذا الحفظ الذي ذكرناه لا تكون الصورة الواقعة عن تصريف الغفلة تبلغ من الدرجة مبلغ الصورة التي تكون عن تصريف الوكيل الذي صرف فيه هذا النائب لتتميز المراتب و يعلم الرفيع و الأرفع و اعلم أن هذه المرتبة التي هي هذه النيابة الخاصة لا تكون إلا بالموت و الموت على قسمين موت اضطراري و هو المشهور في العموم و العرف و هو الأجل المسمى الذي قيل فيه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون و الموت الآخر موت اختياري و هو موت في حياة دنياوية و هو الأجل المقضي في قوله تعالى ثُمَّ قَضى أَجَلًا و لما كان هذا الأجل المقضي معلوم الوقت عند الله مسمى عنده كان حكمه في نفسه حكم الأجل المسمى و هو قوله عز و جل كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني في حاله و لا يموت الإنسان في حياته إلا إذا صحت له هذه النيابة فهو ميت لا ميت كالمقتول في سبيل الله نقله الله إلى البرزخ لا عن موت فالشهيد مقتول لا ميت و لما كان هذا المعتنى به قد قتل نفسه في الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس رزقه الله حكم الشهادة فولاه لنيابة في البرزخ في حياته الدنيا فموته معنوي و قتله مخالفة نفسه و قد جئنا على ما ذكرناه أولا من ذكرنا هذه النيابات العشرة التي هي أمهات و أما ما تتضمنه كل نيابة من فعل كل ما لا يصلح إلا بنيابة فكثير لا يحصى و للهالحمد و المنة على ما أعطى و مما يتعلق بهذا الباب نور توحيد الذات و اعلم أنه لما كان في قوة الواحد أحدية كل موجود و معلوم و معدود ظهر جميع ما ظهر من العالم من مجموع و مفرد و في العالم من تقسيم عقلي في المعلومات بأحدية تخصه و أعطتها ذلك أحدية الذات الواهبة لوجود ما وجد و الواهبة علم ما علم من المعلومات فالأحدية ظاهرة في الآحاد خفية في المجموع فأحدية الذات في الآحاد و البسائط و أحدية المجموع في المركبات و هي المعبر عنها في الإلهيات بلسان الشرع بالأسماء و في العقول السليمة بالنسب و في العقول القاصرة النظر بالصفات و أبين ما يظهر فيه حكم الواحد في العدد لأنه بالواحد يظهر العدد و ينشأ على الترتيب الطبيعي من الاثنين إلى ما لا يتناهى و بزوال الواحد منه يزول فالمعلول لو لا علته ما ظهرت له عين و العالم لو لا الله ما وجد في عينه و أعطى سبحانه اسم الذات لنفسه و اسم النفس لما يحمل اسم النفس من التذكير و التأنيث كما قال تعالى أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله الآية فأنث فقال بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي بكاف مكسورة خطاب المؤنث آياتي فَكَذَّبْتَ بِها بتاء مفتوحة خطاب المذكر و العين واحدة فإن النفس و العين عند العرب يذكران و يؤنثان و ذلك لأجل التناسل الواقع بين الذكر و الأنثى و لذلك جاء في الإيجاد الإلهي بالقول و هو مذكر و الإرادة و هي مؤنثة فأوجد العالم عن قول و إرادة فظهر عن اسم مذكر و مؤنث فقال إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ و شيء أنكر النكرات و القول مذكر إِذا أَرَدْناهُ و الإرادة مؤنثة أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فظهر التكوين في الإرادة عن القول و العين واحدة بلا شك فبنور توحيد الذات ظهرت جميع المحدثات علوا و سفلا و حسا و معنى و مركبا و مفردا فسرت الأحدية في كل شيء فما ثم إلا واحد و ما ظهر أمر إلا به و منه و فيه ففيه من حيث ما للنفس من التأنيث و به من حيث ما للنفس من التذكير و التأنيث و منه من حيث ما للنفس من التذكير فعين واحدة فاعلة منفعلة و الانفعال ما ظهر في الأعيان من الموجودات و المعلومات المعقولة و إن لم يوجد لها أعيان ثم جعل التوليد في الحيوانات بل في ما يقبل الولادة على ثلاثة أضرب ف يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً مراعاة لمحل التكوين وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ مراعاة للملقي أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً مراعاة للمجموع فإن زوجهم إناثا أو ذكرانا أو ذكرا و أنثى فلوجود الجمع المؤذن بما في الأصل من جمع النسب وَ يَجْعَلُ من يَشاءُ عَقِيماً لمن لا يقبل الولادة كأسماء التنزيه فما في الوجود أحدية إلا أحدية الكثرة و ليست إلا الذات و الألوهة لهذه وصف نفسي لأنه لذاته هو و لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فافهم فلهذا قلنا أحدية المجموع أو أحدية الكثرة فإن قلت فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فقلنا هذا لا يقدح في أحدية الكثرة فإن كونه ذاتا ما هو كونه غنيا فمعقول الذات خلاف معقول نعتها بالغنى فأنت في هذا الاعتراض مثبت لما تريد نفيه فقويت قولي و أعظم من هذه النسبة إلى الإله فما ثم و أزيدك أمرا آخر في هذه المسألة و هو أن الله و إن كان في ذاته غنيا عن العالمين فمعلوم أنه منعوت بالكرم و الجود و الرحمة فلا بد من مرحوم و متكرم عليه و لهذا قال تعالى وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فأجاب الداعي سبحانه جودا و كرما و لا شك أن السؤال بالأحوال أتم من السؤال بالقول و الإجابة أسرع للسائل بالحال لأنه سائل بذاته و الجود على المضطر المحتاج أعظم في نفس الأمر من الجود على غير المضطر و الممكن في حال عدمه أشد افتقارا إلى الله منه في حال وجوده و لهذا لا تصحب الممكن دعوى في حال عدمه كما تصحبه في حال وجوده فإفاضة الوجود عليه في حال عدمه أعظم في الجود و الكرم فهو تعالى و إن كان غنيا عن العالمين فذلك تنزيه عن إن يقوم به فقر أو يدل عليه دليل غير نفسه فأوجد العالم من وجوده و كرمه و هذا لا يشك فيه عاقل و لا مؤمن و إن الجود له نعت نفسي فإنه جواد كريم لنفسه فلا بد من وجود العالم و ما حكم العلم بكونه يستحيل عدم كونه فلا بد من نسب أو صفات على مذهب الصفاتيين أو أسماء على مذهب آخرين فلا بد من الكثرة في العين الواحدة فلا بد من أحدية الكثرة على كل وجه من كل قائل بنسبة أو صفة أو اسم فليست أنوار الذات بشيء سوى الموجودات و هي سبحات الوجه لأنها عين الدلالة عليه سبحانه لنا و لهذا قال ص من عرف نفسه عرف ربه فجعل نفس العارف إذا عرفها العارف دليلا على معرفة الله و النور دليل على نفسه و على ما يظهره للعين فبنور الموجودات ظهرت الموجودات و ظهر موجدها لها فما علمته إلا منها فهو المطلوب لها و الطلب يؤذن بالافتقار في حق المحدثات و هو المطلوب فهو الغني فمن كونه مطلوبالها صح افتقارها إليه و صح غناه عنها فقبوله عليها قبول جود و كرم فالسبحات الوجهية انتشرت على أعيان الممكنات و انعكست فأدرك نفسه و أنوار الشيء لا تحرقه و الممكن في حال عدمه لا يقبل الحرق فلو اتصف بالوجود احترق وجوده لرجوع الوجود إلى من له الوجود فبقيت الممكنات على حقيقة شيئية ثبوتها و ظهر بالسبحات الوجهية كثرة الممكنات في مرآة الحق أدركها الحق في ذاته بنوره على ما تستحقه الممكنات من الحقائق التي هي عليها فذلك ظهور العالم و بقاؤه فالحكمة في النظر و في كيفية ما يدركه البصر و ما ذا يدرك و من يدرك و الله الموفق

ففي الحق عين الخلق إن كنت ذا عينو في الخلق عين الحق إن كنت ذا عقل
فإن كنت ذا عين و عقل معا فماترى غير شيء واحد فيه بالفعل
فإن خيال الكون أوسع حضرةمن العقل و الإحساس بالبذل و الفضل
له حضرة الأشكال في الشكل فاعتبرتراه يرد الكل في قبضة الشكل
فإن قلت كل فهو جزء معينو إن قلت جزء قام للكل بالكل
فما ثم مثل غيره متحققبموجده فهو الممثل للمثل
فعلمي به أحلى إذا ما طعمتهو أشهى إلى أذواقنا من جنى النحل

و هنا يظهر لك توحيد الإلحاق فإن الرائي لما ظهرت أعيان الممكنات في مرآة ذاته أدركها في نفسه بنوره فلحق المرئي بالرائي حيث أدركه في ذاته و هو واحد في الوجود لأن الممكنات المرئية منعوتة في هذه الحالة بالعدم فلا وجود لها مع ظهورها للرائي كما ذكرناه فسمى هذا الظهور توحيد إلحاق أي ألحق الممكن بالواجب في الوجوب فأوجب للممكن ما هو عليه الواجب لنفسه من النسب و الأسماء فله الإيجاد على الإطلاق ما عدا نفسه تعالى و للخيال الإيجاد على الإطلاق ما عدا نفسه فالخيال موجد لله عز و جل في حضرة لوجود الخيالي و الحق موجد للخيال في حضرة الانفعال الممثل

فالكل يدخل تحت الحصر أجمعهو ليس ثم سوى من ليس يمتنع
فأعجب لمنفعل في ذات فاعلهيكن بها فاعلا و الكل قد جمعوا
على وجود الذي قلناه من عجبو كلهم بالذي جئنا به قطعوا

و إذا ثبت إلحاق الخيال في قوة الإيجاد بالحق ما عدا نفسه فهو على الحقيقة المعبر عنه بالإنسان الكامل فإنه ما ثم على الصورة الحقية مثله فإنه يوجد في نفسه كل معلوم ما عدا نفسه و الحق نسبة الموجودات إليه مثل هذه النسبة فتوحيد الإلحاق توحيد الخيال مع كونه من الموجودات الحادثة إلا أن له هذا الاختصاص الإلهي الذي أعطته حقيقته فما قبل شيء من المحدثات صورة الحق سوى الخيال فإذا تحققت ما قلناه علمت أنه في غاية الوصلة و هذا يسمى توحيد الوصلة و الاتصال و الوصل كيف شئت قل فلم يفرق في هذا التوحيد بين المثلين إلا بكونهما مثلين لا غير فهما كما قال القائل

رق الزجاج و رقت الخمرفتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر و لا قدحو كأنما قدح و لا خمر

فمن شدة الاتصال يقول هو هو ظهر في موطنين معقولين لو لا الموطنان ما عرفت ما حكمت به من التمييز بين المثلين فما خرج شيء من الموجودات عن التشبيه و لهذا قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فأتى بكاف الصفة ما هي الكاف زائدة كما ذهب إليه بعض الناس ممن لا معرفة له بالحقائق حذرا من التشبيه فنفى إن يماثل المثل غير من هو مثله فنفى المثل عن مثل المماثل نفي المثل عن المماثل فهذه أنوار مندرجة بعضها في بعض

مثل اندراج المثل في المثلفي صورة العين و في الشكل
و هو على التحقيق في ذاتهمثل اندراج الظل في الظل

فهنا قد ذكرنا شيئا يسيرا مما يحوي عليه هذا المنزل و فيه من العلوم سوى ما ذكرناه علم منزلة علم الله من الله و أينهي من منزلة غيره من الصفات المنسوبة إليه و لم يزاحمها في الموجودات و فيه علم الفرض المنزل و أين هو من علم الفرض المستنبط من المنزل و فيه علم الأدلة و البراهين العقلية التي تحكم على موجدها بما تستحقه و تصديقه إياها سبحانه فيما حكمت به عليه فإن الله ما نصب بعض الآيات إلا لأولي الألباب و هم الذين يعقلون معانيها بما ركب فيهم سبحانه من القوة العقلية و جعل نفس العقل للعقل آية و أعطاه القوة الذاكرة المذكرة التي تذكره ما كان تجلى له من الحق حتى عرفه شهودا و رؤية ثم أرسل حجب الطبيعة عليه ثم دعاه إلى معرفته بالدلالات و الآيات و ذكره إن نفسه أول دلالة عليه فلينظر فيها و فيه علم الحدود التي توجب للناظر العاقل الوقوف عندها فللظاهر حد و للباطن حد و للمطلع حد و للحد حد فمن وقف عند حد نفسه فأحرى إن يقف عند حد غيره فهذا الحد قد عم كل ما ذكرناه و ما هو الوجود عليه و لو لا الحدود ما تميزت المعلومات و لا كانت معلومات و لذلك لعن الله على لسان رسوله من غير منار الأرض يعني الحدود و لما اجتمع المثلان لأنفسهما و لم يتوقفا على تعيين موجدهما توجهت عليهما الأسماء الإلهية الحسنى بمائة درجة جنانية تحجبها مائة دركة جهنمية على مرائي من أهل الكشف فسعدا بهذا الاجتماع الذي أوجب لهما توجه العالم الأخراوي برمته و فيه علم اجتماع المثلين في الحكم النفسي و إلا فليسا بمثلين و فيه علم ما يشرك به الشيء من ليس مثله فهو مثله من ذلك الوجه الذي أشركه فيه خاصة و ينفصل عنه بأمور أخر له فيها أمثال فما ثم معلوم ما له مثل جملة واحدة فما ثم إلا أمثال و أشباه و لذلك ضرب الله الأمثال و نهى عن ضربنا الأمثال له و علل فقال إِنَّ الله يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فمن علمه الحق ضرب الأمثال ضربها على علم فلا يضرب الأمثال إلا العلماء بالله الذين تولى الله تعليمهم و ليس إلا الأنبياء و الأولياء و هو مقام وراء طور العقل يريد أنه لا يستقل العقل بإدراكه من حيث ما هو مفكر فإن الذي عند العقل من العلم بالله من حيث فكره علم التنزيه و ضرب الأمثال تشبيه و موضع التشبيه من ضرب المثل دقيق لا يعرفه إلا من عرف المشبه و المشبه به و المشبه به غير معروف فالأمر الذي لتحقق منه ضرب المثل له مجهول فالنظر فيه من حيث الفكر حرام على كل مؤمن و هو في نفس الأمر ممنوع الوصول إليه عند كل ذي عقل سليم و فيه علم التربيع من حيث الشهود و فيه علم السبب الذي لأجله طلب من المدعي الدلالة على ما ادعاه و ذلك لأنه يريد التحكم بما ادعاه و التحكم صفة إلهية و المدعي فيه معنى الغيب و الشهادة فالشهادة ثابتة بعينها و لو لم يدعها لأغنى عينها فيه عند المشاهد عن الدعوى و الغيب يحتاج معه إلى إقامة البينة على ما ادعى و يعترض هنا أمر عظيم و هو المعترف بأمر يوجب الحد و اعترافه على نفسه دعوى و لا يطالب ببرهان بل تمضى فيه الحدود فقد خرج هذا المدعي بدعواه عن ميزان ما تطلبه الدعوى بحقيقتها و أما التحكم من المعترف بما ادعاه و إن كان كاذبا على نفسه في دعواه فإنه قد تحكم فيك إن تقيم عليه الحد الذي يتضمنه ما اعترف به و هنا دقائق تغيب عن أفهام أكثر العارفين فإن المعترف قد يكذب في اعترافه ليدفع بذلك في زعمه ألما يعظم عنده على الألم الذي يحصل له من الاعتراف إذا أقيمت عليه حدوده و ذلك لجهله بما يؤول إليه أمره عند الله في ذلك و لجهله بما لنفسه عليه من الحق و الله يقول إنا لا نصلح منك شيئا أفسدته من نفسك فالحقوق و إن عظمت فحق الله أحق و يليه حق نفسك و ما خرج عن هذين الحقين فهين الخطب و فيه علم من اتخذ الله دليلا في أي موطن يتخذه و ما دعواه التي توجب له ذلك و فيه علم الآداب الإلهية و معرفة المواطن التي ينبغي أن يستعمل فيها و أكثر ما يظهر ذلك في باب الايمان بالله و فيه علم المواخاة بين الفضل الإلهي و الرحمة و هل بين الآلام و الرحمة مؤاخاة أم لا من باب دفع ألم كبير بألم دونه و فيه علم الأمر الذي يكرهه الطبع و يحمده الحق و ما يغلب من ذلك و من يجني ثمرة ذلك الكرة و مرارة تلك الفظاعة ذوقا و فيه

علم تصريف الحكمة الإلهية في النوع الإنساني خاصة دون سائر المخلوقات و فيه علم ما ينبغي أن يكون عليه العاقل إذا رأى في الوجود ما يقضي له العقل بالوقوف عنده و العدول عما في الأخذ به من مذام الأخلاق و فيه علم ما لا يعلمه الإنسان في زعمه و هو في نفس الأمر على خلاف ذلك كيف يعلمه الله هل يعلمه كما هو عليه في نفسه أو كما هو في علم هذا العالم في زعمه و هي مسألةصعبة في الشرع و أما في العقل فهي هينة الخطب و فيه علم ما يعظ به العالم من هو دونه و تربية الشيخ للتلميذ الإلهي و فيه علم ما ينفي أن يكون في المعلوم ضدان من جميع الوجوه جملة واحدة من غير إن يكون بينهما مثلية بوجه ما و فيه علم ما تنتجه مؤاخاة الصفات المثلية الإلهية في الكون و فيه علم الرمي المحسوس و المعنوي و ما يقع فيه الاشتراك و ما لا يقع فيه اشتراك من ذلك و فيه علم نسبة الكلام إلى كل صنف صنف من المخلوقات كلها و فيه علم ألفة النسب و هل يقع بين المتناسبين افتراق معنوي أم لا و فيه علم التصرف في الخلأ و هل يصح تصرف في الملإ أم لا و هل في العالم خلاء أو هو كله ملأ و حكمة وجود الأجسام مختلفة فيما يقبل الخرف منها بسهولة و ما لا يقبل الخرق إلا بمشقة و ما شف منها و ما لم يشف و ما لطف منها و ما كثف و قوة الألطف على الأكثف حتى يزيله و يخرقه و فيه علم حكمة التحيز في العالم دنيا و آخرة و فيه علم هل للبصر أثر في المبصر أم لا و فيه علم ما يحفظ به الخرق بين الشيئين حتى لا يلتئما و فيه علم لفاعل و المنفعل خاصة لا الانفعال و فيه علم الاستعدادات التي يقبل صاحبها التعليم ممن لا يقبله و إذا رأى الشيخ ذلك هل يبقى على تعليمه و تربيته أم يقصر في ذلك أو يتركه رأسا فمن الناس من يرى أنه يتركه أو يقصر في أمره حتى يتركه التلميذ من نفسه و منهم من يقول إن الشيخ يبذل المجهود في تعليم من يعلم منه أنه لا يقبل و ما عليه إلا ذلك فيوفي حق ما يجب عليه و لا يلزمه إلا ذلك فإنه ليس بمضيع زمانا في ذلك و هذا هو الحق عند الأكابر و معاملة الحق بما تستحقه الربوبية و قد جاء في الشرع المطهر لأزيدن على السبعين و أما التبري منه بعد البيان فلا يناقض التعليم و الإرشاد و إن لم يقبل فإنه و إن تبرأ منه في قلبه و في الدعاء له فلا يتبرأ مما بعث به فله إن يقول و يعلم ما يلزمه إلا هذا و رأينا جماعة من أهل الله على خلاف هذا و هو غلط عظيم و فيه علم نيابة هاء الهوية عن هاء التنبيه و كم مرتبة لها في العلم الإلهي و فيه علم ما يذهب الفقر من النكاح و به كان يقول أبو العباس السبتي صاحب الصدقة بمراكش رأيته و عاشرته فرأيته و جاءه إنسان يشكو الفقر فقال تزوج فتزوج فشكا إليه الفقر فقال تزوج أخرى فتزوج اثنين فشكا إليه الفقر فقال له ثلث فثلث فشكا إليه الفقر فقال له ربع فربع فقال الشيخ قد كمل فاستغنى و وسع الله في رزقه و لم يكن في نسائه اللاتي أخذهن من عندها شيء من الدنيا فأغناه الله و فيه علم الاسترقاق الكوني و التخلص منه و ما لمن يسعى في تخليص الإنسان من رق الأمثال له و هل يوازن فك العاني حرية العبد أم لا و فيه علم مقامات رجال الله و فيه علم ما يجتمع فيه خلق الله و فيه علم الآثار العلوية و فيه علم الكون و الفساد و فيه علم الحيوان و فيه علم الاستجلاب و الاستنزال و فيه علم ما يحتاج إليه النواب و فيه علم أحكام المكلفين و بما ذا يتعلق التكليف و فيه علم رفع الحرج من العالم في حق هذا العالم به مع وجود الحرج في العالم و فيه علم إلحاق الأجنبي بالرحم و فيه علم من لم ير غير نفسه في شهوده ما حكمه في ذلك في معاملته نفسه و فيه علم الاختيار و الجبر و فيه علم ما يعطيك العلم بكل شيء و هو العلم الإلهي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«انتهى النصف الأول من الجزء الثالث من الفتوحات المكية و يليه النصف الثاني أوله الباب الأحد و الستون و ثلاثمائة في معرفة منزل الاشتراك مع الحق في التقدير»